واشنطن تكشف خطتها للشرق الأوسط بـ 50 مليار دولار وربط الضفة بغزة

مصر والأردن يشاركان في ورشة البحرين... وعباس: لن نتعامل مع أي وضع اقتصادي قبل الشأن السياسي

جاريد كوشنر سيرأس اجتماع المنامة يومي الثلاثاء والأربعاء (أ.ف.ب)
جاريد كوشنر سيرأس اجتماع المنامة يومي الثلاثاء والأربعاء (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تكشف خطتها للشرق الأوسط بـ 50 مليار دولار وربط الضفة بغزة

جاريد كوشنر سيرأس اجتماع المنامة يومي الثلاثاء والأربعاء (أ.ف.ب)
جاريد كوشنر سيرأس اجتماع المنامة يومي الثلاثاء والأربعاء (أ.ف.ب)

كشفت الإدارة الأميركية أن خطتها للسلام، المعروفة إعلامياً بـ«صفقة القرن»، التي سيُعرض الشق الاقتصادي منها في البحرين، ستتضمن ضخ 50 مليار دولار في الأراضي الفلسطينية ودول الجوار خلال 10 سنوات، وهي خطة رفضها الفلسطينيون فوراً، باعتبارها تشكل حلّاً اقتصادياً على حساب الحل السياسي. وانضمت دول أخرى، بينها مصر والأردن، للمشاركة في الورشة الاقتصادية التي ستُعقد في المنامة، بعد غد (الثلاثاء)، والتي تناقش الخطة الأميركية.
وأعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي تدلي للمرة الأولى بتفاصيل عن هذه الخطة، أن المبادرة ستحاول إصلاح الاقتصاد الفلسطيني، وربطه بجيرانه، بهدف اجتذاب استثمارات دولية هائلة.
ويرى البيت الأبيض أن هذه الخطة تاريخية، على أن يتمّ بحثها تفصيلاً في البحرين مع مسؤولين ماليين من دول متعددة.
وقال جاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب في لقاء مع رويترز، إن أول مرحلة من «صفقة القرن»، تتمثل بإقامة مشاريع بقيمة 50 مليار دولار في الأراضي الفلسطينية والأردن ولبنان ومصر... وتقترح إقامة طريق بتكلفة خمسة مليارات دولار، عبر إسرائيل، لربط الضفة الغربية مع قطاع غزة. وتقترح أيضاً، لتنفيذ الخطة، إنشاء صندوق استثمار عالمي لدعم اقتصاديات الفلسطينيين والدول العربية المجاورة. وكشفت وثائق أميركية أن الخطة التي تقع في 40 صفحة، تشمل 179 مشروعاً للبنية الأساسية وقطاع الأعمال.
ومن المقرر أن يقدم كوشنر الخطة خلال مؤتمر «الازدهار من أجل السلام» في البحرين، الذي سيُعقد على مدى يومين، للكشف عن الجوانب الاقتصادية من صفقة ترمب للسلام.
ويشكل مؤتمر المنامة الذي سيُعقد على مدى يومين، برئاسة جاريد كوشنر، فرصة لعرض هذه الخطة المنتظرة منذ وقت طويل، التي ستتضمن لاحقاً جانباً سياسياً، بحسب مسؤولين. وقال البيت الأبيض إن «الخطة تُعدّ الأكثر طموحاً، والأكثر شمولاً، بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني حتى الآن». وأضاف: «يمكنها أن تحول الضفة الغربية وغزة بشكل جذري، وتفتح فصلاً جديداً في التاريخ الفلسطيني».
لكن الفلسطينيين رفضوا الخطة جملةً وتفصيلاً، وأكد الرئيس محمود عباس أن موقفه من صفقة القرن الأميركية والورشة الاقتصادية في البحرين لم ولن يتغير، لأنه غير مستعد لأي نقاش اقتصادي قبل تسوية الوضع السياسي.
وقال عباس، في مستهل اجتماع للجنة المركزية لحركة فتح برام الله: «فيما يخص صفقة العصر، نحن قلنا موقفنا منها وما زلنا على موقفنا. هذه الصفقة لا يمكن أن تمرّ لأنها تنهي القضية الفلسطينية». وأضاف: «نحن لن نحضر ورشة المنامة أيضاً، والسبب أن بحث الوضع الاقتصادي لا يجوز قبل أن يكون هناك وضع سياسي... ما دام لا يوجد وضع سياسي، فمعنى ذلك نحن لا نتعامل مع أي وضع اقتصادي».
ولاءات عباس حول خطة السلام الأميركية والورشة الاقتصادية جاءت في وقت أعلنت فيه مصر والأردن مشاركتهما في المؤتمر الاقتصادي في البحرين، وتشارك فيه إسرائيل بطبيعة الحال.
وأعلنت الخارجية المصرية اعتزام القاهرة المشاركة في المؤتمر، حسب المتحدث الرسمي باسم الخارجية، أحمد حافظ، الذي أكد أن «وفداً مصرياً، برئاسة نائب وزير المالية، سيشارك في ورشة العمل المزمع عقدها في المنامة».
وبرر متحدث الخارجية المشاركة في المؤتمر بأنها تأتي «في إطار الاهتمام المصري الدائم بأي محاولات للتعامل مع التحديات الاقتصادية التي يواجهها الشعب الفلسطيني الشقيق، والالتزام الثابت بالعمل على تحقيق آماله المشروعة».
وأوضح حافظ أن «المشاركة المصرية تهدف لمتابعة الأفكار التي سيتم عرضها خلال الورشة، وتقييم مدى توافق ما قد تتضمنه من أطروحات مع رؤية السلطة الوطنية الفلسطينية لسبل نيل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من خلال إطار سياسي، ووفقاً للمحددات والثوابت الفلسطينية والعربية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة».
من جهتها، أعلنت الحكومة الأردنية، أمس، عزمها المشاركة في ورشة البحرين الاقتصادية، على مستوى أمين عام وزارة المالية. وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية السفير سفيان القضاة، في تصريحات صحافية، إن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية الأولى، ولا بديل لحل الدولتين الذي يضمن جميع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الشقيق، وفي مقدمتها حقه في الحرية والدولة على ترابه الوطني وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
وأكد أن الأردن سيتعامل مع أي طرح اقتصادي أو سياسي وفق مواقفه الراسخة؛ فيقبل ما ينسجم معها ويرفض أي طرح لا ينسجم مع ثوابته، وسيستمر في العمل والتواصل مع المجتمع الدولي وتكريس كل علاقاته وإمكاناته لحشد الدعم لمواقفه ولدعم الحق الفلسطيني.
ويتمسك الأردن بموقفه الرافض لأي حل بديل عن حل الدولتين كسبيل لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ويعتبر أن لا طرح اقتصادياً يمكن أن يكون بديلاً للحل السياسي على أساس حل الدولتين، وفق تصريحات سابقة لوزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي.

- رد الفعل الفلسطيني
ورفعت الفصائل الفلسطينية مستوى الغضب مُطالِبةً الفلسطينيين في الوطن والشتات والعرب بمسيرات ضد الورشة الاقتصادية وخطة السلام.
وتعقيباً على تصريحات كوشنر، قال عضو منظمة التحرير الفلسطينية إنها خطة غير واقعية ووعود نظرية غير قابلة للتطبيق. وشكك خبراء في إمكانية أن تمول الدول الخطة الأميركية بينما الصراع السياسي مستمر.
وموقف الفلسطينيين ليس جديداً في ظل العلاقة المقطوعة أصلاً مع الإدارة الأميركية بعد قرار الرئيس الأميركي نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ووقفه جميع المساعدات للفلسطينيين، بما في ذلك دعم وكالة «غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين»، قبل أن يغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن ويطرد رئيس المكتب هناك.
وبناء على ذلك يرفض الفلسطينيون التعامل مع واشنطن، كما يرفضون خطة السلام الأميركية قبل أن تُطرَح وكل ما له علاقة بها. ووضعت حركة «فتح»، التي يتزعمها عباس، برنامجاً للمواجهة مع القوات الإسرائيلية، خلال الأسبوع الحالي، ويتضمن احتجاجات ضد الولايات المتحدة، وهو تصعيد حذرت بسببه واشنطن مواطنيها وطلبت منهم تجنب الوجود في الضفة وغزة خلال الفترة الحالية.

- السفارة الأميركية تحذّر مواطنيها
وحذرت السفارة الأميركية في إسرائيل مواطنيها من المظاهرات والاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة المتوقَّع أن تُقام في مدن رئيسية في الضفة الغربية وغزة وفي أماكن أخرى، وذلك على خلفية انعقاد «الورشة الاقتصادية» في البحرين، من الاثنين إلى الأربعاء. ومنعت السفارة موظفيها وأبناء عائلاتهم من الدخول إلى الضفة الغربية هذه الأيام.
ويشمل الحظر السفر في شارع رقم «1» الواصل بين تل أبيب والقدس وشارع «90» الواصل بين شمال إسرائيل وجنوبها، ويمرّ بمحاذاة نهر الأردن في الضفة الغربية. والتحذير الأميركي مرتبط بتوقعات إسرائيلية كذلك عن احتمال اشتعال المنطقة. وقال الجيش الإسرائيلي، وفقاً لوسائل الإعلام الإسرائيلية، إن الأوضاع في الضفة قابلة للانفجار في ظل انعدام الأفق السياسي، ومع تنامي المعارضة للخطة الأميركية للسلام، بينما تتعمق أزمة السلطة المالية.
ونقل موقع «واينت» الإسرائيلي عن ضابطات في مكتب «منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الضفة» أن الوضع في الضفة الغربية ما زال قابلاً للانفجار، رغم عدم اندلاع انتفاضة ثالثة في السنوات الأخيرة، وانخفاض نسبة البطالة في السلطة الفلسطينية، ورغم التنسيق الأمني المزدهر، فإن احتمالية انفجار الأوضاع بلحظة قد تحدث حتى من دون الحاجة إلى المبادرة الأميركية للسلام بالشرق الأوسط.
وكانت حركة «فتح» أعلنت برنامج «الفعاليات ضد صفقة القرن وورشة البحرين في كل الوطن والشتات» أيام 24 و25 و26 من الشهر الحالي. ودعت القوى الوطنية والإسلامية لتحويل يوم غد (الاثنين) إلى يوم للمسيرات الشعبية الغاضبة رفضاً للمشاريع التصفوية وما يُحاك من مؤامرات لتصفية حقوق شعبنا، كما دعت لاعتبار بعد غد (الثلاثاء) 25 يونيو يوماً للتصعيد الميداني على نقاط الاحتكاك والتماس، ويوم 26 يونيو يوماً للمؤتمرات الشعبية واللقاءات الموسعة بحضور القوى والهيئات والفعاليات الشعبية والأطر النسوية والنقابية والأهلية والمهنية لإرسال رسالة رفضهم التعاطي مع كل ما سينجم عن الورشة الاقتصادية.
كما دعت القوى لاعتبار يوم الجمعة المقبل يوم تصعيد ميداني وكفاحي في مواقع الفعل الأسبوعي رفضاً للاستيطان والجدار العنصري في جميع نقاط الاحتكاك، وتصعيد المقاومة الشعبية الباسلة في وجه الاحتلال. ولم تكتفِ الفصائل بمظاهرات ومسيرات في الضفة وقطاع غزة. ونادت حركة «فتح»، أمس، الدول والشعوب العربية إلى الانتصار لفلسطين. وقال عضو اللجنة المركزية للحركة عباس زكي في بيان إن «القدس ليست ملكاً للشعب الفلسطيني فقط، وإنما هي مِلك للأمتين العربية والإسلامية والمسيحية». وأضاف: «نحن نتطلع لأمتنا العربية والإسلامية في هذه اللحظات التاريخية والمصيرية في تاريخ كفاح أمتنا ضد القوى الاستعمارية والصهيونية، وقد حان الوقت لأن تعبّر أمتنا المجيدة وأحرارها عن موقف عربي أصيل ضد صفقة القرن الأميركية وضد كل من يقف معها».

- أهم ما جاء في حديث كوشنر بشأن خطة السلام الأميركية
تحدث المستشار البارز للبيت الأبيض جاريد كوشنر إلى «رويترز» عن الشق الاقتصادي لخطة السلام الأميركية للأراضي الفلسطينية والدول المحيطة بها... وهنا أهم ما جاء في حديثه:
> ستستثمر الخطة نحو 50 مليار دولار في المنطقة، وستوجد مليون فرصة عمل في الضفة الغربية وقطاع غزة، وسينخفض معدل البطالة فيهما من نحو 30 في المائة إلى معدل من أرقام أحادية.
> سيخفض معدل الفقر عندهم بنسبة النصف إذا طبقت على النحو الصحيح. إنها خطة عشرية، وسوف تضاعف إجمالي الناتج القومي لديهم. لقد طرحناها حتى الآن للمراجعة من قبل نحو 12 اقتصادياً في 12 دولة، ونحن سعداء للغاية بتقديمها ومشاركتها مع كثير من كبار قادة قطاع الأعمال، وكثير من المؤسسات الاستثمارية الكبيرة، ثم عندئذ مع الجمهور.
> لا بد أن أقول إن هذه واحدة من أصعب المشكلات الموجودة في العالم. هذا النزاع مستمر منذ وقت طويل جداً، وكان هناك كثير من المحاولات بشأنه، كانت جميعها محاولات ذات نوايا حسنة جداً ونبيلة لحلها. عندما شاركنا في الأمر، بحثنا جميع هذه المحاولات، وحاولنا دراسة لماذا لم تنجح، وهناك كثير من الأشياء الجيدة تم عملها.
> لقد حاولنا أخذ جميع الأشياء الجيدة التي فعلوها، ثم خرجنا بنهج جديد، في محاولة لطرح ذلك. اعتقدنا أن الشأن الاقتصادي جزء مهم للغاية.
> في العالم الحقيقي، أجد أن الطريقة لحل المشكلات هي التطرق واقعياً إلى التفاصيل، والتقدم بالاقتراحات، والاتفاق والاختلاف على أشياء معينة - هذا صحي للغاية، هذه هي كيفية حل نزاع. تذكر أنه لا أحد يوافق على شيء حتى فعل ذلك بالضبط، ليس من غير المتوقع أن يقف الناس، وأن ينتقدوا أشياء، لكن ما نأمل في فعله هو إيجاد إطار عمل نستطيع من خلاله تغيير النقاش، وأن نجعل الناس ينظرون إلى هذه المشكلات بشكل مختلف وأكثر تفصيلاً، وبطريقة يؤمل أن يكون بالإمكان أن تؤدي إلى بعض الانفراجات.
> الناس يشعرون بضجر من تعثر الوضع طيلة هذه الفترة الطويلة، وما نأمل فيه أن يكون بالإمكان جعل الناس ينظرون إلى هذا بشكل مختلف قليلاً، وأن يلتقوا، وأن يتبادلوا الأفكار، ثم نأمل بعد ذلك أن يكون بإمكاننا إيجاد إطار عمل نمضي على أساس منه قدماً اقتصادياً. لكني أقول إنك لا يمكنك أن تمضي بالخطة الاقتصادية قدماً دون حل القضايا السياسية كذلك. إننا على وعي كامل بذلك، ونعتزم فعل ذلك في وقت لاحق.
> سوف تكون هناك إشادة من بعض الجهات، وسوف يكون هناك انتقاد من بعض الجهات، ونأمل أن يكون ذلك بناء. أنني أفضل دائماً أن يطرح الناس ما يؤيدونه في مقابل ما يقفون ضده، وإذا كان لدى الناس انتقاد بناء سنرحب به، وسنحاول إجراء تعديلات، لكن الأمل الذي نتعلق به أن يكون بإمكاننا جمع كل الناس المختلفين من أوروبا ومن آسيا ومن الشرق الأوسط، وأن يتفقوا على أن هذا هو الطريق الصحيح للمضي فيه قدماً، إذا كان بإمكاننا حل القضايا السياسية.
> أود أن أقول إن الجانب السياسي والجانب الاقتصادي جهدان كبيران للغاية، ومسألة استيعابهما معاً في آن واحد ستكون صعبة للغاية، لذا كان من الضروري فصلهما، والسؤال هنا هو: أي منهما ستطرحه أولاً؟ رأينا أنه من الأفضل طرح الخطة الاقتصادية أولاً؛ إنها أقل إثارة للجدل. ولندع الناس يدرسونها، ويقدمون آراءهم، ولنحاول إتمامها إن استطعنا جميعاً الاتفاق على ما ستبدو عليه في حال التوصل لاتفاق سلام.
> نرى أن عملنا هو المحاولة. من السهل جداً أن تجد أسباباً تشير إلى إمكانية فشلها - نفكر في ذلك طوال الوقت - لكن مهمتنا هي السعي لأن نكون أكثر تفاؤلاً، وأن نخرج بأوضاع قد تغير الصيغة، وآمل أنه برؤية هذه الخطة التي قضينا وقتاً طويلاً لإعدادها من أجل مستقبل اقتصادي أفضل للشعب الفلسطيني وللمنطقة، فإن الناس تبدأ في النظر إلى هذه المشكلة من زوايا مختلفة نسبياً، وربما يؤدي هذا إلى انفراجات مطلوبة بشدة.



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.