عُمان الماضي تعانق عُمان الحاضر بجمال روحها وطبيعتها

ما بين كهوف وصحارٍ وجبال وقلاع

مراكب تقليدية في مسقط
مراكب تقليدية في مسقط
TT

عُمان الماضي تعانق عُمان الحاضر بجمال روحها وطبيعتها

مراكب تقليدية في مسقط
مراكب تقليدية في مسقط

مقال جميل نشرته صحيفة بريطانية منذ فترة بعنوان: «Oh Man» تُعبر فيه كاتبته عن دهشتها لكمية الجمال الذي التقطته عيناها وخزنته ذاكرتها، أثناء زيارتها لسلطنة عُمان. تغنت بثقافتها وحسن ضيافتها، وكل ما يشكل شخصيتها من تراث غني نابض بالحياة، وقيم عربية أصيلة، وشعور قوي بالهوية، وتمسك بمفاخر الماضي، والسحر الخاص في البنايات واطئة الارتفاع، التي لا تتطاول كثيراً عن الأرض، وكأنها لا تريد أن تتعب عين الناظر، وأشياء أخرى كثيرة كانت من بين ما ذكرته في مقالها. وهي لم تبالغ؛ لأن كل من زار السلطنة رجع بالانطباع نفسه. فهي غنية بتاريخها، جميلة بطبيعتها. جمال يتجلى في صحاريها الشاسعة وجبالها وسواحلها البكر، فضلاً عن مساجدها الأليفة، وقلاعها الحصينة، ومحمياتها الطبيعية، وأسواقها الشعبية الضاجة بالحياة.
لكن السلطنة لم تبقَ سجينة التاريخ والماضي؛ بل تقدم أطباقاً دسمة من الأنشطة التي تخاطب كل الأذواق، وتجعلها واحة لمحبي الهدوء، ومكسباً لهواة المغامرات، مثل السباحة، والقفز بالمظلات، وتسلق الجبال، والغوص في المياه العميقة، والصيد، وغيرها.
تقع سلطنة عُمان في الربع الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وتطل على ثلاثة بحار، هي بحر العرب وبحر عُمان والخليج العربي. وكانت السلطنة في أواخر القرن الخامس عشر إمبراطورية قوية، تتنافس مع الدول الكبرى على النفوذ والقوة، بينما تعد العاصمة مسقط من الموانئ الرئيسية في المنطقة، ومن بين أهم الموانئ التجارية على المحيط الهندي.
ورغم الخلط في القراءة الذي يحدث أحياناً بين عَمَّان عاصمة الأردن، وعُمَان السلطنة؛ خصوصاً عندما يغفلون وضع الضمة على العين، فإن هذا الاسم موغل في القدم. وهنالك كثير من الكتابات السومرية التي تشير إلى عُمان؛ حيث كانت ثمة روابط وصلات تجارية مع بلاد الرافدين. وعُرفت هذه المنطقة التاريخية باسم جبل النحاس أيضاً، وإن اختلفت الآراء في أصل تسمية عُمان. فالبعض يرجعه إلى قبيلة عُمان القحطانية، والبعض يأخذه من معنى الاستقرار والإقامة، حيث يقول ابن الإعرابي: العمن أي المقيمون في مكان، ويقال: أعمن الرجل أي دام على المقام.
9 أماكن لا تفوتك زيارتها في عُمان
1- جبل الشمس
يقع هذا الجبل في ولاية الحمرة في محافظة الداخلية. تُعد قمته أعلى قمة جبل في عُمان. وسمي بهذا الاسم لأنه أول نقطة تشرق عليها الشمس في السلطنة، وآخر نقطة تغيب عنها، وهو مقصد السياح والمواطنين على السواء؛ خصوصاً في فصل الصيف، حيث لا تتعدى درجة الحرارة في قمته العشرين نهاراً، وتكون دون العشرين ليلاً، بينما تصل في الشتاء إلى عشر درجات تحت الصفر، بسبب تساقط الثلوج. الجميل في هذا الجبل كثرة سفوحه وقممه، مع سهولة الانتقال من سفح إلى آخر. ولكن قبل الوصول إلى قمة الجبل الرئيسية، توجد هوة عميقة تدعى «شرفة نخر»، وهي واحدة من أجمل الأماكن التي تستهوي السياح، بينما يمكن لصاعد الجبل أن يلاحظ الفوالق الصخرية الأكبر في العالم، والنباتات النادرة على سفوحه، مثل البوت والعلعلان.
ويضم الجبل بين جنباته نحو 30 قرية صغيرة، تشتهر بالصناعات اليدوية الشعبية، علماً بأن مختلف الخدمات الأساسية التي يحتاجها السائح تتوفر في الجبل.
2- أسوار قلعة مطرح
بنى البرتغاليون المغامرون هذه القلعة في أواخر القرن السادس عشر، على منحنى أحد التلال. ويقع برج المراقبة الحجري على بعد 1.5 كيلومتر شرقاً، على طول مسار الكورنيش المخصص للمشي. وما يميز هذه القلعة إطلالتها على ميناء السلطان قابوس، وسوق مطرح في مسقط. وتتميز بالطراز المعماري الفريد والتحصينات الدفاعية. وتضم القلعة مجموعة متنوعة من المدافع القديمة، منها المدافع العُمانية والبرتغالية والبريطانية والفرنسية والأميركية والهندية والفارسية، مع عربات ميدانية للمعارك، وأخرى بحرية للسفن، وثالثة للمباني.
وتبدو القلعة كأنها الممر الوحيد الذي يصل بين مطرح ومسقط، وتتكون من ثلاثة أبراج دائرية، أطلق عليها قديماً اسم «كوت مطرح»، وهي مبنية من الحجارة والصاروج، واستخدمت قديماً لأغراض دفاعية، أما اليوم فهي مفتوحة للزوار.
3- أشجار الباوباب
توفر زيارة عُمان فرصة لمحبي الطبيعة، للتعرف على هذه الأشجار العملاقة التي عادة ما توجد في أستراليا، وتحظى في أفريقيا بأهمية خاصة، كونها ترمز عندهم للخصوبة والعطاء. ويحرص سكان القرى هناك على الاحتفاظ ببذورها، وزراعتها عند انتقالهم من مكان إلى آخر. وهي واحدة من أطول الأشجار في العالم وأكثرها غرابة، وتسمى أيضاً «كريم التتار» و«الفئران الميتة» و«الأشجار المقلوبة»، واسمها العلمي «Adansonia Digitata»، أما في عُمان فتسمى شعبياً شجرة التبلدي. ويمكن مشاهدة هذه الأشجار في الوديان المرتفعة فوق مدينة صلالة الساحلية. كما يمر الطريق الجبلي في وادي دربات بعدة بساتين تضم بضع شجرات منها، ويوجد في منطقة ظفار نحو 200 شجرة، وفي ولاية ضلكوت بالمنطقة الغربية شجرة واحدة فقط.
