السودان... بين العاصفة الشعبية والضغط الدولي

الأنظار تتركّز على نتائج الوساطة الأفريقية

السودان... بين العاصفة الشعبية والضغط الدولي
TT

السودان... بين العاصفة الشعبية والضغط الدولي

السودان... بين العاصفة الشعبية والضغط الدولي

صبيحة الاثنين الثالث من يونيو (حزيران) وعشية عيد الفطر المبارك، انهال الرصاص ليحصد أرواح المئات من الشباب والنساء والأطفال وكبار السن المعتصمين أمام القيادة العامة للجيش السوداني منذ السادس من أبريل (نيسان) الماضي. وتقول «لجنة أطباء السودان المركزية»، وهي تكوين مهني رئيسي من مكوّنات الثورة السودانية، إن حصيلة ضحايا الهجوم حتى ليلة أمس (الجمعة) بلغ 113 قتيلاً، انتشلت جثامين أكثر من 40 منهم من نهر النيل. وتضيف اللجنة ونشطاء يعملون في مداواتهم، أن أعداد الجرحى والمصابين تجاوز 400 جريح ومصاب، لا يجدون العلاج اللازم لقلة عدد الأطباء والكوادر الصحية، وشح الأدوية والمحاليل المنقذة للحياة؛ ما يهدد بارتفاع أعداد القتلى.
من جهة أخرى، قرأ مراقبون سياسيون في الزيارات والاتصالات الخارجية، التي سبقت التطورات الأخيرة، التي قام بها أركان المجلس العسكري - بما فيها حضور رئيسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان على رأس وفد رفيع في قمتي «مكة» العربية والإسلامية - عملية صياغة أوليات السياسة الخارجية السودانية، باتجاه بناء علاقات قوية مع الشركاء الإقليميين، وبخاصة في دول الخليج العربية ومصر، لكن بمنأى عن التدخل الخارجي بالشأن السوداني الداخلي.

