فياض يدعو إلى تعديل المسار الفلسطيني عبر إعادة التفكير في التمثيل والاتفاقات والنهج

رئيس الوزراء السابق يطالب بعدم إبقاء تمثيل بلاده في منظمة التحرير

فياض يدعو إلى تعديل المسار الفلسطيني عبر إعادة التفكير في التمثيل والاتفاقات والنهج
TT

فياض يدعو إلى تعديل المسار الفلسطيني عبر إعادة التفكير في التمثيل والاتفاقات والنهج

فياض يدعو إلى تعديل المسار الفلسطيني عبر إعادة التفكير في التمثيل والاتفاقات والنهج

دعا رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض، إلى إعادة التفكير في مسألتين بالغتي الحساسية على الساحة السياسية الفلسطينية، الأولى ما إذا كان اتفاق أوسلو الذي قامت بموجبه السلطة الفلسطينية قائما ويمكن البناء عليه، والثانية، ما إذا كان التمثيل الفلسطيني يجب أن يبقى محصورا في منظمة التحرير الحالية.
ويرى فياض أن المنظمة فشلت حتى الآن في إيصال الفلسطينيين إلى حلم الدولة من خلال اتفاق أوسلو الذي فشل كذلك، ويدعو من أجل سلام حقيقي وليس مجرد إدامة عملية السلام، إلى اتخاذ عدة خطوات، تتمثل في سحب اعتراف إسرائيلي بالدولة الفلسطينية يماثل الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، والبحث عن قرار دولي ملزم بإنهاء الاحتلال بحلول موعد محدد وبإطار متفق عليه، والتخلص من أعباء وشروط اتفاق أوسلو، والعمل بشكل جدي على ترسيخ الدولة.
وقال فياض في كلمة مطولة ألقاها في 31 الماضي أمام مجلس أتلانتيك في الولايات المتحدة، إنه يجب فورا توسيع منظمة التحرير وإعطاء الحكومة الفلسطينية صلاحيات واسعة والذهاب إلى انتخابات عامة من أجل التخلص من إرث 20 عاما مضت.
وتنسجم طروحات فياض الذي طالما كان مثيرا للجدل أثناء توليه منصب رئيس الوزراء في فلسطين، مع التوجهات الفلسطينية الرسمية الأخيرة، وربما سبقتها، ولكن بعض مقترحاته، من شأنها إغضاب أصحاب القرار كذلك.
وإلى نص الكلمة:

قيل وكتب الكثير عن الواقع المفزع والمستمر لأكثر من 25 يوما الماضية، والمتمثل في الخسائر الفادحة في الأرواح، وخصوصا تلك التي طالت الأطفال، والدمار الهائل، والبؤس الذي بدد القليل مما كان متبقيا للفلسطينيين في غزة من الأمل في غد أفضل قبل بدء الجولة الأخيرة من هذا التصعيد الخطير. وبالنظر إلى البعد الإنساني القوي لهذه المأساة المتكررة، لا شك أن هنالك المزيد مما سيكتب ويقال عنها ولوقت طويل. ولكن هناك ما يكفي في الكلمات الحزينة لامرأة بدت متمالكة الأعصاب وهي تجلس فوق أنقاض ما كان قبل أسبوعين فقط بيتها في غزة، وتتحدث بشكل يومئ بوضوح إلى ما يتعين القيام به، لا بل إلى ما كان يجب إنجازه من الأساس، وبما يتعدى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار. إذ قالت «أم أحمد» وهي تشير إلى ركام بيتها الذي تحول إلى أثر بعد عين جراء غارة جوية، وبؤس الوضع الإنساني المتصل بالحياة تحت الحصار لسنوات طويلة في قطاع غزة مُخيم على حواسها: «حتى قبل هذا، ما كان عندنا شيء نخسره... كنا عايشين من قلة الموت».