4- كهف الهوتة
اكتشف السكان المحليون هذا الكهف منذ مئات السنين. يقع على بُعد بضعة كيلومترات إلى الغرب من الحمرا، في الجزء الجنوبي من سلسلة الجبل الأخضر. ويمكن الوصول إلى المدخل بعد رحلة قصيرة في القطار الكهربائي. وعادة ما تستكشف الجولات التي تنظمها بعض مكاتب السياحة، وتستغرق 45 دقيقة، أول 500 متر من الكهف المستطيل، الذي يضم بين جنباته نظاماً بيئياً فريداً؛ حيث توجد فيه الرخويات والقواقع وخنافس الماء الرقيقة، ونوع خاص من أسماك الكهوف العمياء ذات اللون الوردي الشفاف.
ولهذا الكهف فتحتان يدخل من إحداهما ماء الوادي المنحدر من أعلى الجبل، وتسمى هذه الفتحة بـ«الهوتة»، أما الأخرى «الفلاج» فيخرج الماء عبرها، بعد توغله داخل أروقة الكهف ودهاليزه المتصلة.
5- مقابر بات التاريخية
تقع هذه المقابر على سلسلة من التلال الصخرية في منطقة جبل وحيدة، وهي من أكثر المستوطنات تكاملاً في العالم منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد. وتوصف المقابر بأنّها «خلايا نحل حجرية»، كونها مرتبة بشكل مجسمات حجرية يتباعد بعضها عن بعض، ويشبه كلّ منها هرماً صغيراً محفوراً في الصخر. بُنيت بين عامي 3000 و2000 قبل الميلاد. ويبلغ ارتفاع قبابها 7 أمتار، وهي مصنوعة lن كتل من الحجر الرملي ذي اللون الصحراوي. يزداد جمال هذه الآثار مع شروق الشمس؛ لأنها تتلون باللون الوردي حيناً والرمادي والأصفر والأحمر في أحيان أخرى.
وفي الليل، ومع أفق مفتوح على الجبال الشاهقة والسماء الصافية المزينة بالنجوم، تأخذ ظلال تلك المقابر المخروطية أشكالاً تطول وتقصر في انسيابية ساحرة.
6- السلاحف البحرية الخضراء
يعد الخط الساحلي بالقرب من رأس الجنز موقعاً ملائماً للسلاحف البحرية الخضراء، التي تعشعش فيه بعد السفر لمسافات طويلة عبر المحيط المفتوح. وتنتقل هذه الكائنات الرائعة إلى المكان الذي ولدت فيه لتضع بيضها في رمال الشواطئ الذهبية، ما يُشكل فرصة كبيرة لاستمرار بقاء هذا النوع من السلاحف المهددة بالانقراض. وفي كل عام يعشش في المنطقة ما بين 6000 و13000 سلحفاة؛ حسب إحصائيات رسمية، بعد أن تأتي إلى السلطنة من مناطق أخرى بعيدة، مثل الخليج العربي والبحر الأحمر وشواطئ الصومال.
وليس غريباً أن يجذب هذا المشهد عدداً كبيراً من السياح الذين يتوافدون من كل أنحاء العالم، لتصوير ومراقبة دورة الحياة الخاصة بهذه المخلوقات الوديعة.
7- بحر الرمال الشرقية
تعتبر ولاية بدية من الواحات الجميلة القابعة على مدخل رمال الشرقية، وتعد الموطن الأصلي للبدو، ونقطة الدخول في عالم مليء بالإثارة والحيوية بعيداً عن صخب المدينة. ويوجد في هذه الرمال كثير من الواحات المزروعة بالأشجار المثمرة، والمحاطة بالكثبان الرملية التي تتدرج ألوانها من الأحمر إلى البني على امتداد البصر، بينما يعد الانحدار الحاد للرمال في الجزء الجنوبي لهذه الواحة من المواقع المتميزة لممارسة رياضة التزلج على الرمال، والقيام بجولات في الطرق الوعرة، أو صعود الرمال بسيارات الدفع الرباعي، إضافة إلى سباقات الخيول والهجن، وكثير من مغامرات الصحراء.
وتعد هذه الواحة من أجمل مناطق التخييم في السلطنة، وعادة ما يفضلها السياح نظراً لسهولة الوصول إليها، ولتوفر الخدمات القريبة منها.
8- صحراء الربع الخالي
أكبر صحراء رملية ممتدة بعضها مع بعض في كوكب الأرض، وتضم نصف رمال الصحراء. اكتسبت اسمها بسبب افتقارها للمستوطنات؛ لكن يمكن للسائح زيارتها في جولة ليلية في الكثبان الرملية لمراقبة غروب الشمس والسماء الصافية والنجوم تُرصعها. كما أن هنالك طريقاً تصل عُمان بالسعودية، يطلق عليها اسم «الأعجوبة الهندسية»، يشق رمال الربع الخالي، ويقطع أكثر من 800 كيلومتر بين البلدين، وقد احتاج تشييد هذا الطريق إلى إزالة أكثر من 130 مليون متر مكعب من الرمال.
9- سوق مطرح
تحتفظ هذه السوق بفوضويتها الجميلة، كما هي الحال مع بقية الأسواق الشعبية العربية. تضج فيها روائح اللبان والبخور والعطور العربية والتوابل الحادة، كما تباع فيها المصنوعات اليدوية العُمانية والمشغولات الفضية والخناجر والأقمشة التقليدية والأواني النحاسية والفخارية، بالإضافة إلى الحلوى العُمانية الشهيرة، ومنتجات النخيل والغزول والمجوهرات وأطباق تقديم الشواء العُماني التقليدي (لحم غنم متبل مطبوخ في فرن تحت الأرض).
ويرجع تاريخ نشأة هذه السوق إلى نحو مائتي عام، ولها تسمية أخرى معروفة بين أهل البلد، وهي «سوق الظلام» بسبب كثرة الأزقة الضيقة والمتاجر المكتظة التي كانت تحجب عنها أشعة الشمس خلال النهار، مما يدعو الناس إلى استخدام المصابيح اليدوية لتلمس الطريق. ورغم أن السوق ما عادت تشكو من العتمة، فإن الأزقة المتعرجة والمتداخلة مع بعضها قد توقع السائح بالحيرة إذا لم يكن معه دليل من أهل السوق، ومن السهل أن يضيع في واحد من هذه الأزقة. ولكن هذا التجربة لا تخلو من المتعة أيضاً؛ لأنها قد تكون سبباً في الوصول إلى أمكنة لم تكن على البال.


