بريطانيا على مفترق طرق

في 18 سبتمبر قد تنفصل اسكوتلندا عن المملكة المتحدة إذا صوتت بنعم بعد 300 عام على الاتحاد

بريطانيا على مفترق طرق
TT

بريطانيا على مفترق طرق

بريطانيا على مفترق طرق

الاستطلاعات الأخيرة حول استفتاء استقلال اسكوتلندا عن بريطانيا والمزمع تنظيمه في 18 سبتمبر (أيلول) الحالي تشير إلى أن الانفصاليين تغلبوا ولأول مرة على الوحدويين بفارق نقطتين، في آخر استطلاع نشرت نتائجه يوم السبت الماضي.
نتائج الاستفتاء قد تقوض مكانة بريطانيا على الساحة الدولية، بخصوص قضايا الدفاع ووضع بريطانيا الاستراتيجي في العلاقات الخارجية، وحتى عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، والتي ستصبح موضع نقاش من قبل بعض الدول الصاعدة، مثل الهند والبرازيل.
وأظهر استطلاع رأي نشرت نتائجه قبل أيام زيادة مثيرة في تأييد استقلال اسكوتلندا مع اقتراب موعد الاستفتاء، الذي قد ينهي أكثر من 300 عام من الوحدة مع باقي أجزاء المملكة المتحدة التي تضم إلى جانب اسكوتلندا، ويلز وآيرلندا الشمالية والشقيقة الكبرى إنجلترا، الأكبر من ناحية عدد السكان والاقتصاد.
لو أجاب الاسكوتلنديون بكلمة «نعم» للانفصال في الاستفتاء فإن ذلك سيضع نهاية للاتحاد بين لندن وأدنبره منذ التوقيع على اتفاقية الاتحاد بينهما عام 1707 التي ربطت شمال البلاد بجنوبها.
وتتمتع اسكوتلندا، منذ 1999، بحكم ذاتي ولها برلمان وحكومة محلية تدير شؤون الصحة والتعليم والنظام القضائي لكن لندن تتحكم بالمجالات الأخرى مثل الضرائب والدفاع والشؤون الخارجية.
الاستطلاع الجديد الذي نشرته مؤسسة «يوغوف» البريطانية لصالح صحيفة «صنداي تايمز» ونشر يوم الأحد أظهر تفوق نسبة المؤيدين على المعارضين ولأول مرة قبل 11 يوما من موعد إجراء الاستفتاء على الاستقلال.
«يوغوف» أظهرت تقدم مؤيدي حملة «نعم» على المعارضين «لا» بنقطتين، أي 51 في المائة مقابل 49 في المائة، الأمر الذي شكل صدمة للندن والأحزاب الرئيسة، المحافظين والعمال والديمقراطيين الأحرار، والتي اعتمدت كثيرا على الاستطلاعات السابقة التي جاءت دائما لصالح معسكر الرافضين للاستقلال. لكن فرص حملة المعارضة للاستقلال في حالة تراجع دائم حسب استطلاعات الرأي. إذ تراجعت بمقدار ست نقاط مقابل 14 نقطة في منتصف الشهر الماضي. وأصبحت نسبة الرافضين للاستقلال مع بداية الشهر الحالي 53 في المائة مقابل تأييد 47 في المائة لها. وبذلك فقد تقلص تقدم رافضي الاستقلال إلى ست نقاط من 22 نقطة في بداية أغسطس (آب) الماضي.
ومع نتائج هذه الاستطلاعات المشجعة للانفصاليين تراجع الجنيه الإسترليني لأقل مستوى له في خمسة أشهر أمام الدولار، وحتى اليورو الذي يواجه صعوبات ارتفع أمام الجنيه الإسترليني.
وقال بيتر كيلنر، رئيس يوغوف، إن «انتهاء الاستفتاء بنتيجة متقاربة يبدو مرجحا، وانتصار المؤيدين بات الآن محتملا حقا». وجاءت نسبة تقدم المؤيدين للاستقلال في الاستطلاعات على خلفية المناظرة التي نظمتها إحدى القنوات التلفزيونية البريطانية بين أليكس ساموند، رئيس الحزب الوطني الاسكوتلندي الحاكم، وأليستر دارلينغ، وزير الخزانة البريطاني العمالي السابق، الذي اختير من قبل الأحزاب الرئيسة في البرلمان البريطاني (المحافظين والأحرار والعمال) ليقود حملة «أفضل معا» ضد الاستقلال. إلا أن نتيجة المناظرة، التي رفض رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الاشتراك فيها أمام ساموند، جاءت لصالح حملة نعم.
ويعتقد الكثير من المحللين بأن ساموند أبلى بلاء حسنا وكان مقنعا أكثر لجمهور الناخبين، على الرغم من أن ساموند لم يجب عن أكثر المسائل صعوبة التي تواجه حل الاتحاد، وهي قضية من سيستعمل الجنيه الإسترليني. وترفض لندن أن يكون هناك أي اتحاد مالي بين البلدين أو الاشتراك في التداول المالي بنفس العملة مع اسكوتلندا المستقلة.
ووصف بلير جينكينز، الرئيس التنفيذي لحملة «نعم اسكوتلندا» المؤيدة للاستقلال، الاستطلاع بأنه «انفراجة» وقال إنه أظهر أن حملته لها «زخم كبير».
العملة قضية مركزية في الجدل المحتدم بشأن الاستقلال. ويصر أليكس ساموند أن اسكوتلندا ستستخدم الإسترليني، في حين رفض وزير الخزانة الحالي المحافظ جورج أوزبورن التوصل إلى اتحاد مالي مع اسكوتلندا المستقلة شبيه باتحاد منطقة اليورو. وعدم التوصل إلى اتفاق من هذا النوع يلقي بظلاله على مسائل العملة والديون وتقاسم إيرادات نفط بحر الشمال.
وخلال المناظرة رفض ساموند إعطاء أي بديل للجنيه كعملة جديدة لاسكوتلندا المستقلة. وقال له دارلينغ بأن ذلك يعني أنك ستستمر باستخدام الجنيه دون موافقة لندن، وتصبح مثل بنما التي تستخدم الدولار دون موافقة واشنطن، مضيفا أن ذلك يعني أنه «لن يكون بمقدورك تحديد سعر الفائدة، التي يحددها بنك إنجلترا المركزي. وهذه تحدد بناء على السياسات المالية التي تخص المملكة المتحدة، وليس اسكوتلندا المنفصلة». وأضاف دارلينغ الاقتصادي المحنك، «هذا يعني أيضا أنه يجب أن يكون لديك فائض في مدخراتك، ولن يكون باستطاعة حكومتك الاقتراض في حالة الأزمات المالية»، لأن بنك إنجلترا سيرفض ذلك. وذكره بالأزمة المالية التي واجهت بريطانيا في بداية 2008 مع انهيار السوق المالية العالمية.
وكانت قد ضخت بريطانيا ما قيمته 187 مليار جنيه إسترليني في البنوك الاسكوتلندية عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية، وهذا أكبر من الدخل القومي الاسكوتلندي الذي يقدر بـ122 مليار جنيه إسترليني. ويعتقد بعض المعلقين أنه لو كانت اسكوتلندا مستقلة في تلك الفترة لواجهت نفس الأزمة التي واجهتها آيسلندا التي شارفت على الإفلاس واتجهت إلى صندوق النقد الدولي.
الاعتقاد السائد أن اسكوتلندا قادرة أن تعيش كبلد مستقل. لكن الروابط قوية جدا مع بقية مناطق المملكة المتحدة وقطعها سيهز البلاد على الأرجح. ولخص جاك آلن من معهد الأبحاث كابيتال إيكونوميكس، في تصريحات صحافية، الوضع قائلا «قد يكون هناك فترة طويلة من التفاوض بين حكومتي ويستمنتر وهوليرود (البرلمان الاسكوتلندي) حول مواضيع هامة مثل تقاسم الدين العام وضبط البنوك الاسكوتلندية والمسألة النقدية».
إضافة إلى ذلك هناك مشكلة توزيع ديون الدولة البريطانية، فوزارة الخزانة في لندن تعهدت بضمان كافة قروض التاج البريطاني. وسيطلب من اسكوتلندا المستقلة تسديد حصتها في مهلة سيتعين تحديدها. لكن في غياب أي وحدة نقدية يهدد القوميون الاسكوتلنديون بعدم الدفع لا سيما أن عائدات الثروة النفطية قد تبدو أقل سخاء، مع التقديرات المختلفة للاحتياط النفطي الاسكوتلندي.
وعد نيك بيت الخبير الاقتصادي لدى بنك أوف أميركا في تصريحات لصحيفة التايمز أن «نحو 85 في المائة من نفط وغاز بحر الشمال تقع في الأراضي الاسكوتلندية. ويمثل إنتاج المحروقات حوالي 15 في المائة من اقتصاد اسكوتلندا المستقلة» وقطاع نشاطها الرئيس مع المالية، وهي ورقة هامة لكن حجمها وعائداتها تبقى مثار خلافات.
وقد أعدت أدنبره سيناريوهات عدة للعائدات الضريبية النفطية، أكثرها تفاؤلا يعول على 38,7 مليار جنيه إسترليني لميزانية السنوات الخمس المقبلة. والوكالة الرسمية البريطانية خفضت أخيرا توقعاتها للسنوات الخمس.. إلى 17,6 مليار جنيه (22 مليار يورو).
وتتكاثر الدراسات في هذه الفترة السابقة للاستفتاء. وأكدت الخزانة البريطانية الأربعاء أن كل وظيفة من أصل عشر في اسكوتلندا مرتبطة مباشرة بالمبادلات مع بقية مناطق المملكة المتحدة.
وحتى لو صوتت اسكوتلندا بنعم في الاستفتاء، فهي تريد أن تحتفظ ليس فقط بالجنيه الإسترليني. لكنها أيضا ستبقي الملكية (تكون الملكة إليزابيث الثانية رئيسة البلد الجديد). وستكون خالية من الأسلحة النووية وتبقى عضوا في منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) وفي الاتحاد الأوروبي، لكن سيكون لها قوتها الدفاعية المستقلة. ومن أجل إزالة الغواصات النووية البريطانية التي تتخذ من مياه الساحل الغربي لاسكوتلندا مقرا لها، فإن حكومة البلد الجديد ستتفاوض مع لندن ومنظمة الناتو ضمن برنامج زمني محدد، كما جاء في الكتاب الأبيض الذي نص على الاستفتاء.
إلا أن لندن عدت هذه الافتراضات، بخصوص العملة والعضوية في الاتحاد الأوروبي والناتو، «ضربا من الخيال» لأنها شائكة ومعقدة، وغير مضمونة ولا يمكن لاسكوتلندا المستقلة أن تحددها كما تشاء. كما صرح رئيس المفوضية الأوروبية الجديد جان كلود يونكر الذي صرح مؤخرا بأن قبول اسكوتلندا عضوا في الاتحاد الأوروبي لن يكون تلقائيا، «فعلى اسكوتلندا أن تتقدم لطلب لعضوية». كما أن قوانين الاتحاد ستجبرها على استخدام اليورو، أي إنها ستكون جزءا من منطقة اليورو وتخضع لسياسات البنك المركزي الأوروبي المالية.
وقال أليستر دارلينغ إن اسكوتلندا ستواجه مشكلات أكبر في حالة الانفصال ودخولها الاتحاد الأوروبي كبلد كامل العضوية. إذا قررت دخول الاتحاد الأوروبي فعليها قبول اليورو كعملة قانونية لاقتصادها.
الاتحاد الأوروبي صرح سابقا بخصوص خطط انفصال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا، وقال إن عليه تقديم طلب العضوية للانضمام وسيتم النظر في الموضوع، أي إنه لن يحدث تلقائيا كون إسبانيا عضوا في الاتحاد. وهذا طبعا ينطبق على اسكوتلندا.
وبعد التوقيع في فبراير (شباط) 2013 على مذكرة التفاهم بين لندن وأدنبره توجه كاميرون مباشرة إلى ميناء لبناء السفن الحربية في منطقة «فايف» باسكوتلندا حيث يجري بناء حاملة طائرات بريطانية جديدة لصالح سلاح الجو الملكي. الزيارة انطوت على الكثير من الرموز، إذ أراد كاميرون جلب الانتباه إلى أهمية الاتحاد بخصوص قضايا الدفاع ووضع بريطانيا الاستراتيجي في العلاقات الدولية، وهذا ما ستفقده اسكوتلندا المستقلة التي ستكون عضويتها في منظمة (الناتو) موضع نقاش، لأن الحزب القومي الاسكوتلندي الحاكم يعارض السياسات النووية للحلف. لكن وثيقة الاستفتاء تشير إلى أن اسكوتلندا ستسعى لتصبح «واحدة من أعضاء الناتو الخالين من الأسلحة النووية».
ولهذا يرى الخبراء أن مستقبل المملكة المتحدة كقوة نووية قد يصبح مهددا في حال استقلال اسكوتلندا متسائلين عن المكانة التي يمكن أن تحتلها بريطانيا عندها في صفوف المجتمع الدولي.
هناك إجماع من قبل الكثير من المراقبين بأن الاستقلال سيكون تداعياته سلبية، إن لم تكن هدامة، على بريطانيا بشكل عام، لأنها ستفقد ثمانية في المائة من سكانها و10 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في مرحلة يعاني الاقتصاد البريطاني من حالة تباطؤ وتراكم في الديون، أضف إلى ذلك أنها قد تفقد عامل الردع الذي توفره قوتها النووية ومكانتها الدولية وبالتالي تثير علامات استفهام حول مقعدها كعضو دائم في مجلس الأمن.
وأعلن ساموند خلال مناظرته مع دارلينغ أنه في حال فوزه في الاستفتاء على الاستقلال فسيترتب على الغواصات النووية البريطانية الأربع من طراز ترايدنت أن تغادر قاعدة فاسلين (غرب اسكوتلندا) قبل عام 2020. ووصف ساموند هذه الغواصات بأنها «إساءة إلى الحد الأدنى للأخلاق بسبب قوتها التدميرية اللاإنسانية والعمياء».
ويرى بعض الخبراء أن بريطانيا قد تضطر إزاء تكلفة عملية نقل هذه الغواصات وصعوبتها إلى فتح نقاش بشأن ضرورة امتلاك قوة ردع نووية. وأكد جورج روبرتسون الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي ووزير الدفاع البريطاني السابق في حزب العمال في كلمة ألقاها في أبريل (نيسان) الماضي في واشنطن أن هذا الأمر «سيسعد كثيرا قوى الشر»، عادا أن ذلك «قد يشكل توقيعا على نزع السلاح النووي الأحادي لما سيتبقى من المملكة المتحدة».
من جانبه عد آلان وست القائد السابق للبحرية البريطانية بين 2002 و2006 أن «الأميركيين يقدروننا كوننا قوة نووية. وهذا الأمر (إزالة السلاح النووي) سيطرح مشكلات معهم، ويثير قلقا داخل الحلف الأطلسي»، متسائلا «هل يمكن بعدها أن نبقى عضوا دائما في مجلس الأمن؟ لا أدري».
الرئيس الأميركي باراك أوباما أعلن في يوليو (تموز) الماضي أنه يفضل ألا تنفصل اسكوتلندا عن المملكة المتحدة حتى تبقى «شريكا قويا صلبا موحدا وفاعلا».
حتى الآن تؤكد الحكومة البريطانية أنها لم تعد أي خطة طارئة لإجلاء وإعادة تمركز منشآت فاسلين النووية وتلك القريبة من كولبورت (غرب) حيث تسلح الصواريخ بالرؤوس النووية. وسيكون لهذه العملية تأثير مدمر حيث تقدر كلفتها بثمانية مليارات جنيه إسترليني (12 مليار دولار) في حين تبلغ الميزانية السنوية للجيش 33,5 مليار جنيه إسترليني (48 مليار دولار) هذا العام. وهي ميزانية تخضع لإجراءات تقشف منذ أربعة أعوام مع خفض بنسبة ثمانية في المائة. وعد آلان وست أن «ميزانية الدفاع لن تستطيع تحمل مثل هذه الكلفة» لذلك «هناك احتمال في أن يرى الناس أنه يجب علينا أن نتخلى قوتنا النووية».
إلا أن التخلي عن القوة النووية ليس مقبولا في نظر الجميع.
فقد عد البروفيسور مالكولم تشالميرز في معهد الأبحاث «رويال يونايتد سرفيسز انستيتيوت»، في تصريحات أوردتها الوكالة الفرنسية للأنباء أنه «سيكون هناك شعور بالمذلة داخل المملكة المتحدة ومخاوف من الطريقة التي سينظر بها إلى البلاد على المستوى الدولي»، مستبعدا أن تتخلى لندن عن قوتها النووية.
ومن المشكلات الأخرى التي سيتعين حلها ضرورة إيجاد موقع جديد مناسب لهذه الغواصات والتنظيم العملي لإخلاء القاعدة الذي قد يتطلب وقتا أطول من موعد 2020 الذي حدده الحزب القومي الاسكوتلندي. وقال البروفيسور تشالميرز «تقديرنا هو أن عام 2028 سيكون موعدا مناسبا».
كاميرون، وباقي السياسيين البريطانيين والأحزاب الرئيسة الممثلة في البرلمان البريطاني يشك بأن اسكوتلندا يمكن أن تكون مزدهرة كبلد مستقل. وقال أمام البرلمان «أعرف أولا أن مساهمة اسكوتلندا والاسكوتلنديين تصنع نجاح بريطانيا، لذلك المسألة بالنسبة لي لا تتعلق بمعرفة ما إذا كانت اسكوتلندا يمكن أن تكون دولة مستقلة. لكن السؤال الحقيقي هو هل اسكوتلندا أقوى وأغني وأكثر أمانا وعدلا داخل المملكة المتحدة أو خارجها. وهنا أعتقد أن الجواب واضح».
وأضاف كاميرون، في حالة جاءت نتيجة الاستفتاء بنعم، أن «هذا السؤال يعود إلى اسكوتلندا. لكن الجواب ستكون له نتائج على كل المملكة المتحدة. وضع اسكوتلندا أفضل داخل بريطانيا ونحن أفضل معا وسنكون أفقر إذا تفرقنا.. بريطانيا ناجحة. بريطانيا تعمل بشكل جيد. لماذا نقسمها؟».
ويعتقد الكثير من المعلقين أنه مع اقتراب موعد الاستفتاء وكذلك تحسن فرص الانفصاليين فإن المعركة ستحتدم في مدينة غلاسكو الصناعية التي تحتوي على تمركز لأبناء الطبقة العاملة. ولم يختر ساموند إطلاق حملة الاستقلال من العاصمة أدنبره. اختار مكانا يتمتع بوجود كثيف لأبناء الطبقة العاملة الاسكوتلندية أي غلاسكو، أكبر مدينة في اسكوتلندا والثالثة في بريطانيا، وتتمتع بكثافة سكانية عالية.
اختيار ساموند لعام 2014 للاستفتاء كان مقصودا، إنها الذكرى الـ700 لمعركة بانوكبيرن وهي المعركة التي انتصر فيها الاسكوتلنديون على الإنجليز، ونتيجتها انفصلت اسكوتلندا عن إنجلترا ويعتقد المعلقون أن ساموند أراد من هذا التاريخ تأجيج الشعور القومي الاسكوتلندي ضد إنجلترا ولندن.
وفي آخر زيارة له قبل أيام دعا ديفيد كاميرون 4,2 مليون ناخب مقيمين في اسكوتلندا للتصويت على البقاء في المملكة المتحدة، مشددا على أن هذا الاتحاد يشكل نقطة قوة اقتصادية مهمة. وشدد زعيم المحافظين في خطاب خلال العشاء السنوي لأرباب العمل في اسكوتلندا على أهمية بقاء اتحاد أقيم قبل 307 أعوام. وقال إن «ما جمع أممنا في 1707 هو فرص اقتصادية وبعد 300 سنة ما زال مصيرنا وثروتنا مرتبطة بشكل وثيق»، معددا «فوائد الاتحاد» الكبرى الأربع الملائمة للتجارة وهي «الآفاق التي يؤمنها والاستقرار والتضامن والحجم». وأوضح أنه «واحد من أقدم وأنجح الأسواق الفريدة في العالم»، مشيرا إلى أن «اسكوتلندا لديها مبادلات مع المملكة المتحدة أكبر بمرتين من مبادلاتها مع بقية أنحاء العالم».
وقال كاميرون «لنفضل الانفتاح على ضيق الأفق وميزاتنا على التشكيك ولنبق معا».



لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.