النظام السوري يضيّق الخناق على «إعلامه المدلل»

وجوه تعلن اعتزالها بعد تزايد الضغوطات والاعتقالات

وسام الطير مع الجنود أثناء تغطيته المعارك
وسام الطير مع الجنود أثناء تغطيته المعارك
TT

النظام السوري يضيّق الخناق على «إعلامه المدلل»

وسام الطير مع الجنود أثناء تغطيته المعارك
وسام الطير مع الجنود أثناء تغطيته المعارك

«كنا ننتظر أن نحظى بكثير من الدلال بعد الحرب، لكن ما حصل كان العكس، فقد زاد التضييق علينا، وأهملت مشكلاتنا» قالت صحافية سورية لـ«الشرق الأوسط» تعليقاً على إعلان صحافيين سوريين يعملون في وسائل إعلام خاصة موالية للنظام اعتزالهم مؤخراً؛ الصحافية التي أمضت نحو عشرين عاماً في العمل بواحدة من مؤسسات الإعلام الرسمي السوري بدت محبطة تماماً من اشتداد تضييق الهوامش في الإعلام الرسمي إلى «حد الخرس»، حسب تعبيرها. وأضافت موضحة: «بعد أزمتي الغاز والبنزين، كان هناك تعليمات بمنع أي نقد سلبي للحكومة، علماً بأن انتقاد الحكومة والإدارات المحلية كان المجال الوحيد المتبقي لنا كإعلاميين لممارسة المهنة، وتغطية حجم العمل المطلوب شهرياً، ومعدله أربع مواد شهرياً، ولا يمكن لأحد تصور حجم المشقة في البحث عن موضوعات آمنة للنشر، إذ لم يتبق لنا سوى الأخبار والبيانات الرسمية التي تنشر دون تدخل يذكر». وما يؤسف له، بحسب الصحافية، أن يعزا ذلك إلى «ضعف الإعلامي»!!
كان الصحافي علي حسون رئيس تحرير جريدة «الأيام» غير الرسمية، وياسر العمر المراسل الحربي المعتمد لدى الإعلام الحربي للنظام، قد أعلنا الأسبوع الماضي اعتزالهما «العمل الإعلامي»، تضامناً مع زميلهما المراسل الحربي رئيف سلامة الذي اعتقل قرابة الشهر: 23 يوماً في الأمن الجنائي، و7 أيام في سجن عدرا.
ويعمل الصحافي رئيف سلامة مراسلاً لعدة جهات، منها قناة «العالم - سوريا» والإعلام الحربي، والقيادة القطرية، وفرع الحزب في حمص، وقد كشف في منشور له فور إطلاق سراحه أن التهمة التي وجهت إليه هي «الاشتباه بامتلاك صفحة (فيسبوك) نشرت منشوراً مسيئاً لوزير الصحة»، مشيراً إلى أنه لم يكن هناك أي دليل أو إثبات على هذا الاتهام»، مستغرباً أنه «رغم عدم وجود دليل إثبات، مكث شهراً في السجن.. ماذا لو كان هناك دليل؟».
وفي رد فعل على ذلك، أعلن الصحافي علي حسون اعتزاله العمل الصحافي، وكتب: «أنا شخصياً بتُّ مقتنعاً بأن العمل في هذه المهنة المسماة إعلام أصبح ضرباً من الجنون. وبناء عليه، اتخذت وأنا بكامل جبني وخوفي قراراً حاسماً بهجر مهنتي التي أحب إلى أجلٍ غير مسمى، وأبحث حالياً عن عمل يطعمني خبزاً من دون أي مخاطرة... لأنو أساساً ما في شي بيستاهل المخاطرة، واستروا ما شفتوا منا»، ملمحاً إلى خشيته من أن ينال ما ناله رئيف سلامة، فهو «مراسل حربي منذ ٧ سنوات، وتقديراً لجهوده أكرموه بأن اتهموه بوهن نفسية وزير الصحة، والمساس بهيبة الدولة»، لافتاً إلى إنه قبل رئيف «كثر تعرضوا لنفس الموقف، وهنالك المزيد ممن ينتظر».
المراسل الحربي ياسر العمر أيضاً أعلن اعتزاله العمل «الإعلامي» بشكل نهائي، مكتفياً بنشر ما يصدر من البيانات الرسمية. وتحدث مطولاً عن الضغوط التي يتعرض لها العاملون في الإعلام السوري، وكشف عن تعرضه للاعتقال والسجن 3 مرات في الأفرع الأمنية والجنائية بحمص ودمشق، وتبليغه لحضور أربع محاكم في حقه بتهم النيل من هيبة الدولة، وشق الصف، والنيل من الحرية الشخصية، ووصولاً للاشتباه الأمني (أي العمالة).