أطلقت «لجنة أطباء السودان» في بيان صدر أمس «مناشدة إنسانية عاجلة» إلى الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، والمنظمات الصحية الإقليمية والعالمية، اتهمت فيه المجلس العسكري الانتقالي «بمواصلة القتل والبطش والترويع... في طرقات الخرطوم وغيرها من مدن السودان». وأضافت في بيانها أنه «مع التعتيم الذي يمارسه المجلس العسكري بقطع خدمات الإنترنت وشبكات التواصل في السودان، تجري عمليات الحصر للضحايا وتقديم المساعدة الطبية في ظروف بالغة الصعوبة».
«اللجنة» ذكرت أن عدد القتلى الذين تمكن الأطباء من حصرهم وبإشرافها بلغ حتى نهار أمس 113 شهيداً، بينما تتكدّس أرتال الجرحى والمصابين في المستشفيات الحكومية والخاصة، التي تعاني شحاً شديداً في معينات تقديم الخدمات الطبية من محاليل وريدية وأدوية منقذة للحياة، وكذلك شحاً في الكادر الطبي. ونددت «اللجنة» بما وصفته بـ«التضييق الممنهج الممارس على الأطباء والكوادر الطبية... مع محاولة سد الطرق أمامهم من الوصول إلى المستشفيات، ومن ثم مهاجمتهم داخل المؤسسات الصحية، عند معالجة أبناء شعبهم، وإغلاق 5 مستشفيات رئيسية كلياً، ومستشفيين رئيسيين جزئياً... ما قد يؤدي إلى فقدان المزيد من الأرواح».
هذا، على صعيد التطورات الأمنية الأخيرة، أما على الصعيد السياسي فقد استدعت هذه التطورات تحرّكات أفريقية وخطوات دولية عاجلة لنزع فتيل الانفجار. إذ واجه المجلس العسكري ضغوطاً دولية، آخرها إصدار الاتحاد الأفريقي قراراً قضى بتجميد عضوية السودان على الفور، ودعوته إلى تسليم السلطة إلى المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف الأخيرة. كذلك تزايدت الضغوط الغربية الممثلة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، التي دعت المجلس إلى تسليم السلطة إلى المدنيين، وهدّدت بفرض عقوبات على المسؤولين عن قتل المحتجين السلميين. وفي هذا السياق، بدأت وساطة أفريقية بقيادة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الذي وصل الخرطوم أمس، للقاء المجلس العسكري وقوى «إعلان الحرية والتغيير»؛ بحثاً عن حل للمأزق السوداني.
من الواضح أن المجلس العسكري كان قد سعى من وراء زيارات قادته الأخيرة إلى حشد الدعم الخارجي لخططه في إدارة المرحلة الانتقالية. وفي هذا الإطار، جاءت عبارات مثل «تنوير (توضيح) تطورات الأوضاع بالسودان وجهود المجلس العسكري للوصول إلى حلول مُرضية مع قوى الحراك الثوري»... وكذلك «الشكر على المساندة والدعم المقدم للسودان لتجاوز المرحلة الراهنة»، عاملاً مشتركاً في كل البيانات الصادرة عن المجلس عقب الزيارات. وهنا، يقول الدكتور حامد التجاني، أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأميركية في القاهرة - وهو سوداني الجنسية: إن المجلس العسكري في ورطة حالياً بسبب تعثره في الوصول إلى اتفاق مع القوى الثورية؛ ولذا فهو يغازل المجتمع الدولي والدول الرئيسية في المنطقة