مقالات ذات صلة

رحلة عبر معالم ومواقع تصوير الفيلم الملحمي «الأوديسة»

يوميات الشرق جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

رحلة عبر معالم ومواقع تصوير الفيلم الملحمي «الأوديسة»

فيلم «الأوديسة» يعيد إحياء «سينما الواقع»: جولة خلف كواليس التصوير الملحمي وخرائط الوصول إلى مواقعها التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)
سفر وسياحة موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)

السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

يبحث سكان أوروبا والمسافرون إليها خلال فصل الصيف عن وسائل تحافظ على سلامتهم وتقيهم الحر، في وقت تعاني فيه القارة من موجة حر تاريخية هذا الصيف

رايلي أوبر (نيويورك)
سفر وسياحة شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)

الإجازات القصيرة أم الطويلة؟ دليلك لاختيار الرحلة المثالية

يختلف كثيرون حول المدة المثالية التي ينبغي أن تستغرقها رحلة السفر؛ فقد أظهرت دراسات حديثة أن لطول الإجازة دوراً أساسياً في حجم الفوائد النفسية والجسدية

فيفيان حداد (بيروت)
شمال افريقيا مسافرون عبر مطار القاهرة الدولي (الصفحة الرسمية لميناء القاهرة الجوي)

رسم مغادرة المسافرين يثير جدلاً في مصر

أثار بدء تفعيل السلطات المصرية تعديلاً تشريعياً يتعلق برسم مغادرة الأراضي المصرية جدلاً واسعاً، وسط تساؤلات عن آلية تحصيله.

