تقرير إسرائيلي يكشف إخفاء وثائق وشهادات عن فظائع «النكبة»

تعزز الرواية الفلسطينية حول معارك 1948

صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
TT

تقرير إسرائيلي يكشف إخفاء وثائق وشهادات عن فظائع «النكبة»

صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)
صورة أرشيفية لفلسطينيات هُجّرن خلال نكبة عام 1948... أمام مركز لتلقي المساعدات في مخيم الشاطئ بقطاع غزة (غيتي)

عزز تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية حول إخفاء السلطات الإسرائيلية وثائق سرية تتعلق بالفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين في عام 1948، بما في ذلك جرائم الإبادة والتطهير العرقي، من رواية الفلسطينيين حول ما حدث وكيف طُردوا قسراً من وطنهم، وأضعف الرواية الإسرائيلية القائمة على أن الفلسطينيين هم الذين بدأوا بذبح اليهود وأن العرب هم الذين طلبوا منهم مغادرة بيوتهم إلى حين انتهاء المعركة.
ونشرت الصحيفة الإسرائيلية تحقيقاً مطولاً بشأن دفن السلطات الإسرائيلية مئات الوثائق في خزنات حديدية في إطار عملية منهجية لطمس أي أدلة حول «النكبة»، المصطلح الذي يستخدمه الفلسطينيون للإشارة إلى عمليات التهجير القسري الجماعي عام 1948 والتي طالت أكثر من 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم في فلسطين التاريخية. وأصبح هؤلاء اليوم أكثر من ستة ملايين لاجئ يطالبون بحق العودة وترفض إسرائيل الاعتراف بهم.
ويُظهر التحقيق الذي حمل عنوان «الدوائر الأمنية تخفي في خزينتها وثائق حول النكبة»، أن السلطات الإسرائيلية تعمد إلى إخفاء وثائق النكبة بشكل لا يُدين إسرائيل ويُضعف أي دراسة تاريخية حول الأمر.
وجاء في التحقيق أن طواقم وزارة الجيش الإسرائيلي تنفّذ عمليات استطلاع مستمرة لفحص وإزالة وثائق تاريخية متعلقة بالمشروع النووي وعلاقات إسرائيل الخارجية والشهادات المتعلقة بالنكبة.
وبدأت «هآرتس» التقرير بكشف تفاصيل مجزرة نفذتها العصابات الصهيونية في قرية الصفصاف الفلسطينية في الجليل الأعلى خلال عملية أُطلق عليها «حيرام»، وراح ضحيتها 52 رجلاً قيّدتهم العصابات الصهيونية ووضعتهم في بئر وأطلقت النار عليهم بشكل جماعي، فيما كانت النساء يتوسلن ويطلبن الرحمة.
وتحدث التقرير عن الجثث التي وجدها الفلسطينيون لاحقاً وكانت 61 جثة، إضافة إلى تسجيل ثلاث حالات اغتصاب إحداها لفتاة عمرها 14 سنة قُتلت بإطلاق النار عليها، ناهيك بتقطيع أصابع إحدى الضحايا بسكين بهدف سرقة خاتمها.
وكُشف إخفاء هذه الوثائق للمرة الأولى من قِبل معهد «أكفوت» لأبحاث الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. وقالت المؤرخة تمار نوفيك إنها لاحظت خلال قيامها بأبحاث حول النكبة أجزاء من المستندات منزوعة. وأضافت: «استغرق الأمر مني وقتاً للتفكير في إمكانية اختفاء المستندات ببساطة». وعندما أصرت نوفيك وسألت عن مكان وثيقة معينة، قيل لها إن وزارة الحرب وضعتها في صندوق آمن.
ولم تجد نوفيك، في مسألة قرية الصفصاف، أي اسم ولا من يقف وراء المجزرة التي وقعت فيها.
وقالت «هآرتس» إن القرية التي تم بناء مستوطنة زراعية على أنقاضها، شهدت جرائم حرب ارتكبها مقاتلو اللواء السابع، وإن المستند الذي عثرت عليه نوفيك، والذي لم يكن معروفاً للمحققين، يدعم الادعاءات بهذا الشأن، ويمكن أن يكون دليلاً إضافياً على أن النظام السياسي كان يعرف ما يجري بالضبط.
وفي سياق محاولتها معرفة تفاصيل حول الوثيقة وكاتبها، التقت نوفيك مع المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، الذي نشر كتباً حول المجازر إبان النكبة ونشوء قضية اللاجئين. وتبين أن موريس اطّلع على وثيقة مشابهة للغاية وموجودة في أرشيف «يد يعري» في أحد «الكيبوتسات». لكن عندما عادت نوفيك إلى الأرشيف من أجل الاطلاع على الوثيقة، فوجئت بأنها غير موجودة. وعندما سألت عن سبب اختفائها قيل لها إن الوثيقة أدخِلت إلى خزنة بأمر من مسؤولين في وزارة الأمن. وقال موريس إنه اطّلع على وثيقة للجيش الإسرائيلي تتعلق بمجزرة دير ياسين، لكن عندما عاد لاحقاً طالباً الاطلاع عليها مجدداً تبين له أنها سرية ولا يمكن الاطلاع عليها.
وكان لافتاً أن إخفاء الكثير من الوثائق تم بمصادقة مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، ضد القانون، ودون أي إذن قانوني، بل في بعض الحالات تم إخفاء وثائق كانت معدة للنشر من قِبل الرقابة العسكرية، ثم نُقلت إلى أقبية حيث دُفنت هناك.
