الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي

حرب ليبيا وأزمة الجزائر تعقّدان أوضاع تونس

الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي
TT

الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي

الربع الساعة الأخير في معركة خلافة السبسي

تنفّس التونسيون الصعداء وهم يتابعون صورة جديدة للرئيس الباجي قائد السبسي حياً يرزق، مبتسماً، وحوله فريق الأطباء في المستشفى العسكري. إذ تأكدوا من زيف الإشاعات التي روّجت يوم الخميس 27 يونيو (حزيران) الماضي عن وفاته، وعن دخول البلاد في مرحلة «فراغ سياسي» قبل 3 أشهر فقط من الانتخابات المقرر تنظيمها الخريف المقبل. بل وتنفسوا الصعداء أيضاً وهم يشاهدون رئيس البرلمان محمد الناصر سليماً يرأس جلسة عامة بعد إشاعات عن تدهور خطير في صحته وتسميمه؛ ما يعني «فراغاً دستورياً» باعتباره الشخصية المكلفة في الدستور بخلافة رئيس الدولة لمدة 3 أشهر في حال شغور منصبه مؤقتاً أو نهائياً.
إلا أن الإشاعات الخطيرة عن مرض رئيسي الدولة والبرلمان فجّرت في الوقت نفسه أزمة سياسية حادة داخل البرلمان وبين كبار السياسيين، وسط تبادل الاتهامات بـ«التورط في محاولة انقلابية بيضاء»، وذلك في اليوم نفسه الذي شنت فيه مجموعات إرهابية هجمات متزامنة وسط تونس العاصمة وعلى الحدود مع الجزائر، وارتفعت فيه المخاطر الأمنية بسبب الحرب غربي ليبيا. فكيف ستخرج تونس من مضاعفات ما أصبح يسمى «الخميس الأسود»؟ وهل تنجح النخب التونسية مجدداً في تجنب «سيناريو» القطيعة والصدام، وفي احتواء المخاطر الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجه تونس بعد تعقد الأوضاع في «جارتيها» الجزائر وليبيا؟... أم تدخل البلاد في أزمة شاملة جديدة بسبب انخراط عدد كبير من صناع القرار التونسيين في لعبة المحاور الإقليمية والميل إلى أحد طرفي الحرب في ليبيا؟
في تونس، وجّه مسؤولون من المعارضة وإعلاميون وساسة بارزون تهمة الإعداد لـ«انقلاب أبيض» إلى الحزبين الكبيرين في البرلمان وفي حكومة يوسف الشاهد «تحيا تونس» و«حركة النهضة». وأورد رئيس كتلة حزب «نداء تونس» سفيان طوبال والبرلماني حسن العماري في تصريحات رسمية أن النائبين عن حزب رئيس الحكومة (تحيا تونس) هاجر بالشيخ أحمد والصحبي بن فرج أعلما البرلمانيين بـ«تحركات» و«اجتماعات» جرت داخل البرلمان وخارجه، بعد نقل رئيس الدولة الباجي قائد السبسي إلى المستشفى العسكري - وما أشيع عن إعلان وشيك عن عجزه، - ورئيس البرلمان محمد الناصر، وعجزهما عن ممارسة مهامهما لأسباب صحية ولتقدمهما في السن (93 سنة بالنسبة للسبسي و85 سنة بالنسبة للناصر). واتهم بعض نواب المعارضة وساسة وخبراء قانون عبر وسائل الإعلام قياديين في «حركة النهضة» بالتورّط في «التحضير لانقلاب أبيض».
وفق هذه الرواية، فإن النائب الأول لرئيس البرلمان والنائب الأول لـ«النهضة» المحامي عبد الفتاح مورو أوشك أن يعين رئيساً جديداً للبرلمان ليتولى الرئاسة المؤقتة للدولة بعد اجتماع كان سيُعقد في قصر البرلمان لتأكيد الشغور في قصر قرطاج (الرئاسي) وفي رئاسة مجلس النواب.
غير أن مورو فنّد هذه الرواية في عدد من الحوارات والتصريحات، وقال إنه ليس معنياً بأي منصب سياسي أو حزبي في المرحلة المقبلة، كذلك فنّدها البرلماني مصطفى بن أحمد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «تحيا تونس» في البرلمان.
وفي الاتجاه نفسه، رد قياديون بارزون في «النهضة» بينهم راشد الغنوشي رئيس الحركة، ونور الدين البحيري رئيس كتلتها البرلمانية، بقوة على الحملة الإعلامية التي استهدفتهم من قبل بعض الإعلاميين والمثقفين مثل لطفي العماري، ومايا القصوري، وآمال بالحاج. بل صعّد الغنوشي خطابه وشن هجوماً مضاداً، فاتهم في حوار تلفزيوني مطوّل «أطرافاً» لم يسمّها بمحاولة إبعاد الرئيس قائد السبسي عن المشهد السياسي وتغييبه والإساءة إلى «حركة النهضة». ورجّحت تصريحات الغنوشي فرضية «المحاولة الانقلابية البيضاء» رغم توجيهه التهمة إلى ساسة من خارج «النهضة» لم يسمّهم.
- محاولة انقلابية ثانية؟
بعدها زاد الأمر تعقيداً امتناع محمد الناصر، رئيس البرلمان، عن نفي تهمة «محاولة الانقلاب» عن نائبه الأول عبد الفتاح مورو والمقربين منه، رداً على سؤال علني وجهه إليه البرلمانيون خلال الجلسة العامة، بينهم النائب عن حزب رئيس الحكومة الحقوقي القومي الصحبي بن فرج. وقد اتهم بن فرج وآخرون رئيس البرلمان بعد هذا الامتناع بـ«فضح بعض الحقائق»، وبينها ما له صلة بتغيب الناصر عن مكتبه وعن بعض جلسات البرلمان في المدة الماضية.
وانطلق قياديون من «حركة النهضة» ومن الساسة الموالين لرئيس الحكومة، وأيضاً شخصيات معتدلة، في توجيه اتهامات لرئيس البرلمان والتشكيك في مصداقيته ونزاهته. وفي المقابل، انخرط جامعيون وخبراء دستوريون كبار في المعركة حول «الانقلاب الأبيض الافتراضي» وفي «حرب الاستنزاف» بين الطرفين، بينهم رئيس منظمة «دستورنا» جوهر بن مبارك وخبير القانون الدولي سليم اللغماني والمقرّر العام للدستور البرلماني الحبيب خضر.
- مَن يخلف الرئيس؟
من ناحية ثانية، استغلّت بعض المواقع الاجتماعية القريبة من «حركة النهضة» وبعض الأطراف السياسية الراديكالية «الأزمة الصحية الحادة» التي أصيب بها الرئيس قائد السبسي لتوجيه رسائل مشفّرة إلى أطراف سياسية عدة واتهامها بمحاولة الانقلاب على الدستور، بما في ذلك الأطراف الموالية لرئيس الحكومة يوسف الشاهد. ولقد تدخّل الحبيب خضر، المقرّر العام للدستور والقيادي في «حركة النهضة»، وعدد من أنصاره، في وسائل الإعلام يوم «الخميس الأسود» وبعده للتعبير عن موقف معارض لنقل سلطات رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة مؤقتاً، وفق الفصل 83 من الدستور. وأكّدوا على أنه يجب تطبيق «الفصل 84» الذي ينصّ على تكليف رئيس البرلمان بخلافة رئيس الدولة إذا ما أُعلِن شغورٌ مؤقت أو دائم. وتجدر الإشارة، إلى أن الفصل 83 من الدستور يسمح بأن يكون الخليفة المؤقت لرئيس الدولة رئيس الحكومة، لا رئيس البرلمان، إذا ما حصل على تكليف من رئيس الجمهورية. وفي هذه الأثناء، لزم يوسف الشاهد الصمت إزاء هذه الزوبعة، فلم ينخرط في الجدل، بل تابع أنشطته شمالي البلاد وجنوبها، وزار الرئيس المريض في المستشفى العسكري وأبدل صورته في صفحته الاجتماعية بصورة تجمعه بقائد السبسي الذي دخل معه في خلاف علني منذ أكثر من سنة.
- المعلن والمسكوت عنه
على صعيد آخر، تخفي الأزمة الجديدة بين كبار ساسة تونس، قبل 3 أشهر عن موعد الانتخابات العامة، جوانب أعمق من الخلافات في مناخ غير مسبوق من التوتر في ليبيا والجزائر، ومن انخراط ساسة تونسيين في لعبة المحاور العربية والإسلامية والدولية.
ويبدو الاصطفاف واضحاً وسط الأطراف السياسية التونسية بين قطب مناصر لهجوم الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر على طرابلس وحكومة عبد الله الثني شرقاً، وآخر معارض له ومناصر لـ«حكومة الوفاق» بقيادة فايز السراج ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري ورفاقه المحسوبين على تيار الإسلام السياسي. ولقد تطور الخلاف حول المواقف من حرب ليبيا ومحوري «الجيش» – «الوفاق» منذ مدة إلى موضع رئيسي في الحملة الانتخابية السابقة لأوانها. فمناصرو «الجيش» وداعمو هجومه على طرابلس يتهمون خصومهم في الحكومة وحزبي «النهضة» و«تحيا تونس» و«نداء تونس» بـ«دعم الإرهاب» و«الميليشيات المسلحة» في ليبيا والمنطقة. وفي المقابل، يتهم الطرف المقابل معارضيه بدعم «سيناريو الانقلاب العسكري» و«التآمر على البلاد» من خلال تأييد «الجيش» على ما يعتبرونه «السلطات المدنية الشرعية» المعترف بها من قبل مجلس الأمن الدولي.
- حرب ليبيا ومستجدّات الجزائر
وبجانب إجماع الأوساط الحكومية والشعبية في تونس على المضاعفات السلبية للحرب الدائرة في ليبيا منذ 8 سنوات، ثمة من يشير أيضاً إلى التعقيدات السياسية والأمنية في الجزائر، وتأثيرها كذلك على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية في تونس. إذ كشفت تصريحات وزير الداخلية التونسية هشام الفراتي، وأيضاً الناطق الرسمي باسم المحاكم التونسية القاضي سفيان السليطي، عن أن الجماعات الإرهابية التي تحركت في تونس خلال الفترة الماضية تابعة لتنظيمات إرهابية لديها علاقات بجماعات إرهابية في ليبيا والجزائر والدول المغاربية ودول الساحل والصحراء الأفريقية كـ«جماعة عقبة بن نافع» و«داعش» و«القاعدة في المغرب الإسلامي».
ويعتبر الجنرال محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمارك) في تونس، أن «العصابات المورّطة بالإرهاب في تونس مرتبطة مع عصابات التهريب العابرة للحدود والقارات. وهي تستفيد من ضعف الدولة المركزية ومن الحرب في ليبيا والتوترات السياسية والعسكرية والأمنية والسياسية في بقية دول المنطقة». ويوافق المؤدب على هذا الراي الجنرال مختار بن نصر، رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب في رئاسة الحكومة التونسية.
- مليونا ليبي وجزائري
رغم تعتيم السلطات الأمنية والقضائية حول تفاصيل الهجمات الإرهابية التي استهدفت يوم «الخميس الأسود» محطة إرسال إذاعي وتلفزيوني على الحدود الجنوبية التونسية - الجزائرية، في محافظة قفصة جنوباً، وهدفين استراتيجيين في قلب العاصمة تونس، فإن معظم التقارير الصادرة عن مؤسسات الوقاية من الإرهاب تؤكد أن جُلّ الأسلحة المستخدمة في العمليات الإرهابية في تونس دخلت عبر ليبيا أو الجزائر عبر المهرّبين. وبالتالي، يخشى الساسة التونسيون أن يتسبب التصعيد العسكري والأمني في المنطقة الغربية لليبيا، حيث يقيم ثلاثة أرباع الشعب الليبي، في تدهور الوضع الأمني، وبالتالي، فرار المزيد من الليبيين نحو تونس، وقد يكون بين هؤلاء إرهابيون ومهربو أسلحة ومخدرات ومهاجرون غير قانونيين.
هذا، ويتراوح عدد الليبيين النازحين بصفة دائمة نحو تونس منذ 8 سنوات، حسب الرئيس التونسي قائد السبسي بين مليونين ونصف مليون نسمة. وتخشى مصادر تونسية ليبية وجزائرية أن يتضاعف عددهم إذا استمرت حرب «الجيش» و«الوفاق»، لكون تونس الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تفرض تأشيرات دخول على المسافرين الليبيين. كذلك، يخشى بعض الخبراء في الدراسات الأمنية والاستراتيجية من أن تبرز مجدداً ظاهرة النازحين الجزائريين، إذا طالت الأزمة الداخلية في الجزائر. وكانت تونس طوال عقد التسعينات من القرن الماضي تستضيف نحو نصف مليون نازح جزائري، غالبيتهم من الفارين من الحرب الأهلية والصراعات الدامية بين التنظيمات المسلحة والسلطات.
- الخطر الداهم
وعلى الصعيد الاقتصادي، تؤكد المنظمات المشتركة لرجال الأعمال التونسيين والليبيين والتونسيين والجزائريين، مثل مجلس الأعمال التونسي الليبي برئاسة عبد الحفيظ السكروفي، أن تونس خسرت سنوياً نحو 5 مليارات دولار أميركي من المبادلات التجارية والاستثمارية مع ليبيا منذ اندلاع الحرب ضد نظام معمر القذافي. وتوشك أن تخسر مليارات من ديونها لدى الحكومات الليبية المتعاقبة، بينها ديون ضخمة لفائدة مؤسسات تونسية صناعية وسياحية وطبية أفلست بسبب عجز الجانب الليبي عن تسديد تلك الديون.
وفي سياق توجيه رسائل رمزية إلى أبناء الجنوب التونسي، الذين تضرّرت مصالحهم كثيراً من حرب ليبيا، كثف رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزيرا الداخلية هشام الفراتي والدفاع عبد الكريم الزبيدي خلال الفترة الماضية زيارات العمل إلى الشريط الحدودي التونسي - الليبي الذي يمتد 500 كلم. ودشنوا بالمناسبة مشاريع اقتصادية يُراد لها أن تفتح الآفاق لشعبي البلدين وتشجيع السياحة والاستثمار في البلدين بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي في ليبيا تسبب في فقدان نحو ربع مليون تونسي موارد رزقهم. ويرى كثيرون من المراقبين في تونس وخارجها أن التحديات الأمنية والاقتصادية الجديدة التي تسببت فيها حرب ليبيا وتعقيدات أوضاع الجزائر، منذ أشهر، يمكن تصنيفها بـ«الخطر الداهم» الذي نص عليه الدستور التونسي وسمح من خلاله لرئيس الدولة تأجيل الانتخابات.
ولكن يبدو أن تحرّكات الكواليس في ربع الساعة الأخير أسفرت عن توافقات جديدة بين كبار صنّاع القرار السياسي. إذ وقّع الرئيس التونسي في الأجل القانوني الأمر الرئاسي الذي يدعو الناخبين إلى المشاركة في الاقتراع العام المقرر ليوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وبهذا التوقيع تكون الطبقة السياسية قد تجنّبت «كابوس» الفراغ الدستوري والسياسي. مع هذا، فإن ربع الساعة الأخير من عهد الرئيس الباجي قائد السبسي قد يشهد أشكالاً جديدة من الصراع على السلطة تؤثر في المشهد السياسي والانتخابي العام.
في المقابل، نجاح «التوافق بين الأطراف السياسية» مجدداً، وقبول حسم الخلافات عبر الانتخابات، من شأنه فتح الباب مجدداً أمام الترويج «للاستثناء الديمقراطي التونسي» في ليبيا والجزائر وبقية دول المنطقة واستبعاد اللجوء إلى الخيار العسكري. ولكن إنجاز الانتقال السياسي السلمي في تونس سيبقى، في مختلف الأحوال، رهين وقف القتال في ليبيا وتجميع ملايين قطع السلاح الثقيلة من أيدي مختلف الميليشيات وقيام سلطة مركزية قوية مدنية فيها.
- السفير الأميركي وزوجته جالا في شوارع العاصمة
> رغم تركيز وسائل الإعلام التونسية والعالمية على العمليات الإرهابية التي استهدفت صباح الخميس 27 يونيو (حزيران) الشارع الرئيس في تونس العاصمة ومقر مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الداخلية، نزل السفير الأميركي دونالد بلوم وزوجته مترجلين إلى الشارع ذاته، وتناولا قهوة في مقهى شعبي لتوجيه رسالة تطمين للتونسيين والمراقبين الأجانب المتخوفين على مستقبل البلاد وأمنها. أيضاً، قام وزير السياحة التونسي روني (رينيه) الطرابلسي - وهو يهودي الديانة - بمبادرة مماثلة، وأدلى بتصريحات عدة لوسائل الإعلام الأوروبية والعالمية بعد العمليتين الإرهابيتين. ثم أعلن أن الحجوزات للموسم السياحي الصيفي لم تشهد أي عملية إلغاء.
- مسلسل من «الانقلابات البيضاء» في تونس
> عرفت تونس سابقاً سلسلة من «الانقلابات البيضاء» ومحاولات الانقلابات. ولعل هذه الانقلابات «الانقلاب الأبيض» في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 الذي قاده زين العابدين بن علي، رئيس الحكومة ووزير الداخلية يومذاك، ضد الرئيس الحبيب بورقيبة (84 سنة)، اعتماداً على شهادة طبية وقّعها فريق من كبار الأطباء المدنيين والعسكريين. في ذلك اليوم جمع بن علي، في مقر وزارة الداخلية فجراً، معظم قيادات الجيش والأمن الوطني وكبار المسؤولين في الحكومة والبرلمان، وأعلمهم بـ«الشهادة الطبية» وبقراره تسلم الحكم «مؤقتاً». وهذا ما حدث فعلاً. وكان الدستور التونسي في حينه ينص على تسليم السلطة إلى رئيس الحكومة مؤقتاً في حال شغور منصب رئيس الدولة.
ووقع «الانقلاب الأبيض» الشهير الثاني يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011 ضد بن علي، وقاده عدد من مساعديه بينهم رئيس الحكومة محمد الغنوشي ورئيس أركان الجيش الجنرال رشيد عمار ومدير عام الأمن الرئاسي علي السرياطي. وبعد الضغط على بن علي وعائلته كي يغادروا تونس بحجة أداء العمرة تعاقبت الانقلابات البيضاء، فأبعد محمد الغنوشي عن رئاسة الجمهورية بعد يوم واحد وعوِّض برئيس البرلمان فؤاد المبزّع. ثم أعد من رئاسة الحكومة بعد أقل من شهرين وعوِّض بالباجي قائد السبسي.
أما على صعيد المحاولات الانقلابية، فلقد اتهم الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي وبعض شركائه في «حكومة الترويكا» في صيف 2013 بعض كبار الضباط ومعارضيهم بمحاولة الانقلاب على الحكومة والبرلمان المنتخبين في أكتوبر 2011. وطوال عهد بورقيبة تعاقبت المحاولات الانقلابية الفاشلة بمشاركة عسكريين وضباط في الأمن أو من دونهم. وكانت أولى تلك المحاولات عام 1962 بزعامة مدير أمن الرئيس بورقيبة واستهدفت قتل الرئيس في قصره، لكن بو رقيبة تفطّن إليها في آخر لحظة وقمعها بقوة.
بعدها، حاولت قيادات سياسية وعسكرية تابعة لـ«حركة النهضة» عام 1987 ثم عام 1992 تنظيم انقلابين على النظام، لكنها فشلت وتعرّضت بسببها إلى حملة قمع واسعة في عهد بن علي. وخلال العامين الماضين وجه ساسة كبار تهمة ترتيب محاولات «انقلابية بيضاء» إلى عدد من كبار المسؤولين في الدولة بينهم وزير الداخلية السابق لطفي ابراهم. كذلك، اتهم الزعيم السابق للحزب الوطني الحر رئيس الحكومة يوسف الشاهد بتنظيم محاولة انقلابية العام الماضي ضد رئيس الجمهورية. لكن الشاهد وأنصاره فنّدوا التهمة، وفرّ سليم الرياحي إلى خارج البلاد، ثم انسحب من المشهد السياسي.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.