خاصة مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهي بالطبع دول مهمة وأساسية ومحورية بالنسبة للسودان، ومن المهم أن تتفهم ماذا يجري في السودان. لكن من ناحية أخرى، فإن المجلس العسكري، وفقاً للتجاني، يسعى إلى فرض الأمر الواقع، والتأكيد أنه يمثل السيادة في السودان، وأنه يحظى بتأييد من الخارج، يعزّز استمراريته في إدارة المرحلة الانتقالية، فضلاً عن رغبته في الحصول على دعم مالي من دول الخليج.

- قصة بدايات الثورة
الجدير بالذكر، أن الاحتجاجات والمظاهرات في السودان انطلقت يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، وكانت عفوية ومطلبية مندّدة بارتفاع أسعار السلع والخدمات، وانخفاض قيمة الجنيه السوداني، وندرة العملات المحلية والأجنبية والمحروقات بادئ الأمر. واندلعت مظاهرات في مدينة الدمازين (جنوب البلاد)، ثم انتقلت إلى مدينة عطبرة (الشمال)، ومدينة بورتسودان (الشرق)، واجهتها سلطات أمن الرئيس المعزول بعنف مفرط أدى إلى مقتل عشرات المحتجّين السلميين.
العنف المفرط في قمع المظاهرات أثار غضب المحتجين، فأحرق بعضهم مكاتب حزب «المؤتمر الوطني» الذي يترأسه الرئيس المعزول عمر البشير، وبعض المنشآت المرتبطة به، وبهذا انتقلت من المطلبية إلى المطالبة بتنحية البشير وحكومته على الفور. وبعد أيام من عمليات القتل الممنهج واستخدام العنف المفرط ضد المحتجين، نشطت بين الشباب دعوات للانضمام للحراك في مدن السودان المختلفة للمطالبة بعزل البشير وتنحية حكومته، وبمواجهة تعنّت السلطات تزايدت وتيرة الاحتجاج، فاضطرت إلى تعليق الدراسة في الجامعات والمدارس بمختلف مراحلها.
غير أن إغلاق مؤسسات التعليم لم يخفّف من حدة الاحتجاجات، فاضطر البشير إلى إعلان حالة الطوارئ وفرض حظر التجوال طوال الليل، وحلّ الحكومة وتكوين حكومة ذات طابع عسكري، لكن هذه القرارات زادت «الطين بلة»، فارتفعت حدة الغضب والغليان الشعبي.
كذلك، لم تفلح محاولات حكومة البشير وأجهزة أمنه، في التخفيف من حدة المظاهرات، ولم تفلح محاولة رئيس جهاز الأمن السابق صلاح عبد الله (قوش) ربط الاحتجاجات بـ«الموساد» ومسلحين تلقوا التدريب هناك في إثناء المحتجين والمتظاهرين. وبعد أيام من الاحتجاج العفوي، تصدّى «تجمع المهنيين السودانيين» لقيادة الاحتجاجات وتنظيمها، وبذلك انتقل بالاحتجاجات من مطلبية إلى احتجاجات ذات مطالب سياسية سقفها تنحي البشير وحكومته على الفور. وفي سبيل ذلك، نظم مواكب معلنة وحدّد مواقيت وأماكن تجمعات المحتجين، والهدف الذي تقصده، وهو تسليم مذكرة للقصر الرئاسي تطالب البشير وحكومته بالتنحي.
أجهزة الأمن، عند هذه النقطة، حالت دون وصول المواكب للقصر الرئاسي والبرلمان، واستخدمت في ذلك عنفاً مفرطاً، تضمن إطلاق قنابل الغاز المدمع بكثافة، واستخدام الهراوات في ضرب المحتجين، وإلقاء القنابل الصوتية للترويع، ولما أخفقت كل هذه الإجراءات أطلق الرصاص الحي على صدور المحتجين.