واضطلع قسم كامل في وزارة الدفاع الإسرائيلية بالأمر، وهو قسم «مالاب» الذي يعد الأكثر سرية هناك. وشن موظفو هذا القسم جولات بحث كثيرة في الوثائق التاريخية، وأخفوا شهادات جنرالات حول قتل مدنيين وتدمير قرى.
واعترف يحئييل حوريف، الذي شغل منصب رئيس «مالاب» لمدة عقدين حتى عام 2007، في حديث مع صحيفة «هآرتس»، بأنه بدأ هذه العملية المستمرة حتى الآن، وبأن الجهود المبذولة لإخفاء أحداث 1948 هي جهود منطقية وضرورية، حسب رأيه، من أجل تقويض مصداقية الدراسات حول تاريخ مشكلة اللاجئين. وأضاف أن «الحكم على ادّعاء باحث مدعوم بوثيقة ليس كالحكم على ادّعاء لا يمكن إثباته أو تفنيده».
ومع ذلك، نجح باحثون في العثور على وثائق، بعضها يناقش المذابح والترحيل من قِبل لجنة سياسية في حزب «مبام»، وتتضمن أيضاً نقاشاً حول «أعمال خطيرة» في قرية دويمة. أحد الأعضاء اتهم عصابة يهودية تُعرف باسم «ليحي» بهذا. وفي وقت لاحق، تحدث عن نهب في مناطق اللد والرملة وبئر السبع. وتقول «هآرتس» إن إحدى أكثر الوثائق فظاعةً عن تاريخ قضية اللاجئين الفلسطينيين، كتبها عضو في قسم خدمة المعلومات التابع لمنظمة «الهاغانا»، ووثّق خلالها السبب الحقيقي لإفراغ البلاد من سكانها العرب. وهذه الوثيقة كانت أساس مقالة نشرها بيني موريس في عام 1986 وتناولت هجرة العرب. وبعد سنوات، عاد فريق «مالاب» إلى المستند وأمر بالحفاظ على سريته. ولم يكن بإمكان «مالاب» أن يعرف أنه بعد بضع سنوات سيجد الباحثون نسخة من المستند وسينقلونه إلى الرقيب العسكري الذي سيوافق على نشره دون تحفظات.
ويتطرق المستند (الوثيقة) إلى إخلاء القرى العربية، ويقول إن «70% من العرب غادروا فلسطين بتأثير من العمليات العسكرية اليهودية»، وهذا يتناقض مع الرواية الإسرائيلية القائمة على أن قضية اللاجئين سببها دعوة جهات سياسية عربية الفلسطينيين إلى مغادرة مدنهم وقراهم لحين الانتصار على اليهود.
وترتب هذه الوثيقة أسباب الهجرة حسب الأهم، وهي «أعمال عدائية يهودية مباشرة ضد الناطقين بالعربية»، ثم، ثانياً ما تركه ذلك من تأثير على القرى المجاورة، وثالثاً تصرفات المنشقين من عصابتي «الإرغون» و«ليحي»، ثم تأتي أوامر المؤسسات والمنظمات العربية، ثم نشاطات سرية يهودية لتهريب السكان العرب، وأخيراً أوامر الإخلاء. وجاء في الوثيقة أنه «من دون شك فإن العمليات العدائية كانت السبب الأساسي لحركة السكان». وتحدثت الوثيقة عن مكبرات الصوت باللغة العربية وكيف أثبتت نجاعتها في مناسبات عدة واستُّغلت أفضل استغلال، كما تحدثت عن نقض العصابات الإسرائيلية اتفاقات مع العرب وكيف ساعد هذا على هرب بعض العرب من قرى قريبة.
واحتوت الوثيقة على ملحق يصف أسباب تهجير سكان عشرات القرى العربية. ومن هذه الأسباب «القضاء على القرية بأيدينا»، أو «قتل الكثيرين» من سكانها، أو بسبب «نصيحة يهودية ودية» أو «بعد سطو وقتل وهجوم على بيت الأيتام».
ولم يكتفِ مسؤولو وحدة إخفاء الوثائق بذلك، وإنما طاردوا أي شهادة، حتى ولو كانت شفوية، حول النكبة. وفي مرحلة ما وضع أفراد هذا الجهاز أيديهم على تسجيلات سلسلة مقابلات مع شخصيات عامة وعسكريين إسرائيليين سابقين، أجراها «مركز رابين» في بداية سنوات الألفين، في إطار مشروع لتوثيق عملهم في السلك الحكومي. وحوّل الجهاز مقاطع واسعة من هذه المقابلات إلى سرية.
وتقول «هآرتس» إنه تم حذف مقاطع من شهادة الضابط الإسرائيلي أرييه شاليف، الذي تحدث عن طرد سكان قرية صبرا إلى ما وراء الحدود، كما تم حذف مقاطع من مقابلة مع اللواء إيلاد بيليد الذي تحدث عن حرب عصابات وحرب وجودية، وتحدث عن تحذيرات للعرب بمجازر وشيكة وكذلك تفجير منازل.
قسم آخر من الوثائق أراد «مالاب» أن يخفيه تم أخذه من محادثة بين الدكتور ليف طوف والميجور جنرال (أفراسا) تمير الذي قال إنه قام، وفقاً لسياسات ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، بتدمير قرى عربية بأكملها حتى لا يعود إليها اللاجئون.
وتسريب هذه الوثائق يزيل الثلج عن رأس جبل كبير من الجليد. ويأتي في وقت تندلع فيه معركة سياسية وقانونية حول مكانة اللاجئ الفلسطيني وعلى من تنطبق هذه الصفة. وفي عام 2010 تم تمديد فترة السرية على الوثائق إلى 70 سنة منذ النكبة، ثم في فبراير (شباط) الماضي تم تمديد الفترة إلى 90 سنة، أي حتى 20 سنة أخرى.



لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
TT

لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)

مرّ نحو 3 أشهر منذ تشكيل «لجنة إدارة قطاع غزة» من القاهرة، دون أن يستطيع أعضاؤها عبور معبر رفح الحدودي بين مصر والقطاع لبدء عملهم، وتسلم المسؤولية من حركة «حماس»، كما ينصّ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بالرغم من فتح معبر رفح خلال تلك الفترة.

وبحسب مصادر فلسطينية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن هناك 4 أسباب رئيسية تعرقل وصولها إلى القطاع، في مقدمتها المنع الإسرائيلي المتواصل حتى الآن، وعدم وجود آلية نهائية مع «حماس» بشأن التسليم، وعدم وجود موازنة مالية لدعم عمل اللجنة، أو وجود قوات دولية خارج القطاع أو شرطية داخله تدعم عمل اللجنة.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عقب تشكيل «لجنة إدارة غزة»، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن مصادر، أن حكومة بنيامين نتنياهو ترفض السماح لأعضائها بدخول قطاع غزة، لافتة إلى أنهم يواصلون اجتماعاتهم في القاهرة، ويعمل ممثلو الوسطاء، وخاصة مصر، مع الولايات المتحدة للموافقة على دخول اللجنة إلى غزة بحلول نهاية الشهر ذاته.

اجتماع للجنة إدارة غزة في القاهرة (أرشيفية - هيئة الاستعلامات المصرية)

ولم تتغير قاعدة المنع الإسرائيلية بحق اللجنة، واتهمت وسائل إعلام فلسطينية، الممثل الأعلى للقطاع في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، بالوقوف خلف عرقلة دخول اللجنة التي يرأسها الدكتور علي شعث إلى قطاع غزة، ومنعها من أداء مهامها الإنسانية، بحسب تقرير نقلته وكالة «شهاب»، الخميس.

