تململ في أوساط المصارف بعد اقتراح رفع الضريبة على الودائع

توقعات بتجاوز الضريبة على أرباحها نسبة 60 %

مصرف لبنان (أ.ب)
مصرف لبنان (أ.ب)
TT

تململ في أوساط المصارف بعد اقتراح رفع الضريبة على الودائع

مصرف لبنان (أ.ب)
مصرف لبنان (أ.ب)

في حين تسقط لجنة المال النيابية تباعاً كثيراً من المواد الضريبية التي أوردتها الحكومة في مشروع قانون الموازنة العامة، يتصاعد التململ في الأوساط المصرفية اللبنانية، بعد استسهال اقتراح زيادة نسبة الضريبة على الودائع والتوظيفات في سندات الخزينة ولدى مصرف لبنان من 7 إلى 10 في المائة، واقتراح اكتتاب المصارف والبنك المركزي بسندات خزينة توازي 7.4 مليار دولار، بعائد 1 في المائة لمدة 10 سنوات.
ويستغرب مسؤول مصرفي كبير كيفية احتساب وفر من اكتتاب لم يتم التداول به أصلاً ولا تفصيلاً مع المدعوين لحيازة هذه السندات التي تتطلب التضحية بنحو 600 مليون دولار من العوائد المتاحة، وفقاً لمتوسطات الفوائد السائدة. ووفق محضر رسمي، نفى حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، خلال الاجتماع الشهري مع جمعية المصارف «ما يتم تداوله من إصدار سندات خزينة بقيمة 11 ألف مليار ليرة لبنانية ليكتتب بها بفائدة مخفوضة»، معتبراً أن هذا الموضوع «غير مطروح»، وأنه «لا سيولة لدى المصارف تكتتب بها، ولا قدرة لها على أن تتحمل الاكتتاب بفوائد من خارج آليات السوق».
وفي انتظار جلاء الغموض الذي يحوط قضية السندات الخاصة، يسود اعتقاد بأن البنك المركزي سيتولى العملية بكاملها، على أن يسوقها لاحقاً لدى الجهاز المصرفي، مدعمة بحوافز يسددها من ميزانيته أيضاً. ذلك أن زيادة ضريبة الودائع والتوظيفات، وهي الزيادة الثانية في غضون عامين التي يتم تحميلها للمودعين وللمصارف معاً، أفضت إلى مضاعفة الضريبة مرتين، مما سيؤدي إلى ارتفاع حصيلة الاقتطاع الضريبي المزدوج إلى نحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات التي تحققها التوظيفات المصرفية، علماً بأنها وصلت إلى نحو 43 في المائة في عام 2018.
ووفق تحليل أجراه الأمين العام للجمعية، الدكتور مكرم صادر، فإنه «في حال إقرار رفع معدل ضريبة على فوائد الودائع المصرفية إلى 10 في المائة في قانون موازنة عام 2019، بدلاً من 7 في المائة المعمول بها، فإن العبء الضريبي على أرباح المصارف سيتخطى عتبة الـ60 في المائة في المتوسط، بدلاً من ضريبة الدخل البالغة 17 في المائة المطبقة على أرباح الشركات». وهذا ما يدحض «مجموعة من الفرضيات الخاطئة والمضلّلة والظالمة، وجوهرها يعود إلى اقتناع بأن المصارف لا تدفع ضرائب كافية. والحقيقة أن مجموع ضرائب الدخل التي سدّدتها المصارف عام 2018 وحدَه تخطى 1.63 مليار دولار، مما يعني تحميل المصارف معدل ضريبة فعلية قارب 42 في المائة من أرباحها، بدلاً من الـ17 في المائة التي فُرضت كمعدل ضريبة على أرباح الشركات».
ويقول المصرفي رامي النمر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن ننتظر حالياً ما ستؤول إليه مداولات اللجان النيابية والهيئة العامة للمجلس بخصوص بنود مشروع قانون الموازنة الذي أحالته الحكومة. كما ننتظر ترجمة المبادرة الحكومية بالشروع في إعداد موازنة العام المقبل. ما يقلقنا هو الاستسهال في الاعتماد على الضرائب، بخلاف الوعود السابقة، كخيار أساسي لزيادة موارد الخزينة، ومن دون التحوط إلى مخاطر دفع الاقتصاد إلى مزيد من الانكماش، علماً بأنه يمكن تأمين إيرادات مضاعفة ووافية لسد كامل العجز من خلال وقف الهدر، ومكافحة التهرب الضريبي، ومعالجة ملف الكهرباء، وهيكلة القطاع العام».
ويضيف: «نعتقد أن الحكومة تحيد عن الصواب المالي من خلال اللجوء إلى زيادة الضرائب على استثمارات المصارف، بما يشمل محافظها من سندات الخزينة والتوظيفات لدى مصرف لبنان المركزي. ففي موازنة العام الماضي، تم ضم المصارف إلى المكلفين بعد رفع الضريبة المستوفاة من 5 إلى 7 في المائة على التوظيفات، ومن 15 إلى 17 في المائة على الأرباح، مما أنتج ازدواجاً ضريبياً صريحاً، إذ توظف المصارف أموال المودعين الخاضعة أساساً للضريبة في سندات الخزينة وشهادات الإيداع، ثم تعاود الدفع ثانية على الأرباح، وأيضاً على توزيعات الأرباح».
ويوضح النمر الذي يرأس «فرست ناشيونال بنك» (من مجموعة المصارف الكبرى) أن «الزيادة الجديدة للضريبة إلى 10 في المائة ستضغط حكماً على الربحية الصافية للمصارف وجدواها، إذ نقدر أن تنحدر من متوسط 9 في المائة إلى أقل من 7 في المائة على الأموال الخاصة لكل مصرف، وهذا من أدنى العوائد في المنطقة وفي الأسواق الناشئة. كما يمكن أن تؤثر سلباً في توجهات المودعين، وبالأخص منهم غير المقيمين، حيث نتوقع أن يزيد حجم الاقتطاع الضريبي من عوائد إيداعات العملاء من 500 إلى 750 مليون دولار سنوياً، لا سيما أن الضريبة تطال كل شرائح ودائع العملاء المنتجة للفوائد بالليرة وبالدولار».
وفي المقابل، يقول النمر: «ينبغي تذكير من يعنيهم الأمر بأننا نضطر، كمصارف، إلى رفع العوائد لصالح الزبائن إلى متوسط يتجاوز 10 في المائة بسبب زيادة المخاطر المالية للدولة، وانخفاض التصنيف السيادي الذي ينذر بضرورة حجز مخصصات أعلى مقابل التوظيفات المصرفية لدى الدولة، في حال صدور إشارات سلبية جديدة من مؤسسات التقييم الدولية، مع التنويه بأننا نبذل جهوداً استثنائية ومكلفة حالياً لجذب ودائع وتوظيفات خارجية تساهم في الحد من تفاقم عجز ميزان المدفوعات، وفي زيادة احتياطات البنك المركزي التي تشكل الضمانة للاستقرار النقدي، والأداة الفعالة لصد أي محاولات للمضاربة في سوق القطع».
ويؤكد أن «ما حملته الصيغة شبه النهائية لمشروع قانون الموازنة لا يتضمن أي ميزة يمكن البناء عليها، باستثناء الخفض الرقمي والنظري للعجز من مستوى 11.5 في المائة إلى معدل 7.6 في المائة من الناتج. وذلك عبر تحميل العبء الأكبر لانفلات الإنفاق العام والتهرب الضريبي على أكتاف مصرف لبنان الذي تكفل بتأمين التوازن المالي للدولة في أصعب الظروف، وعلى موارد القطاع المصرفي الذي تقل حصته في الناتج عن 9 في المائة، مما يكشف عدم العدالة في توزيع المردود الضريبي، حيث تدفع سائر الشركات 17 في المائة فقط على الأرباح (الدفترية). وأيضاً تضخيم الأعباء على مودعي المصارف، وجلهم من موظفي القطاعين العام والخاص والمهن الحرة الذين يؤدون ضريبة الدخل ومصرف لبنان، علماً بأن القطاع المالي متعب أصلاً، ويسجل تراجعاً في مجمل مؤشراته الحيوية، ويتلقى سيلاً دافقاً من الاتهامات التي تضخم ربحيته لتيسير قضم المزيد منها».
ويلفت: «إذا كان ضرورياً توجيه رسائل طمأنة إلى الخارج والداخل، والأسواق المالية والمستثمرين، فالمضمون غير كاف لتوقع التجاوب المنشود. فالمجتمع الدولي الذي التزم بتوفير مساعدات وقروض تصل إلى 11.5 مليار دولار في مؤتمر «سيدر» لديه مذكرة التزامات إصلاحية أشمل وأكثر جدية تكفلت بها الحكومة اللبنانية. كما يراقب مسار معالجة ملف الكهرباء الذي يستهلك بمفرده نحو 1.5 مليار دولار سنوياً. وفي الداخل، يستمر حال من عدم اليقين الذي نتابعه في مستويات التداول في البورصة، وفي أسعار الأوراق المالية، من أسهم وإصدارات عائدة للشركات المالية وغير المالية، وهي أسعار متدنية للغاية تعكس تواصل القلق وعدم ترقب جدوى أو ربحية توازي حجم المخاطرة في حيازة الأوراق اللبنانية».
وتبرز المرارة المصرفية أكثر في القراءة التحليلية التي أجراها الأمين العام، حيث يقول صادر: «ربما يجهل الفرقاء السياسيون الأساسيون، رغم كثرة المستشارين داخل صفوفها ومن خارجها، أن المصارف ساهمت وحدها خلال عام 2018 بما يزيد على 58 في المائة من حصيلة ضريبة الدخل على أرباح الشركات المساهمة والمحدودة المسؤولية والفردية، التي يزيد عددها على 150 ألفاً (مقابل 65 مصرفاً عاملاً في لبنان)»، ويحذر من أن «قمّة الخطر على الاستقرار المالي في البلد أن تتحوّل المصارف إلى المموِّل الرئيسي لاستمرارية منظومة الفساد والهدر داخل الطبقة الحاكمة. عندها، تسقط في خضمّ الصراع الذي يشتدّ في المنطقة، المحرّمات التي حالت دون استهداف هذا الاستقرار النقدي والمالي حتى الآن. فحذارِ من فتح باب جهنم. وللعلم، ثمّة مصارف أجنبية كثيرة تحوم حول كبار المودعين في البلد كالغربان لإقناعهم بتحويل أموالهم إلى الخارج تفادياً لظلم الدولة اللبنانية».
ويذكر صادر بأن «الطبقة السياسية في لبنان تجهل أو تتجاهل مقدار الدعم المالي غير المباشر الذي يقدّمه الجهاز المصرفي بمكوّنَيْه التجاري والمركزي للدولة اللبنانية، من خلال إقراض الخزينة بفوائد معتدلة، مقارنة مع مخاطر لبنان السيادية. فالقطاع المصرفي يوفّر للدولة قروضاً بالليرة والدولار تفوق 72 مليار دولار، بفائدة مدينة متوسطة قدرها 6.4 في المائة، بدلاً من 13 في المائة في المتوسط تدفعها أي دولة مصنّفة بـدرجة «- B» من قبل مؤسّسات التقويم الدولية، مما يوفّــر فعلاً على الخزينة 5.4 مليار دولار سنوياً. وتصل مساهمة القطاع بطريقة مباشرة وغير مباشرة إلى زهاء 7.1 مليار دولار لخزينة الدولة، أي أن القطاع المصرفي المركزي والتجاري يموِّل أكثر من ثلث النفقات العامة، ويمثّل نحو ثلثي إيرادات الدولة».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.