علاء حموده (القاهرة)
سفر وسياحة تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)

جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

في قلب ولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية، وبين حدائق قصر شفِتسينغن Schwetzingen الساحرة التي تُعدّ من أجمل الحدائق التاريخية في أوروبا، يقف مبنى استثنائي...

عادل عبد الرحمن (شفِتسينغن - ألمانيا)

السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
TT

السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)

يبحث سكان أوروبا والمسافرون إليها خلال فصل الصيف عن وسائل تحافظ على سلامتهم وتقيهم الحر، في وقت تعاني فيه القارة من موجة حر تاريخية هذا الصيف، تسببت في اضطرابات واسعة، شملت تعطيل خطوط السكك الحديدية في بريطانيا، وإغلاق عدد من أبرز المعالم السياحية، بينها متحف اللوفر وبرج إيفل، قبل مواعيدها المعتادة. كما شهدت فرنسا أعطالاً في شبكة الكهرباء أدت، حتى الأربعاء، إلى انقطاع التيار عن أكثر من 68 ألف منزل. وتتفاقم آثار الحر بسبب محدودية انتشار أجهزة تكييف الهواء في عدد من الدول الأوروبية. وفي فرنسا، لقي ما لا يقل عن 40 شخصاً.

ينصح بالتوجه الى الحدائق في الايام الحارة (نيويورك تايمز)

ويتوقع خبراء الأرصاد أن تستعد دول شرق القارة لاستقبال أيام حارة ، ورغم ذلك، فإن ذروة موسم السفر إلى أوروبا عادة ما تكون خلال شهري آب (تموز) ة أغسطس (آب)، حيث ترتفع درجات الحرارة غالباً إلى مستويات أعلى مما هي عليه في يونيو (حزيران).

وقد يجد السياح القادمون من دول تنتشر فيها أجهزة التكييف على نطاق واسع، مثل الولايات المتحدة واليابان والخليج، أنفسهم أقل استعداداً للتأقلم مع هذه الأجواء مقارنة بالسكان المحليين. وفيما يلي أبرز ما ينبغي معرفته عند التخطيط لرحلة إلى أوروبا.

لا تنتشر أجهزة تكييف الهواء في أوروبا بالقدر المعروف في الولايات المتحدة أو شرق آسيا. ففي فرنسا، لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بالتكييف ربع المساكن، بينما يُعد وجوده في المنازل البريطانية رفاهية، نظراً إلى أن معظمها صُمم للاحتفاظ بالحرارة.

فرنسا من بين البلدان التي تعاني من موجة الحر(نيويورك تايمز)

وتقول كاتي ويغنال، المرشدة السياحية في شركة «لوك أب لندن تورز»، إن معظم الفنادق توفر تكييف الهواء، لكنها تنصح المسافرين الذين يختارون الإقامة في شقق للإيجار القصير بالتأكد مسبقاً من توافره؛ لأن أغلب المنازل لا تضم وسائل تبريد.

وبعد الاستقرار في مكان الإقامة، توصي ويغنال باستخدام خطوط «سيركل» و«ديستريكت» و«إليزابيث» في مترو أنفاق لندن، إضافة إلى شبكة «لندن أوفرغراوند»، إذ يُرجح أن تكون جميعها مكيفة. أما الحافلات، فبعضها مزود بالتكييف، بينما يكون بعضها الآخر، بحسب تعبيرها، «أشد حرارة من الشمس»، لذلك تنصح بالاعتماد على المترو.

وفي روما، يقول فابيو كوبولا، مالك سلسلة بيوت الشباب «يلو سكوير» في روما وميلانو وفلورنسا، إضافة إلى أثينا، إن الفنادق المصنفة ثلاث نجوم فما فوق توفر التكييف في العادة، لكنه ينصح أيضاً بالتحقق من ذلك عند الحجز عبر «إير بي إن بي»؛ لأن السكان المحليين غالباً لا يستخدمون أجهزة التكييف.

وفي فرنسا، يتيح الموقع الرسمي لإقليم «إيل دو فرانس»، الذي يضم باريس، للسكان والزوار البحث عن ملاجئ مناخية أو مناطق تبريد تقع على بُعد عشر دقائق سيراً على الأقدام. كما تتوافر خدمات مماثلة في برشلونة وبرلين وفيينا، فيما يوفر مكتب السياحة في باريس قائمة بأحواض السباحة العامة.

يجب اتخاذ الحذر خلال رحلاتكم الى اروبا خلال موجة الحر (نيويورك تايمز)

وتنصح المرشدة السياحية المستقلة صوفي غاشيني زوار باريس بتجنب أحواض السباحة العامة المزدحمة ونهر السين، والتوجه بدلاً من ذلك إلى قناة «سان مارتان»، التي فُتحت للسباحة بسبب موجة الحر. وهناك يمكن الاستمتاع بنسمات الهواء الباردة المنبعثة من المياه، بل والسباحة أيضاً، مع الالتزام بالمناطق المخصصة لذلك.

