بريطانيا على مفترق طرق

في 18 سبتمبر قد تنفصل اسكوتلندا عن المملكة المتحدة إذا صوتت بنعم بعد 300 عام على الاتحاد

بريطانيا على مفترق طرق
TT

بريطانيا على مفترق طرق

بريطانيا على مفترق طرق

الاستطلاعات الأخيرة حول استفتاء استقلال اسكوتلندا عن بريطانيا والمزمع تنظيمه في 18 سبتمبر (أيلول) الحالي تشير إلى أن الانفصاليين تغلبوا ولأول مرة على الوحدويين بفارق نقطتين، في آخر استطلاع نشرت نتائجه يوم السبت الماضي.
نتائج الاستفتاء قد تقوض مكانة بريطانيا على الساحة الدولية، بخصوص قضايا الدفاع ووضع بريطانيا الاستراتيجي في العلاقات الخارجية، وحتى عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، والتي ستصبح موضع نقاش من قبل بعض الدول الصاعدة، مثل الهند والبرازيل.
وأظهر استطلاع رأي نشرت نتائجه قبل أيام زيادة مثيرة في تأييد استقلال اسكوتلندا مع اقتراب موعد الاستفتاء، الذي قد ينهي أكثر من 300 عام من الوحدة مع باقي أجزاء المملكة المتحدة التي تضم إلى جانب اسكوتلندا، ويلز وآيرلندا الشمالية والشقيقة الكبرى إنجلترا، الأكبر من ناحية عدد السكان والاقتصاد.
لو أجاب الاسكوتلنديون بكلمة «نعم» للانفصال في الاستفتاء فإن ذلك سيضع نهاية للاتحاد بين لندن وأدنبره منذ التوقيع على اتفاقية الاتحاد بينهما عام 1707 التي ربطت شمال البلاد بجنوبها.
وتتمتع اسكوتلندا، منذ 1999، بحكم ذاتي ولها برلمان وحكومة محلية تدير شؤون الصحة والتعليم والنظام القضائي لكن لندن تتحكم بالمجالات الأخرى مثل الضرائب والدفاع والشؤون الخارجية.
الاستطلاع الجديد الذي نشرته مؤسسة «يوغوف» البريطانية لصالح صحيفة «صنداي تايمز» ونشر يوم الأحد أظهر تفوق نسبة المؤيدين على المعارضين ولأول مرة قبل 11 يوما من موعد إجراء الاستفتاء على الاستقلال.
«يوغوف» أظهرت تقدم مؤيدي حملة «نعم» على المعارضين «لا» بنقطتين، أي 51 في المائة مقابل 49 في المائة، الأمر الذي شكل صدمة للندن والأحزاب الرئيسة، المحافظين والعمال والديمقراطيين الأحرار، والتي اعتمدت كثيرا على الاستطلاعات السابقة التي جاءت دائما لصالح معسكر الرافضين للاستقلال. لكن فرص حملة المعارضة للاستقلال في حالة تراجع دائم حسب استطلاعات الرأي. إذ تراجعت بمقدار ست نقاط مقابل 14 نقطة في منتصف الشهر الماضي. وأصبحت نسبة الرافضين للاستقلال مع بداية الشهر الحالي 53 في المائة مقابل تأييد 47 في المائة لها. وبذلك فقد تقلص تقدم رافضي الاستقلال إلى ست نقاط من 22 نقطة في بداية أغسطس (آب) الماضي.
ومع نتائج هذه الاستطلاعات المشجعة للانفصاليين تراجع الجنيه الإسترليني لأقل مستوى له في خمسة أشهر أمام الدولار، وحتى اليورو الذي يواجه صعوبات ارتفع أمام الجنيه الإسترليني.
وقال بيتر كيلنر، رئيس يوغوف، إن «انتهاء الاستفتاء بنتيجة متقاربة يبدو مرجحا، وانتصار المؤيدين بات الآن محتملا حقا». وجاءت نسبة تقدم المؤيدين للاستقلال في الاستطلاعات على خلفية المناظرة التي نظمتها إحدى القنوات التلفزيونية البريطانية بين أليكس ساموند، رئيس الحزب الوطني الاسكوتلندي الحاكم، وأليستر دارلينغ، وزير الخزانة البريطاني العمالي السابق، الذي اختير من قبل الأحزاب الرئيسة في البرلمان البريطاني (المحافظين والأحرار والعمال) ليقود حملة «أفضل معا» ضد الاستقلال. إلا أن نتيجة المناظرة، التي رفض رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الاشتراك فيها أمام ساموند، جاءت لصالح حملة نعم.
ويعتقد الكثير من المحللين بأن ساموند أبلى بلاء حسنا وكان مقنعا أكثر لجمهور الناخبين، على الرغم من أن ساموند لم يجب عن أكثر المسائل صعوبة التي تواجه حل الاتحاد، وهي قضية من سيستعمل الجنيه الإسترليني. وترفض لندن أن يكون هناك أي اتحاد مالي بين البلدين أو الاشتراك في التداول المالي بنفس العملة مع اسكوتلندا المستقلة.
ووصف بلير جينكينز، الرئيس التنفيذي لحملة «نعم اسكوتلندا» المؤيدة للاستقلال، الاستطلاع بأنه «انفراجة» وقال إنه أظهر أن حملته لها «زخم كبير».
العملة قضية مركزية في الجدل المحتدم بشأن الاستقلال. ويصر أليكس ساموند أن اسكوتلندا ستستخدم الإسترليني، في حين رفض وزير الخزانة الحالي المحافظ جورج أوزبورن التوصل إلى اتحاد مالي مع اسكوتلندا المستقلة شبيه باتحاد منطقة اليورو. وعدم التوصل إلى اتفاق من هذا النوع يلقي بظلاله على مسائل العملة والديون وتقاسم إيرادات نفط بحر الشمال.
وخلال المناظرة رفض ساموند إعطاء أي بديل للجنيه كعملة جديدة لاسكوتلندا المستقلة. وقال له دارلينغ بأن ذلك يعني أنك ستستمر باستخدام الجنيه دون موافقة لندن، وتصبح مثل بنما التي تستخدم الدولار دون موافقة واشنطن، مضيفا أن ذلك يعني أنه «لن يكون بمقدورك تحديد سعر الفائدة، التي يحددها بنك إنجلترا المركزي. وهذه تحدد بناء على السياسات المالية التي تخص المملكة المتحدة، وليس اسكوتلندا المنفصلة». وأضاف دارلينغ الاقتصادي المحنك، «هذا يعني أيضا أنه يجب أن يكون لديك فائض في مدخراتك، ولن يكون باستطاعة حكومتك الاقتراض في حالة الأزمات المالية»، لأن بنك إنجلترا سيرفض ذلك. وذكره بالأزمة المالية التي واجهت بريطانيا في بداية 2008 مع انهيار السوق المالية العالمية.
وكانت قد ضخت بريطانيا ما قيمته 187 مليار جنيه إسترليني في البنوك الاسكوتلندية عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية، وهذا أكبر من الدخل القومي الاسكوتلندي الذي يقدر بـ122 مليار جنيه إسترليني. ويعتقد بعض المعلقين أنه لو كانت اسكوتلندا مستقلة في تلك الفترة لواجهت نفس الأزمة التي واجهتها آيسلندا التي شارفت على الإفلاس واتجهت إلى صندوق النقد الدولي.
الاعتقاد السائد أن اسكوتلندا قادرة أن تعيش كبلد مستقل. لكن الروابط قوية جدا مع بقية مناطق المملكة المتحدة وقطعها سيهز البلاد على الأرجح. ولخص جاك آلن من معهد الأبحاث كابيتال إيكونوميكس، في تصريحات صحافية، الوضع قائلا «قد يكون هناك فترة طويلة من التفاوض بين حكومتي ويستمنتر وهوليرود (البرلمان الاسكوتلندي) حول مواضيع هامة مثل تقاسم الدين العام وضبط البنوك الاسكوتلندية والمسألة النقدية».
إضافة إلى ذلك هناك مشكلة توزيع ديون الدولة البريطانية، فوزارة الخزانة في لندن تعهدت بضمان كافة قروض التاج البريطاني. وسيطلب من اسكوتلندا المستقلة تسديد حصتها في مهلة سيتعين تحديدها. لكن في غياب أي وحدة نقدية يهدد القوميون الاسكوتلنديون بعدم الدفع لا سيما أن عائدات الثروة النفطية قد تبدو أقل سخاء، مع التقديرات المختلفة للاحتياط النفطي الاسكوتلندي.
وعد نيك بيت الخبير الاقتصادي لدى بنك أوف أميركا في تصريحات لصحيفة التايمز أن «نحو 85 في المائة من نفط وغاز بحر الشمال تقع في الأراضي الاسكوتلندية. ويمثل إنتاج المحروقات حوالي 15 في المائة من اقتصاد اسكوتلندا المستقلة» وقطاع نشاطها الرئيس مع المالية، وهي ورقة هامة لكن حجمها وعائداتها تبقى مثار خلافات.
وقد أعدت أدنبره سيناريوهات عدة للعائدات الضريبية النفطية، أكثرها تفاؤلا يعول على 38,7 مليار جنيه إسترليني لميزانية السنوات الخمس المقبلة. والوكالة الرسمية البريطانية خفضت أخيرا توقعاتها للسنوات الخمس.. إلى 17,6 مليار جنيه (22 مليار يورو).
وتتكاثر الدراسات في هذه الفترة السابقة للاستفتاء. وأكدت الخزانة البريطانية الأربعاء أن كل وظيفة من أصل عشر في اسكوتلندا مرتبطة مباشرة بالمبادلات مع بقية مناطق المملكة المتحدة.
وحتى لو صوتت اسكوتلندا بنعم في الاستفتاء، فهي تريد أن تحتفظ ليس فقط بالجنيه الإسترليني. لكنها أيضا ستبقي الملكية (تكون الملكة إليزابيث الثانية رئيسة البلد الجديد). وستكون خالية من الأسلحة النووية وتبقى عضوا في منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) وفي الاتحاد الأوروبي، لكن سيكون لها قوتها الدفاعية المستقلة. ومن أجل إزالة الغواصات النووية البريطانية التي تتخذ من مياه الساحل الغربي لاسكوتلندا مقرا لها، فإن حكومة البلد الجديد ستتفاوض مع لندن ومنظمة الناتو ضمن برنامج زمني محدد، كما جاء في الكتاب الأبيض الذي نص على الاستفتاء.
إلا أن لندن عدت هذه الافتراضات، بخصوص العملة والعضوية في الاتحاد الأوروبي والناتو، «ضربا من الخيال» لأنها شائكة ومعقدة، وغير مضمونة ولا يمكن لاسكوتلندا المستقلة أن تحددها كما تشاء. كما صرح رئيس المفوضية الأوروبية الجديد جان كلود يونكر الذي صرح مؤخرا بأن قبول اسكوتلندا عضوا في الاتحاد الأوروبي لن يكون تلقائيا، «فعلى اسكوتلندا أن تتقدم لطلب لعضوية». كما أن قوانين الاتحاد ستجبرها على استخدام اليورو، أي إنها ستكون جزءا من منطقة اليورو وتخضع لسياسات البنك المركزي الأوروبي المالية.
وقال أليستر دارلينغ إن اسكوتلندا ستواجه مشكلات أكبر في حالة الانفصال ودخولها الاتحاد الأوروبي كبلد كامل العضوية. إذا قررت دخول الاتحاد الأوروبي فعليها قبول اليورو كعملة قانونية لاقتصادها.
الاتحاد الأوروبي صرح سابقا بخصوص خطط انفصال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا، وقال إن عليه تقديم طلب العضوية للانضمام وسيتم النظر في الموضوع، أي إنه لن يحدث تلقائيا كون إسبانيا عضوا في الاتحاد. وهذا طبعا ينطبق على اسكوتلندا.
وبعد التوقيع في فبراير (شباط) 2013 على مذكرة التفاهم بين لندن وأدنبره توجه كاميرون مباشرة إلى ميناء لبناء السفن الحربية في منطقة «فايف» باسكوتلندا حيث يجري بناء حاملة طائرات بريطانية جديدة لصالح سلاح الجو الملكي. الزيارة انطوت على الكثير من الرموز، إذ أراد كاميرون جلب الانتباه إلى أهمية الاتحاد بخصوص قضايا الدفاع ووضع بريطانيا الاستراتيجي في العلاقات الدولية، وهذا ما ستفقده اسكوتلندا المستقلة التي ستكون عضويتها في منظمة (الناتو) موضع نقاش، لأن الحزب القومي الاسكوتلندي الحاكم يعارض السياسات النووية للحلف. لكن وثيقة الاستفتاء تشير إلى أن اسكوتلندا ستسعى لتصبح «واحدة من أعضاء الناتو الخالين من الأسلحة النووية».
ولهذا يرى الخبراء أن مستقبل المملكة المتحدة كقوة نووية قد يصبح مهددا في حال استقلال اسكوتلندا متسائلين عن المكانة التي يمكن أن تحتلها بريطانيا عندها في صفوف المجتمع الدولي.
هناك إجماع من قبل الكثير من المراقبين بأن الاستقلال سيكون تداعياته سلبية، إن لم تكن هدامة، على بريطانيا بشكل عام، لأنها ستفقد ثمانية في المائة من سكانها و10 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في مرحلة يعاني الاقتصاد البريطاني من حالة تباطؤ وتراكم في الديون، أضف إلى ذلك أنها قد تفقد عامل الردع الذي توفره قوتها النووية ومكانتها الدولية وبالتالي تثير علامات استفهام حول مقعدها كعضو دائم في مجلس الأمن.
وأعلن ساموند خلال مناظرته مع دارلينغ أنه في حال فوزه في الاستفتاء على الاستقلال فسيترتب على الغواصات النووية البريطانية الأربع من طراز ترايدنت أن تغادر قاعدة فاسلين (غرب اسكوتلندا) قبل عام 2020. ووصف ساموند هذه الغواصات بأنها «إساءة إلى الحد الأدنى للأخلاق بسبب قوتها التدميرية اللاإنسانية والعمياء».
ويرى بعض الخبراء أن بريطانيا قد تضطر إزاء تكلفة عملية نقل هذه الغواصات وصعوبتها إلى فتح نقاش بشأن ضرورة امتلاك قوة ردع نووية. وأكد جورج روبرتسون الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي ووزير الدفاع البريطاني السابق في حزب العمال في كلمة ألقاها في أبريل (نيسان) الماضي في واشنطن أن هذا الأمر «سيسعد كثيرا قوى الشر»، عادا أن ذلك «قد يشكل توقيعا على نزع السلاح النووي الأحادي لما سيتبقى من المملكة المتحدة».
من جانبه عد آلان وست القائد السابق للبحرية البريطانية بين 2002 و2006 أن «الأميركيين يقدروننا كوننا قوة نووية. وهذا الأمر (إزالة السلاح النووي) سيطرح مشكلات معهم، ويثير قلقا داخل الحلف الأطلسي»، متسائلا «هل يمكن بعدها أن نبقى عضوا دائما في مجلس الأمن؟ لا أدري».
الرئيس الأميركي باراك أوباما أعلن في يوليو (تموز) الماضي أنه يفضل ألا تنفصل اسكوتلندا عن المملكة المتحدة حتى تبقى «شريكا قويا صلبا موحدا وفاعلا».
حتى الآن تؤكد الحكومة البريطانية أنها لم تعد أي خطة طارئة لإجلاء وإعادة تمركز منشآت فاسلين النووية وتلك القريبة من كولبورت (غرب) حيث تسلح الصواريخ بالرؤوس النووية. وسيكون لهذه العملية تأثير مدمر حيث تقدر كلفتها بثمانية مليارات جنيه إسترليني (12 مليار دولار) في حين تبلغ الميزانية السنوية للجيش 33,5 مليار جنيه إسترليني (48 مليار دولار) هذا العام. وهي ميزانية تخضع لإجراءات تقشف منذ أربعة أعوام مع خفض بنسبة ثمانية في المائة. وعد آلان وست أن «ميزانية الدفاع لن تستطيع تحمل مثل هذه الكلفة» لذلك «هناك احتمال في أن يرى الناس أنه يجب علينا أن نتخلى قوتنا النووية».
إلا أن التخلي عن القوة النووية ليس مقبولا في نظر الجميع.
فقد عد البروفيسور مالكولم تشالميرز في معهد الأبحاث «رويال يونايتد سرفيسز انستيتيوت»، في تصريحات أوردتها الوكالة الفرنسية للأنباء أنه «سيكون هناك شعور بالمذلة داخل المملكة المتحدة ومخاوف من الطريقة التي سينظر بها إلى البلاد على المستوى الدولي»، مستبعدا أن تتخلى لندن عن قوتها النووية.
ومن المشكلات الأخرى التي سيتعين حلها ضرورة إيجاد موقع جديد مناسب لهذه الغواصات والتنظيم العملي لإخلاء القاعدة الذي قد يتطلب وقتا أطول من موعد 2020 الذي حدده الحزب القومي الاسكوتلندي. وقال البروفيسور تشالميرز «تقديرنا هو أن عام 2028 سيكون موعدا مناسبا».
كاميرون، وباقي السياسيين البريطانيين والأحزاب الرئيسة الممثلة في البرلمان البريطاني يشك بأن اسكوتلندا يمكن أن تكون مزدهرة كبلد مستقل. وقال أمام البرلمان «أعرف أولا أن مساهمة اسكوتلندا والاسكوتلنديين تصنع نجاح بريطانيا، لذلك المسألة بالنسبة لي لا تتعلق بمعرفة ما إذا كانت اسكوتلندا يمكن أن تكون دولة مستقلة. لكن السؤال الحقيقي هو هل اسكوتلندا أقوى وأغني وأكثر أمانا وعدلا داخل المملكة المتحدة أو خارجها. وهنا أعتقد أن الجواب واضح».
وأضاف كاميرون، في حالة جاءت نتيجة الاستفتاء بنعم، أن «هذا السؤال يعود إلى اسكوتلندا. لكن الجواب ستكون له نتائج على كل المملكة المتحدة. وضع اسكوتلندا أفضل داخل بريطانيا ونحن أفضل معا وسنكون أفقر إذا تفرقنا.. بريطانيا ناجحة. بريطانيا تعمل بشكل جيد. لماذا نقسمها؟».
ويعتقد الكثير من المعلقين أنه مع اقتراب موعد الاستفتاء وكذلك تحسن فرص الانفصاليين فإن المعركة ستحتدم في مدينة غلاسكو الصناعية التي تحتوي على تمركز لأبناء الطبقة العاملة. ولم يختر ساموند إطلاق حملة الاستقلال من العاصمة أدنبره. اختار مكانا يتمتع بوجود كثيف لأبناء الطبقة العاملة الاسكوتلندية أي غلاسكو، أكبر مدينة في اسكوتلندا والثالثة في بريطانيا، وتتمتع بكثافة سكانية عالية.
اختيار ساموند لعام 2014 للاستفتاء كان مقصودا، إنها الذكرى الـ700 لمعركة بانوكبيرن وهي المعركة التي انتصر فيها الاسكوتلنديون على الإنجليز، ونتيجتها انفصلت اسكوتلندا عن إنجلترا ويعتقد المعلقون أن ساموند أراد من هذا التاريخ تأجيج الشعور القومي الاسكوتلندي ضد إنجلترا ولندن.
وفي آخر زيارة له قبل أيام دعا ديفيد كاميرون 4,2 مليون ناخب مقيمين في اسكوتلندا للتصويت على البقاء في المملكة المتحدة، مشددا على أن هذا الاتحاد يشكل نقطة قوة اقتصادية مهمة. وشدد زعيم المحافظين في خطاب خلال العشاء السنوي لأرباب العمل في اسكوتلندا على أهمية بقاء اتحاد أقيم قبل 307 أعوام. وقال إن «ما جمع أممنا في 1707 هو فرص اقتصادية وبعد 300 سنة ما زال مصيرنا وثروتنا مرتبطة بشكل وثيق»، معددا «فوائد الاتحاد» الكبرى الأربع الملائمة للتجارة وهي «الآفاق التي يؤمنها والاستقرار والتضامن والحجم». وأوضح أنه «واحد من أقدم وأنجح الأسواق الفريدة في العالم»، مشيرا إلى أن «اسكوتلندا لديها مبادلات مع المملكة المتحدة أكبر بمرتين من مبادلاتها مع بقية أنحاء العالم».
وقال كاميرون «لنفضل الانفتاح على ضيق الأفق وميزاتنا على التشكيك ولنبق معا».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.