يمنيون يجوبون شوارع صنعاء بحثاً عن أبنائهم المختطفين

الميليشيات تستهدف صغار السن لسهولة غسل أدمغتهم بأوهام متطرفة

طفل يمني في صنعاء يحمل سلاحاً (أ.ف.ب)
طفل يمني في صنعاء يحمل سلاحاً (أ.ف.ب)
TT

يمنيون يجوبون شوارع صنعاء بحثاً عن أبنائهم المختطفين

طفل يمني في صنعاء يحمل سلاحاً (أ.ف.ب)
طفل يمني في صنعاء يحمل سلاحاً (أ.ف.ب)

«لم أعد أقوى على الوقوف أو الحركة من شدة البكاء، ولم أعد قادرة على سماع مزيد من التطمينات غير المجدية ممن حولي، فقط أُريد أن أرى فلذة كبدي أمامي على قيد الحياة». بهذه العبارة اختصرت أم سليمان قصة حزن عميق ومعاناة مرت بها منذ أسبوع من اختفاء ابنها سليمان البالغ من العمر 20 عاماً بصورة غامضة من إحدى حارات صنعاء.
أم سليمان التي تسكن وعائلتها في حي كبير بصنعاء تؤكد اختفاء ابنها «قبل أسبوع، حين خرج سليمان من المنزل في الصباح ليحضر عرس أحد أصدقائه في الحارة المجاورة لحارتنا، وحتى اليوم لم يعد ابني إلى المنزل ولا نعرف إلى أين ذهب، بحثنا عنه في كل مكان لدى أهلنا ومعارفنا وفي منازل أصدقائه»، تقول أم سليمان: «حتى المراكز الصيفية التي كان والده يتوقع أنه قد انضم إلى أحدها، لكن ذلك كله باء بالفشل ولم نعرف له أي مصير أو أثر».
حال أم سليمان لا يختلف كثيراً عن عشرات وإن لم تكن مئات الأمهات اللاتي فجعن مرات عدة باختطاف الميليشيات الحوثية لأبنائها، حيث قدرت آخر إحصائية رسمية كشف عنها وزير حقوق الإنسان اليمني الدكتور محمد عسكر، عن خطف وتجنيد الجماعة الحوثية منذ انقلابها لأكثر من 30 ألف طفل واستخدامهم كوقود في معاركها القتالية.
والد سليمان، ناله أيضاً نصيب من المعاناة جراء فقدان ابنه، فقد أكد في حديثه مع «الشرق الأوسط» أنه عانى وما زال يعاني مرتين، الأولى باختفاء سليمان، والثانية باستمرار تخييم أجواء الحزن والقهر على زوجته وبناته وبقية أفراد عائلته.
ويسرد الأب المكلوم بعضاً من التفاصيل التي قال إنها تقف وراء اختفاء نجله قائلاً: «بعد عملية بحث متواصلة استغرقت أسبوعاً وصلنا فيها لمرحلة اليأس، اقترح علي أحد الأصدقاء بالذهاب لسؤال بعض مشرفي الحوثي في حارتنا والحارات المجاورة عن مصير ابني المختطف».
وأشار إلى تأكيد المشرف الحوثي في الحارة التي يقطنها بعد إلحاحه الطويل واستجدائه له وتدخل وساطات، بأن ابنه سليمان موجود وقد ذهب في دورة ثقافية مع الجماعة.
وتابع والد سليمان: «أحسست وكأني فقدت الوعي عند سماعي ذلك الخبر من المشرف الحوثي وما زاد قهري أنه وبكل بجاحة يقول اطمئن... ابنك بخير، ولم يذهب للدورة الثقافية بمفرده بل رفقة عدد من أبناء الحارة!!»، يتابع والد سليمان: «فوق كل هذا الإجرام والعبث والاستهتار واللامبالاة بحياة ومصير أطفالنا وبمشاعرنا كأهل؛ لم يفصح المشرق الحوثي لي عن مكان وجود ابني ولا متى سيعود ولا أي بسيطة معلومات عنه».
وتابع: «الأمر الذ أقلقني كثيراً وزاد من خوفي أن الكثير ممن أعرفهم أكدوا لي أنه حال انتهاء ابني من الدورة الثقافية الحوثية قد يزج به في أي جبهة قتالية لتطبيق ما تلقاه وتعلمه في الدورة الطائفية وربما يعود بعدها إليكم حياً أو جثة هامدة».
وتساءل «أبو سليمان»: «لمن أشكو مشكلتي وقهري وحزن عائلتي.؟ وماذا أقول لأهلي عندما أعود إليهم.؟ خصوصاً أن هذه العصابة تقف اليوم على رأس السلطة، فمن سينصفنا من جرائمها وجبروتها وعبثها؟»
مع ارتفاع وتيرة اختطاف وتجنيد الميليشيات للأطفال بمناطق سيطرتها وإلحاقهم بدورات طائفية وتدريبهم على السلاح في ممارسة واضحة لأبشع صور انتهاك قوانين حماية الطفل والأعراف والاتفاقيات الدولية. يؤكد أحد الناشطين بصنعاء، والمتابع لهذه القضية، ارتفاع ظاهرة اختطاف الأطفال بالعاصمة صنعاء خلال الآونة الأخيرة.
ويقول الناشط بشبكات التواصل الاجتماعي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه لا يمر يوم إلا ويقرأ من 1 إلى 4 إعلانات عن اختفاء أطفال من أحياء متفرقة في صنعاء.
ويشير إلى أن أعمار غالبية الأطفال الذي يتم نشر إعلانات اختفائهم في مجموعات عبر التطبيق الشهير للمراسلات «واتساب» التي يشترك فيها، تتراوح ما بين 15 و25 عاماً. وهي الشريحة التي قال إن الميليشيات تسعى لاستهدافها لسهولة غسل أدمغتها بأفكارها المتطرفة.
