علماء المسلمين يدعون لنبذ الإرهاب وإرساء الخطاب المعتدل وفهم الآخر

في الجلسة الثانية لمؤتمر «وثيقة مكة»

جانب من فعاليات ثاني أيام مؤتمر «قيم الوسطية» وإعلان وثيقة مكة (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات ثاني أيام مؤتمر «قيم الوسطية» وإعلان وثيقة مكة (الشرق الأوسط)
TT

علماء المسلمين يدعون لنبذ الإرهاب وإرساء الخطاب المعتدل وفهم الآخر

جانب من فعاليات ثاني أيام مؤتمر «قيم الوسطية» وإعلان وثيقة مكة (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات ثاني أيام مؤتمر «قيم الوسطية» وإعلان وثيقة مكة (الشرق الأوسط)

كرّس المؤتمرون في اليوم الثاني لجلسات المؤتمر العالمي «قيم الوسطية والاعتدال في نصوص الكتاب والسنة» واللقاء التاريخي لإعلان وثيقة مكة المكرمة والمنعقد في مكة المكرمة، الحديث لأهمية إرساء خطاب إسلامي معتدل لمخاطبة العالم والمحافظة على حقوق الأقليات في البلدان غير المسلمة.
وأوضح العلماء والمفكرون أهمية الأفكار التي نوقشت على طاولة المحاضرين، مبينين أن السعودية سعت بشكل حثيث للمّ شمل المسلمين ونبذ الفرقة والتطرف وتكريس الخطاب المعتدل وحفظ حقوق المسلمين وإبعادهم عن طرق الغلو والإرهاب وفهم الآخر بشكل صحيح.
بدوره أشار المدير العام للمركز الثقافي الإسلامي في لندن الدكتور أحمد الدبيان، إلى أن المؤتمر ينطلق في أوضاع عصيبة يعيشها العالم الإسلامي والعالم العربي وهناك انحراف فكري جرى على المنطقة كثيراً وجر عليها الويلات والمصائب والانحراف في التفكير ومهاجمة الآخر.
وأوضح الدبيان أننا بحاجة إلى تصحيح المسار الفكري الذي يعيد لهذه الأمة وسطيتها وتوازنها والذي فقدته بفعل عوامل داخلية وخارجية. مفيداً بأن هناك إساءة في فهم نصوص الدين الإسلامي وفي فهم تقدير فلسفة العالم الإسلامي، ورؤية المجامع، ورؤية الأفراد داخل المجتمع، ومبدأ التعايش، وكلها أشياء يجب إدراجها في المناهج الدراسية في العالم الإسلامي.
وأضاف الدبيان أن هذا المؤتمر يهدف إلى إصدار وثيقة مكة المكرمة، التي لها ميزة خاصة أنها تهم كل مسلم على وجه الأرض، وأهميتها أنها من الحرم الشريف ومن مكة المكرمة وانطلقت من رؤية خادم الحرمين الشريفين.
إلى ذلك قال وزير أول الشؤون الخاصة ومستشار رئيس وزراء كمبوديا أوكنه عثمان حسن، إن المؤتمر ينطلق وسط ترحيب إسلامي واسع بدعوة السعودية والتي حرصت على لمّ شمل المسلمين من جميع أنحاء العالم، وقدمت صورة حضارية في الإعداد والترتيب.
وأفاد أوكنه أن المواضيع التي تم اختيارها جاءت مناسبة لمتطلبات العصر، وحاملة معها هموم الأمة الإسلامية، وموجهة رسالة إلى كل العالم أن الإسلام دين سماحة ومحبة ولا يدعو للتطرف والإرهاب ويقدم خدماته للإنسانية بشكل حضاري رائع.
وعلى هامش المؤتمر قال رئيس المجلس الإسلامي الروسي محمد صلاح الدينوف، إن جميع الأطياف والأعراق والمذاهب كلها اجتمعت في هذا المؤتمر برسالة واحدة تهدف إلى الوحدة والتلاحم والتصدي لكل التهديدات التي تهدد الدول الإسلامية وعلى رأسها السعودية، قلب العالم الإسلامي.
وأوضح الدينوف أن أهمية هذا المؤتمر دفعت برئيس الشيشأن رمضان قاديروف لمشاركة العلماء والمفكرين رؤاهم وتطلعاتهم مبينا في السياق ذاته أن وحدة المسلمين يجب أن تقف ضد فرقتهم وتلاحمهم ضد تشرذمهم.
وأكد الدينوف أنه ينبغي الوضع في عين الاعتبار القواسم المشتركة التي تربط المسلمين على المستويات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. مفيداً بأن حلقة الوصل بين المسلمين ودول الاتحاد السوفياتي السابق تباعدت بسبب المد الشيوعي في أوقات سابقة، وأن الوقت حان للانصهار والتلاحم بشكلٍ أفضل.
وقال المرجع الديني في لبنان السيد علي الأمين، إن هذا المؤتمر يبعث برسالة إلى الأمة الإسلامية جمعاء ويدعوها إلى جمع الكلمة ونبذ الفتن وسلك طريق الوسطية والاعتدال، وهو مؤتمر دعت إليه رابطة العالم الإسلامي وبرعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.
وأضاف أن قيم الوسطية والاعتدال في نصوص الكتاب والسنة أهم منهج يجمع الأمة على كلمة سواء، من أجل أن يوحّد صفوفها ويشدّ من أزرها ويبعد عنها الصراعات والنزاعات.
إلى ذلك قال خطيب المسجد الأقصى الدكتور يوسف سلامة، إن الأمة الإسلامية تحتاج إلى لمّ شملها وتوحيد صفها، فكانت دعوة العاهل السعودي لقمم مكة كإعادة الحياة لهذه الأجساد من المحيط إلى الخليج والتي تمتلك إمكانات كبيرة وما إن تتحدّ فلن يستطيع أحد النيل منها مطلقاً.
وأفاد سلامة بأن المسجد الأقصى يعد قضية الأمة الإسلامية الكبيرة وظل في قلب ووجدان جميع المسلمين، وهذا المؤتمر يؤلف القلوب وينهض بالعزائم ويقدم صورة حضارية لواقع المسلمين المعتدلين الذين يدعون للسلم والمحبة.
بدوره قال مفتي بلغاريا مصطفى حاجي، إن مؤتمر الوسطية والاعتدال شكّل منعطفاً مهماً في تاريخ المؤتمرات التي عُقدت في الفترة السابقة، موضحاً أن الأمة الإسلامية تمر بظروف قاسية وهي بحاجة إلى أن تتوحد ضد كل المهددات التي تعصف بالمنطقة.
وأوضح حاجي أن أهم التحديات التي يجب إنهاؤها هي إذابة الخلافات ولمّ الصف وتجسير التواصل مع الآخر بالإضافة إلى تقوية أواصر المحبة بين المسلمين أنفسهم ونبذ التطرف ومحاربة الفهم الخاطئ للإسلام. مفيداً بأهمية إعادة تعريف القيم الوسطية للشريعة وفهم مقاصدها، وهو ما قامت به الحكومة السعودية في جمع هذا الكم الهائل من العلماء والمفكرين والوزراء والرؤساء على طاولة واحدة.
أما رئيس الجامعة الوسطية في نيبال شميم محمد، فأوضح أن الأوراق والأفكار التي تم طرحها في المؤتمر كفيلة بإحداث التغيير والتفكير جدياً في الواقع الإسلامي المعاصر والذي يعاني من تحديات كبيرة في فهم الآخر والتعامل معه وتغليب بعض الآراء المتطرفة التي تقدم نفسها على أنها صاحبة الرأي الأوحد والأصح.
بدوره قال رئيس المجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة إلى الإسلام محمد صديق: «إننا حضرنا من كل أنحاء العالم لتكريس قيم الوسطية وإحداث التغيير في كل العالم الإسلامي نحو الأفضل، وتدعيم الأركان والأصوات التي تنادي بالسلام وتعالج الخطاب التشنجي الذي تظهره الجماعات الإرهابية المتطرفة التي تقدم نفسها على أنها تمثل الإسلام، وهي لا تعكس سماحته وقيمه الأصيلة».
وأفاد صديق بأن المسلمين بحاجة ماسّة إلى إعادة دراسة دينهم بالشكل الصحيح كما أُنزل ديناً وسطياً، بعيداً عن الغلو والكراهية، دين المحبة والاعتدال والقيم الأصيلة التي أسهمت في نشر الإسلام في كل قارات العالم.



السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)
عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)
TT

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)
عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)

أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، وعلى حافلة تقلّ نازحين مدنيين؛ ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين العزَّل، من بينهم نساء وأطفال، وإلحاق أضرار بمنشآت وقوافل إغاثية في ولايتَي شمال وجنوب كردفان بالسودان.

وأكدت السعودية، في بيان لوزارة خارجيتها، السبت، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال، وتشكل انتهاكات صارخة لجميع الأعراف الإنسانية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وطالبت بضرورة توقُّف «قوات الدعم السريع» فوراً عن هذه الانتهاكات، والالتزام بواجبها الأخلاقي والإنساني في تأمين وصول المساعدات الإغاثية لمحتاجيها، وفقاً للقوانين الدولية والإنسانية، وما ورد في «إعلان جدة» (الالتزام بحماية المدنيين في السودان)، الموقَّع بتاريخ 11 مايو (أيار) 2023.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية، ورفضها للتدخلات الخارجية، واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، على الرغم من تأكيد هذه الأطراف على دعمها للحل السياسي، في سلوك يُعد عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الصراع ويزيد من استمرار معاناة شعب السودان.

وقُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جرّاء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».


معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
TT

معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)

في واحد من أكبر التجمعات الدفاعية العالمية، تستعرض شركات الصناعات الدفاعية والعسكرية أحدث ما توصلت إليه من تقنيات ومنظومات متقدمة، وذلك في معرض الدفاع العالمي 2026، الذي ينطلق غداً في العاصمة السعودية الرياض، وسط مساعٍ سعودية متسارعة لرفع نسبة توطين الصناعات العسكرية، وبناء سلاسل إمداد محلية متكاملة.

وتُعقد النسخة الثالثة من المعرض تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وبتنظيم الهيئة العامة للصناعات العسكرية، وذلك خلال الفترة من 8 إلى 12 فبراير (شباط) 2026، في الرياض، بمشاركة وفود رسمية وجهات حكومية وشركات دولية متخصصة في قطاعَي الدفاع والأمن، التي يُنتظر أن تشهد تعزيز شراكات نوعية مع كبرى الشركات العالمية، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي أسهمت خلال الأعوام الماضية في تأسيس قطاع دفاعي وطني متكامل بمختلف جوانبه الصناعية والتقنية والتشغيلية.

وقال محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية السعودية، رئيس اللجنة الإشرافية للمعرض، المهندس أحمد العوهلي، إن النسخة الثالثة من المعرض تعكس التزام المملكة بالابتكار والتوطين، وتطوير منظومة دفاعية متكاملة، عبر منصات تجمع الجهات الحكومية مع الشركاء الدوليين، لافتاً إلى أن المعرض يقدم برنامجاً موسعاً يشمل عروضاً جوية وبرية حية، وعروضاً ثابتة، إلى جانب مناطق مستحدثة، بما يعزز فرص الشراكة والتكامل بين الجهات الحكومية وكبرى الشركات الوطنية والعالمية العاملة في قطاع الصناعات الدفاعية.

وبيّن أن المعرض يُسهم في دعم الجهود الرامية إلى توطين أكثر من 50 في المائة من الإنفاق العسكري، وفق مستهدفات «رؤية 2030»، بالإضافة إلى رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة في المجال الدفاعي.

جانب من نسخة سابقة لمعرض الدفاع العالمي (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لمعرض الدفاع العالمي، آندرو بيرسي، أن النسخة الثالثة ستشهد برنامجاً متكاملاً يبدأ ببرنامج الوفود الرسمية الذي يربط كبار المسؤولين بالمستثمرين وقادة الصناعة من مختلف دول العالم، بما يدعم مسار التعاون الصناعي والتقني الدولي، ويعزّز موقع المملكة ضمن منظومة صناعة الدفاع العالمية.

وأشار بيرسي إلى أن «مختبر صناعة الدفاع» سيستعرض التقنيات الناشئة والأبحاث التطبيقية، فيما تبرز «منطقة الأنظمة البحرية» الأولويات المتنامية في المجال البحري، إلى جانب «منطقة سلاسل الإمداد السعودية» التي توفّر قنوات ربط مباشرة بين المُصنّعين المحليين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والشركات العالمية، وصولاً إلى برنامج «لقاء الجهات الحكومية السعودية» الذي يتيح مناقشة القدرات ومتطلبات التشغيل وفرص الاستثمار الصناعي.

وأضاف أن المعرض يشكّل منصة دولية تجمع قادة القطاع والمبتكرين والمستثمرين، على مدى خمسة أيام من اللقاءات المهنية، وتبادل الخبرات، واستعراض أحدث القدرات الدفاعية.

ولفت إلى أن المعرض يضم مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر، مزوّداً بأربعة ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة، ستشهد حضور أحدث الطائرات العسكرية، ما يعزّز مكانة المعرض بوصفه إحدى الفعاليات الدفاعية القليلة عالمياً القادرة على استضافة عروض جوية وبرية وبحرية متكاملة على مستوى دولي.

ومن المنتظر أن يشهد معرض الدفاع العالمي 2026 مشاركات تفوق ما تحقق في النسخ السابقة، في مؤشر على النمو المتواصل في أعداد العارضين والوفود الدولية، وعلى تصاعد الاهتمام العالمي بالسوق السعودية، بوصفها إحدى أبرز منصات الصناعات الدفاعية الناشئة في العالم.

من جهة أخرى، سيشارك فريق الاستعراض الجوي التابع للقوات الجوية الكورية الجنوبية، والمعروف باسم «النسور السوداء»، في المعرض، وذلك لعرض خبراتهم في مجال الصناعات الدفاعية الكورية. وستكون هذه المشاركة الأولى للفريق في معرض دفاعي في الشرق الأوسط.

ووفقاً للقوات الجوية الكورية الجنوبية، سيتم إرسال تسع طائرات مقاتلة من طراز «T-50B» تابعة لفريق «النسور السوداء» (بما في ذلك طائرة احتياطية)، وأربع طائرات نقل من طراز «C-130» لنقل الأفراد والبضائع، بالإضافة إلى نحو 120 جندياً إلى المعرض.

Your Premium trial has ended


حكومة الزنداني ترى النور وسط تحديات يمنية متشابكة

مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
TT

حكومة الزنداني ترى النور وسط تحديات يمنية متشابكة

مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)

بعد نحو 3 أسابيع من المشاورات المكثفة، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، القرار الجمهوري رقم «3» لسنة 2026، القاضي بتشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني، في خطوة لإعادة ترتيب المؤسسة التنفيذية في اليمن، وفتح نافذة أمل أمام الشارع اليمني المثقل بالأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية.

ويأتي هذا التشكيل الحكومي في ظل تحديات متشابكة ومعقدة، خصوصاً مع استمرار خطاب الانقسام الجغرافي والسياسي، وتراجع الموارد السيادية، وتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات، ما يجعل من حكومة الزنداني «حكومة فرصة أخيرة» لاختبار قدرة الشرعية اليمنية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى الشروع الفعلي في التعافي.

وتضم الحكومة الجديدة 35 وزيراً، 20 منهم ينتمون إلى المحافظات الجنوبية، و15 إلى المحافظات الشمالية، وهو عدد يعكس حجم التعقيد السياسي ومحاولات استيعاب مختلف القوى، لكنه يُشير إلى استمرار معضلة تضخم الجهاز التنفيذي.

ورغم الجدل الذي أثاره بعض الناشطين السياسيين بشأن أسماء عدد من الوزراء المختارين، فإن قراءة تركيبة الحكومة تكشف عن حرص واضح على تحقيق قدر من التوازن الحزبي والجغرافي والسياسي، وذلك عقب مشاورات مطوَّلة جرت في العاصمة السعودية الرياض، هدفت إلى تخفيف حدة الاحتقان بين المكونات المنضوية تحت مظلة الشرعية.

الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية (سبأ)

ويبرز في هذا السياق، احتفاظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، في خطوة تعكس توجهاً لتركيز القرار الدبلوماسي والسياسي الخارجي بيد رئاسة الحكومة، بما يضمن انسجام الرسائل السياسية الموجهة للمجتمع الدولي، ويُعزز من قدرة الحكومة على حشد الدعم الخارجي.

وفيما حازت حضرموت 6 وزراء في التشكيل الحكومي الجديد، بوصفها كبرى المحافظات اليمنية من حيث المساحة، حافظ 8 وزراء على مناصبهم في التشكيلة الجديدة، وهم: معمر الإرياني وزير الإعلام، بعد فصل وزارة الثقافة والسياحة عنه في التشكيل السابق، ونايف البكري وزير الشباب والرياضة، وسالم السقطري وزير الزراعة، وإبراهيم حيدان وزير الداخلية، وتوفيق الشرجبي وزير المياه والبيئة، ومحمد الأشول وزير الصناعة والتجارة، وقاسم بحيبح وزير الصحة، وبدر العارضة وزير العدل.

وجاء التشكيل الحكومي اليمني بعد إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه في يناير (كانون الثاني) 2026، وهي خطوة مهّدت لصيغة أكثر مرونة في توزيع الحقائب، وقلّصت من حدة الاستقطاب، دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية التباينات العميقة داخل معسكر الشرعية، على الرغم من اختيار عدد من الوزراء، ضمن التشكيل الوزاري من المحسوبين على المجلس الانتقالي المنحل.

الحضور النسائي

ومن أبرز ملامح حكومة الزنداني عودة الحضور النسائي إلى مجلس الوزراء اليمني عبر تعيين 3 وزيرات، في سابقة لافتة بعد سنوات من الغياب شبه الكامل للمرأة عن السلطة التنفيذية. فقد جرى تعيين الدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي، والقاضية إشراق المقطري وزيرة للشؤون القانونية، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة دولة لشؤون المرأة.

ولا يقتصر هذا الحضور على بُعده الرمزي، بل يحمل رسائل سياسية متعددة، داخلياً وخارجياً؛ حيث يعكس محاولة لإعادة الاعتبار لدور المرأة اليمنية في صناعة القرار، ويبعث بإشارات إيجابية إلى المانحين والمؤسسات الدولية، التي لطالما ربطت دعمها بتعزيز الشمولية والحوكمة الرشيدة.

الوزيرة اليمنية أفراح الزوبة خلال ظهور سابق مع مسؤولين أمميين (سبأ)

وتكتسب حقيبة التخطيط والتعاون الدولي أهمية مضاعفة في هذه المرحلة، كونها بوابة الحكومة نحو المانحين، في وقت تراجعت فيه المساعدات الخارجية بأكثر من 65 في المائة، وفق تقديرات رسمية، ما يجعل من هذه الوزارة محوراً رئيسياً في أي مسار تعافٍ اقتصادي محتمل.

كما تقلّدت القاضية إشراق المقطري منصب وزيرة الشؤون القانونية، وهي تمتلك مسيرة حافلة؛ فهي قاضية وعضو سابق في اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان؛ حيث عرفت بجرأتها في توثيق ملفات الحرب، ولها باعٌ طويل في العمل المدني والحقوقي، ما يجعلها صوتاً موثوقاً لدى المنظمات الدولية؛ حيث تُركز سيرتها المهنية على تعزيز سيادة القانون، وحماية حقوق الفئات المستضعفة، وإصلاح المنظومة العدلية.

في السياق نفسه، تعد وزيرة شؤون المرأة عهد جعسوس وجهاً نسائياً بارزاً، وهي معروفة بنشاطها المكثف في منظمات المجتمع المدني؛ حيث تركزت جهودها على قضايا النوع الاجتماعي وحماية حقوق النساء والأطفال.

تحديات كبيرة

وترث حكومة الزنداني وضعاً اقتصادياً بالغ الصعوبة، يتمثل في تدهور قيمة العملة الوطنية (الريال اليمني)، واضطراب انتظام صرف الرواتب، وتوقف صادرات النفط التي تُمثل الشريان الرئيسي للإيرادات العامة، نتيجة الهجمات الحوثية على مواني التصدير.

ويُمثل تحسين الوضع المعيشي للمواطنين التحدي الأكثر إلحاحاً، في ظل ارتفاع معدلات الفقر، وتآكل القدرة الشرائية، وتنامي حالة السخط الشعبي، خصوصاً في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، التي تعاني أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية.

اليمن يحصل على دعم سعودي واسع لا سيما في مجال الطاقة والخدمات (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

وفي هذا السياق، تضع الحكومة الجديدة ضمن أولوياتها حوكمة المنح الخارجية، وعلى رأسها المنحة السعودية للوقود، وضبط ملف «الطاقة المشتراة»، الذي يُعد من أكثر الملفات إثارة للجدل والاتهامات بالفساد.

ويُنظر إلى وزارة الكهرباء والطاقة بوصفها إحدى الوزارات الحيوية، التي سيقاس على أدائها مدى جدية الحكومة في مكافحة الهدر والفساد.

وعلى الصعيد السيادي، لا تزال الحكومة تعمل في ظل واقع منقوص، مع استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على العاصمة صنعاء، ومفاصل إدارية وتقنية حساسة، بما في ذلك بنية الاتصالات، وتهديها للأجواء ومنشآت تصدير النفط، كما يبرز التحدي عن مدى قدرة هذه الحكومة على العمل من الداخل وتجاوز التصعيد الذي لا يزال يقوده بعض أتباع المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، سواء في عدن أو غيرها من المحافظات المحررة.

ويؤكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزامه بدعم الحكومة في تنفيذ برنامج إصلاحات شامل، يهدف إلى تعزيز العمل من الداخل، وتفعيل مؤسسات الدولة في عدن، ورفع مستوى التنسيق بين السلطات المركزية والمحلية، بما يُعزز ثقة المجتمع الدولي.

وفي الاجتماع الذي عقده مجلس القيادة الرئاسي، بحضور رئيس الوزراء، أشاد المجلس بالتحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية، واستقرار سعر الصرف، وصرف الرواتب، عادّاً ذلك مؤشراً أولياً على إمكانية تحقيق اختراقات ملموسة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم اللازم.

وعود ورهانات

في أول تصريح له عقب تشكيل الحكومة، أكد رئيس الوزراء، شائع الزنداني، التزام حكومته بالعمل بروح الفريق الواحد، والتركيز على تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية، ومكافحة الفساد، وتطوير الأداء المؤسسي، مع تعزيز الشراكات مع الأشقاء والأصدقاء.

كما شدد على أهمية القرب من المواطنين، وتحسس معاناتهم، وهو خطاب يعكس إدراكاً لحساسية المرحلة، لكنه يضع الحكومة أمام اختبار صعب، يتمثل في تحويل هذا الخطاب إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وأشاد الزنداني بالدعم السعودي، واصفاً إياه بالركيزة الأساسية لصمود الحكومة، في ظل شح الموارد وتراجع الدعم الدولي، وهو ما يعكس استمرار الرهان على التحالف الإقليمي، بوصفه الضامن الرئيسي لاستقرار مؤسسات الشرعية.

وإذ ينتظر اليمنيون، ومعهم المجتمع الدولي أن تكون هذه الحكومة مختلفة كلياً، يتطلع الشارع اليمني إلى تحقيق إنجازات سريعة في الملفات الخدمية والاقتصادية، وترسيخ العمل من الداخل، ومكافحة الفساد، وبناء نموذج دولة قادر على استعادة ثقة المواطن، وقبل ذلك حسم استعادة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة للحوثيين.