الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات

لم يتردد بعض رواد الحداثة في الجمع بين الشعر الحر وقصيدة النثر والوزن الخليلي

الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات
TT

الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات

الشعر العربي المعاصر... محدودية الأوزان ولانهائية الإيقاعات

لم تكن الحداثة الشعرية لحظة انطلاقتها في أواخر أربعينيات القرن الفائت مشروعاً لنقض المنجز الشعري العربي وتقويضه ومحوه من الذاكرة، بل للإفادة من هذا المنجز إلى أبعد الحدود بغية تجاوزه والإضافة إليه، ذلك أن الجذور لا تنبت في السماء، على ما قاله الكاتب اللبناني يوسف حبشي الأشقر، بل لا بد لها من تربة تحتضنها وتمدها بأسباب النمو وعناصر البقاء. وحال كل شاعر حقيقي هو حال الشجرة التي لا تعيد إلينا المواد نفسها التي امتصتها من التربة، بل تهضم هذه المواد وتعيد صوغها من جديد على شكل ثمارٍ شهية ومختلفة كل الاختلاف عن مكوناتها الأم. ولعل هاجس الرواد الأوائل الذين خاضوا مغامرة التجديد كان متصلاً بتوفير مساحات وآفاق إضافية للقول الشعري، تُخرجه من سياقاته النمطية ومن رطانة التكرار الممل للأشكال. على أن الشعر لا يعمل وفق منطق الآيات التي يجب بعضها بعضاً، بل وفق منطق الإضافة والمراكمة والتخطي في لحظات تشكّله، ووفق منطق المغايرة والتنوع وتجاور الأشكال في مراحله اللاحقة، وإلا لوجب أن تلغي قصيدة الشعر الحر قصيدة العمود الخليلية، ووجب لاحقاً أن تقوم قصيدة النثر كلا النموذجين السابقين عليها. والذين يأخذون بهذه المزاعم، إنما يخونون جوهر الحداثة القائم على التنوع والحرية، وتعدد الأساليب والمقاربات، فضلاً عن أنهم يلتقون موضوعياً مع عتاة التقليديين المدافعين عن أحادية الشكل العمودي وإلغاء ما سواه من الأشكال. كأنهم بذلك يستبدلون عمودية سابقة بعمودية لاحقة، ويحولون الحداثة إلى آيديولوجيا من نوع آخر. فالذين يعتبرون أن قصيدة النثر هي المآل الوحيد والأخير للحداثة، لا يختلفون بشيء عن الآيديولوجيا الماركسية التي ترى أن نهاية التاريخ تتمثل في تعميم النموذج الشيوعي على كافة أقطار الأرض، ولا يختلفون بالمقابل عن مقولة فوكوياما التي ترسم للتاريخ نهاية أخرى متمثلة في النظام الرأسمالي.
وقد يكون النموذج الذي قدمته مجلة «شعر» في عقدي الخمسينيات والستينيات هو المثال الحي على استيعاب روادها وكتّابها المتنوعين لمعنى الحداثة الحقيقية التي تربط الشعر بالمشروع المعرفي والجمالي، كما بالرؤية الجديدة إلى العالم، وليس بالأشكال وحدها. ولهذا السبب قرأنا في أعداد المجلة نصوصاً تفعيلية لبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وسعدي يوسف ويوسف الخال وأدونيس، وقصائد نثرية طليعية لمحمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وسركون بولص، جنباً إلى جنب مع نماذج عمودية مختلفة لبدوي الجبل والجواهري وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وغيرهم. وكذلك كان الأمر في مجلة «الآداب»، لولا أن هذه الأخيرة ورغم تشجيعها للعشرات من الشعراء الجدد ربطت الحداثة بالشعر الحر وحده، رافضة الاعتراف بقصيدة النثر كخيار شعري وأسلوبي مختلف كل الاختلاف عن الخيارين السابقين. وإذا كانت قصيدة النثر قد فرضت نفسها كخيار متميز وكقيمة مضافة إلى الشعرية العربية، فإن ذلك لا يسوغ للبعض التعاطي مع الأشكال الأخرى بوصفها أشكالاً قديمة وبالية يجب الاستغناء عنها بسبب ما تفرضه على الشعراء من نوافل الأوزان وقيودها المرهقة. فالوزن لا يصبح عائقاً أمام كشوف المعنى إلا عند صغار الموهوبين وقليلي الحيلة. وإذا كان نيتشه قد اعتبر أن الفن الحقيقي هو بمثابة «رقص مع القيود»، فلأن المبدعين الكبار هم وحدهم القادرون في ضوء القيود التي يفرضها الفن أن يجترحوا المساحات الأوسع من الحدوس وجماليات التعبير.
إن البعض لم يكتفوا بالزعم أن بحور الخليل الستة عشر قد استنفدت أغراضها، وفقدت أي إمكانية فعلية للتجديد والتجريب بعد أربعة عشر قرناً من الدوران النمطي حول نفسها، بل أسقطوا المزاعم ذاتها على قصيدة الشعر الحر، وقبل أن تمر سبعة عقود على انطلاقتها. على أن هؤلاء يخلطون عن علم أو غير علم بين محدودية البحور الشعرية المعروفة وبين لا محدودية احتمالاتها الإيقاعية والنفسية. ذلك أن رد النسق التفعيلي إلى نواته الأصغر المكونة من تتابع الحركات والسكنات يمكن أن يضعنا أمام آلاف السياقات الإيقاعية ذات التوترات المختلفة والتموجات الزمنية المتغايرة. وبما أن لكل شاعر حساسيته الخاصة، وإيقاعه النفسي المختلف عن سواه، وطريقته الشخصية في استخدام الجوازات والبحور المجزوءة والمشطورة، كما في استخدام القافية الملائمة على صعيدي نظام الشطرين أو الشعر الحر، فإن أي بحر يختاره لقصيدته لن يكون البحر ذاته الذي يستخدمه الشعراء الآخرون. ولإقامة الدليل على ذلك يمكننا أن نلاحظ بأن البحر الكامل الذي استخدمه عنترة في معلقته الميمية، ومطلعها «يا دار عبلة بالجواء تكلمي \ وعِمي صباحاً، دار عبلة، واسلمي»، يختلف من حيث جرْسه ومتتالياته الإيقاعية وتأثيره في النفس، عن قول أدونيس على البحر نفسه «متدثّراً بدمي أسير، تقودني حمم ويهديني ركامُ». وكلاهما يختلفان إيقاعياً عن قول محمود درويش «بيروت تفاحة\ والقلب لا يضحكْ\ وحصارنا واحة\ في عالم يهلكْ»، أو عن قول الشاعر اللبناني حسن عبد الله «قولوا لها إني لبستُ قميصي الأصفرْ وخرجتُ عصر السبتْ\ قولوا لها قولوا لها: ما مَرْ \ في رأسه إلا خيال الموتْ». وإذا كان ثمة ما نستنتجه في هذا السياق فهو أن «لكلّ منا بحره الخاص»، على ما يقول سان جون بيرس، وأن الشعراء الحقيقيين لا ينزلون إلى مياه «البحر» نفسه مرتين، وأن الإيقاعات الشعرية غير قابلة للنفاد إلا لدى المقلدين ومنتحلي الصفة والنظامين الصغار.
ولعل الأمر يصبح أكثر صعوبة مع قصيدة النثر، خلافاً لما يظنه الكثير من السذج وقليلي الدراية. فهذا النمط الأسلوبي يحتاج إلى قدر من الدربة والمهارة والموهبة، لا يتوفر إلا للقلة من المبدعين وذوي القامات العالية. ذلك أن غياب الوزن والقافية التقليديين يرتب على النص أن ينهض بنفسه، مكشوفاً وأعزل من كل ظهير، وأن يستعيض عن هذا الغياب بقدر وافر من التكثيف والاختزال والثراء الصوري والإيقاعي، وربما تكون تجربة الماغوط هي واحدة من أكثر تجارب قصيدة النثر اكتنازاً بالصور المدهشة والإحالات الدلالية، فضلاً عن الالتحام التام بين وجيب القلب وبين براءة اللغة واندفاعها المحموم. وإضافة إلى المفارقات الآسرة والتشبيهات غير المسبوقة والإضرام المتواصل لحرائق الروح، يستعيض الماغوط عن البحور التقليدية بالتناظر المتناغم بين الجمل، وبقوة العصب وتوهج المعنى اللذين يحولان الوزن إلى عنصر ثانوي في معادلة الكتابة «قولوا لوطني الصغير والجارح كالنمر\ إنني أرفع سبّابتي كتلميذ\ طالباً الموت أو الرحيل\ ولكن لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة\ من أيام الطفولة\ وأريدها الآن\ لن أصعد قطاراً ولن أقول وداعاً\ ما لم يُعدْها إلى حرفاً حرفاً ونقطة نقطة\ وإذا كان لا يراني\ أو يأنف من مجادلتي أمام المارة\ فليخاطبني من وراء جدار\ ليضعها في صرّة عتيقة أمام عتبة\ أو وراء شجرة ما\ وأنا أهرع لالتقاطها كالكلب\ ما دامت كلمة الحرية في لغتي\ على هيئة كرسي صغير للإعدام». وفي شعر أنسي الحاج نستشعر تواشجات إيقاعية تدور على نفسها كرقصة مولوية، بقدر ما نلمح مؤالفة واضحة بين الطرب الصوتي وبين النشوة المترعة بالترجيعات، كما أن تداخل الشهواني والحسي بالروحي والصوفي يحيلنا إلى النصوص التأسيسية المشابهة في «نشيد الإنشاد»: «الجبل أخف حمْلاً من الشوق\ والأرض أقصر من الغيرة\ أي شفق يشتهي الغوص كما أشتهيكِ\ أي مرآة تشتهي أن تركض إليكِ كما أشتهيكِ\ الساحرة وتظن نفسها مسحورة\ من طغيان حبها علي».
ليس بالأمر المستغرب بهذا المعنى أن تعود القصيدة الخليلية إلى الواجهة بعد فترة من الضمور والتراجع استمرت لعقود عدة. ولم يكن التراجع ناجماً عن غياب نجومها الكبار فحسب، بل بسبب ما يمكن تسميته برهاب الحداثة، وبتغييب قصيدة الشطرين شبه التام عن الصفحات الثقافية العربية، وبتعامل النقد الحديث معها كما لو أنها مجرد جثة محنطة في متحف الماضي. على أن تلك العودة لم تكن وليدة الصدفة المجردة بل بفعل معطيات وعوامل عدة، من بينها تداعي الصحافة الورقية وتراجع القبضة الصارمة للنقد الحداثي، إضافة إلى الأثر الدراماتيكي غير المسبوق لمواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى برج بابل جديد من العروض اللغوية المفتوحة بالتساوي أمام ملايين الباحثين عن وسيلة لتحقيق الذات، وإلى برامج المسابقات الشعرية المتلفزة والمدعمة بحوافز مالية مغرية، مثل «أمير الشعراء» و«شاعر المليون» وغيرها. ورغم أن تلك الظواهر الجديدة قد وضعت المشهد الشعري العربي أمام الكثير من التسيب والفوضى واختلاط المستويات وضياع المعايير، إلا أنها وفرت لنا سبل اكتشاف مجموعة غير قليلة من الشعراء الشبان الذين أعادوا للقصيدة العمودية بعض ألقها المفقود، ورفدوها بمناخات وصور ورؤى مغايرة تقع في قلب المنجز الشعري الحداثي، وتسهم في إخراجه من الأسلبة والتماثل والتكرار النمطي. وعلينا أن نتذكر في هذا السياق أن رواد الحداثة الطليعيين لم يتنكروا لأي من الأساليب والأشكال المعروفة، بل إن البعض منهم، كنزار قباني وأدونيس، لم يتردد في الجمع بين الشعر الحر وقصيدة النثر والوزن الخليلي، دون أن يرى في ذلك ما يدعو إلى الحرج أو الارتباك أو الاعتذار.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.