وبحسب ما ذكره الناشط، تمثل مناطق: (السنينة، ومذبح، وشملان، والقاع، وصنعاء القديمة، وشميلة، وغيرها) أحياء سكنية رئيسية بصنعاء تُكثف فيها الميليشيات من جرائم اختطاف الأطفال والزج بهم دون معرفة أسرهم في جبهات القتال.
وكشف الناشط عن أن قرابة 6 أطفال جرى الإعلام عن خطفهم في غضون أسبوعين ماضيين من أحياء مذبح والسنينة. في حين أكدت وسائل إعلام محلية أن منطقة معين التي تدخل حارة السنينة في نطاقها سجلت بأواخر فبراير (شباط) الماضي اختفاء أكثر من 200 طفل بصورة غامضة.
واعتبر الناشط الحقوقي أن الوضع أصبح في غاية الخطورة نتيجة التنامي الكبير لهذه الظاهرة. وقال: «نحن بحاجة اليوم لعمل ميداني مجتمعي وإعداد إحصائية شاملة بعدد الأطفال المخطوفين فقط في أحياء وحارات العاصمة صنعاء».
وعلى الصعيد ذاته، يتحدث سكان في صنعاء عن استخدام الميليشيات الانقلابية طرقاً وأساليب جديدة لمضاعفة أعداد مقاتليها من فئتي الأطفال والشباب.
وأشار السكان الذي تحدثوا مع «الشرق الأوسط» مع تفضيل عدم الإشارة إلى أسمائهم، إلى استخدام الميليشيات شباباً ينتمون إليها سلالياً لاستدراج أعداد كبيرة من الأطفال والشباب في أحياء متفرقة من صنعاء ومناطق سيطرتها بهدف مصادقتهم أولاً ثم إغوائهم وإقناعهم بأساليب كيدية مختلفة للانضمام لصفوفها وتنفيذ كل أوامر قياداتها وتوجهاتها.
مقابل الجرائم التي ترتكبها الميليشيات في حق الطفولة وما تنتج عنه من تخوف الكثير من اليمنيين على حياة ومستقبل أبنائهم، اضطر (ع.أ.م)، من سكان صنعاء، لنقل ابنه صادق (19 عاماً)، للعيش لدى أقارب له في الأردن بعد أن أحاط به شباب حوثيون في الحارة وتحولوا إلى أصدقاء مقربين منه، ويجتمعون معه باستمرار متبادلين إرسال «الزوامل»، وهي أغانٍ حماسية تحرض بعضها على القتال، وسماع خطب ومحاضرات طائفية.
وقبل نحو شهر من كتابة التقرير، باعت أم مصطفى وهي من سكان مدينة إب، هي الأخرى كل ما لديها من حلي لإرسال ولدها للعمل مع خاله في مطعم شعبي بمحافظة حضرموت.
وفي تعليقه على الموضوع، يقول ناشط يمني في صنعاء إن من واجب الأهالي حماية أبنائهم، خصوصاً صغار السن من أي مخاطر قد تواجههم.
ويضيف: «إنه من الطبيعي أن يحمي كل ولي أمر أو رب الأسرة أطفاله من السموم التي تبثها الجماعة، خصوصاً أنها لا تكتفي بتلقينهم أفكاراً وثقافات مغلوطة بل تحولهم مع الأيام إلى وقود لاستمرار حروبها العبثية.
ويشير إلى أن السبب الرئيسي الذي يقف وراء إقدام الميليشيات على اختطاف الأطفال، هو تحويلهم إلى وقود في ميادين القتال. وقال: «إن الميليشيات ما زالت تبذل قصارى جهدها في خطف أكبر عدد ممكن من الأطفال والشباب لغسل عقولهم وتحويلهم مستقبلاً إلى قنابل موقوتة».
واعتبر أن هذا الأمر جعل من حوادث اختفاء الأطفال حدثاً مألوفاً، خصوصاً في العاصمة صنعاء ومناطق سيطرة الميليشيات الحوثية.
وعلى مدى أربع سنوات من الانقلاب الحوثي قُتل المئات من الأطفال الذين جندتهم الجماعة بعد خطفهم وإلحاقهم بدورات ثقافية، وزجت بهم في جبهات قتالية. كما وقع المئات منهم في الأسر، في حين لا تزال مراكز إعادة تأهيل الأطفال المجندين بمناطق الشرعية تضم الكثير من أولئك الأطفال الذين وقعوا ضحية الميليشيات الإيرانية التي يجب على تحالف دعم الشرعية والحكومة اليمنية الإسراع باتخاذ إجراءات عاجلة لتفادي هذه الكارثة المستقبلية.
وتتمنى الأسر اليمنية التي اختطفت الميليشيات أبناءها، وضع حد لمعاناتها وأحزانها. وطالبت في الوقت نفسه بسرعة الكشف عن مصير أبنائها وإعادتهم إليها ومحاسبة المجرمين الذين يقفون وراء عملية اختطافهم.
وحملت بعض تلك الأسر الميليشيات الحوثية المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة أطفالها المختفين. وتساءلت: «ما الذي تريده الجماعة من أطفالنا ألم يكفيها ما نواجهه اليوم من أزمات وجوع وفقر وأمراض وأوبئة بسبب انقلابها، ومع هذا كله تحاول أن تسرق منا فلذات أكبادنا».
وناشدت كافة المنظمات الإنسانية والحقوقية المحلية والدولية المعنية بحقوق الطفل التدخل الفوري لوقف جرائم الميليشيات في الأطفال والطفولة في اليمن.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.