ويشار إلى أنه منذ بدء النظام حربه على معارضيه عام 2011، جند عشرات الشباب في الإعلام الإلكتروني، وأخضعهم لدورات تدريبية مكنتهم من إغراق السوشيال ميديا بمئات الصفحات الإعلامية، ذات الصبغة الإخبارية التي تغطي المناطق السورية كافة، كان الهدف منها تعويم الإعلام المعارض، ونسف مصداقيته. إعلامي سوري مستقل قال لـ«الشرق الأوسط» إن تلك المواقع الإلكترونية والصفحات الإخبارية التي رعى النظام ظهورها خلال السنوات الماضية، «تزايدت بسرعة، حتى باتت اليوم تشكل تحدياً أمام النظام. فبعد انتهاء مهمتها، فهناك صفحات باتت أشبه مؤسسات إعلامية، من حيث عدد المحررين والمراسلين وحجم التمويل والإعلانات، والأهم أعداد المتابعين الذين يعدون بمئات الآلاف والملايين، بعض تلك الصفحات كسبت «ثقة الشارع» لمصداقية معلوماتها وسرعة نقلها، لا سيما أيام اشتداد المعارك وانهمار القذائف على دمشق، أبرزها صفحة «يوميات قذيفة هاون» وصفحة «دمشق الآن»، فقد حظيت تلك الصفحات بدعم «سياسي ولوجيستي من الرئاسة والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، إضافة إلى دعم مالي من رجال المال الداعمين للنظام»، بحسب ما قاله الصحافي السوري الذي أكد تفوق تلك الصفحات على الإعلام الرسمي الذي صارت «مهمته تأكيد أو نفي معلومات تلك الصفحات في منافسة غير متكافئة، بين إعلام غير رسمي مدلل وإعلام رسمي متهالك ومقيد بسلسلة ممنوعات لا تنتهي».
ويرى الصحافي السوري أن السياسة الإعلامية التي انتهجها النظام خلال الحرب فرضت «واقعاً جديداً» أدى إلى «ظهور جيش من الإعلاميين والمراسلين الحربيين الشباب، بينهم نجوم لمعوا في ميادين المعارك والمصالحات، وراحوا يشكلون قوة إعلامية تحظى بشعبية واسعة في أوساط الموالاة، عززت الشعور بأنهم سلطة رابعة وجدت نفسها بعد انحسار المعارك مسؤولة عن مراقبة الأداء الحكومي، وملاحقة الفساد بزعم حماية انتصار النظام الذي يعتبرون أنفسهم شركاء به». ويتابع الصحافي السوري توصيفه للواقع الإعلامي الجديد في سوريا: «النظام الذي وجد نفسه أمام استحقاق الحصار الاقتصادي لا يتحمل وجود سلطة رابعة تهيج الشارع من حين لآخر»، وحان الوقت لتحجيم «الإعلام المدلل»، فتم إصدار قانون خاص بـ«الجرائم المعلوماتية». وتحت مظلته، جرى وضع عشرات الصفحات الموالية تحت رقابة الجيش الإلكتروني، ومساءلة واعتقال عشرات الناشطين في الإعلام الإلكتروني الموالي للنظام، أبرزهم مراسلي إذاعة «النور»، التابعة لـ«حزب الله» اللبناني في حلب: عمار العزو وعامر دارو، بتهمة التواصل مع صفحة على مواقع التواصل تهتم بنشر قضايا المسؤولين. والمسؤول عن صفحة «دمشق الآن»، وسام الطير، الذي غاب قسرياً قبل 6 أشهر، وما يزال مصيره مجهولاً، علماً بأن وسام الطير أنشأ صفحة وموقع «دمشق الآن» خلال خدمته العسكرية في الحرس الجمهوري. ونالت صفحته اهتماماً غير مسبوق على المستوى المحلي، استحق عليه تكريماً من عقيلة رئيس النظام: أسماء الأسد. الأمر الذي خلف دهشة كبيرة حين تمت مداهمة مكتب الموقع، وسط دمشق، واعتقال مديره، والتكتم على مصيره، رغم مناشدات عائلته.
المؤشر العالمي لحرية الصحافة للعام الحالي صنف سوريا في المرتبة 174 من أصل 180 دولة حول العالم، وفقاً لتقييم منظمة «مراسلون بلا حدود» التي قالت، في تقريرها السنوي، إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال المنطقة الأصعب والأخطر على سلامة الصحافيين. فيما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 543 تحت التعذيب أو في عمليات القصف العشوائي التي نفذتها قوات النظام منذ مارس (آذار) 2011 حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. إضافة لتسجيلها 346 حالة خطف واعتقال على يد قوات النظام، مؤكدة مسؤولية النظام عن 90 في المائة من مجمل من الانتهاكات التي تعرض لها الصحافيون السوريون.


مقالات ذات صلة

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أوروبا رجل الأعمال والملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب)

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أقام إيلون ماسك دعوى على قناة ألمانية بسبب تقرير عنه، ما دفعها لحذف فقرة مثيرة للجدل بعد اعتراضه القانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه على فيسبوك)

انتقاد مذيع مصري خاض في «خصوصيات» عبد العزيز مخيون

تعرض إعلامي مصري للهجوم الحاد من فنانين ومتابعين لتعرضه للحياة الشخصية للفنان الراحل عبد العزيز مخيون.

داليا ماهر (القاهرة)
الخليج «هيئة تنظيم الإعلام» أكدت استمرارها في رصد كل محتوى مخالف للأنظمة والضوابط (واس)

«هيئة الإعلام» السعودية: إحالة مسيء لدولة شقيقة إلى النيابة العامة

استدعت «هيئة تنظيم الإعلام» السعودية مواطناً أساء لدولة شقيقة بتعرضه لرموزها وقياداتها في مساحة صوتية بمنصة تواصل اجتماعي، وجرت إحالته للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا نشطاء ومعارضون سياسيون يشاركون في مظاهرة بالعاصمة تونس (رويترز)

القضاء التونسي يحكم بسجن صحافية 4 سنوات غيابياً

كشفت الصحافية التونسية ‌خولة بوكريم، وهي منتقدة شديدة للرئيس قيس سعيد، أن محكمة في تونس قضت بسجنها 4 سنوات غيابياً.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
TT

هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)

مع ازدياد الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مهام عدة، يزداد الجدل بشأن إمكانية استخدامه في كتابة القصص الصحافية. وبينما اعتبر خبراء أن هذا الاستخدام «مفيد»؛ لا سيما في تحديد القصص الصحافية وصياغة العناوين، فإنهم أكدوا أن «المراجعة البشرية تظل ضرورية».

وأشار تقرير نشرته مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا، الأسبوع الماضي، إلى ما وصفه بـ«نصائح متضاربة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص والعناوين الصحافية».

ووفقاً للتقرير الذي أعدته الأستاذة في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، أنيكا كولير نفارولي، فإن «كتابة العناوين واحدة من الأدوار التي يمكن أن تؤديها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع تطوير نماذجها اللغوية لتصبح مؤهلة لاقتراح العنوان الأنسب».

لكن في الوقت ذاته، فإن «الأمر لا يخلو من مخاطر»، حسبما يوضح التقرير الذي يشير إلى أن «إرسال مواد غير منشورة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغتها وتدقيقها، يُثير تساؤلات بشأن حقوق الملكية الفكرية، وما إذا كانت هذه التطبيقات ستعيد استخدام المحتوى، ما يُعرِّض الصحافي لمخاطر قانونية وأمنية».

وقال التقرير إن «صناعة الذكاء الاصطناعي التي تقدَّر قيمتها بنحو 3 تريليونات دولار، اعتمدت على أعمال صحافيين تم تدريب الروبوتات عليها، من دون موافقة من صُناع المحتوى أو تعويضهم عن ذلك»، لافتاً إلى تحقيق أجرته «واشنطن بوست» أثبت أن «نصف المواقع العشرة الأولى التي استُخدمت في تدريب الذكاء الاصطناعي كانت مواقع إخبارية».

وحسب تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «بعد نفاد البيانات المتاحة، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي في الاعتماد على البيانات الاصطناعية لتدريب الذكاء الاصطناعي، أي الاعتماد على ما ينتجه الذكاء الاصطناعي نفسه، ما يثير مخاوف بشأن ترسيخ تحيُّزات وهلوسات الذكاء الاصطناعي».

وفي رأي الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، فإن الذكاء الاصطناعي «يمكن أن يكون أداة مفيدة في تحرير القصص الصحافية؛ بل وحتى في صياغة العناوين». ولكنه أوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن «العنصر البشري يظل ضرورياً في مرحلة المراجعة النهائية للقصص الصحافية».

وقال إن «الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يحلَّ بالكامل محل الذكاء البشري، فهو مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»، لافتاً إلى أنه «في كثير من الحالات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد أيضاً في اختيار الكلمات، مثل اقتراح المرادفات، وتحسين جودة الصياغة، وتوضيح المعاني».

وأكد إكو «ضرورة وضع قواعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ووضع محددات بشأن مدى ملاءمة مشاركة معلومات سرية عبر هذه التطبيقات». وقال إن «التطورات التكنولوجية المتسارعة تتطلب إعادة مناقشة الأخلاقيات الإعلامية والمعايير المهنية، لا سيما مع انحيازات تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعروفة».

ويوصي رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، بضرورة «تدقيق المعلومات التي يتم استقاؤها من الذكاء الاصطناعي، وعدم الاعتماد بشكل كلي عليها». كما يلفت إلى أن «الصحافي قد يرى في هذه التطبيقات أدوات تُسهِّل عمله؛ لكن استمرار الاعتماد عليها سيفقده مهارته، ويقضي على التنوع في القصص والقوالب؛ لا سيما أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت تكرر القصص والعناوين وزوايا المعالجة ذاتها».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

وأشار تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» إلى «اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي على مسودات المستخدمين والأوامر المكتوبة بأيدي البشر لتدريب نماذجها»، ولفت إلى دراسة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد في سبتمبر (أيلول) الماضي، وجاء فيها أن «شركات مثل (أمازون)، و(أنثروبيك)، و(غوغل)، و(ميتا)، و(مايكروسوفت)، و(أوبن إيه آي) تستخدم بيانات محادثات مستخدميهم، لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتحسينها».

وخلص التقرير إلى «التحذير من مخاطر إدخال مسودات أو معلومات سرية إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، نظراً لعدم معرفة الطريقة التي سيتم بها استخدام هذه المعلومات أو البيانات».

من جهتها، أكدت الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، أستاذة الإعلام والتواصل، الدكتورة سالي حمود: «إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية»؛ لكنها قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن «الذكاء الاصطناعي يفتقد العمق والتحليل البشري في تحرير القصص، وصياغة العناوين أو تحسينها، واختيار الكلمات والحفاظ على الموضوعية».

وحول ما يتعلق بالعناوين، أفادت الدكتورة سالي حمود بأن «العناوين مهمة جداً؛ كونها دلالات مرتبطة بالسياق والثقافة الشعبية، ويجب أن تكون جذابة، وهو ما يفتقده الذكاء الاصطناعي»، موضحة أن «الذكاء الاصطناعي له تحيزاته التي تؤثر في العمل الصحافي وفي زوايا الكتابة الصحافية، ما يتسبب في تكرار معالجة القضايا والزوايا نفسها باستمرار».

وترى الباحثة الإعلامية اللبنانية «ضرورة العمل على وضع أطر مؤسسية ممنهجة، بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في صالات التحرير وغرف الأخبار، ليصبح جزءاً من العملية التحريرية، ما يعزز فوائده ويقلل أضراره».

وبينما ينصح خبراء بـ«عدم إدخال البيانات السرية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لحين معرفة الآلية التي سيتم بها إعادة استخدامها»، تبقى الخيارات أمام الصحافي محدودة، في ظل التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، وسط مطالبات بحوكمتها، ووضع قواعد لاستخدامها لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى صيغة واضحة، في الوقت الذي يستمر فيه الصراع بشأن الملكية الفكرية للمعلومات بين المؤسسات الإعلامية الكبرى وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتحدَّث تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، عن اتجاه أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة إلى «حظر أو تقييد الوصول لأرشيفهم على الإنترنت؛ إثر تصاعد استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي، دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى».

ووفق تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، نهاية يونيو (حزيران) الجاري، فإن «الخيار الأقل خطراً فيما يتعلق بمسودات الصحافيين غير المنشورة، هو استخدام نموذج لغوي كبير محلي». وأوضح أن «هذا نوع من نماذج اللغة الكبيرة يُمكن تشغيله على جهاز الحاسب الآلي، تمتلكه غرفة الأخبار أو الصحافي نفسه».

ولفت التقرير إلى أن «هذا النوع من النماذج يتيح للمؤسسة أو الصحافي، القدرة على تحديد كيفية استخدام النماذج للبيانات». ولكنه أشار إلى أن «هذا النوع من النماذج المحلية ليس شائعاً». واقترح «تحالف أدوات غرف الأخبار» وهي فكرة اقترحها باحثون العام الماضي كبديل «أكثر أماناً للتعامل مع المسودات غير المنشورة».

وحسب «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «حتى تصبح هذه الحلول أكثر انتشاراً، يجب على الصحافيين التدقيق في سياسات الخصوصية الخاصة بالنماذج المتاحة للجمهور، والتفاوض مع شركات الذكاء الاصطناعي، أو رفض السماح باستخدام مدخلات الدردشة في عمليات تدريب جديدة، والمضي قُدماً بحذر في أفضل الأحوال».

«الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»


بريطانيا تتجه لتنظيم «أولوية ظهور الأخبار» على المنصات لضبط المحتوى

شعار "ميتا"  (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

بريطانيا تتجه لتنظيم «أولوية ظهور الأخبار» على المنصات لضبط المحتوى

شعار "ميتا"  (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

تتجه الحكومة البريطانية نحو تنظيم أولوية ظهور المحتوى الإخباري على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديوهات بـ«هدف التصدي للفوضى الرقمية وضمان وصول الجمهور إلى مصادر موثوقة». ورغم أن معايير تحديد «المؤسسات الموثوقة» لا تزال قيد النقاش، فإن خبراء أبدوا تفاؤلاً حذراً تجاه هذه الخطوة، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أنها «قد تساهم في حماية المحتوى الجاد وتعزيز التنافسية بشرط وضع معايير موضوعية وشفافة».

وبحسب وزيرة الثقافة والإعلام والرياضة، ليزا ناندي، فإن «الحكومة البريطانية تخطط حالياً لدعوة شركات التكنولوجيا الكبرى مثل (يوتيوب) و(ميتا) لإجراء هذه التغييرات بشكل طوعي، مع الاحتفاظ بحقها في اللجوء إلى التنظيم التشريعي والقانوني في حال عدم استجابة تلك الشركات». وأضافت في تصريحات قبل نهاية يونيو (حزيران) الحالي أن «أكثر جزأين عرضة للخطر في الوقت الحالي هما هيئات البث العام والمؤسسات الإخبارية؛ لذا نحتاج إلى إيجاد آلية تدمج القديم بالجديد لضمان حصول الجمهور على أفضل محتوى إخباري وترفيهي ممكن».

وفي مسعى لتعزيز المصداقية، حددت الحكومة مجموعة من المؤسسات الإعلامية كجهات مرشحة للاستفادة من سياسات «أولوية الظهور»، شملت «هيئة الإذاعة البريطانية»، وشبكة «آي تي في»، وهيئة البث الاسكوتلندية، والقناة الرابعة، وقناة «إس فور سي» الويلزية، والقناة الخامسة، إلى جانب فئات أخرى من مقدمي الخدمات الموثوقين. ومع ذلك تجنبت الورقة الحكومية تقديم تعريف دقيق لمفهوم «الإعلام الخدمي العام»، مؤكدة أن هذا المصطلح سيخضع لنقاشات موسعة خلال فترة الاستشارة العامة.

وفي رد فعل سريع، حثت «رابطة الأخبار» - التي تمثل الناشرين الوطنيين والإقليميين في بريطانيا - الحكومة على توسيع نطاق هذه المقترحات لتتجاوز هيئات البث العام؛ إذ أكدت الرابطة أن الأمر لا يقتصر على هيئات البث العام، مشددة على «ضرورة ضمان شمولية المعايير لتشمل كافة الناشرين المستقلين، لضمان دعم البيئة الإعلامية المتنوعة وحماية الأصوات الموثوقة التي تشكل ركيزة أساسية في الإطار الديمقراطي للبلاد».

المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، حاتم الشولي، يرى أن «المقترح فرصة لفتح ساحات النقاش»، وقال: «أتوقع أن تكون مؤسسات الإعلام ذات الخدمة العامة هي القاعدة الأساسية التي ستُبنى عليها التجربة بشكل عام».

ورغم عدم رفع سقف التوقعات، فإن الشولي عدّها خطوة مُبشّرة، لكن في الوقت عينه أشار إلى بُعد «الاستقلالية المهددة». وأوضح: «مثل هذه الخطوات ستحد بشكل كبير من حرية المنصات في ترتيب المحتوى؛ لأن أفضلية الخوارزميات ستحدد ذلك، لكن في نفس الوقت لا يوجد أي إشارة إلى أنه سيتم حذف المحتوى أو منعه من باقي المنصات، وهنا تظهر زاوية مختلفة، وهي إعادة ترتيب نشر المحتوى، مما يعني أن بعض المنصات الإخبارية المستقلة يجب أن يكون لها منصات خاصة تتحكم بها بعيداً عن منصات التواصل بشكل رئيسي».

كما أشار الشولي إلى خطر «تهميش المنابر الإعلامية الناشئة»، وقال: «أعتقد أن هذا أكبر تحدٍّ سيواجه التجربة؛ ولذلك لاحظت أن (جمعية الأخبار البريطانية) طلبت أن يكون هناك قائمة واسعة وشاملة للناشرين المعترف بهم، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، ولو كانت القائمة واسعة وتشمل الجميع ربما هذا سيصب في صالح المنصات الناشئة لتدخل ملعب الكبار».

وتجدر الإشارة إلى أن «قانون السلامة عبر الإنترنت» الصادر عام 2023 يضع تعريفاً محدداً لـ«الناشر الإخباري المعترف به»، ليشمل كل من حصل على ترخيص بث من هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم)، أو الكيانات التي تخضع لرقابة تحريرية وتمارس نشاطها من خلال مقر عمل مسجل داخل المملكة المتحدة، وهو التعريف الذي يُرجح اعتماده كركيزة أساسية لهذه المقترحات الجديدة.

المختص في التسويق الرقمي بمصر، عبد الله جمعة، أشار إلى أن معيار الموثوقية «فضفاض». وقال: «لا يمكن رهن مصداقية العمل الإعلامي بالوضع التنظيمي، أو الحصول على تراخيص البث فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مدى التقيد بأخلاقيات المهنة، من حيث دقة المعلومات، وتعدد المصادر، والشفافية في تصحيح الأخطاء حال حدوثها».

واقترح جمعة «في حال اتجهت الحكومات لوضع إطار تنظيمي، فمن الأفضل أن يكون بمشاركة الجهات التنظيمية والمؤسسات الإعلامية ونقابات المهنة وخبراء الإعلام الرقمي». وشدد على ضمان الآليات التي تمكّن الحكومات من تحقيق المستهدف، وعدّدها بالقول: «يجب التحقق من هوية المؤسسات الإعلامية، والاستعانة بجهات مستقلة لتقصي الحقائق، وقياس مدى الالتزام بالمعايير المهنية، إلى جانب أدوات تقنية لرصد المحتوى المضلل».

وأضاف: «في هذه الحالة لا بد أن تكون المعايير معلنة وشفافة وتطبق على الجميع، حتى لا تتحول إلى معايير تقديرية أو تثير مخاوف بشأن العدالة والمنافسة بين المؤسسات الإعلامية».

وأشار إلى أن «نجاح التجربة في دفع الأخبار الموثوقة على واجهة منصات التواصل الاجتماعي لن يتصدى لأزمة فوضى المعلومات فحسب، وإنما سيعزز التنافسية أيضاً».

كما أوضح المختص في التسويق الرقمي أنه «إذا وضعت الدولة معايير معلنة وواضحة راعت مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المؤسسات الإعلامية، بغض النظر عن حجمها، فسيكون ذلك داعماً للتنافسية والتعددية. أما إذا حدث العكس، فأعتقد أن هناك تخوفاً مشروعاً في حال لم تُصمم هذه السياسات بعناية». وتابع قائلاً إن «مبدأ التعددية الإعلامية يقوم على إتاحة الفرصة لمختلف الأصوات للوصول إلى الجمهور، وليس فقط للمؤسسات الكبرى».


الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات