مذكرات الحلقة الأخيرة (2): العلاقات الروسية ـ السعودية بين مد وجزر

الملك فيصل خلال زيارته إلى موسكو 1932
الملك فيصل خلال زيارته إلى موسكو 1932
TT

مذكرات الحلقة الأخيرة (2): العلاقات الروسية ـ السعودية بين مد وجزر

الملك فيصل خلال زيارته إلى موسكو 1932
الملك فيصل خلال زيارته إلى موسكو 1932

مرت العلاقات بين روسيا (الاتحاد السوفياتي السابق) والسعودية بمراحل مختلفة على مدى أكثر من تسعين عاماً. في البداية كانت موسكو أول دولة اعترفت بالمملكة العربية السعودية بقيادة الملك عبد العزيز بن سعود، كما كانت بدورها أول بلاد عربية أقام الاتحاد السوفياتي علاقات دبلوماسية معها.
لقد أبدى الاتحاد السوفياتي تأييده للنهج المستقل للملك، وبذل في عشرينيات القرن الماضي، الجهود الدبلوماسية من أجل تحسين العلاقات مع دولتين مستقلتين آخريين في الشرق الأوسط، أقام معهما علاقات وطيدة، وهما تركيا وإيران. وبدأ تطور التعاون الاقتصادي والتجاري. لكن تحقيق تقدم في هذا المضمار كان مآله الفشل.
فقد كان الاتحاد السوفياتي دولة شيوعية ولم يمكن أن تنجح محاولات الرياض، وضمن ذلك في أثناء زيارة الأمير فيصل إلى موسكو وسانت - بطرسبرغ في عام 1932. لزيادة عدد الحجاج إلى الأماكن المقدسة الإسلامية وإلغاء تأميم الأوقاف. كما لم ترغب موسكو، ولم تستطع، تلبية طلب منح المملكة قرضاً كانت بأمس الحاجة إليه في فترة ما قبل اكتشاف النفط هناك.
ووجهت آخر ضربة إلى العلاقات الطيبة بين البلدين حملة التطهير الستالينية في نهاية الثلاثينيات، وخلالها طال القمع الدبلوماسيين السوفيات العاملين في جدة ومنهم كريم حكيموف ونظير تورياكولوف، وكلاهما كانا يتمتعان باحترام الملك. وفي عام 1938 جمدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لفترة طويلة تربو على نصف قرن، وكانت الدولتان في معسكرين مختلفين في أزمان العالم ذي القطبين.
وفي عهد روسيا الجديدة مضت العلاقات بين موسكو والرياض في درب الصعود. وتطور التعاون في المجال الاقتصادي، وساعد على ذلك لحد كبير كون البلدين من أكبر منتجي ومصدري موارد الطاقة في العالم، وتطور كذلك في المجال السياسي. وأكسب نهضة مهمة في العلاقات الروسية - السعودية تخلي روسيا عن الآيديولوجية الشيوعية وبدء الصحوة الإسلامية في البلاد. مع ذلك واجه تطورها إلى الأمام في بعض الأوقات بعض التحديات: على سبيل المثال في أثناء الأزمة في جمهورية الشيشان أو الطور الحاد من الأزمة السورية.
وفي الفترة الأخيرة، تم تجاوز مراحل الأزمات واكتسب التعاون بين البلدين نوعية جديدة. وكانت من ضمن المراحل الهامة في هذا المضمار قيام الرئيس فلاديمير بوتين بزيارة المملكة العربية السعودية، وكذلك زيارتا الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى روسيا، ووقعت خلالها اتفاقيات مهمة بين البلدين.
وقبل أيام واجه التقارب بين موسكو والرياض تحديات جديدة، ولو أنها ليست دراماتيكية كالسابق. وكما هو معروف وافقت المملكة العربية السعودية على أن ترابط في أراضيها جنوب الرياض مجموعة من العسكريين الأميركيين والتقنيات الحربية الأميركية، الرامية كما تعتقد الولايات المتحدة إلى تقوية الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأثار ذلك رد فعل متعدد الأوجه في موسكو، وذلك ليس لأنها لا تريد تعزيز أمن المملكة، بل إنها تعتبر نشر القوات الأميركية لا يمثل أفضل وسيلة لتحقيق هذا الهدف.
وأضحت موسكو في وضع حساس: فمن جهة إنها لا ترغب في توجيه النقد إلى الرياض، لتفهمها قلقها، واحترامها لقرار قيادتها واعتزازها بتطوير التعاون المستمر معها. ومن جهة أخرى، إنها لا يمكن أن تخفي قلقها من أي زيادة للحضور العسكري الأميركي الذي يعتبر عاملاً في زعزعة الاستقرار (لا سيما أن روسيا تقيم التعاون مع إيران، وبالأخص فيما يتعلق بسوريا). لكن التعاون مع المملكة يواصل تطوره ليس في مجال الاقتصاد فقط، وبالأخص في مجال موارد الطاقة، بل وفي المجالين السياسي والإنساني. وفي بداية العقد الأول من الشهر الحالي وصل إلى موسكو الشيخ محمد عبد الكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الذي أجرى في 23 يوليو (تموز) للقاء لا نظير له مع البطريرك كيريل رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
وفي 23 يوليو قدمت وزارة الخارجية الروسية إلى ممثلي الدول العربية وإيران وتركيا والأعضاء «الخمسة» الدائمين في مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وبلدان «بريكس» المعتمدين بموسكو عقيدة الأمن الجماعي في منطقة الخليج.
وأعلنها ميخائيل بوغدانوف الممثل الخاص لرئيس روسيا الاتحادية في الشرق الأوسط وبلدان أفريقيا نائب وزير الخارجية الروسي. إنها تعتمد على مبادئ المرحلية وتعدد الأطراف والشمولية وأحكام القانون الدولي. وتقترح، ضمناً، من بين التدابير الأخرى، عقد اتفاقيات حول الرقابة على التسلح بين بلدان المنطقة، واستحداث مناطق منزوعة السلاح، وإقامة «خطوط ساخنة» بين الدوائر العسكرية، وكذلك بدء الحوار حول تقليص الحضور العسكري الأجنبي في المنطقة.
ونشير بصورة خاصة إلى أهمية الموضوع الأخير في هذا الشأن. وقد تحدثت روسيا لأول مرة في الواقع وبصوت عالٍ حول ضرورة التخلي عن الوجود الدائم للقوات المسلحة للدول الخارجية في المنطقة، وهو ما كانت حتى الآن تبدي التفهم الصامت بشأنه، كما يبدو، علماً أن المقصود ليس فرض المشروع الروسي على دول الخليج التي تقبل بالحضور العسكري للاعبين الدوليين الكبار من أجل ضمان أمنها، أخذاً بنظر الاعتبار الخبرة المريرة السابقة، بل فقط تحديد البارامترات (المعايير) الرئيسية لمشروعها القديم حول استحداث آلية جماعية لبلدان المنطقة هدفها النهائي تكوين منظمة للأمن والتعاون لبلدان الخليج يمكن أن ينضم إليها مراقبون من روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند وبلدان أخرى.
لماذا أقدمت موسكو على هذه الخطوة الآن بالذات؟ لأنها تخشى أن تصعيد التوتر هذا في ظروف تزايد الحضور العسكري للاعبين الخارجيين وتراكم كميات خيالية من الأسلحة في منطقة الخليج، قد يؤدي إلى نشوب حرب كبرى، ربما تؤدي إلى عواقب كارثية، وبالدرجة الأولى لبلدان المنطقة. بالمناسبة، إن بوغدانوف قال بتشكك في إجابته عن سؤال حول موقف بلاده من إعلان الولايات المتحدة عن تشكيل تحالف دولي من أجل «ضمان الملاحة» في مضيق هرمز: «لم يعرض علينا أي أحد شيئاً. وعادة تجري الاتصالات ويتم توضيح الأمر حول ما يريدون، ويطرحون بعض الأفكار».
وجرى في اليوم نفسه، كما لو كان ذلك تأكيداً لما أورده نائب وزير الخارجية، إعلان سيرغي لافروف وزير الخارجية في لقاء مع مجموعة من الصحافيين من بلدان أميركا اللاتينية أن إيران يجب أن تكون جزءاً من حل قضية الأمن في الشرق الأوسط، وألا تعتبر المذنبة في كل ما يحدث هناك. ويرى أن تعزيز تدابير الثقة الجماعية في المنطقة بدعم المنظمات الدولية هو ضرورة أساسية في الخطة التي تطرحها موسكو.
وجدير بالذكر أن الوزير أعرب عن الثقة بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يريد معالجة النزاع مع إيران بالوسائل العسكرية، لكن «الرؤوس الساخنة» في البنتاغون يمكن أن تدفع البلاد إلى هذا الدرب.
وحسب تقييم الجانب الروسي، فإن مثل هذه المحاولة ستكون تطوراً خطيراً للغاية للأحداث. هل ستعرقل مبادرة موسكو هذه تطور العلاقات قدماً إلى الأمام مع الرياض؟ بالعكس، إن طرحها يدل على أن روسيا تعتبر ضمان الأمن في منطقة مهمة استراتيجياً في العالم، حيث توجد المملكة، من أهم أولويات سياستها الخارجية.
أعتقد أن تطور العلاقات الثنائية بين موسكو والرياض رغم اختلاف وجهات النظر حول عدد من قضايا المنطقة لن يتجمد بل سيكتسب نبضة جديدة. فإن اهتمام البلدين عظيم جداً في ضمان أمن الخليج، وعدم السماح بتنامي التوتر وتحوله إلى حرب كبيرة، وكذلك في مواصلة التعاون المثمر في مجال النفط والغاز وحل طائفة واسعة من مشاكل المنطقة، وفي مقدمتها تسوية الأزمة السورية، حيث تعتبر روسيا لاعباً رئيسياً فيها. ويهتم كلا البلدين بتنويع العلاقات الخارجية لصالح أمنهما والسلام العالمي. لقد شهدت العلاقات بينهما في الماضي اختبارات خطرة، ولكن تتوفر الفرصة اليوم لرفعها إلى درجة أعلى. ولا ريب في أنه ستساعد على ذلك زيارة الرئيس الروسي القادمة إلى المملكة.

- رئيس مجلس الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية في موسكو - خاص بـ«الشرق الأوسط»



معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
TT

معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)

في واحد من أكبر التجمعات الدفاعية العالمية، تستعرض شركات الصناعات الدفاعية والعسكرية أحدث ما توصلت إليه من تقنيات ومنظومات متقدمة، وذلك في معرض الدفاع العالمي 2026، الذي ينطلق غداً في العاصمة السعودية الرياض، وسط مساعٍ سعودية متسارعة لرفع نسبة توطين الصناعات العسكرية، وبناء سلاسل إمداد محلية متكاملة.

وتُعقد النسخة الثالثة من المعرض تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وبتنظيم الهيئة العامة للصناعات العسكرية، وذلك خلال الفترة من 8 إلى 12 فبراير (شباط) 2026، في الرياض، بمشاركة وفود رسمية وجهات حكومية وشركات دولية متخصصة في قطاعَي الدفاع والأمن، التي يُنتظر أن تشهد تعزيز شراكات نوعية مع كبرى الشركات العالمية، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي أسهمت خلال الأعوام الماضية في تأسيس قطاع دفاعي وطني متكامل بمختلف جوانبه الصناعية والتقنية والتشغيلية.

وقال محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية السعودية، رئيس اللجنة الإشرافية للمعرض، المهندس أحمد العوهلي، إن النسخة الثالثة من المعرض تعكس التزام المملكة بالابتكار والتوطين، وتطوير منظومة دفاعية متكاملة، عبر منصات تجمع الجهات الحكومية مع الشركاء الدوليين، لافتاً إلى أن المعرض يقدم برنامجاً موسعاً يشمل عروضاً جوية وبرية حية، وعروضاً ثابتة، إلى جانب مناطق مستحدثة، بما يعزز فرص الشراكة والتكامل بين الجهات الحكومية وكبرى الشركات الوطنية والعالمية العاملة في قطاع الصناعات الدفاعية.

وبيّن أن المعرض يُسهم في دعم الجهود الرامية إلى توطين أكثر من 50 في المائة من الإنفاق العسكري، وفق مستهدفات «رؤية 2030»، بالإضافة إلى رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة في المجال الدفاعي.

جانب من نسخة سابقة لمعرض الدفاع العالمي (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لمعرض الدفاع العالمي، آندرو بيرسي، أن النسخة الثالثة ستشهد برنامجاً متكاملاً يبدأ ببرنامج الوفود الرسمية الذي يربط كبار المسؤولين بالمستثمرين وقادة الصناعة من مختلف دول العالم، بما يدعم مسار التعاون الصناعي والتقني الدولي، ويعزّز موقع المملكة ضمن منظومة صناعة الدفاع العالمية.

وأشار بيرسي إلى أن «مختبر صناعة الدفاع» سيستعرض التقنيات الناشئة والأبحاث التطبيقية، فيما تبرز «منطقة الأنظمة البحرية» الأولويات المتنامية في المجال البحري، إلى جانب «منطقة سلاسل الإمداد السعودية» التي توفّر قنوات ربط مباشرة بين المُصنّعين المحليين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والشركات العالمية، وصولاً إلى برنامج «لقاء الجهات الحكومية السعودية» الذي يتيح مناقشة القدرات ومتطلبات التشغيل وفرص الاستثمار الصناعي.

وأضاف أن المعرض يشكّل منصة دولية تجمع قادة القطاع والمبتكرين والمستثمرين، على مدى خمسة أيام من اللقاءات المهنية، وتبادل الخبرات، واستعراض أحدث القدرات الدفاعية.

ولفت إلى أن المعرض يضم مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر، مزوّداً بأربعة ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة، ستشهد حضور أحدث الطائرات العسكرية، ما يعزّز مكانة المعرض بوصفه إحدى الفعاليات الدفاعية القليلة عالمياً القادرة على استضافة عروض جوية وبرية وبحرية متكاملة على مستوى دولي.

ومن المنتظر أن يشهد معرض الدفاع العالمي 2026 مشاركات تفوق ما تحقق في النسخ السابقة، في مؤشر على النمو المتواصل في أعداد العارضين والوفود الدولية، وعلى تصاعد الاهتمام العالمي بالسوق السعودية، بوصفها إحدى أبرز منصات الصناعات الدفاعية الناشئة في العالم.

من جهة أخرى، سيشارك فريق الاستعراض الجوي التابع للقوات الجوية الكورية الجنوبية، والمعروف باسم «النسور السوداء»، في المعرض، وذلك لعرض خبراتهم في مجال الصناعات الدفاعية الكورية. وستكون هذه المشاركة الأولى للفريق في معرض دفاعي في الشرق الأوسط.

ووفقاً للقوات الجوية الكورية الجنوبية، سيتم إرسال تسع طائرات مقاتلة من طراز «T-50B» تابعة لفريق «النسور السوداء» (بما في ذلك طائرة احتياطية)، وأربع طائرات نقل من طراز «C-130» لنقل الأفراد والبضائع، بالإضافة إلى نحو 120 جندياً إلى المعرض.

Your Premium trial has ended


حكومة الزنداني ترى النور وسط تحديات يمنية متشابكة

مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
TT

حكومة الزنداني ترى النور وسط تحديات يمنية متشابكة

مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)

بعد نحو 3 أسابيع من المشاورات المكثفة، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، القرار الجمهوري رقم «3» لسنة 2026، القاضي بتشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني، في خطوة لإعادة ترتيب المؤسسة التنفيذية في اليمن، وفتح نافذة أمل أمام الشارع اليمني المثقل بالأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية.

ويأتي هذا التشكيل الحكومي في ظل تحديات متشابكة ومعقدة، خصوصاً مع استمرار خطاب الانقسام الجغرافي والسياسي، وتراجع الموارد السيادية، وتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات، ما يجعل من حكومة الزنداني «حكومة فرصة أخيرة» لاختبار قدرة الشرعية اليمنية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى الشروع الفعلي في التعافي.

وتضم الحكومة الجديدة 35 وزيراً، 20 منهم ينتمون إلى المحافظات الجنوبية، و15 إلى المحافظات الشمالية، وهو عدد يعكس حجم التعقيد السياسي ومحاولات استيعاب مختلف القوى، لكنه يُشير إلى استمرار معضلة تضخم الجهاز التنفيذي.

ورغم الجدل الذي أثاره بعض الناشطين السياسيين بشأن أسماء عدد من الوزراء المختارين، فإن قراءة تركيبة الحكومة تكشف عن حرص واضح على تحقيق قدر من التوازن الحزبي والجغرافي والسياسي، وذلك عقب مشاورات مطوَّلة جرت في العاصمة السعودية الرياض، هدفت إلى تخفيف حدة الاحتقان بين المكونات المنضوية تحت مظلة الشرعية.

الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية (سبأ)

ويبرز في هذا السياق، احتفاظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، في خطوة تعكس توجهاً لتركيز القرار الدبلوماسي والسياسي الخارجي بيد رئاسة الحكومة، بما يضمن انسجام الرسائل السياسية الموجهة للمجتمع الدولي، ويُعزز من قدرة الحكومة على حشد الدعم الخارجي.

وفيما حازت حضرموت 6 وزراء في التشكيل الحكومي الجديد، بوصفها كبرى المحافظات اليمنية من حيث المساحة، حافظ 8 وزراء على مناصبهم في التشكيلة الجديدة، وهم: معمر الإرياني وزير الإعلام، بعد فصل وزارة الثقافة والسياحة عنه في التشكيل السابق، ونايف البكري وزير الشباب والرياضة، وسالم السقطري وزير الزراعة، وإبراهيم حيدان وزير الداخلية، وتوفيق الشرجبي وزير المياه والبيئة، ومحمد الأشول وزير الصناعة والتجارة، وقاسم بحيبح وزير الصحة، وبدر العارضة وزير العدل.

وجاء التشكيل الحكومي اليمني بعد إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه في يناير (كانون الثاني) 2026، وهي خطوة مهّدت لصيغة أكثر مرونة في توزيع الحقائب، وقلّصت من حدة الاستقطاب، دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية التباينات العميقة داخل معسكر الشرعية، على الرغم من اختيار عدد من الوزراء، ضمن التشكيل الوزاري من المحسوبين على المجلس الانتقالي المنحل.

الحضور النسائي

ومن أبرز ملامح حكومة الزنداني عودة الحضور النسائي إلى مجلس الوزراء اليمني عبر تعيين 3 وزيرات، في سابقة لافتة بعد سنوات من الغياب شبه الكامل للمرأة عن السلطة التنفيذية. فقد جرى تعيين الدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي، والقاضية إشراق المقطري وزيرة للشؤون القانونية، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة دولة لشؤون المرأة.

ولا يقتصر هذا الحضور على بُعده الرمزي، بل يحمل رسائل سياسية متعددة، داخلياً وخارجياً؛ حيث يعكس محاولة لإعادة الاعتبار لدور المرأة اليمنية في صناعة القرار، ويبعث بإشارات إيجابية إلى المانحين والمؤسسات الدولية، التي لطالما ربطت دعمها بتعزيز الشمولية والحوكمة الرشيدة.

الوزيرة اليمنية أفراح الزوبة خلال ظهور سابق مع مسؤولين أمميين (سبأ)

وتكتسب حقيبة التخطيط والتعاون الدولي أهمية مضاعفة في هذه المرحلة، كونها بوابة الحكومة نحو المانحين، في وقت تراجعت فيه المساعدات الخارجية بأكثر من 65 في المائة، وفق تقديرات رسمية، ما يجعل من هذه الوزارة محوراً رئيسياً في أي مسار تعافٍ اقتصادي محتمل.

كما تقلّدت القاضية إشراق المقطري منصب وزيرة الشؤون القانونية، وهي تمتلك مسيرة حافلة؛ فهي قاضية وعضو سابق في اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان؛ حيث عرفت بجرأتها في توثيق ملفات الحرب، ولها باعٌ طويل في العمل المدني والحقوقي، ما يجعلها صوتاً موثوقاً لدى المنظمات الدولية؛ حيث تُركز سيرتها المهنية على تعزيز سيادة القانون، وحماية حقوق الفئات المستضعفة، وإصلاح المنظومة العدلية.

في السياق نفسه، تعد وزيرة شؤون المرأة عهد جعسوس وجهاً نسائياً بارزاً، وهي معروفة بنشاطها المكثف في منظمات المجتمع المدني؛ حيث تركزت جهودها على قضايا النوع الاجتماعي وحماية حقوق النساء والأطفال.

تحديات كبيرة

وترث حكومة الزنداني وضعاً اقتصادياً بالغ الصعوبة، يتمثل في تدهور قيمة العملة الوطنية (الريال اليمني)، واضطراب انتظام صرف الرواتب، وتوقف صادرات النفط التي تُمثل الشريان الرئيسي للإيرادات العامة، نتيجة الهجمات الحوثية على مواني التصدير.

ويُمثل تحسين الوضع المعيشي للمواطنين التحدي الأكثر إلحاحاً، في ظل ارتفاع معدلات الفقر، وتآكل القدرة الشرائية، وتنامي حالة السخط الشعبي، خصوصاً في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، التي تعاني أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية.

اليمن يحصل على دعم سعودي واسع لا سيما في مجال الطاقة والخدمات (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

وفي هذا السياق، تضع الحكومة الجديدة ضمن أولوياتها حوكمة المنح الخارجية، وعلى رأسها المنحة السعودية للوقود، وضبط ملف «الطاقة المشتراة»، الذي يُعد من أكثر الملفات إثارة للجدل والاتهامات بالفساد.

ويُنظر إلى وزارة الكهرباء والطاقة بوصفها إحدى الوزارات الحيوية، التي سيقاس على أدائها مدى جدية الحكومة في مكافحة الهدر والفساد.

وعلى الصعيد السيادي، لا تزال الحكومة تعمل في ظل واقع منقوص، مع استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على العاصمة صنعاء، ومفاصل إدارية وتقنية حساسة، بما في ذلك بنية الاتصالات، وتهديها للأجواء ومنشآت تصدير النفط، كما يبرز التحدي عن مدى قدرة هذه الحكومة على العمل من الداخل وتجاوز التصعيد الذي لا يزال يقوده بعض أتباع المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، سواء في عدن أو غيرها من المحافظات المحررة.

ويؤكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزامه بدعم الحكومة في تنفيذ برنامج إصلاحات شامل، يهدف إلى تعزيز العمل من الداخل، وتفعيل مؤسسات الدولة في عدن، ورفع مستوى التنسيق بين السلطات المركزية والمحلية، بما يُعزز ثقة المجتمع الدولي.

وفي الاجتماع الذي عقده مجلس القيادة الرئاسي، بحضور رئيس الوزراء، أشاد المجلس بالتحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية، واستقرار سعر الصرف، وصرف الرواتب، عادّاً ذلك مؤشراً أولياً على إمكانية تحقيق اختراقات ملموسة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم اللازم.

وعود ورهانات

في أول تصريح له عقب تشكيل الحكومة، أكد رئيس الوزراء، شائع الزنداني، التزام حكومته بالعمل بروح الفريق الواحد، والتركيز على تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية، ومكافحة الفساد، وتطوير الأداء المؤسسي، مع تعزيز الشراكات مع الأشقاء والأصدقاء.

كما شدد على أهمية القرب من المواطنين، وتحسس معاناتهم، وهو خطاب يعكس إدراكاً لحساسية المرحلة، لكنه يضع الحكومة أمام اختبار صعب، يتمثل في تحويل هذا الخطاب إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وأشاد الزنداني بالدعم السعودي، واصفاً إياه بالركيزة الأساسية لصمود الحكومة، في ظل شح الموارد وتراجع الدعم الدولي، وهو ما يعكس استمرار الرهان على التحالف الإقليمي، بوصفه الضامن الرئيسي لاستقرار مؤسسات الشرعية.

وإذ ينتظر اليمنيون، ومعهم المجتمع الدولي أن تكون هذه الحكومة مختلفة كلياً، يتطلع الشارع اليمني إلى تحقيق إنجازات سريعة في الملفات الخدمية والاقتصادية، وترسيخ العمل من الداخل، ومكافحة الفساد، وبناء نموذج دولة قادر على استعادة ثقة المواطن، وقبل ذلك حسم استعادة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة للحوثيين.


ترحيب خليجي بالمحادثات الأميركية - الإيرانية في مسقط

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية من وصول الوفد التفاوضي برئاسة عراقجي إلى مقر المحادثات مع ستيف ويتكوف
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية من وصول الوفد التفاوضي برئاسة عراقجي إلى مقر المحادثات مع ستيف ويتكوف
TT

ترحيب خليجي بالمحادثات الأميركية - الإيرانية في مسقط

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية من وصول الوفد التفاوضي برئاسة عراقجي إلى مقر المحادثات مع ستيف ويتكوف
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية من وصول الوفد التفاوضي برئاسة عراقجي إلى مقر المحادثات مع ستيف ويتكوف

رحَّب جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، بجولة المحادثات التي عقدت اليوم بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً استضافة سلطنة عُمان لها، في خطوة تعكس الدور البناء الداعم لمسارات التفاهم والحوار الإقليمي والدولي.

وأعرب البديوي عن تطلع مجلس التعاون إلى أن تسفر هذه المشاورات عن نتائج إيجابية تسهم في تعزيز التهدئة، وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار بالمنطقة، بما يحقق المصالح المشتركة، ويعزز بيئة التعاون والتنمية.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم لاستقباله المبعوث الأميركي ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط الجمعة (إ.ب.أ)

وأشاد الأمين العام بالجهود القيمة والمتواصلة التي تبذلها عُمان، بالتعاون مع عدة دول شقيقة وصديقة، لتقريب وجهات النظر بين الجانبين، وتهيئة الأجواء الملائمة للحوار البنّاء، بما يخدم استقرار المنطقة ويعزز فرص السلام.

وأكد البديوي حرص دول مجلس التعاون على حفظ الاستقرار والأمن في المنطقة ودعم رخاء شعوبها.