وعقب زيارة للقاهرة، كشفت «حماس» قبل نحو أسبوع، أن وفد الحركة والفصائل الفلسطينية عقد لقاءً مع ميلادنوف بحضور الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، في إطار جهود استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وفقاً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومواصلة معالجة تداعيات الحرب على القطاع.

«المشكلة في الإسرائيليين»

وشرح مصدران فلسطينيان لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، أن الاجتماعات في القاهرة عادة ما تشهد نقاشات بشأن واقع اللجنة ومساعي تسلمها مهامها، وستكون المحادثات المرتقبة بالقاهرة تحمل قدراً هاماً من الأهمية، خاصة أنها تأتي في فترة هدنة حرب طهران وواشنطن، وقد تعزز مساعي حلحلة بعض أزمات اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها عمل اللجنة.

وأوضح أحد المصدرين أن المشكلة الرئيسية في الإسرائيليين، وليس ملادينوف كما يثار، ويواصلون رفض مرورهم حتى الآن، مؤكداً أن نتنياهو لا يعنيه «مجلس السلام» ولا خطة ترمب، متوقعاً أنه «حال تم تشكيل الشرطة الفلسطينية في القطاع قد تسمح إسرائيل تحت ضغوط أميركية بدخول اللجنة، خاصة أن اللجنة لن تنجح دون ذراع على الأرض تنفذ قراراتها وتضمن نجاحها».

ومع تشكيل اللجنة مطلع هذا العام، قالت «حماس»، في بيان، إن الجهات الحكومية في غزة شرعت باتخاذ إجراءات لتسهيل عمل اللجنة الوطنية وتسليمها مقاليد الأمور، مؤكدة أنها لا تضع أي اشتراطات مسبقة لضمان بدء عملها.

«لجنة إدارة غزة» ما زالت في القاهرة بعد 3 أشهر على قرار تشكيلها (الخارجية المصرية)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن هناك 3 أسباب رئيسية في تأخر تسلم اللجنة مهامها، الأول أنه لم يتم الحسم مع «حماس» بآليات التسليم ومهام تسليم السلاح وترتيب العمل، والثاني يتمثل في عدم وجود موازنات مالية، خاصة أنه مطلوب منها تقديم إغاثة وخطط طوارئ إنسانية، وبالتالي لا يمكن للجنة أن تتحمل المسؤولية في غزة دون أن تكون لديها الأدوات اللازمة للعمل.

ويعتقد مطاوع أن عدم دخول قوات دولية يمكن عدّه سبباً ثالثاً في تأخر دخول اللجنة للقطاع، باعتبار أن اللجنة ترى في هذه القوات عاملاً مساعداً للاستقرار ومنع إسرائيل من أي خروقات.

ولا يحمّل مطاوع إسرائيل مسؤولية تأخير عمل اللجنة وحدها، بل يحمّل «حماس» أيضاً المسؤولية، وقال: «رغم ما تعلنه (حماس) باستمرار من أنها مستعدة لتسليم اللجنة مهامها، فإنها في الواقع لم تتخذ إجراءات تتوافق مع ذلك، بل نرى أن الحركة تعيد السيطرة على مفاصل القطاع بطريقة غير مباشرة، بما يجعل قبضتها هي الأقوى، وتحول اللجنة إلى جهة تعمل لدى الحركة».

ويؤكد مطاوع على «أهمية اجتماع القاهرة المرتقب، خاصة أنه يمكن أن يسهم في حلحلة أزمة لجنة إدارة قطاع غزة حال كانت هناك إرادة أميركية، وتوفر أموال لعمل اللجنة، واقتنعت (حماس) أن مسار الحل يجب أن تقدمه في تنازلات حقيقية».


رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
TT

رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)

تشهد جيبوتي، الجمعة، انتخابات رئاسية يتصدرها الرئيس الحالي مرشح حزب «التجمع الشعبي من أجل التقدم»، إسماعيل غيله، في مواجهة محمد فرح سماتر من حزب «المركز الديمقراطي الموحد»، المرشح الوحيد المنافس في السباق وسط غياب أصوات معارضة بارزة.

ويرأس غيله (78عاماً) البلاد منذ 1999، وقد ألغى تحديد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وكذلك الحد الأقصى للفترتين.

وحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإنه الأوفر حظاً للفوز بولاية سادسة في ظل غياب المنافسة القوية والمعارضة البارزة، غير أنه يواجه تحديات متعلقة بسنّه وتحديد خليفته.

