زيارة جديدة لأبله دوستويفسكي

عودة لكتاب قديم

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي
TT

زيارة جديدة لأبله دوستويفسكي

فيودور دوستويفسكي
فيودور دوستويفسكي

لماذا يقرر قارئ أن يتخلى عن الجديد الذي تدفع به المطابع، ويستدير للوراء ليقرأ كتاباً سبق أن قرأه؟
تتضاعف مشروعية هذا السؤال إذا ما اتفقنا على أن القارئ الشغوف من أكثر البشر وعياً بمحدودية العمر. مع ذلك، يتخلى عن فضول الاكتشاف، ويعود إلى القديم. لا بد أن لدى كل قارئ سبباً أو أسباباً تدفعه إلى تلك العودة.
على الأغلب هو يعود بحثاً عن شيء محدد تركه ذات يوم داخل هذا الكتاب؛ متعة أو فكرة. ربما يعود القارئ إلى ذكرى أيام حلوة كانت قراءة ذلك الكتاب جزءاً من حلاوتها، ويريد أن يبعث الماضي من خلاله، مثلما بعث مارسيل بروست طفولته من خلال مذاق قطعة من حلوى المادلين. البعض يعود لكتاب قديم كتمرين للذاكرة المنهارة ينصح به الأطباء.
وقد نجد في الكتاب ما كنا نبحث عنه، وقد نعود بإحباط الفشل في العثور على ما تركناه بأيدينا بين تلك الصفحات. مع ذلك، لن نرجع من الرحلة خائبين، حيث سنجد أشياء غفلنا عنها في القراءة السابقة، وقد تكون الاكتشافات الجديدة أقيم من ذكرياتنا التي عدنا من أجلها.
بالنسبة لي، عدت إلى «الأبله» مؤخراً لأنني كنت بحاجة لقراءة شيء مضمون المتعة. وبينما أمسح الغبار عن المجلدين، طالعت عبارة دوستويفسكي التي لا أذكر أنني توقفت أمامها في القراءة السابقة؛ العبارة مدونة على الغلاف الأخير لترجمة سامي الدروبي، طبعة دار «رادوغا»، فخر السلطة السوفياتية التي كانت تقتل وتعتقل الكُتَّاب الأحياء وتحتفي بكتب آبائهم الراحلين. لا تفصح الطبعة عن المصدر الذي نقلت عنه عبارات دوستويفسكي هذه: «فكرة الرواية هي فكرتي القديمة المحببة والصعبة إلى درجة أنني ظللت طويلاً لا أجرؤ على تناولها... والفكرة الرئيسية للرواية هي تصوير إنسان رائع تماماً، ولا يوجد شيء أصعب من ذلك في الدنيا، خصوصاً الآن. فكل الكتاب، وليس كتابنا فحسب، بل حتى وجميع الكتاب الأوروبيين الذين حاولوا التصدي لتصوير الإنسان الرائع تماماً، كلهم نكصوا لأن هذه المهمة لا حدود لها، فالرائع هو المثال، والمثال - سواء كان لدينا أم لدى أوروبا المتحضرة - لم يتشكل بعد».
هذه الرغبة المبدئية لدى دوستويفسكي، أو «النية المسبقة»، كانت كشفاً خاصاً في القراءة الجديدة، ولسوف أتوقف كذلك داخل المتن أمام عبارات لم أتوقف أمامها في القراءة الأولى، بينما سأستغرب ما تركه القارئ الشاب من علامات إعجاب بالقلم الرصاص أحياناً، وبالحبر أحياناً أخرى، تحت جمل وفقرات لا يكن لها القارئ الكهل ذلك الاحترام!
ثلاثون عاماً تفصل بين قراءتي الأولى للرواية والقراءة الجديدة. ومن الطبيعي أن يقع هذا الاختلاف بين القارئ الشاب والقارئ الكهل، لكن عقدة الرواية القائمة على العفة الكاملة لم تتبدد بالكامل في عتمة ذاكرة الكهل.
ميشكين الأمير الأبله، ابن السادسة والعشرين، الذي نراه للمرة الأولى في القطار عائداً بعد غياب عن روسيا لمدة أربع سنوات، كان يعالج خلالها من داء الصرع الذي حرمه من إتمام تعليمه. وبالمصادفة، يتحدث مع الشاب «روغوجين» الجالس أمامه في المقعد المقابل، ويتعارفان سريعاً، فيعرف أن روغوجين مهووس بالشابة خارقة الجمال ناستاسيا فيليبوفنا، وسنعرف من هذا اللقاء أن ميشكين سليل عائلة نبيلة منقرضة لم يبقَ منها إلا هو وإليزابيتا بروكوفيفنا، زوجة الجنرال إيبانتشن. السيدة التي يسبغون عليها لقب الجنرالة إلحاقاً بلقب زوجها على الطريقة الروسية لا تعرف ميشكين، ولم تكترث بالعلاقة العائلية التي يزعمها، فلم ترد عليه عندما راسلها من سويسرا. ومع ذلك، يغادر ميشكين القطار، ويتوجه مباشرة إلى بيت الجنرالة. يستقبله خادم بتشكك، لكنه يطمئن إليه، ثم يسلمه إلى السكرتير، قبل أن يــُسمح له بالدخول إلى الجنرال، وينجح في كسب حبه، حتى أنه يقرر إدخاله إلى نساء البيت، فيقع حبه مباشرة في قلب الجنرالة وبناتها الثلاث معاً. هذه الأسرة هي التي ستمنحه لقب أبله، توصيفاً لطريقته الساذجة وصراحته، دون أن تتخلى عن حبه. وسنراه بعد ذلك يسير على قلوب كل من يقابله من الرجال والنساء، كما يمشي المسيح على الماء. وسنلاحظ أن أحداً لم يتشكك في نسبته لعائلة نبيلة، ولا يستطيع القارئ أن يعرف درجة نبالة تلك العائلة التي تسوغ لقب «الأمير» لهذا الشاب غريب الأطوار، خصوصاً أن قريبته يُقال لها الجنرالة إلحاقاً لها بلقب زوجها، وكان الأجدر أن يكون لقبها «الأميرة»، ما دام أنها من العائلة ذاتها التي منحت ميشكين لقب الأمير.
الحب بين ميشكين وكل من يراه ينشب فجأة، وكأننا بصدد انفجار أو اشتعال حريق، ليس وقوعاً من النظرة الأولى، فغالباً ما يكون التشكك والرفض هو الشعور الأول الذي يولده مظهر الأمير المحير، ثم يتحول الموقف في لحظة يسقط فيها الستار لنرى تمثال الحب مكتملاً مبهراً؛ يجري هذا على امتداد الرواية، ابتداءً من دخوله بيت الجنرال إيفان فيدروفيتش إيبانتشن. في بداية المقابلة، بدا الرجل العسكري منزعجاً من ذلك المتطفل رث الثياب الذي اقتحمه دون موعد، لكن أتت لحظة يصورها دوستويفسكي: «فاضت فيها نظرة الأمير لطفاً وبشاشة، حتى أن الجنرال توقف، ونظر إلى ضيفه فجأة بعين جديدة. وقد تحقق كل هذا التحول في نظرته في طرفة عين»، الأمر نفسه حدث مع أسرة الجنرال، وحتى مع ناستاسيا التي اعتبرته خادماً في المرة الأولى التي طالعت فيها وجهه.
لنحمل إعجاب الرجال بالأمير بعيداً عن مجاهل الشهوة، رغم أن السرد في تصويره لانشداه واستلاب الآخرين تجاهه يبلغ أحياناً حداً مذهلاً من التباس الأحاسيس، لكن إقبال النساء عليه يجوس في عتمة هذه الغابة من المشاعر والرغبات. ولا يرفض الأمير حباً مُنح إليه، لكنه لا يقوى على حمله، فيتملص من كل وعد بالخطبة، بسذاجة أحياناً، وبالاختفاء دون تقديم تفسير أحياناً، وبترضيات عقلية متينة الحجة في أحيان أخرى، حفاظاً على الشرط الذي قامت عليه حبكة الرواية: العفة الكاملة.
هذه العقدة أشهر من أن تُنسى مهما وهنت ذاكرة القارئ، لهذا لم يعد الكهل الذي صرت إليه مهتماً بطي الصفحات سريعاً بحثاً عن استقرار الأمير مع واحدة من الجميلات اللائي أغرمن به، مثلما فعل القارئ الشاب ذات يوم.
لقد قام دوستويفسكي بالتأسيس لعفة ميشكين مبكراً؛ في بداية الرواية خلال ثرثرته مع روغوجين في عربة الدرجة الثالثة من القطار الذي أقله إلى بطرسبرغ؛ يسأله روغوجين:
ـ قل لي أولاً، يا أمير، أأنت تحب الجنس اللطيف كثيراً؟
ـ أنا؟ لا! يجب أن أقول لك. لعلك لا تعلم. ولكنني بسبب مرضي الولادي لم أعرف النساء قط.
ـ إذا كان الأمر كذلك، يا أمير، فأنت عبيط حقاً! والله يحب أمثالك!
رغم هذا الكشف المبكر، لا يمكن لقارئ شاب أن يأخذ اعتراف ميشكين على محمل الجد. في الشباب، نحب أن نرى العالم على شاكلتنا، نحب أن يلقى الخيرون الحب الذي نتطلع إليه لأنفسنا. وقد كنت في القراءة الأولى مثل مشاهد السينما الغرير الذي يصرخ محذراً البطل الطيب من الشر المتربص به.
ناستاسيا فيليبوفنا، صاحبة الجمال الصاخب، معذبة رجال وشباب مجتمع بطرسبرغ الراقي، تجثو تحت قدميه؛ الجنرالة إيبانتشين وبناتها الثلاث يقعن في غرامه، لكن هذه السحابة من الأنوثة في بيت إيبانتشين ستتوافق على أن يكون المطر آجلايا الصغيرة الأكثر فتنة بينهن، ويتصرفن على أن خطبته لآجلايا أمر مفروغ منه. وأكاد أهتف به: انجز أيها الأبله! إن كنت تخشى ناستاسيا صاحبة الماضي المعقد مع كافلها ومربيها، فها هي فاكهة بيت إيبانتشين في انتظارك، لا تخذلها!
لكنه لم يفعل. وبقي في قلب كل امرأة بالرواية شيء من الأبله، لكن المصير الأكثر بؤساً كان للفتاتين الأجمل اللتين تعلقتا به تعلقاً جنونياً، فناستاسيا يقتلها روغوجين، وآجلايا تتشرد في باريس مع محتال بولندي، بينما يرتد هو إلى درجة المرض الشديد، ويعود إلى عيادة الدكتور شنايدر، نراه ذاهلاً عن كل شيء، وآخر من نراه يزوره في المصحة، ويتقطع قلبه ألماً عليه، هي إليزابيتا بروكوفيفنا التي تعرف أن مأساة ابنتها تنبع من سحر هذا الشاب الأبله الذي عاش مشفقاً على الآخرين، معتمداً على شفقتهم في الوقت ذاته، وكأنه هبط على ذلك المجتمع المستقر في مسراته الناقصة المضجرة، المتصالح على دناءاته، ليفرض عليه معتقده الخاص الذي تصرح به الرواية نصاً: «الشفقة هي القانون الأساسي، وربما القانون الوحيد الذي يحكم الوجود الإنساني». لكن ما أرادته النساء كان الحب، لا الشفقة؛ لقد أحببنه كرجل، وليس كروح، وقد نبهه روغوجين إلى هذه الحقيقة في لحظة مكاشفة، لكنه حتى النهاية لم يتصرف كرجل؛ ولهذا لم يرَ لحظة سعادة، ولم يمنحها لامرأة.
الأكثر من ذلك، لا توجد لحظة سعادة واحدة يمنحها رجل آخر لامرأة أخرى في الرواية، أو العكس، وكأن الألم - لا الشفقة - هو القانون الأساسي للوجود.
بوسعنا أن نُسمي روايات كثيرة مجيدة بعد «الأبله» تمتثل لنظرية فرويد في التحليل النفسي التي تتحدث عن نزعة تدميرية ينطوي عليها الجنس؛ من رواية د. ه. لورانس «عشيق الليدي شاترلي» إلى نوفيلا توماس مان «الموت في البندقية» ونوفيلا ياسوناري كاواباتا «الجميلات النائمات»، إلى رواية «الوله التركي» لأنطونيو غالا، لكن دوستويفسكي الذي جاء إلى الحياة قبل فرويد بخمسة وثلاثين عاماً يقف في الجانب الآخر تماماً، ليقول إن العفة الكاملة ظلمة يكتنفها الموت ونزعة التدمير.
وبسبب نزعة التدمير هذه، ربما يصعب الحديث عن ميشكين بوصفه «إنساناً رائعاً من كل الوجوه»، لكن روعة الرواية مؤكدة، ولا يمكن الإحاطة بدروسها الجمالية، ولا مراميها الفكرية التي تبدو لا نهائية، ونسميها رواية فحسب لأننا يجب أن نُسمي الأشياء لكي نُقرِّبها من الأذهان، لكن المحيط ليس مجرد لجة من الماء، ولا يتخذ معناه بالكامل إلا لدى من يرتاده، ويرى ظلمة ليله ولحظات الإشراق فوقه، وتوحش حيتانه وموجه العارم المهدِدِ في كل لحظة.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.