مهارة «داعش» في استخدام وسائل متنوعة من أجل تجنيد المتطرفين

قلق في أجهزة الاستخبارات بسبب إجادته لتقنيات الفيديو والصور الميدانية وتغريدات «تويتر» بلغات متعددة

صور لمدينة الفلوجة ملتقطة من طائرة «درون» على مواقع «داعش» الإلكترونية (نيويورك تايمز)
صور لمدينة الفلوجة ملتقطة من طائرة «درون» على مواقع «داعش» الإلكترونية (نيويورك تايمز)
TT

مهارة «داعش» في استخدام وسائل متنوعة من أجل تجنيد المتطرفين

صور لمدينة الفلوجة ملتقطة من طائرة «درون» على مواقع «داعش» الإلكترونية (نيويورك تايمز)
صور لمدينة الفلوجة ملتقطة من طائرة «درون» على مواقع «داعش» الإلكترونية (نيويورك تايمز)

جذب المتطرفون الذين استولوا على مناطق واسعة من العراق وسوريا انتباه العالم ببراعتهم العسكرية ووحشيتهم المفرطة. ولكن ينتاب أجهزة الاستخبارات الغربية القلق أيضا بسبب إجادتهم الاستثنائية لأسلحة تبدو أقل فتكا من بينها أحدث تقنيات الفيديو والصور الميدانية الملتقطة من طائرات من دون طيار ورسائل «تويتر» المكتوبة بلغات متعددة.
يستخدم تنظيم «داعش» نظام تبادل الرسائل المعاصر في تجنيد المقاتلين وتخويف الأعداء والترويج لمزاعمه بإقامة دولة خلافة إسلامية موحدة تحكم وفقا لتفسيرات متشددة للشريعة الإسلامية. وإذا كان من الواضح أن تعصب التنظيم وعمليات الذبح الذي ينفذها تعود إلى قرون بعيدة، فإن استخدامه لوسائل الإعلام مواكب للعصر الحديث.
يكشف استعراض إنتاجه المذهل المطبوع وعبر الإنترنت عن عدة مفاجآت. على سبيل المثال، لا تحتوي دعاية «داعش» على دعوات كثيرة لشن هجمات ضد الغرب، حتى على الرغم من مقطع الفيديو الشهير بين الأميركيين الذي صدر منذ أكثر من عشرة أيام يظهر فيه مقتل الصحافي الأميركي جيمس فولي، وتهديد رهينة أميركي آخر، وذُكر فيه أن الغارات الأميركية على «داعش» سوف «تسفر عن إراقة دماء» أميركيين. يبتعد هذا عن جميع ما ينشره التنظيم ويروج له من أن هدفه الأكبر هو تأمين الدولة الإسلامية والتوسع فيها. يقول الخبراء إن ذلك قد يتغير بين عشية وضحاها، ولكن حتى الآن يظل هناك اختلاف حاد بين «داعش» وتنظيم القاعدة الذي جعل شن الهجمات ضد الغرب من أولوياته لفترة طويلة.
وفي حين ربما يعتمد «داعش» على إراقة الدماء فإنه يبدو عازما على إظهار فطنة الدولة البيروقراطية الذي يدعي إقامتها. يمتلئ التقريران السنويان اللذان أصدرهما حتى الآن بما يشبه السجل الجهادي الذي يدون الإحصائيات المتعلقة بكل شيء بداية من «المدن التي تم الاستيلاء عليها» و«علميات القتل بالسكين» التي ارتكبتها قوات «داعش» إلى «إقامة نقاط تفتيش» وحتى «المرتدين التائبين».
يحيط الجهاز الإعلامي لـ«داعش» حملته بإطار عصري، يشن من خلاله التنظيم هجوما على التقسيمات القومية والحدود التي رسمتها في الشرق الأوسط قوى غربية بعد الحرب العالمية الأولى. يدفع «داعش» في مجلته الناطقة باللغة الإنجليزية بأن هذه «التقسيمات الصليبية» وقادتها العرب الحاليين كانت جزءا من استراتيجية «فرق تسد» التي تهدف إلى منع المسلمين من الاتحاد «تحت قيادة إمام واحد يرفع راية الحق».
هذا الشعور بالظلم التاريخي كان الفكرة الرئيسة لدى تنظيم القاعدة والجماعات الإسلامية الأكثر اعتدالا. لكن وجه الاختلاف هنا هو أنه من خلال الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي وامتلاك أسلحة ثقيلة والحصول على ثروات طائلة من عمليات الخطف وسرقة النفط والمصارف والابتزاز، يدعي داعش أنه اتخذ خطوة كبيرة تجاه تصحيح ما يصفه بالخطأ القديم، وفي سبيل إقامة دولة إسلامية موحدة تضم تحت رايتها دولا قائمة.
يعمل التنظيم بحذر في شن حملة التجنيد حيث يبعث برسائل مختلفة إلى المسلمين في الغرب وإلى هؤلاء القريبين منه. ولكن تتخذ جميع الرسائل صورة القوة العنيدة التي لا يمكن إيقافها. وتحقق هذه الحملة تأثيرا، فقد اجتذب التمرد المسلح في سوريا والعراق ما يصل إلى ألفي مقاتل غربي، ربما يكون من بينهم 100 أميركي، إلى جانب عدة آلاف من الشرق الأوسط وغيره من المناطق، على الرغم من أن بعضهم عاد إلى وطنه. ويعتقد الخبراء أن معظم المتبقين اليوم يقاتلون مع تنظيم داعش.
يقول اميل نخلة، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) «الفكرة الغالبة هي أن النجاح ينتج نجاحا. وتعني فكرة انتصاراتهم السريعة واستيلائهم على الأراضي وأسلحة وقواعد أنهم لا يحتاجون إلى بذل جهد كبير في التجنيد». أضاف نخلة أنه على مدار عقدين، تحدث أسامة بن لادن عن إعادة إقامة الخلافة، لكنه لم يدع مطلقا أنه حقق ذلك.. «ينظر الشباب إلى (داعش) ويقولون (يا إلهي إنهم يقيمونها!)، ويشاهدون مقاطع فيديو يظهر فيها مقاتلو (داعش) على ظهور دبابات. ويرون أن (داعش) لديه المال».
يقول توماس شميدينغير، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيينا، إنه قبل استيلاء «داعش» على مدينة الموصل في العراق في يونيو (حزيران) الماضي، كانت الفصائل الأخرى في سوريا تجتذب مجندين أوروبيين.. «لكن منذ سقوط الموصل، يذهب الجميع تقريبا إلى (داعش)».
في تاريخ تطور دعاية الجهاديين الحديثة، يمثل بن لادن الذي كان يخاطب كاميرا واحدة ثابتة موجها خطابا باللغة العربية الفصحى، الجيل الأول (وكان لا بد أن يتم توصيل الفيديو إلى شبكة تلفزيون «الجزيرة» أو أي شبكة تلفزيونية أخر لإذاعته). وكان أبرز شخص في الجيل الثاني هو نجم يوتيوب أنور العولقي، رجل الدين الأميركي الأصل، الذي قتل في غارة شنتها طائرة من دون طيار في اليمن عام 2011، وكان يخاطب الغربيين باللغة الإنجليزية السائدة ولديه مدونة وصفحة على «فيسبوك»، كما ساعد على إصدار مجلة بالألوان ناطقة باللغة الإنجليزية.
يمثل تنظيم داعش الجيل الثالث من الجهاد الإلكتروني، حيث تنشر عشرات الحسابات على موقع «تويتر» رسالته، وينشر خطبه الرئيسة بسبع لغات. وتستعين مقاطع الفيديو ببعض صور ماديسون أفينيو وهوليوود، وألعاب الفيديو القتالية وأفلام قنوات الكابل، كما تنتشر رسائله المؤثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما تتعرض حساباته للحظر، تظهر غيرها على الفور. كما يستعين بخدمات أخرى مثل «جست باست» لنشر ملخصات للمعارك، و«ساوند كلاود» لنشر تقارير صوتية، و«إنستغرام» لمشاركة الصور، و«واتساب» لنشر رسوم الغرافيكس والفيديوهات.
يقول جون هورغان، عالم النفس في جامعة ماساشوستس في لويل الذي درس لفترة طويلة ما يتعلق بالإرهاب «إنهم بارعون في استهداف الجمهور الشاب. وهناك إلحاح في الأمر، وكأنهم يقولون: (كن جزءا من كيان أكبر منك وانضم إليه الآن)».
أما فواز جرجس، الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد ومؤلف كتاب «العدو البعيد: لماذا أصبح الجهاد عالميا»، فيقول «حتى الآن ركز تنظيم داعش باستمرار على ما يسميه المسلحون بـ(العدو القريب) - أي قادة الدول الإسلامية مثل بشار الأسد في سوريا - وليس (العدو البعيد) - أي الولايات المتحدة وأوروبا». وأضاف قائلا «يظل القتال ضد الأميركيين والإسرائيليين بعيدا، ولا يحتل أولوية. بل يجب أن ينتظر التحرير في الداخل».
من جانب آخر، كان تنظيم القاعدة يؤكد على ميزة وجود شبكة إرهابية من المؤيدين الذين يحملون جوازات سفر غربية ويستطيعون شن هجمات في بلادهم. ولكن يشير الطقس العام السائد لدى انضمام مجندين جدد إلى «داعش» بتمزيق أو حرق جوازات سفرهم إلى التزام لا رجعة فيه بالانتماء للتنظيم.
* خدمة «نيويورك تايمز»



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.