وفي لندن، يمكن للعائلات التوجه إلى نوافير «سومرست هاوس» أو «غراناري سكوير» في منطقة كينغز كروس. كما توصي ويغنال بالتجول في شوارع حي بلومزبري المظللة بالأشجار، أو زيارة المقابر التاريخية المعروفة باسم «السبعة العظماء»، التي تعود إلى القرن التاسع عشر وتوفر مساحات مجانية غالباً ما يغفل عنها الزوار للتنزه بين الأشجار ومشاهدة قبور شخصيات شهيرة.

وسائل النقل تضررت من موجة الحر (نيويورك تايمز)

أما في روما، فيُنصح بالابتعاد عن وسط المدينة والتجول في حدائق «فيلا بورغيزي» أو «جياردينو ديغلي أرانتشي». كما يمكن استقلال القطار لمدة نصف ساعة إلى مدينة أوستيا الساحلية للسباحة مجاناً في مياه البحر المتوسط، أو التوجه إلى «سانتا مارينيلا» التي يصفها كوبولا بأنها خيار أكثر سحراً وأقل ارتياداً من قبل السياح. أما في ميلانو، فيعد مسبح «باني ميستيريوزي» التاريخي من أبرز الأماكن المناسبة للسباحة.

وتنخفض درجات الحرارة بطبيعتها في المواقع الواقعة تحت سطح الأرض. ففي برلين، يمكن للزوار العودة بالزمن واستكشاف أحد الملاجئ التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية، أو أنفاق الهروب التي حفرت في ستينات القرن الماضي بين شطري المدينة.

من المفضل الذهاب الى المتاحف في الايام الحارة (نيويورك تايمز)

وفي براغ، تتيح الجولات تحت الأرض التعرف إلى السجون القديمة والصهاريج والممرات المقببة التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر، والتي شُيدت قبل رفع مستوى المدينة بنحو خمسة إلى 25 قدماً لمواجهة أخطار الفيضانات.

وفي باريس، يوفر «متحف مجاري باريس»، المعروف أيضاً باسم متحف الصرف الصحي، منظوراً مختلفاً لتاريخ العاصمة الفرنسية من باطن الأرض. كما تمثل سراديب الموتى خياراً آخر، رغم أنها تشهد ازدحاماً كبيراً في العادة.

تتعرض أوروبا لدرجات حرارة عالية جدا (نيويورك تايمز)

وفي باريس، تفتح كاتدرائية نوتردام أبوابها عند الثامنة صباحاً، وهو التوقيت الذي تعدّه غاشيني الأنسب للزيارة. أما خلال فترة ما بعد الظهر، فتوصي بزيارة متحف الفن الحديث في باريس أو متحف كارنافاليه، حيث يمكن التعرف إلى تاريخ باريس لمدة تصل إلى ست ساعات داخل قصر أرستقراطي مكيف. وتنصح أيضاً بالاطلاع على المواقع الإلكترونية للمتاحف قبل التوجه إليها؛ إذ قد تغلق أبوابها مبكراً خلال موجات الحر الشديدة.

وفي لندن، تقول ويغنال إن الطوابق العليا في متحف فيكتوريا وألبرت من أفضل الأماكن التي يمكن اللجوء إليها، كما توصي بزيارة كنيسة سانت بارثولوميو الكبرى وكاتدرائية سانت بول، اللتين تكونان أقل ازدحاماً من المتحف البريطاني أو دير وستمنستر.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الإجازات القصيرة أم الطويلة؟ دليلك لاختيار الرحلة المثالية

شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)
شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)
TT

الإجازات القصيرة أم الطويلة؟ دليلك لاختيار الرحلة المثالية

شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)
شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)

يختلف كثيرون حول المدة المثالية التي ينبغي أن تستغرقها رحلة السفر؛ فقد أظهرت دراسات حديثة أن لطول الإجازة دوراً أساسياً في حجم الفوائد النفسية والجسدية التي يجنيها المسافر. وعادة ما يلجأ المرء إلى السفر لاستعادة نشاطه والتخلص من ضغوط العمل وتحسين حالته المزاجية بعد فترة طويلة من الانشغال اليومي.

وترى بعض النظريات أن الإجازة يجب ألا تقل عن 15 يوماً كي يتمكن الشخص من تجديد طاقته والاحتفاظ بأثر الراحة لفترة أطول. فيما يذهب خبراء آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن 18 يوماً هي الحد الأدنى لإجازة ناجحة؛ لأن اكتشاف بلدٍ جديدٍ والتأقلم مع عاداته وإيقاع الحياة فيه يحتاجان إلى هذا القدر من الوقت.

باريس من الوجهات الجميلة (إنستغرام)

غير أن دراسة أُجريت في فنلندا جاءت لتقلب هذه المفاهيم رأساً على عقب؛ إذ خلصت إلى أن المدة المثالية للإجازة، سواء كانت داخلية أم خارجية، ينبغي ألا تتجاوز ثمانية أيام.