هذا الواقع لم يكن خفياً على الوسطاء الحاليين أو السابقين، بل على العكس من ذلك. إذ يمكن القول إن كل جهود الوساطة السابقة تضمنت إشارات واضحة إلى ضرورة أن يتبع وقف سفك الدم تنفيذ خطوات عملية تستهدف التعامل الجدي والفعال مع الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار. لكن هذا لم يحدث، ومن المرجح، ولأسباب عدة، ألا يحدث في هذه المرة ما لم يتم تبني نهج جديد ومختلف جوهرياً عما حصل سابقاً.
مما لا شك فيه، وكما في السابق، أن هناك تعقيدات متصلة بكون بعض التوقعات والشروط المطروحة للتوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار غير واقعية أو غير قابلة للتطبيق على المدى المنظور، وذلك بسبب الواقع السائد وطبيعة العلاقة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، هناك اشتراط إسرائيلي بنزع السلاح في قطاع غزة، في الوقت الذي لم تكن فيه غزة منزوعة السلاح، حتى قبل إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي من القطاع في عام 2005. إذ، وباستثناء الصواريخ، كان كل شيء آخر، بما في ذلك الأنفاق، موجوداً وقائماً قبل إعادة الانتشار. فكيف، أتساءل، يمكن لأي طرف أن يعتقد أنه بالإمكان اليوم تحقيق ما لم يكن ممكناً تحقيقه من قبل، خصوصا في ظل التطور الحاصل في القدرات القتالية الفلسطينية منذ ذلك الحين؟ أما بالنسبة للمطالب الفلسطينية، فهي باختصار تتمحور حول المطلب المشروع المتصل بضرورة رفع الحصار عن قطاع غزة. وهنا أيضا يمكن التساؤل إن كان من الممكن تحقيق هذا الهدف الهام بسرعة في ظل الاحتلال، على الرغم من أن الجهود السابقة لرفع الحصار باءت بالفشل، حتى قبل سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في عام 2007، وفي ظل استمرار إسرائيل في فرض نظام تحكم وسيطرة تعسفي في الضفة الغربية أيضا.
بالطبع، لم تكن جهود الوساطة السابقة غافلة عن هذه الصعوبات والتعقيدات. وفي قراءة سريعة للتفاهمات السابقة، بما فيها التفاهمات التي تضمنها قرار مجلس الأمن 1860، نرى أن الوسطاء قد توصلوا في السابق إلى صيغ تتعامل مع القضايا الهامة بشكل يوفر فقط غطاء سياسياً للأطراف الرئيسية في وقت وصل فيه أحد أطراف القتال، أو كلاهما، إلى الاستنتاج بأن الاستمرار في القتال بات أكثر تكلفة من وقفه، وذلك على الرغم من إدراك الطرفين، على الأرجح، أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلا إليه لن يصمد طويلا. للأسف، القضايا الخلافية الهامة لم تتغير منذ ذلك الحين، وهي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا. وعليه، فإن جهود الوساطة السابقة لم تعد كونها خطوات دحرجت المشكلة إلى الأمام، وبما أبقاها دون حل جذري وأفضى إلى الاستمرار في الدوران في حلقة مفرغة.
حتى يكون كسر هذه الدائرة ممكناً، يتعين توظيف جهد دبلوماسي دولي مختلف عن السابق، لجهة تركيزه أولاً على معالجة جوهر الخلل في العلاقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبما يمهد بشكل جدي لإعادة إطلاق ما تبقى مما اصطلح على تسميته بعملية السلام. وحري التوضيح بأن المقصود من مثل هذا الجهد ليس تجاوز الجهود المبذولة حالياً والرامية للتوصل لاتفاق حول وقف إطلاق النار بالطريقة التي جرى إنجازها، على سبيل المثال، في قرار مجلس الأمن 1860، أو من خلال هدنة إنسانية، بل دعمها والبناء عليها. في الوقت ذاته، يجب ألا ينظر إلى الجهد الدولي المطلوب باعتباره فرصة لإعادة استئناف المفاوضات المتعثرة بتسرع، لأن مآل هذا النهج كان دوماً الفشل، الذي كان ينبغي توقعه، والذي من شبه المؤكد أنه سيتكرر طالما استمر التركيز على إدامة عملية السلام بعينها، وليس على صنع السلام الحقيقي، وفي سياق إطار، ألا وهو إطار أوسلو، لم يعد منسجما مع افتراضات أساسية بني عليها. وبلا شك، فقد ساهمت عوامل وحيثيات كثيرة في الوصول إلى هذا الفشل خلال جولات سابقة من المفاوضات الثنائية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بوساطة دولية. ولكن ما من شك أيضا في أن ما حصل وتبين من فقدان هذا الإطار لصلاحيته وأهليته من الناحية البنيوية كان، من وجهة نظري، كفيلاً بحد ذاته بتحقيق الفشل حتى في غياب أية عوامل ضعف أخرى. وعليه، فإنني أجزم بأنه من دون تعديلات جوهرية في هذا الإطار، وبما يشمل مكونات أساسية فيه، فإن استمرار العمل بموجبه لا يمكن أن يفضي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، لا عاجلاً ولا ربما حتى أبداً.