- « تجمّع المهنيين السودانيين»
«تجمع المهنيين السودانيين» الذي نظم الاحتجاجات، تجمّع مهني كان يسعى إلى تحسين شروط الخدمة وزيادة الأجور، لكنه، عشية انطلاقة الاحتجاجات انتقل إلى المطالبة بـ«إسقاط نظام البشير»، وقاد المظاهرات المطالبة بعزل البشير وتنحية حكومته. وفي يناير (كانون الثاني) المنصرم، تشكّل تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير»، وانضمت ثلاثة تحالفات معارضة رئيسية، هي «تحالف قوى الإجماع الوطني»، و«تحالف نداء السودان»، و«التجمع الاتحادي المعارض»، وقوى مدنية أخرى، إلى «تجمع المهنيين السودانيين» وقادوا الاحتجاجات والمواكب معاً منذ ذلك الوقت.
أمام تصاعد الاحتجاجات ازداد القمع الممنهج الذي دأب نظام البشير على ممارسته؛ ما أدّى إلى زيادة حالات قتل الثوار. غير أن القمع لم يُجدِ نفعاً، فاضطر رأس النظام إلى إعلان حالة الطوارئ العامة في البلاد لمدة سنة، وألحقها بأربعة مراسيم طوارئ، حظر بموجبها التجمّعات والإضراب والاحتجاج، واعتبره جريمة تصل عقوبتها السجن 10 سنوات مع الغرامة. وبموجب أوامر الطوارئ أنشأ النائب العام نيابات خاصة بالطوارئ، وأنشأ رئيس القضاء «محاكم طوارئ»، مارست عملها على الفور، وأصدرت أحكاماً بالسجن والغرامة على محتجين، تراوحت بين السجن لأشهر وسنوات مع الغرامة، خضعت لها أعداد كبيرة من المحتجين الذين ألقت أجهزة الأمن القبض عليهم عشوائياً.
في المقابل، استفاد «تجمع المهنيين السودانيين» من الاستجابة الواسعة والقبول الشعبي، الذي وظفه في الدعوة لتحدي حالة الطوارئ ومواصلة التظاهر. ثم كلف عدداً كبيراً من المحامين المتطوعين للدفاع عن المحتجين أمام محاكم الطوارئ، فكوّنوا لجان دفاع ترابض أمام محاكم الطوارئ على مدار اليوم، إضافة إلى المسارعة بدفع الغرامات التي تفرض على المحتجين؛ ما أفشل خطط النظام في استخدام الجهاز القضائي أداة سياسية لمواجهة المحتجين والثوار.
طوال أربعة أشهر من المظاهرات والمواكب الاحتجاجية، حصد رصاص قوات الأمن أرواح أكثر من 70 قتيلاً في مختلف أنحاء السودان، وأدى إلى جرح وإصابة المئات، لكن الرصاص لم يفلح في وقف المد الثوري، بل زاد حدة الغضب الشعبي واتساع دائرته.
ويوم 6 أبريل الماضي، واحتفاء بذكرى «انتفاضة أبريل 1985»، التي أطاحت بالرئيس الأسبق جعفر النميري، توجهت أعداد كبيرة من المحتجين والمتظاهرين نحو القيادة العامة للجيش، لمطالبته بالانحياز للشعب أسوة بما فعله في السابق. وسريعاً، تحوّلت المواكب الكبيرة التي وصلت قيادة الجيش إلى «اعتصام مفتوح» في المكان، الذي يجاور قصر الضيافة، حيث مسكن البشير. ولم تفلح محاولات أجهزة الأمن في فضه بالقوة، ورغم مقتل أكثر من خمسة محتجين، فإن «الثوار» واصلوا الصمود والاعتصام.
وأثناء ذلك حاولت «ميليشيات وكتائب» تابعة للنظام فض الاعتصام بالقوة ليلاً، لكن ضباطاً وأفراداً في الجيش السوداني تصدّوا للمهاجمين واشتبكوا معهم بالرصاص لحماية المتظاهرين، وقُتل في الاشتباكات عدد من العسكريين، وألقت قيادة الجيش القبض على عدد من الضباط من ذوي الرتب الصغيرة ووضعتهم في الحبس بتهمة «التمرّد» بحماية المتظاهرين.

- اعتقال البشير
واصل مئات الآلاف الاعتصام حتى يوم الخميس 11 أبريل، وفيه أصدرت القيادة العامة للجيش السوداني، بياناً أعلنت فيه اعتقال الرئيس البشير وتشكيل «مجلس عسكري انتقالي» بقيادة وزير الدفاع ونائب البشير، عوض بن عوف ليقود البلاد لمدة سنتين، وعلّقت بموجب ذلك الدستور وفرضت حالة الطوارئ لثلاثة أشهر، وحلّت الحكومة المركزية والحكومات الولائية والمجالس التشريعية، وفرضت حظر التجوال لمدة شهر.
لكن المحتجين لم يقنعوا بالخطوات التي اتخذتها قيادة الجيش واعتبروها انقلاباً دبّره رموز النظام القديم، وواصلوا الاعتصام الذي تزايدت أعداد المشاركين فيه لتبلغ الملايين، مطالبين بتنحّي ابن عوف ومجلسه. وحقاً، بعد مرور ساعات من الاحتجاجات المناوئة له، اضطر نائب البشير السابق إلى التنازل عن رئاسة المجلس العسكري وعيّن المفتش العام للجيش - وقتها - الفريق أول عبد الفتاح البرهان مكانه.
لم يوقف تنحي ابن عوف الاحتجاجات والمظاهرات والاعتصام، بل توافدت أعداد كبيرة إضافية إلى المنطقة قرب قيادة الجيش، للضغط على العسكريين لتسليم السلطة للمدنيين. وأثناء ذلك، توافدت أعداد كبيرة من المواطنين من ولايات السودان الأخرى إلى العاصمة الخرطوم للمشاركة في الاعتصام، وأبرزها وصول «قطار» محمل بالمحتجين آتٍ من مدينة عطبرة التي أشعلت الشرارة الأولى للاحتجاجات. وعلى الفور أقام المعتصمون الخيام ومنصات الخطابة، وأقاموا العيادات الميدانية، في حين توافد محتجون من أقاليم البلاد المختلفة، كل إقليم له خيمته التي يفاخر من خلالها بمشاركته في الثورة. وتزايدت الكثافة المعتصمة وضغطها على المجلس العسكري الانتقالي، وانضم إلى المعتصمين بمواكب شبه يومية تتجه نحو الاعتصام، المحامون والقضاة والأطباء والصحافيون والصيادلة والأحياء، وغيرهم.
على الأثر، اضطر المجلس العسكري الانتقالي إلى الدخول في تفاوض مع قوى «إعلان الحرية والتغيير» التي تقود الاحتجاجات، اتفقوا خلاله على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، ومجلس وزراء من 17 وزيراً تعيّنه «قوى إعلان الحرية والتغيير»، ومجلس تشريعي (برلمان) انتقالي 67 في المائة منه من نصيب «الحرية والتغيير»، بيد أن الطرفين اختلفا على نسبة التمثيل في مجلس السيادة. فالعسكريون في المجلس الانتقالي أصروا على مجلس سيادة عسكري بتمثيل مدني محدود برئاسة عسكرية، بينما أصرت قوى «الحرية والتغيير» على مجلس سيادة مدني وبرئاسة مدنية وتمثيل عسكري محدود.
وفي الثامن من رمضان، وعلى الرغم من إعلان الطرفين التوصل إلى اتفاقيات حول جلّ القضايا الخلافية، هوجم المعتصمون وقتل ثمانية منهم، فيما عرف بـ«أحداث الثامن من رمضان». وإثرها أعلنت قوى «الحرية والتغيير» تعليق التفاوض مع المجلس العسكري، بعدما اتهمته بالحنث بوعده ومحاولة فض الاعتصام بالقوة، ودعت لمليونية أطلقت عليها مليونية «السلطة المدنية»، شارك فيها مئات الآلاف من السودانيين، وتعهدوا باستمرار الاعتصام طوال شهر رمضان.
وفي صباح الثالث من يونيو الحالي، تعرّض مكان الاعتصام لهجوم أكبر وأعنف، اتهمت قوى «الحرية والتغيير» به «قوات الدعم السريع» أدى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، وفض الاعتصام. وبعد الدعوة إلى إقامة المتاريس في الطرق الرئيسية بمختلف شوارع العاصمة وأنحاء البلاد، وطلبت منهم الاعتصام بمنازلهم، ظهر الفريق أول البرهان في التلفزيون الرسمي، وأعلن وقف التفاوض مع قوى «الحرية والتغيير»، وألغى الاتفاقيات السابقة معها، ودعا إلى انتخابات في غضون 9 أشهر، واصفاً ما يحدث بأنه عمليات «تنظيف للشارع»، كما اتهم قوى «الحرية والتغيير» بمحاولة احتكار السلطة، وتعهد بتسليم السلطة لمن أسماه «من يرتضيه الشعب». وجاء الرد بإعلان هذه القوى بدء عصيان مدني وإضراب سياسي شامل في عموم السودان.

