«العسكري» السوداني يقيل النائب العام... ويوقف مدبر فض الاعتصام

تجدد الاحتجاجات بقوة... والمهنيون يشترطون لجنة تحقيق دولية للعودة إلى التفاوض

حميدتي خلال لقائه بحشد نسائي في الخرطوم أمس (رويترز)
حميدتي خلال لقائه بحشد نسائي في الخرطوم أمس (رويترز)
TT

«العسكري» السوداني يقيل النائب العام... ويوقف مدبر فض الاعتصام

حميدتي خلال لقائه بحشد نسائي في الخرطوم أمس (رويترز)
حميدتي خلال لقائه بحشد نسائي في الخرطوم أمس (رويترز)

أكد المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في السودان، أمس، ضبط مدبر أحداث فض الاعتصام ومقتل المحتجين السلميين، في 29 رمضان الماضي، وفي الوقت نفسه تخلى عن تكوين حكومة «تكنوقراط» من جانب واحد، متعهدا بمحاكمة رموز النظام القديم، وحمل مسؤولية تأخير المحاكمات للنيابة العامة، حيث تم إقالة النائب العام وتعيين بديلا عنه.
وقال نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني محمد حمدان دقلو «حميدتي»، لحشد نسائي من مؤيديه بالخرطوم، أمس، إن اللجان المختصة ألقت القبض على «شخصية» - لم يحددها لكنه وعد بالكشف عنها قريباً - ضالعة في أحداث فض الاعتصام وأحداث العنف التي رافقته وأدت إلى مقتل عشرات المدنيين في 3 يونيو (حزيران) الماضي، وأضاف: «الآن توصلنا للشخص المتسبب في الأحداث»، وتابع أن سلطاته لن تتردد في اعتقال ومحاكمة «أي شخص يتجاوز حدوده»، سواء كان من الضباط والعسكريين أو من المدنيين.
وجدد حميدتي تبرئة قواته «الدعم السريع» التي تتهمها قوى الحرية والتغيير والمحتجين بالضلوع في فض الاعتصام، وقتل 128 معتصما سلميا، وجرح المئات، فضلاً عن ارتكاب حالات اغتصاب تم توثيق 12 منها، بحسب تجمع المهنيين السودانيين، ومقتل 61 بحسب وزارة الصحة السودانية.
وبشأن أحداث الثامن من رمضان الماضي، والتي راح ضحيتها 6 معتصمين سلميين، أثناء محاولة إزالة المتاريس من «شارع النيل»، برأ حميدتي قواته منها وقال إنهم ألقوا القبض على 14 عسكريا تابعا للقوات النظامية ارتكبوا الجريمة، وبينهم 5 سجلوا اعترافات قضائية، وتابع: «هذه الحكاية ستكشف في المستقبل».
واتهم جهات لم يحددها بارتداء أزياء قواته وارتكاب الجريمة، بقوله: «23 شخصا في بورتسودان لبسوا أزياء الدعم السريع»، مشيرا إلى أن «كاكي الدعم السريع موجود في الأسواق، وقبضنا على أكثر من مجموعة ترتديه». وأضاف: «الدعم السريع ليس كله (دعم سريع)»، بيد أنه قال: «الدعم ليسوا كلهم ملائكة... عندنا محكمة ميدان، وأي زول تجاوز حدوده من القوات النظامية يتعاقب»، واستطرد: «لدينا رقم هاتف يعمل على مدار الساعة، لتلقي الشكاوى».
وتوعد بمحاكمة الفاسدين من رموز النظام المعزول كافة، وانتقد تأخير المحاكمات وحمل المسؤولية عنه للنيابة العامة، وأشار إلى تأخر كثير من القضايا، منها قضية مقتل معلم في مدينة خشم القربة و9 ملفات فساد لأشخاص من المفترض أن يقدموا لمحاكمات، وأضاف: «من اليوم فصاعدا ستبدأ كل المحاكمات وتظهر كل الخفايا... العدالة والقانون (لازم تأخذ مجراها)».