تتمتع جيبوتي، التي يبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، بموقع استراتيجي مطل على البحر الأحمر وخليج عدن، يُعد بالغ الأهمية في منطقة القرن الأفريقي، إضافةً إلى استضافة قواعد عسكرية أجنبية.

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع أنصاره في منطقة بلبالا (وكالة الأنباء الجيبوتية)

حراك انتخابي

وقبيل انطلاق السباق الرئاسي، استقبل غيله، الأربعاء، في قصر الجمهورية رؤساء وفود المراقبين الدوليين للانتخابات الرئاسية، وبحث معهم قدرة الانتخابات في جيبوتي على الامتثال لمعايير التصويت الدولية، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية.

ومن المتوقع مشاركة 67 مراقباً منتدبين من أربع منظمات، هي: الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، ومنظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية.

وفي آخر تجمع انتخابي له، الأربعاء، أعرب غيله عن ثقته بنجاحه، لافتاً إلى الجهود التي بذلها خلال فتراته الرئاسية الخمس.

أما منافسه سماتر، فقد تعهد في مؤتمر انتخابي قبل أيام بإعطاء الأولوية لتعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية، واتخاذ تدابير لتعزيز توظيف الشباب.

يبلغ عدد الناخبين المسجلين 256467 ناخباً، حسب وكالة الأنباء الرسمية، وتضم مدينة جيبوتي الجزء الأكبر من الناخبين بواقع 162833 ناخباً مسجلاً، فيما تُجرى الانتخابات في 712 مركز اقتراع في أنحاء البلاد.

ويرجح الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، أن يفوز غيله «ليس من خلال توافق ديمقراطي واسع النطاق، بل من خلال استخدام سردية قوية للأمن والاستقرار، مدعومة من حزبه الحاكم، اتحاد الأغلبية الرئاسية، ومن خلال السيطرة الصارمة على أجهزة الدولة، مع مقاطعة قطاعات من المعارضة».

بلا منازع منذ 1999

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن غيله ترشحه لولاية سادسة في الانتخابات، وفقاً لبيان صادر عن الرئاسة.

وجاء ترشحه بعد أيام من تصويت البرلمان على إلغاء البند الدستوري الذي يحدد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وذلك بعد 15 عاماً من تعديل الدستور في 2010 بإلغاء الحد الأقصى للفترتين.

وفاز غيله في آخر انتخابات رئاسية، التي أُجريت في أبريل (نيسان) 2021، بنسبة تزيد على 97 في المائة من الأصوات. ويحتل ائتلافه السياسي موقعاً مهيمناً في البرلمان.

وقبل غيله، كان يتولى الرئاسة حسن جوليد أبتيدون، مؤسس استقلال جيبوتي. وفي عام 1999، خَلَفه غيله بعد أن شغل منصب رئيس ديوانه لمدة 22 عاماً.

ويقاطع حزبا المعارضة الرئيسيان، «حركة التجديد الديمقراطي والتنمية» و«التحالف الجمهوري من أجل الديمقراطية»، الانتخابات منذ عام 2016 اعتراضاً على مسار الانتخابات.

ويعتقد إبراهيم أن «العمر وإعداد خليفة هما أبرز التحديات التي تواجه غيله، خصوصاً أنه يتردد أنه يُعد ابن زوجته، الأمين العام لمكتب رئيس الوزراء نجيب عبد الله كامل (61 عاماً) لتولي مناصب قيادية».

وأشار إلى أن نجيب، وهو ابن رئيس الوزراء السابق عبد الله كامل، ينتمى إلى قومية الدناكل عفر، وهذا يثير تحديات من قومية الصومال التي ينتمي إليها غيله، «مما يُثير تكهنات حول أزمة خلافة محتملة».

ويخلص إبراهيم إلى أن الانتخابات ما هي إلا «توطيد للسلطة أكثر من كونها منافسة حقيقية، لكنها تُخفي مستقبلاً غير مستقر في ضوء عدم حسم تلك التحديات».


غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
TT

غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)

اختتم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة المؤقتة عدن، ركزت على بحث مسارَي السلام والاستقرار في ظل تعقيدات المشهدَين الإقليمي والداخلي، حيث شدد على ضرورة تجنيب اليمن الانجرار إلى دوامة التصعيد الإقليمي، والحفاظ على زخم العملية السياسية، بالتوازي مع دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز فرص التعافي، بما يهيئ الأرضية لحل شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

وشكّلت هذه الزيارة محطة جديدة ضمن مساعي الأمم المتحدة للحفاظ على زخم الوساطة، في ظل بيئة إقليمية متوترة تلقي بظلالها على المشهد اليمني، وتفرض على مختلف الأطراف ضرورة تجنب الانزلاق إلى تصعيد جديد قد يقوض ما تحقق من هدوء نسبي خلال الفترة الماضية.