قبل الانتقال إلى تلخيص الخطوط العريضة لأهم العناصر الواجب تعديلها، اسمحوا لي، أولاً، أن أؤكد بشكل قطعي أن ادعائي بوجوب هذه التعديلات لا ينطلق، ولا حتى تنويهاً من قريب أو بعيد، من فكرة التخلي عن مفهوم حل الدولتين، بل على العكس من ذلك تماماً. إذ في الواقع أن المنطق الذي تستند إليه هذه التعديلات يكمن، وبشكل كامل، في الحاجة لإنقاذ فرصة حل على أساس هذا المفهوم. ثانياً، إن جوهر هذه التعديلات يستند في المقام الأول إلى أهمية الحاجة إلى معالجة عدم التكافؤ في ميزان القوى بين القوة المحتلة والطرف الواقع تحت الاحتلال، وعلى نحو يكفل، وهذا أمر في غاية الأهمية، معالجة التآكل الخطير في مرجعيات عملية السلام، عبر جولات المفاوضات المتعاقبة، والتي بسبب فشل كل منها لم تفض إلاّ إلى اتساع مضطرد في ما أسميه «الفجوة في التوقعات»، والمتمثلة ببساطة في الفرق بين أقصى ما هو مطروح من قبل إسرائيل وبين الحد الأدنى المقبول فلسطينياً. ثالثا، أود التحذير، ولكن ليس بكثير من الجدية، أن مجرد النظر في التعديلات التي أعتقد أنها واجبة، وعلى وجه السرعة، قد يتطلب من الكثيرين، ولا أستثني نفسي، الاستعداد للتضحية بالسكينة الفكرية التي تلازم التمسك بالمواقف التقليدية.
أما بالنسبة لما أقترحه من تعديلات فهي تقع في مجالين مترابطين، يتصل الأول منهما بمدى ما إذا كان التمثيل الفلسطيني لا يزال ملائماً أو صحيحاً، سواء في سياق متطلبات إطار أوسلو أو متطلبات إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية. وأما الثاني، فإنه يتعلق بما إذا كان هذا الإطار (إطار أوسلو) لا يزال قائماً بما يعتد به من حيث المبدأ، خصوصا وأن الجدول الزمني الذي صمم على أساسه قد انتهى منذ وقت طويل. الإجابة على السؤالين السابقين هي بالنفي. ولذلك، فإن عملية التصويب أصبحت واجبة، لا بل طال انتظارها، خصوصا في ظل فشل مسار أوسلو في الوصول إلى اتفاقية حول «قضايا الوضع النهائي»، عبر ما يزيد عن 15 عاماً من انقضاء الفترة التي كان من المقرر حل هذه القضايا بحلول نهايتها، الأمر الذي جعل مما تبقى من مسار أوسلو تضارباً في المفاهيم لجهة كون إطار مرحلي أصبح من الناحية الفعلية إطاراً مرحلياً دون أجل.