وأدى النائب العام السوداني الجديد «عبد الله أحمد عبد الله» اليمين الدستورية، أمام رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان، وذلك بعد ساعات من إعلان إقالة النائب العام السابق «الوليد سيد أحمد».
وتناقل المعارضون «تسريبات» أشارت إلى أن النائب العام المقال رفض الاعتراف باللجنة العسكرية التي كونها المجلس العسكري للتحقيق في مقتل المعتصمين السلميين أثناء أحداث فض الاعتصام، ووصفها بأنها «لجنة عسكرية غير مستقلة».
وذكر المتحدث باسم المجلس العسكري شمس الدين الكباشي الخميس الماضي، أن النائب العام ورئيس القضاء، شاركا في اجتماع فض الاعتصام من أمام القيادة العامة، لكن النائب العام المقال نفى، وهدد بتقديم استقالته حال التدخل في سلطاته.
وفي سياق آخر، دعا حميدتي للتوافق والوصول لحكومة كفاءات مستقلة من دون إقصاء لأحد، لقطع الطريق أمام ما أطلق عليه «التأسيس للشمولية»، وقال: «الاختلاف يأتي بسبب الظلم، وعمر البشير كان ظالماً والمعارضة ظالمة (قوى الحرية والتغيير)، نحن نريد حكومة كفاءات مكونة من مستقلين، هذا وقت المستقلين، وليس وقت أصحاب الأجندات».
وانتقد حميدتي الفترة الانتقالية التي تطالب بها قوى إعلان الحرية والتغيير، وقال: «لماذا تريد 4 سنوات فترة انتقالية... أنت تريد التأسيس لتمكين مثلما فعل البشير، هذا لن يحدث»، وأضاف: «الفترة الانتقالية سنتان، وبعدها يأتي دور صندوق الانتخابات في كل السودان، نحن لا نريد عمر بشير ثانيا، انتخابات تراقبها الدول والمجتمع الدولي، ولن يكون هناك صندوق يتم تبديله، أو صندوق يتم ملؤه بأصوات غير حقيقية»، في إشارة لتزوير الانتخابات في عهد النظام المعزول.
وقطع بأن دور المجلس العسكري سيكون دوراً رقابياً، ولن يتدخل في عمل الحكومة، وضامناً لأمن البلاد، وقال: «ياسر العطا - عضو المجلس - قال لهم خلونا (أجاويد) لنحكم بينكم حين تختلفوا» وأضاف: «لو تم التفاوض اليوم أو بعد يومين أو بعد سنة، يجب أن نصل لانتخابات، وفي هذه المرحلة نريد أن يحكم المستقلين، والمجلس العسكري لا علاقة له بالحكومة».
وندد حميدتي بتوجيه الاتهامات للمجلس وقواته، وهدد بتقديم أي شخص «يقول كلمة» في حقها للمحاكمة، في وقت أبدى سعادته بالحشد النسوي الذي أعلن تفويض المجلس العسكري بتشكيل الحكومة، وقال موجها حديثه لمعارضيه: «لا تتهمونا بأننا (كيزان) لو اختلفنا معكم في الرأي»، واستطرد: «نحن لم يؤذنا إلاّ المسيسون، قالوا لنا أنتم مائلون للإسلاميين، نحن لسنا منافقين، فالمؤتمر الوطني حكم وانتهى، وهذا التغيير حقيقي، قبضنا على رموز النظام بانتظار المحاكمة، لكن أيضا ليس كل المؤتمر الوطني مجرمين».
من جهة أخرى، تجددت الاحتجاجات بقوة في الشارع السوداني، وخرج المئات في مظاهرات حاشدة في مدن «الأبيض - غرب، مدني - وسط، بورتسودان - شرق»، مطالبة بحكومة مدنية والقصاص من قتلة «مجزرة» فض الاعتصام في الخرطوم والمدن الأخرى.
وقال تجمع المهنيين السودانيين في نشرات متتالية على موقعه على «فيسبوك» أمس، إن حراك المهنيين والموظفين والعمال الثوري في الخرطوم ومدن البلاد، تواصل بحسب الجدول الذي أعدته قوى إعلان الحرية والتغيير بداية الأسبوع.
ووفقاً للتجمع، نفذ العشرات من العاملين بالمالية والكهرباء والنفط والمستشفيات والبنوك والمصارف وشركات في القطاع الخاص وقفات احتجاجية، رفعوا خلالها شعارات تطالب المجلس العسكري بتسليم السلطة للمدنيين فوراً، ونددوا عبرها بقتل المدنيين العزل في عملية فض الاعتصام أمام القيادة العامة.
وقال التجمع إن مجموعة من «قوات الدعم السريع» ألقت القبض على 4 من العاملين في وزارة النفط والغاز بالخرطوم، لمشاركتهم في وقفة احتجاجية مؤيدة لمطالب قوى إعلان الحرية والتغيير.
وحذر التجمع المجلس العسكري من الإقدام على تشكيل حكومة تصريف الأعمال التي يلوح بها قادته، لإبعاد قوى الحرية والتغيير، وأكد أنها خطوة غير مجدية من شأنها زيادة الأوضاع تعقيداً بما ينسف الاستقرار في البلاد.
وطلبت الوساطة الإثيوبية من طرفي الأزمة في السودان، ووقف التصعيد وعدم اتخاذ أي إجراءات أحادية يمكن أن تعرقل استئناف التفاوض، في وقت يتوقع أن يعود فيه ممثل رئيس الإثيوبي آبي أحمد والذي يتابع المبادرة إلى الخرطوم صبيحة اليوم، ليواصل جهوده في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، للوصول إلى حل لأزمة الحكم التي تشهدها البلاد.
وقال القيادي بتجمع المهنيين محمد يوسف المصطفى في مؤتمر صحافي أمس: «نرفض أي دور مركزي ومؤثر للمجلس العسكري في إدارة البلاد»، وقطع بأن «كبار الضباط» لم ينحازوا إلى الشعب، بل عملوا على قطع الطريق أمام الثورة التي ساندها الضباط والجنود الثوريون. وأضاف المصطفى: «العسكري غير مقتنع بما حدث من تغيير في البلاد، لذلك ظل على الدوام يصدر قرارات معادية للثورة، بالتعاون مع سدنة النظام البائد».
وجدد المصطفى تأكيد عدم العودة للتفاوض مع العسكري «إلاّ بعد تشكيل لجنة دولية للتحقيق في مجزرة فض الاعتصام، التي خلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى»، مشدداً على محاسبة كل الجناة المتورطين في هذه الجرائم البشعة، بحسب عبارته.
من جهته، قال المجلس العسكري الانتقالي في بيان على صفحته الرسمية على «فيس بوك» أمس، إن رئيسه عبد الفتاح البرهان التقى رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان السفير جان ميشيل دوموند، وتناول معه الوضع السياسي في البلاد، وعملية التفاوض مع القوى السياسية.
ونقل البيان عن السفير دوموند قوله إن اللقاء بحث سير الحوار بين المجلس العسكري والقوى السياسية بشأن ترتيبات الفترة الانتقالية وتشكيل الحكومة المدنية، ووصف اللقاء بأنه «اتسم بالوضوح والصراحة».
وأعلن السفير دوموند - وفقا للبيان - دعم الاتحاد لوساطة الاتحاد الأفريقي والجهود الإثيوبية لـ«تسهيل التفاوض بين الأطراف السودانية، واحتفاظه بتواصل مستمر مع القوى السياسية، خاصة قوى إعلان الحرية والتغيير»، وقال إنه يولي الوضع الراهن في السودان اهتماماً كبيراً.
وكشف الدبلوماسي الأوروبي تشجيع اتحاده لـ«جميع الأطراف السودانية للوصول إلى تسوية، تضع السودان على مسار السلام والوحدة والديمقراطية والازدهار».
وقال دوموند إن رئيس المجلس أوضح له أنهم لم يكونوا ينوون فض الاعتصام، «لكن هناك جهات تدخلت، وإن هناك تحقيقات شفافة وذات مصداقية تجرى الآن في هذا الشأن».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.