ووفق بيانات أممية ويمنية، فقد ناقش المبعوث غروندبرغ مع عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق محمود الصبيحي، ورئيس الوزراء وزير الخارجية الدكتور شائع الزنداني، تطورات الأوضاع على الساحة الوطنية، والتداعيات المباشرة للتصعيد الإقليمي على فرص السلام في اليمن. وجرى التأكيد على أهمية تحييد الملف اليمني عن التوترات الإقليمية، والعمل على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين مختلف الأطراف.

واستعرض غروندبرغ نتائج تحركاته الأخيرة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى استئناف العملية السياسية، والتقدم المحرز في ملف تبادل المحتجزين، الذي يُعدّ من أبرز الملفات الإنسانية المرتبطة بالنزاع.

من جهته، جدد الفريق الصبيحي دعم مجلس القيادة الرئاسي الكامل جهود الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة تحقيق سلام عادل ودائم يستند إلى المرجعيات المتفق عليها، وفي مقدمتها «المبادرة الخليجية»، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرار «2216».

كما عبّر المسؤولون اليمنيون عن تقديرهم الدور الإقليمي والدولي، خصوصاً من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، مؤكدين أهمية استمرار هذا الدور في مختلف المسارات، بما يعزز فرص الاستقرار ويهيئ الأرضية لحل سياسي شامل.

أولوية الاستقرار الاقتصادي

اقتصادياً، حظيت ملفات الاستقرار المالي والنقدي بحيز واسع من نقاشات المبعوث الأممي مع المسؤولين اليمنيين، حيث التقى وزير المالية، مروان بن غانم، ووزير النفط والمعادن، محمد بامقاء، إلى جانب محافظ «البنك المركزي»، أحمد غالب. وتركزت المباحثات على التحديات التي تواجه المالية العامة، وأولويات الحكومة بشأن إقرار ميزانية عام 2026، وتحسين الإيرادات، وتعزيز كفاءة الإنفاق.

غروندبرغ التقى في عدن رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

كما ناقش الجانبان أهمية استئناف إنتاج وتصدير النفط والغاز، بصفتهما ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني، وتوفير موارد مستدامة تسهم في تخفيف الأزمة الإنسانية. وجرى التطرق كذلك إلى فرص تنفيذ إصلاحات اقتصادية أوسع، من شأنها تعزيز ثقة المجتمع الدولي، وجذب الدعم اللازم لعملية التعافي.

وأكد رئيس الوزراء اليمني، شائع الزنداني، حرص الحكومة على «مواصلة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، بما يعالج اختلالات المالية العامة، ويعزز الاستقرار النقدي، ويفتح المجال أمام شراكات دولية أوسع لدعم الاقتصاد اليمني».

تعزيز الشمولية

في سياق دعم الشمولية، التقى المبعوث الأممي وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، حيث جرى التأكيد على «أهمية تعزيز مشاركة المرأة في عمليات صنع القرار السياسي والعام، بوصفها عنصراً أساسياً في تحقيق سلام مستدام». كما ناقش اللقاء «سبل التمكين الاقتصادي للمرأة، وتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية لها في ظل التحديات الراهنة».

وامتدت لقاءات غروندبرغ لتشمل محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، حيث «جرى بحث الديناميكيات المحلية، والجهود المبذولة لتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الاستقرار في المدينة، التي تمثل مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً».

المبعوث الأممي إلى اليمن لدى وصوله لمطار عدن (الأمم المتحدة)

كما حرص المبعوث الأممي على لقاء ممثلين عن المجتمع المدني ووسائل الإعلام، «في إطار توجه الأمم المتحدة إلى تعزيز الشمولية وإشراك مختلف الفاعلين في جهود السلام، بما يعكس تنوع الرؤى ويعزز فرص الوصول إلى حلول توافقية».

وفي ختام زيارته، شدد غروندبرغ على «ضرورة الحفاظ على مساحة للعملية السياسية، وتكثيف الجهود لتجنيب اليمن تداعيات التصعيد الإقليمي»، مؤكداً أن تحقيق السلام يتطلب تضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية، والعمل على مسارات متوازية تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية.