خطة كوشنر... 3 مبادرات لدعم الاقتصاد والأشخاص والحكومة

تجنبت وضع اقتصادي الضفة الغربية وغزة في سياقهما السياسي والأمني

خطة كوشنر... 3 مبادرات لدعم الاقتصاد والأشخاص والحكومة
TT

خطة كوشنر... 3 مبادرات لدعم الاقتصاد والأشخاص والحكومة

خطة كوشنر... 3 مبادرات لدعم الاقتصاد والأشخاص والحكومة

أعلن البيت الأبيض نهاية الأسبوع الماضي، تفاصيل الشق الاقتصادي لخطة السلام بهدف حشد دعم دولي لها في ورشة المنامة. وتقدّم هذه الخطة، التي أشرف على إعدادها فريق يرأسه كوشنر ويضم جيسون غرينبلات المبعوث الرئاسي للمفاوضات الدولية، تصوّرا لتسهيل ضخّ 50 مليار دولار على امتداد 10 سنوات في الضفة الغربية وقطاع غزة ودول الجوار، معتمدة على هبات دولية وقروض واستثمارات.
وتعتبر إدارة الرئيس ترمب هذه الخطة الأكثر طموحا وشمولية في تاريخ الجهود الدولية لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وتقوم رؤية كوشنر على 3 مبادرات، ركائزها الاقتصاد والشعب والحكومة، لتمكين الفلسطينيين من تنفيذ الخطة الاقتصادية بدعم من المجتمع الدولي «لبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين وأبنائهم». كما تعتبر الإدارة الأميركية أن هذه الرؤية «تستطيع ضمان مستقبل من الكرامة والفرص للفلسطينيين».
تضع هذه الرؤية 4 أهداف طويلة المدى تسعى لتحقيقها خلال عقد كامل هي، رفع الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني بأكثر من الضعف، وخلق أكثر من مليون فرصة عمل للفلسطينيين، وخفض مستوى البطالة بين الفلسطينيين، ومستوى الفقر بنسبة 50 في المائة.
وتقترح الخطة تخصيص 27.5 مليار دولار للضفة الغربية وقطاع غزة، 7.4 مليار للأردن، و9.1 مليار لمصر و6.3 مليار للبنان. وتنوي الإدارة تمويل الخطة عبر هبات وتبرعات تصل قيمتها على مدى 10 سنوات إلى 13.3 مليار دولار، وقروض مدعومة بقيمة 25.6 مليار، فيما يساهم القطاع الخاص باستثمارات تصل إلى 11.6 مليار.
وتنقسم الخطة الاقتصادية إلى 3 ركائز أساسية، هي إطلاق عنان الطاقات الاقتصادية، وتمكين الأشخاص، ودعم الحكامة الفلسطينية.

1 - إطلاق القدرات الاقتصادية:
تقترح الخطة الاقتصادية تعزيز الفرص الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة عبر بناء أرضية للنمو والاستثمار عبر تحسين مؤشر سهولة ممارسة الأعمال التابع للبنك الدولي إلى المرتبة 75 على الأقل. كما تقترح بناء شبكة نقل تربط الضفة الغربية وغزة، لزيادة التجارة وتقليص المصاريف، والتعاون مع مصر وإسرائيل والأردن لتسهيل القواعد التنظيمية لحركة الناس والسلع، فضلا عن تحسين القدرة التنافسية للصادرات الفلسطينية.
وفيما لا تتطرق الخطة إلى الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة ونقاط التفتيش في الضفة وما يطرحه ذلك من عراقيل للحركة، إلا أنها تقترح اعتماد «أجهزة مسح حديثة وحلول تكنولوجية جديدة لدعم العبور السريع والآمن للسلع والأشخاص... في نقاط العبور الأساسية». كما تشير الخطة إلى ضمان أن تكون جميع نقاط العبور الحساسة مبنية وفق متطلبات الفلسطينيين طويلة المدى للعبور والتجارة.
وتخصّص الخطة كذلك جزءا لبناء البنية التحتية الأساسية، بما يشمل الاستثمار في الكهرباء بأسعار مناسبة ومضاعفة إمدادات المياه الصالحة للشرب وتمكين الخدمات الرقمية السريعة.
كما تهدف إلى دعم وتعزيز نمو القطاع الخاص عبر رفع الاستثمار الأجنبي المباشر كجزء من الناتج المحلي الإجمالي من 1.4 في المائة إلى 8 في المائة، وذلك بغية تزويد القطاعات الاستراتيجية (السياحة، والزراعة، والإسكان، والصناعة، والموارد الطبيعية) برؤوس الأموال القادرة على خلق فرص العمل.
هنا أيضا، تمتنع الخطة عن الإشارة إلى المعوقات السياسية والأمنية لدعم القطاعات الاستراتيجية، وتكتفي بالإشارة في قطاع السياحة على سبيل المثال إلى ترميم وإبراز مواقع دينية وتاريخية لاستقطاب السياح، دون التطرق إلى المخاوف الأمنية.
وتشمل الخطة كذلك بعدا إقليميا يركز على دول الجوار (الأردن ومصر ولبنان)، عبر رفع الصادرات الفلسطينية من 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 40 في المائة، وتخصيص عشرات الملايين من الدولارات لعدة مشروعات، تهدف لتحقيق اتصالات أوثق بين قطاع غزة وسيناء في مصر، من خلال الخدمات والبنية التحتية والتجارة، فضلا عن تحديث خطوط الكهرباء بين مصر وغزة وإصلاحها لزيادة إمدادات الكهرباء.
وتشمل المقترحات الإضافية لمصر «دعم توسعة موانئ وحوافز تجارية لمركز التجارة المصري قرب قناة السويس»، وتطوير المنشآت السياحية في سيناء القريبة من البحر الأحمر.

2 - تمكين الفلسطينيين:
الركيزة الثانية للشق الاقتصادي من خطة السلام الأميركية هي «تمكين الفلسطينيين» عبر تحسين خدمات التعليم، وتعزيز تطوير القوى العاملة، والاستثمار في الرعاية الصحية، وتحسين جودة الحياة. وتخصص الخطة 300 مليون دولار للمنح الدراسية الدولية و500 مليون لتأسيس جامعة فلسطينية تكون ضمن لائحة أفضل 150 جامعة عبر العالم، و100 مليون لبناء مدارس في مناطق لا تتوفر على خدمات تعليمية كافية لمواكبة نمو السكان وضمان تعليم بأسعار مناسبة وجودة عالية لجميع الفلسطينيين.
كما تقترح الخطة رفع مشاركة النساء في سوق العمل من 20 إلى 35 في المائة، وتحسين القدرة التنافسية للقوى العاملة الفلسطينية عالميا.
وعلى صعيد الصحة، تخصص الخطة مئات الملايين دولار لخفض معدل وفيات الرضع من 18 إلى 9 من 1000 ولادة، ورفع متوسط العمر المتوقع من 74 عاما إلى 80. وبهذا الصدد، تتوقع الخطة تزويد المستشفيات الفلسطينية بأجهزة طبية جديدة ومحدثة بـ900 مليون دولار خلال 9 سنوات، ورفع مستوى التوعية الصحية عبر دعم برامج الإقلاع عن التدخين وتسهيل البرامج الرياضية والأكل الصحي بنحو 200 مليون دولار خلال سنتين.
كما تخصص الرؤية الاقتصادية 150 مليون دولار لبناء مركز فلسطيني ثقافي ومتحف، ومنحا بـ80 مليون دولار لدعم الفنانين الفلسطينيين والموسيقيين والكتاب.

3 - دعم الحكومة الفلسطينية
تهدف الركيزة الثالثة في الخطة الاقتصادية الأميركية للفلسطينيين إلى دعم «حكومة مسؤولة ومرنة»، عبر تحسين بيئة الأعمال وبناء المؤسسات وتحسين العمليات الحكومية. ولا تستخدم الوثيقة، التي تقع في 94 صفحة، عبارة «الدولة» الفلسطينية وتكتفي بـ«الحكومة الفلسطينية».
وتخصص الخطة في الجزء الثالث منها عشرات الملايين من الدولارات لتحسين بيئة القيام بالأعمال عبر تعزيز قدرة المحاكم على حل الصراعات حول ملكية الأرض، وتحسين التعاون بيم القطاعين العام والخاص الفلسطينيين حول حقوق الملكية، فضلا عن إصلاح نظام الضرائب وتقديم المساعدة التقنية للمؤسسات المالية الفلسطينية لدعم ممارسات الإقراض وتوسيع الوصول إلى رأس المال عبر القطاعات والأشخاص.
يركز الجزء الثاني من جهود «دعم الحكامة الفلسطينية» على «بناء المؤسسات» عبر تحقيق «استقلال القضاء»، والمساءلة من خلال تعزيز قدرات الحكومة على مواجهة الفساد، والشفافية عبر تسهيل الوصول إلى المعلومة، ودعم المجتمع المدني عبر حماية الصحافيين والمؤسسات غير الربحية، ودعم المنظمات المعنية بالشفافية ومكافحة الفساد من خلال منح بـ150 مليون دولار.
الجزء الثالث يهدف إلى تمرير «ميزانية فلسطينية مستدامة»، ويخصص مليارا و750 مليونا لتوفير دفع المتأخرات لجهات محلية وإنشاء احتياطي للعمليات والصيانة دعما لمشاريع البنية التحتية الرئيسية، و400 مليون لدعم تأهيل موظفي القطاع العام وتكوين فريق من الخبراء الفلسطينيين والدوليين لدعم القطاع العام في تنفيذ وإدارة المشاريع الجديدة، و335 مليون دولار لتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتوسيع الخدمات العامة الرقمية التي تشمل الدفع والبحث عن وظائف ومعاملات جوازات السفر وغيرها.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.