الإجازة المتقطعة... الحل الأفضل

تشير دراسات عدة إلى أن فوائد الإجازة، مهما طالت أو قصرت، لا تدوم إلى الأبد. فما إن يعود الشخص إلى روتينه اليومي حتى يبدأ تدريجياً باستعادة ضغوطه المعتادة. فالعمل ومتطلبات المنزل والالتزامات المالية تعيده سريعاً إلى واقع كان يسعى إلى الابتعاد عنه، ولو مؤقتاً، خلال رحلته.

لذلك، ينصح خبراء السفر باعتماد مبدأ الإجازات القصيرة والمتكررة على مدار السنة. فبدلاً من تخصيص عطلةٍ طويلةٍ واحدةٍ، يمكن التخطيط لرحلتين أو ثلاث إلى وجهات قريبة نسبياً، الأمر الذي يمدّ المسافر بجرعات متجددة من الحماس والطاقة الإيجابية. بل إن مجرد التفكير باقتراب موعد الرحلة المقبلة يبعث في النفس شعوراً بالراحة والطمأنينة.

ولا يشترط الأمر دائماً السفر إلى الخارج؛ إذ يمكن للسياحة الداخلية أن تحقق الفائدة نفسها عبر اكتشاف مناطق جديدة وغير مألوفة. كما يوصي الخبراء بالتخفيف قدر الإمكان من الاتصالات المهنية والانشغالات اليومية في أثناء الإجازة، بهدف الاستمتاع الكامل بالرحلة واستعادة التوازن النفسي.

اليابان وجهة سفر ممتازة في أبريل (إنستغرام)

السفر المناسب في الوقت المناسب

يشكل اختيار التوقيت المناسب للسفر أحد أهم العوامل التي تضمن نجاح الرحلة. فزيارة الوجهة في موسمها الأمثل يتيح الاستفادة من أفضل الظروف المناخية والأنشطة السياحية. كما أن السفر خلال فصلي الربيع والصيف يخفف غالباً من أعباء الأمتعة الثقيلة ويمنح المسافر فرصة أكبر للاستمتاع بالهواء الطلق.

فعلى سبيل المثال، يعد شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من أفضل الأوقات لزيارة تايلاند؛ إذ تنخفض فيه درجات الحرارة ونسبة الرطوبة، ما يوفر أجواءً أكثر اعتدالاً وراحة. أما شرم الشيخ في مصر، فيعتبر شهر أكتوبر (تشرين الأول) مثالياً لزيارتها، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 25 و30 درجة مئوية، ما يتيح الاستمتاع بالشواطئ والأنشطة البحرية والتنزه في ظروف مناخية مريحة.

وفي أوروبا، يُنصح بزيارة مدن مثل باريس ومدن إسبانيا خلال شهر مايو (أيار)، حيث يجمع هذا التوقيت بين اعتدال الطقس وتفتح الحدائق بالأزهار، فضلاً عن تجنب الازدحام السياحي الذي يميز أشهر الصيف. كما تظل الأسعار أكثر اعتدالاً مقارنة بموسم الذروة.

أما لندن، فيرى خبراء السياحة أن شهري يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول) يشكلان الخيار الأمثل لزيارتها؛ إذ يوفران توازناً مثالياً بين الطقس المعتدل وساعات النهار الطويلة، مع تفادي الازدحام الشديد وارتفاع أسعار الإقامة الذي تشهده المدينة خلال منتصف الصيف.وفيما يتعلق باليابان، تعد أشهر أبريل (نيسان) وأكتوبر ونوفمبر الأفضل للزيارة، لما توفره من مناخ معتدل ومشاهد طبيعية آسرة. ويحتل أبريل مكانة خاصة بفضل موسم تفتح أزهار الكرز الشهير، الذي يحوّل الحدائق والشوارع إلى لوحات طبيعية خلابة. كما يشكل مارس (آذار) بداية هذا الموسم، فيما يتميز مايو بطقس لطيف ومعتدل، مع ضرورة تجنب فترة «الأسبوع الذهبي» في بدايته، حيث تشهد البلاد ازدحاماً كبيراً وارتفاعاً في أسعار الفنادق ووسائل النقل.

لا تجعل السفر سباقاً مع الوقت

يرتكب كثيرون خطأ تحويل الإجازة إلى برنامج مزدحم بالمواعيد والزيارات، فيسعون إلى رؤية أكبر عدد ممكن من المعالم خلال أيام قليلة. إلا أن خبراء السفر يشددون على أن جودة الرحلة لا تُقاس بعدد الأماكن التي نزورها، بل بمدى استمتاعنا بها. فالتنقل المتواصل والاستيقاظ المبكر يومياً قد يحولان الإجازة إلى مصدر إضافي للتعب بدلاً من الراحة.

وينصح الخبراء بترك مساحة للمرونة في برنامج الرحلة، وتخصيص أوقات للاسترخاء واكتشاف المكان بهدوء، سواء عبر الجلوس في مقهى محلي أو التنزه في شوارع المدينة بعيداً من الوجهات السياحية المكتظة. فهذه اللحظات العفوية غالباً ما تترك أجمل الذكريات لدى المسافر.

التخطيط المسبق نصف متعة الرحلة

لا تبدأ متعة السفر عند الوصول إلى الوجهة المقصودة، بل منذ لحظة التخطيط لها؛ فالبحث عن الأماكن التي ستتم زيارتها وحجز الفنادق وترتيب النشاطات يخلق شعوراً بالحماسة والترقب. وتؤكد دراسات نفسية أن انتظار حدث سعيد، كرحلة سفر مرتقبة، ينعكس إيجاباً على المزاج ويخفف من ضغوط الحياة اليومية.

لذلك ينصح الخبراء بالتخطيط المبكر للإجازات، ليس فقط للاستفادة من أسعار أفضل، بل أيضاً للاستمتاع بفترة الترقب التي تسبقها.


جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
TT

جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)

في قلب ولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية، وبين حدائق قصر شفِتسينغن Schwetzingen الساحرة التي تُعدّ من أجمل الحدائق التاريخية في أوروبا، يقف مبنى استثنائي يثير دهشة الزوار منذ أكثر من قرنين من الزمن. إنه «جامع شفِتسينغن» أو ما يُعرف باسم «مسجد الحديقة»، وهو مَعلم فريد لا يشبه المساجد التقليدية التي شُيّدت لأداء الشعائر الدينية، بل يمثل قصة معقدة ومثيرة تجمع بين الفن والسياسة والتاريخ والتسامح الثقافي.

فعلى الرغم من مآذنه الشاهقة وقبته الكبيرة وزخارفه العربية الواضحة، فإن هذا المبنى لم يُبنَ في الأصل ليكون مسجداً للصلاة، بل كان جزءاً من رؤية فكرية وفنية ولدت في أوروبا خلال عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وهي المرحلة التي شهدت تحولات عميقة في النظرة إلى العالم والثقافات الأخرى.

لقاء التصميم مع الطبيعة (الشرق الأوسط)

تقع مدينة شفِتسينغن بين هايدلبرغ ومانهايم في جنوب غرب ألمانيا، واشتُهرت منذ القرن الثامن عشر بقصرها الصيفي الفخم الذي اتخذه أمراء إقليم بالاتينات مقراً للإقامة والاستجمام.

لم يكن القصر مجرد مقر للحكم، بل كان مشروعاً ثقافياً ضخماً أراد أصحابه من خلاله تجسيد صورة مصغرة للعالم. ولهذا السبب؛ امتلأت حدائقه بالمعابد والآثار الاصطناعية والمنشآت المستوحاة من حضارات متعددة، في محاولة لخلق رحلة فكرية وجمالية للزائر وهو يتنقل بين أرجاء المكان.

وسط هذا المشهد المتنوع برز المسجد بوصفه أكثر المباني إثارة للاهتمام، ليس فقط بسبب مظهره الشرقي، وإنما بسبب الرسالة التي حملها في زمن كانت أوروبا تعيد فيه اكتشاف الشرق والعالم الإسلامي.

تعود فكرة إنشاء المسجد إلى الأمير الألماني كارل تيودور، حاكم إقليم بالاتينات وأحد أبرز رعاة الفنون والثقافة في عصره. ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر كانت أوروبا تعيش حالة من الفضول تجاه الشرق، خصوصاً الدولة العثمانية التي كانت تمثل قوة سياسية وثقافية مؤثرة.

المسجد من الخارج (الشرق الأوسط)

انتشرت آنذاك موضة معمارية عُرفت باسم «الطراز التركي» أو «الاستشراق المعماري»، حيث بدأت القصور الأوروبية تستعير عناصر من العمارة الإسلامية والصينية والهندية لتزيين حدائقها ومبانيها.

لكن مشروع شفِتسينغن تجاوز مجرد التقليد الزخرفي. فقد أراد كارل تيودور أن يقدم نفسه بوصفه حاكماً متنوراً يؤمن بالتسامح والانفتاح على الثقافات المختلفة، وهي أفكار كانت تشكل جوهر فلسفة عصر التنوير الأوروبي.

أوكل الأمير المهمة إلى المهندس المعماري الفرنسي نيكولا دو بيغاج، أحد أبرز معماريي البلاط في ذلك الوقت.

بدأ العمل على المشروع عام 1779 واستمر حتى عام 1796، وهي فترة طويلة نسبياً تعكس حجم العناية التي أُعطيت لهذا المبنى.

استلهم بيغاج تصميمه من العمارة العثمانية ومن التصورات الأوروبية عن الشرق الإسلامي، فأنشأ مبنى يتوسطه فضاء مقبب تحيط به أروقة وقاعات جانبية، في حين ترتفع على جانبيه مئذنتان تمنحانه هيئة مسجد حقيقي.

ومن الخارج يبدو المبنى وكأنه قادم من إسطنبول أو إحدى مدن الشرق الإسلامي، غير أن التدقيق في تفاصيله يكشف عن مزيج فريد بين العمارة الأوروبية الباروكية والعناصر الشرقية، في انعكاس واضح للحوار الثقافي الذي كان يطمح إليه مصمموه.

المفارقة الكبرى أن المبنى، رغم اسمه وشكله، لم يُصمم ليكون مسجداً مكتمل الوظائف.

روعة في التصميم (الشرق الأوسط)

فهو يفتقر إلى بعض العناصر الأساسية الموجودة في المساجد التقليدية مثل المحراب والمنبر وموضع الوضوء؛ ما يؤكد أن الغرض الأساسي منه كان رمزياً وجمالياً أكثر منه دينياً.

كان المسجد جزءاً من المشهد البصري للحدائق، ومكاناً للتأمل والاستمتاع بالفن والعمارة، كما كان رسالة سياسية وثقافية تعكس رؤية الأمير للعالم ولعلاقته بالثقافات الأخرى.

ولهذا يعدّه كثير من المؤرخين أحد أوائل النُّصب الأوروبية التي حملت مفهوم الاعتراف بقيمة الديانات غير المسيحية داخل الفضاء الثقافي الأوروبي.

ورغم أنه لم يُبنَ للعبادة، فإن التاريخ منح المسجد فرصة ليؤدي هذا الدور لفترات محدودة.فبعد الحرب الفرنسية البروسية في سبعينات القرن التاسع عشر، نُقل عدد من الجنود والأسرى المسلمين القادمين من شمال أفريقيا إلى مناطق قريبة من شفِتسينغن، وتشير مصادر تاريخية إلى أنهم استخدموا المبنى للصلاة.

كما شهد المكان مناسبات دينية متفرقة خلال العقود اللاحقة؛ ما أضفى عليه بعداً روحياً لم يكن جزءاً من الخطة الأصلية لبنائه.

وهكذا تحوّل المبنى، ولو مؤقتاً، من رمز ثقافي إلى فضاء ديني حقيقي، في مفارقة تاريخية تضيف إلى قصته مزيداً من التميز.

يحمل جامع شفِتسينغن أهمية استثنائية في تاريخ العمارة الأوروبية؛ إذ يُعدّ أقدم مبنى ذي طراز مسجدي في ألمانيا، ومن أندر «مساجد الحدائق» التي ما زالت قائمة في أوروبا حتى اليوم.

وخلال القرنين الماضيين تعرَض المبنى لعوامل الزمن والإهمال، إلا أن السلطات الألمانية أطلقت برامج ترميم واسعة للحفاظ عليه، استمرت سنوات طويلة وأعادت إليه رونقه الأصلي.

واليوم، يبدو المسجد كما لو أنه خرج للتو من القرن الثامن عشر، بألوانه وزخارفه وتفاصيله الدقيقة التي تعكس مهارة البنّائين والفنانين الذين شاركوا في إنشائه.

لا يمكن فهم جامع شفِتسينغن بعيداً عن ظاهرة «الاستشراق» التي طبعت الثقافة الأوروبية في تلك الحقبة.

ففي زمن كانت فيه أوروبا تنظر إلى الشرق بوصفه عالَماً غامضاً ومليئاً بالسحر والرمزية، أصبحت العمارة الإسلامية مصدر إلهام للكثير من الفنانين والمهندسين.

لكن مسجد شفِتسينغن يختلف عن كثير من المباني الاستشراقية الأخرى؛ إذ لم يكن مجرد ديكور غريب لإبهار الزوار، بل حمل أيضاً مضموناً فلسفياً يرتبط بقيم التسامح والتعددية والانفتاح على الآخر.

ولهذا السبب ينظر إليه المؤرخون اليوم بصفته شاهداً على لحظة نادرة حاولت فيها النخب الأوروبية بناء جسور فكرية مع العالم الإسلامي بدل الاكتفاء بالنظر إليه من مسافة بعيدة.

في الوقت الحاضر يستقبل قصر وحدائق شفِتسينغن آلاف الزوار سنوياً، ويظل المسجد أكثر معالمه جذباً للانتباه.

فالسائح الذي يتجول بين الأشجار والبحيرات الصغيرة والحدائق الهندسية لا يتوقع أن يعثر فجأة على مسجد ذي مآذن وقبة وسط المشهد الألماني الكلاسيكي.

هذا التناقض البصري هو بالضبط ما يمنح المكان سحره الخاص.

وبينما تغيرت أوروبا والعالم مرات عدّة منذ بناء المسجد، بقيت رسالته الأساسية حاضرة: أن الفن قادر على تجاوز الحدود، وأن العمارة يمكن أن تتحول لغةً مشتركة بين الشعوب والثقافات.

وفي الختام، يمكن لنا القول إن جامع شفِتسينغن ليس مجرد مبنى جميل داخل حديقة ملكية، بل وثيقة تاريخية تحكي قصة علاقة معقدة بين الشرق والغرب في زمن التحولات الفكرية الكبرى.