بالنسبة لقضية التمثيل الفلسطيني، تجدر الإشارة إلى أن مسألة ماهية الجهة ذات الحق أو الامتياز في تمثيل الشعب الفلسطيني ظهرت بشكل بارز في الخطاب السياسي العربي والفلسطيني منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، وكانت في كثير من الأحيان السبب الرئيس للتنافس الحاد داخل الفصائل الفلسطينية وبينها. ولكن، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، تنامى التوافق بشأن أن منظمة التحرير الفلسطينية هي وحدها صاحبة الولاية والحق في التمثيل. وقد تكرس هذا التوافق بشكل مطلق في نهاية المطاف باعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير «ممثلاً للشعب الفلسطيني» في إطار «إعلان الاعتراف المتبادل»، والذي يلاحظ فيه بوضوح، ولكن ليس من باب الصدفة، غياب توصيف التمثيل في هذه الصيغة بـ«الشرعي والوحيد». ليس هذا فحسب، بل ما هو أهم، فقد جاء هذا الاعتراف مشروطاً باعتراف منظمة التحرير الفلسطينية «بحق دولة إسرائيل في الوجود بأمن وسلام»، بينما قبلت منظمة التحرير بما هو أقل من اعتراف متبادل بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، الأمر الذي جعل من هذا الاعتراف غير متكافئ وبما انطوى على القبول بالرواية التاريخية الإسرائيلية على حساب الرواية التاريخية الفلسطينية، وعلى منح إسرائيل، على الأقل ضمناً، حق النقض إزاء إمكانية قيام دولة فلسطينية في حال تعارض ذلك مع «حق دولة إسرائيل في الوجود بأمن وسلام». وعلى أي حال، وعلى الرغم من عدم التكافؤ في هذه الصيغة، فقد مهد «إعلان الاعتراف المتبادل» الطريق أمام منظمة التحرير لتصبح ممثل الشعب الفلسطيني المعترف به دولياً، ومن خلال ذلك، اكتمل جهد المنظمة في الحفاظ على هوية الشعب الفلسطيني وصونها. إلا أن السياق الذي تحقق فيه هذا النجاح حمل في ثناياه بذور فشل لم تكن بادية للعيان عند التوقيع على إطار تفاهمات أوسلو، والذي أدى فعلياً، ومنذ لحظة التوقيع، إلى وضع لم يعد فيه حكم صاحب الولاية (الشعب الفلسطيني في كل مكان) على الوكيل (منظمة التحرير) مستمداً من مجد المنظمة التليد، وإنما من قدرتها على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وهو بالمناسبة هدفٌ لم تتطرق له اتفاقية أوسلو، لا تصريحاً ولا تلميحاً. وكما هو مبين تالياً، فإن ما زاد الطين بلة لجهة المكانة المستقبلية للمنظمة كان الاشتراط الإسرائيلي الآخر الملازم للاعتراف بمنظمة التحرير، والمتمثل في أن تضع المنظمة سلاحها جانباً، وأن تتعهد وبشكل لا يقبل التأويل بالالتزام بنهج اللاعنف طريقاً للسلام.
على أساس هذا المعيار (مدى النجاح في الإنجاز في إطار أوسلو)، لا يمكن بموضوعية إلا الإقرار بفشل المنظمة الذريع في رهانها على هذا الإطار. وفضلاً على ما هو جلي من حيث فشل أوسلو في إنجاز قيام الدولة الفلسطينية المستقلة مع انتهاء الفترة الانتقالية، فإن ما لا شك فيه هو أن فرص تحقيق هذا الهدف باتت اليوم أضعف بكثير مما كانت عليه في بداية مرحلة أوسلو. ولقد ساهم فشل جولات المحادثات المتتالية، خلال الـ15 عاماً التي انقضت منذ نهاية إطار أوسلو الزمني، لجهة عدم تحقق إنجازات ملموسة على طريق إنهاء الاحتلال الذي بدأ في عام 1967، في خلق شعور متعاظم بانحسار فرص إقامة الدولة الفلسطينية. وقد تعزز ما صاحب ذلك من شعور بالإحباط في ظل الظروف الحياتية التي لا تُحتمل في الأرض الفلسطينية المحتلة. ففي قطاع غزة، حيث، بالإضافة إلى المآسي المرتبطة بالتصعيد الميداني المتكرر، فُرض على المواطن العيش في ظل نقص حاد في المياه والطاقة، فضلاً عن القصور في تقديم الخدمات العامة والمنع شبه التام من الحركة والسفر، وأيضا في الضفة الغربية، حيث طالما قوض نظام التحكم والسيطرة التعسفي المفروض من الاحتلال حق المواطن الفلسطيني في العيش بكرامة على أرضه، فضلاً عن تطرف المستوطنين وإرهابهم بحق الفلسطينيين. وبالإضافة للضرر المادي الواضح للتوسع الاستيطاني على فرص قيام دولة فلسطينية، فقد كان للضرر السياسي والمعنوي المتصل بالإمعان في النشاط الاستيطاني دور كبير في تقويض الثقة بإمكانية قيام الدولة ضمن إطار أوسلو القائم على نبذ العنف. وكذلك ساهمت اقتحامات الجيش الإسرائيلي المتكررة للمناطق المصنفة «أ»، على الرغم من تحقيق تحسن ملحوظ في الأوضاع الأمنية، في تعزيز القناعة بأن الاحتلال بات أكثر تجذراً من ذي قبل.
لقد كانت العوامل آنفة الذكر أكثر من كافية لإضعاف مكانة منظمة التحرير بوصفها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني. ومما لا شك فيه كذلك أن القصور في أداء السلطة الفلسطينية، وهي الذراع التنفيذية للمنظمة في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، قد ساهم أيضا بشكل كبير في إضعاف مكانة المنظمة، الأمر الذي وجد تعبيراً عنه بشكل واضح في الفوز الحاسم الذي حققته حركة حماس في انتخابات عام 2006.
لعل الاستنتاج الأهم لأي تحليل موضوعي لعوامل الضعف آنفة الذكر يكمن فيما يمكن أن يسمى بالهزيمة المنهجية لرؤية منظمة التحرير الفلسطينية القائمة على اعتماد مبدأ اللاعنف سبيلاً لنيل المطالب الفلسطينية وتحقيق السلام العادل. إذ، وعلى خلفية تمسك المنظمة بهذا المبدأ منذ أوسلو وفشل إطار أوسلو في تحقيق المبتغى فلسطينياً، تنامت القناعة لدى الرأي العام الفلسطيني بعدم جدوى هذا النهج، في الوقت الذي أزكت فيه أحداث عدة (كصفقة شاليط، وقبلها إعادة الانتشار من قطاع غزة، وقبل ذلك الانسحاب من جنوب لبنان) الشعور العام بأن نهج المقاومة المسلحة هو السبيل المجدي، إن لم يكن الوحيد، لتحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية. وقد تعاظمت القناعة بهذا التوجه إبان فترات التصعيد العسكري كلها، كما هو الحال اليوم، وبما تزامن مع ما كان متوقعاً من فشل جولة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الأخيرة، الأمر الذي أفضى إلى تراجع غير مسبوق في مكانة منظمة التحرير وتعاظم في شعبية قوى المقاومة من الفصائل غير المنضوية تحت لواء المنظمة.
في ضوء ما سلف، اسمحوا لي أن أتناول الآن التعديلات التي لا بد من استحداثها في الإطار القائم، إذا ما كان لفرص تحقيق السلام أن تتحسن بشكل حقيقي، وبما يبعث على الثقة بمستقبل واعد ويقلل من احتمالات ومخاطر عدم الاستقرار الأمني لحين إحلال السلام الدائم. وكما أشرت سابقاً، تتمحور هذه التعديلات في جوهرها، وفيما يمكن تلخيصه فيما يلي، حول الحاجة الأساسية لمعالجة عدم التكافؤ في ميزان القوى بين القوة المحتلة والشعب الواقع تحت الاحتلال. أولاً، بعد انقضاء ما يزيد عن عشرين عاماً من الاعتراف الفلسطيني بحق دولة إسرائيل في الوجود بأمن وسلام، آن الأوان لأن تقابل إسرائيل ذلك بما يحقق التماثل، وذلك من خلال اعترافها بحق الفلسطينيين في دولة ذات سيادة على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. ثانياً، يجب أن تكون إسرائيل مستعدة للقبول بقرار دولي ملزم بإنهاء الاحتلال بحلول موعد محدد وبإطار متفق عليه للوصول إلى ذلك الموعد. ثالثاً، وفي غضون ذلك لا ينبغي أن تبقى الجهود الفلسطينية لتحقيق الوحدة الوطنية مكبلة بإصرار المجتمع الدولي على فرض تطبيق صارم لشروط مستندة أساساً لإطار أوسلو، والذي، كما بينت سابقاً، فقد أهليته في جوانب هامة منه. وأخيراً يجب أن يكون هناك وقف لكل الممارسات التي تنتقص من حق الشعب الفلسطيني في الحياة بكرامة على أرضه، وهو يمضي قدماً نحو ترسيخ وحدته الوطنية ويثابر في جهوده لبناء مؤسسات دولته وتعزيز قدرته على تكريس واقع الدولة على الأرض.
هذا هو جوهر التعديلات المطلوبة. ولكن، في تقديري، يكمن مفتاح تحقيق هذه التعديلات في جهد وطني فلسطيني يهدف إلى تحقيق الشراكة الكاملة في إطار تمثيلي شامل. ولتحقيق ذلك، هناك عدد من العناصر التي تستدعي، في نظري، دراسة متأنية بغية التوصل أولاً لما يتجاوز المبادئ العامة على درب إنجاز خطة تفصيلية تأخذ في الاعتبار مختلف الآراء والتوجهات في سياق حوار حاضن لمثل هذه الدراسة. وفيما يلي عرض لهذه العناصر:
1. إلى أن يصبح توسيع عضوية منظمة التحرير ممكناً، سواء من خلال الانتخابات أو أية آلية موضوعية أخرى يتم التوافق عليها، أرى ألا يطرأ أي تعديل على برنامج منظمة التحرير مع الإبقاء على مكانتها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني.
2. تفعيل الإطار القيادي الموحد والمكون من كافة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل غير المنضوية تحت لواء المنظمة، على نحو يجعل من المداولات والقرارات الجماعية فيه أساساً للقرارات التي تتخذها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في القضايا المتعلقة بالمصلحة الوطنية العليا.
3. لا تتطلب عضوية الفصائل الفلسطينية من خارج منظمة التحرير في الإطار القيادي الموحد قبولها ببرنامج المنظمة. ولكن يجدر التنويه في هذا المجال أنه، ومن منظور فلسطيني محض، قد يكون من المناسب النظر في اعتماد الإطار القيادي الموحد بالإجماع التزام كل الفصائل باللاعنف لمدة زمنية محددة تأخذ بالاعتبار الوقت اللازم لإنجاز إعادة توحيد المؤسسات الرسمية والقوانين بعد ما يزيد عن سبع سنوات من الانقسام.
4. الاتفاق على أن تكون الحكومة الفلسطينية مخولة لأقصى درجة يوفرها القانون الأساسي بإعادة بناء وتوحيد المؤسسات والاضطلاع بكل المسؤوليات المنوطة بها على النحو المنصوص عليه في القانون.
5. الالتزام بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة خلال فترة زمنية تسبق بستة أشهر على الأقل نهاية المرحلة الانتقالية المشار إليها في البند رقم 3 أعلاه، وضمان أقصى درجة من المساءلة من خلال إعادة انعقاد المجلس التشريعي الحالي للقيام بدوره كاملاً، مع السعي الحثيث لتوسيع نطاق المشاركة السياسية عبر الوسائل الديمقراطية.
أود التوضيح هنا أن مجموعة الإجراءات آنفة الذكر ليست حصرية أو نهائية، وأن هناك مسائل وأفكارا أخرى يمكن أن يتم تضمينها في النقاش بهدف التوصل إلى توافق وطني فلسطيني واسع حول السبيل الأمثل للمضي قدماً وفي أسرع وقت ممكن. ولكن يبقى الأساس هو أن يتم التوافق. وبمجرد التوصل إليه، وليس قبل ذلك، يصبح مضمونه والجدول الزمني الذي يتضمنه أساساً للتعامل مع إسرائيل والمجتمع الدولي، من منطلق الحاجة لتحديد تاريخ محدد ومؤكد لإنهاء الاحتلال والمضي قدما في حل كل المسائل العالقة.
مرة أخرى، الأساس هو التوصل إلى توافق وطني شامل حول القضايا الأساسية المذكورة أعلاه وغيرها، وفيما يشمل، على سبيل المثال، وضوحاً أكبر في الرؤية بشأن معبر رفح، خصوصا لجهة أن تشغيله يتطلب فقط تفاهماً ثنائياً بين مصر وفلسطين. وعليه، من الأهمية بمكان عدم الاستمرار في طرح هذا الموضوع في إطار ما هو مطلوب من إسرائيل لجهة رفع الحصار عن قطاع غزة، مع الأخذ بالاعتبار الأهمية الاستراتيجية القصوى لضمان ربط قطاع غزة شمالاً مع الضفة الغربية، وليس في اتجاه ما يستمر في دفع القطاع جنوباً أو يكرسه ككيان فلسطيني منفصل. وكذلك، وفيما ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار في إطار الحوار الوطني، هنالك ما يتصل بالأهمية القصوى التي يجب إيلاؤها لصلاح الحكم ورشده كمتطلب فلسطيني وطني أولاً، وفيما يعود أيضا بالقدرة والتمكين على الشعب الفلسطيني بسبب الاهتمام الدولي بالموضوع. وأخيراً، وليس آخراً، لا بد من الإشارة إلى أهمية التركيز على المنظومة القيمية التي ستقوم على أساسها دولة فلسطين لجهة اتساقها مع القيم الإنسانية السامية كالمساواة والتسامح وعدم التمييز والاحترام المطلق لحقوق المواطنة، وخصوصا على خلفية ما يسود المنطقة حالياً من مظاهر المغالاة في التطرف والعنف والنزعة العدائية.
في الختام، اسمحوا لي أن أختتم حديثي بما بدأت به، وتحديداً من أن الحاجة للتعديل في الإطار القائم مستمدة من الحاجة لتقليل احتمالات ومخاطر عدم الاستقرار، من ناحية، وتمهيد الطريق لإطلاق جهد يفضي إلى سلام وأمن دائمين، من ناحية أخرى. من وجهة نظري، يجب أن يأخذ الفلسطينيون زمام المبادرة للوصول لهذه الغاية، وذلك عن طريق البدء في عملية تفضي إلى تشكيل توافق وطني واسع، وبشكل سريع، حول برنامج يمكنهم من إدارة شؤونهم بكفاءة وقدرة، محلياً ودولياً. في الوقت ذاته، فإن هذا يتطلب أيضا تعديلاً أساسياً من قبل المجتمع الدولي فيما يتصل بتمسكه بفرض شروط على الطرف الفلسطيني في إطار تعامله على الصعيد الدولي، وبما يشمل إسرائيل. نعم، لا بد من إعادة النظر في هذه الشروط، لأن الاستمرار في استبعاد الفصائل غير المنضوية في إطار منظمة التحرير سيؤدي بلا شك إلى المزيد من الفشل والمآسي، خصوصا وأن الشروط المشار إليها لم يتم الالتزام بها أو حتى طرحها دوليا كمتطلب من الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1996. في هذا السياق، أعتقد أن أقوال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخراً بأن لا مكان لدولة فلسطينية مستقلة غرب نهر الأردن، تلخص المشهد ولا تحتمل الكثير من التأويل، حيث قال: «أعتقد أن الشعب الإسرائيلي يدرك الآن ما قلته دوما وهو أنه لا يمكن أن يكون هناك وضع، بموجب أي اتفاق، نتخلى فيه عن سيطرتنا على المنطقة غرب نهر الأردن».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.