- مخاوف سياسية... تقابلها طمأنة بأن لا نية للتدخل في الشأن الداخلي
عودة إلى الشق السياسي، وبالتحديد الزيارات والاتصالات الخارجية؛ إذ يرى متابعون أن هذه الزيارات أثارت قلق قوى «الحرية والتغيير» التي تتخوف من أن تكون محاولة لتمكين المجلس العسكري من مواصلة حكم البلاد، وفتح الباب للتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية السودانية.
لكن مصر، وفق بعض من تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» في العاصمة المصرية القاهرة، سعت إلى طمأنة الشعب السوداني بأنها لا تسعى لفرض إراداتها أو التدخل في شؤون الداخلية. وهو ما ظهر في أكثر من مناسبة، منها البيان الرئاسي المصري الذي أعقب لقاء السيسي والبرهان، والذي أكد «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار السودان، ومساندتها للإرادة الحرة ولخيارات الشعب السوداني في صياغة مستقبل بلاده، والحفاظ على مؤسسات الدولة». وكذلك «استعداد مصر لتقديم كل سبل الدعم للأشقاء في السودان لتجاوز هذه المرحلة بما يتوافق مع تطلعات الشعب السوداني بعيداً عن التدخلات الخارجية».
ووفق السفيرة منى عمر، فإن مصر «سعت منذ بداية الاحتجاجات إلى النأي بنفسها من التدخل في الشأن السوداني»، مؤكدة أن موقفها هو «فقط تقديم الخبرات ورؤيتها للمرحلة الانتقالية من خلال تجربتها؛ إذ إن مصر تمتلك استراتيجية واضحة حققت طفرة في الاستقرار والتحول الاقتصادي، وهناك فرق بين التدخل أو الإملاء وبين تقديم النصيحة والمشورة، فلا يستطيع أحد فرض إرادته على دولة أخرى»، وفقاً للسفيرة.
وتجدر الإشارة إلى أن وفداً من «تجمع المهنيين السودانيين» المعارض التقى السفير المصري في الخرطوم حسام عيسى بنهاية مايو (أيار) الماضي، وأكد السفير للوفد أن مصر لا تسعى لفرض أي نموذج أو تجربة على السودان. وكتب «تجمع المهنيين» على حسابه على موقع «تويتر»، أن اللقاء بدأ «بتأكيد السفير على مبادئ أساسية تضمنت التزام مصر بعدم التدخل في الشأن السوداني، وعدم سعيها لفرض أي نموذج أو تجربة على الوضع في السودان، وتفهمها لاختلاف التفاصيل والتجارب بين الدولتين». كذلك، قال السفير إن «مصر تدعم خيارات الشعب السوداني وستتعامل وتتعاون بشكل كامل مع من يختاره السودانيون». وذكر التجمع أنه عرض موقفه في التطورات الأخيرة، واستعرض مبرّرات ضرورة وجود سلطة مدنية انتقالية ومجلس سيادة ذي طابع مدني باعتباره أحد المطالب الجماهيرية للثورة. وشدد على «ضرورة أن تكون العملية السياسية التي تجري في السودان حالياً ذات طابع سوداني خالص وغير متأثرة بسياسات أي من المحاور الخارجية».
أخيراً، ينصح الدكتور حامد التجاني المجلس العسكري الانتقالي، ومن بعده مَن في السلطة بالخرطوم، بضرورة البعد عن سياسة المحاور التي أضرت كثيراً بالسودان، وإقامة علاقات متوازنة تقوم على حسن الجوار وتبادل المنافع مع الجميع وفق مصالحه الاستراتيجية، البعيدة عن التوتر المضر للسودان. ذلك أن الشعب، وفقاً للأكاديمي السوداني، «وضع حداً لسياسة المحاور التي اتبعها النظام السابق، ولا يرغب في تكرارها».


مقالات ذات صلة

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حصاد الأسبوع داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني

رائد جبر ( موسكو)
حصاد الأسبوع يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع شابيرو (أ.ب)

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع من كاليفورنيا... كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (آب)

«الصوت اللاتيني» يفرض نفسه في حسابات الانتخابات الأميركية

ثمّة لغز يدور منذ عقود حول «الصوت اللاتيني (الهسبانيكي)» في السياسة الأميركية. هذا اللغز يعجز الجميع عن تعريفه بدقة، لكن الكل يسلّم بعمق تأثيره وأهميته في

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع صورة من الحدود الأميركية - المكسيكية (أ.ب)

«الجار الجنوبي» المكسيكي عامل مؤثر... سواء بوجود «الجدار» أو غيابه

لا تكتمل صورة الصوت اللاتيني في الانتخابات الأميركية من دون «الجار الجنوبي»؛ أي المكسيك؛ إذ يُستدل من بعض الدراسات أن الأميركيين اللاتينيين الشبان


«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».