رثاء الذات كمحاولة يائسة لرتق ثوب الوجود الممزق

قدماء ومعاصرون رثوا أنفسهم قبل الموت

محمود درويش  -  أمل دنقل  -  بدر شاكر السياب  -  صلاح عبد الصبور
محمود درويش - أمل دنقل - بدر شاكر السياب - صلاح عبد الصبور
TT

رثاء الذات كمحاولة يائسة لرتق ثوب الوجود الممزق

محمود درويش  -  أمل دنقل  -  بدر شاكر السياب  -  صلاح عبد الصبور
محمود درويش - أمل دنقل - بدر شاكر السياب - صلاح عبد الصبور

إذا كان الشعر من بعض وجوهه هو محاولة رمزية لرأب صدوع العالم، أو تعويض باللغة عما خسرناه من فراديس الطفولة والحياة الهانئة والأماكن المفقودة، فإنه ليس من المستغرب أن يحتل الرثاء ذلك الموقع المتقدم بين ضروب القول الشعري وأغراضه، ليس في الإطار العربي وحده، بل في الإطار العالمي والإنساني بوجه عام.
وسواء تعلق الأمر بالمنازل والمدن والأوطان، أو تعلق بالأزمنة الهاربة، أو بغياب الأحبة والأهل والأصدقاء، فإن فن الرثاء هو من أكثر الفنون التصاقاً بالنفس البشرية، وتعبيراً عن حاجتها إلى الإفصاح عن أنينها ومكنوناتها العميقة وصراخها الاحتجاجي في وجه الفقدان. وليس صدفة تبعاً لذلك أن يكون الرثاء هو الموضوع المشترك والأثير لمعظم الملاحم والنصوص الشعرية التي تناهت إلينا منذ القدم، بدءاً من رثاء البطل السومري كلكامش لصديقه أنكيدو، وإنانا لديموزي، وعشتار لتموز، وليس انتهاءً بمراثي إرميا لأورشليم في العهد القديم. ومع أن الشعر الغربي لم يخلُ من هذا الفن ذي الطبيعة العابرة للقوميات والكيانات السياسية، فإن أياً من الشعوب لم يحتفِ على الأرجح بهذا الفن كما هو الحال مع العرب. ليس فقط بسبب طبيعتهم العاطفية والانفعالية التي يسهم ضوء الشمس في إنضاجها بشكل مفرط، بل لأن الحروب شبه المتواصلة التي تسببت بها ندرة الماء والكلأ وشظف العيش كانت ترفع منسوب الموت قتلاً إلى حدوده القصوى، فضلاً عن أن حياة الترحل وهلامية الأماكن العابرة كانت تحول الحياة برمتها إلى طلل واسع، وتشرع أمام الشعر أبواب التفجع والحنين ورثاء الذات والعالم. هكذا، غص ديوان العرب الشعري بعشرات القصائد المؤثرة التي حملت إلينا رثاء المهلهل لأخيه كليب، والخنساء لأخويها الراحليْن، وابن الرومي لولده الأوسط كما لحريق البصرة، والمتنبي لجدته الراحلة ولخولة التي أحبها بصمت، وصولاً إلى الشعر الحديث الذي يحفل بعشرات المراثي المماثلة.
ولأن الفقدان هو القاسم المشترك بين الموت والحب غير الممتلك، فقد اتسمت قصائد الحب العذري عند العرب بنبرة رثائية مثقلة بالحسرة والتفجع والشجن العاطفي. فإذا كان الحب بحد ذاته نوعاً من «الموت الصغير»، وفق مقولة ابن عربي، فإن الحب المحكوم بالفراق يفوق في وطأته آلام الموت البيولوجي، باعتبار أن الحبيبة الميتة تذهب إلى كنف التراب، فيما الحبيبة الحية تذهب إلى كنف شخص آخر، تتكفل الغيرة بتحويله إلى جحيم حقيقي، وهو ما يعكسه بوضوح قول بشار بن برد: «من حبها أتمنى لو يصادفني \ من نحو قريتها ناعٍ فينعاها \ كيما أقول: فراقٌ لا لقاء له \ وتضمر النفس يأساً ثم تسلاها». ويتحول الرثاء من جهة أخرى إلى محاولة يائسة لردم الهُوى العميقة الفاصلة بين ضفتي الحياة والموت، أو إلى محاولة مماثلة لانتشال الغائب من عهدة الصمت وإحيائه بالكلمات. وإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية فقه اللغة، لرأينا شبهاً واضحاً بين كلمتي «رثى» و«رفا»، أو بين رفو الثياب ورثاء الموتى. وبما أن الفاء تُقلب ثاءً في بعض اللهجات العربية، فإن الخياط الذي يرفو الثياب الممزقة تُطلق عليه تسمية «الراثي» أو «الرثّاء». وقد أكد أبو العلاء المعري على مبدأ العلاقة بين الجسد والثوب في قولته الشهيرة: «جسدي خرقة تخاط إلى الأرض \ فيا خائط الخلائق خطْني». وإذ يدرك الراثي في صميمه أنه آيل كالمرثي إلى زوال محتّم، فإن بكاءه على الآخر هو في الآن ذاته بكاءٌ على مصيره المماثل، وهو حين يرثي الآخر إنما يرثي نفسه في الوقت ذاته.
على أن اللافت في هذا السياق هو أن بعض الشعراء العرب، قدماء ومعاصرين، لم يكتفوا برثاء أحبتهم وأصدقائهم الراحلين، بل عمدوا إلى رثاء أنفسهم بالذات حين يئسوا لسبب أو لآخر من الحياة، أو شعروا بدنوّ الأجل، وهو ما جعله عبد المعين الملوحي موضوعاً لأحد مؤلفاته المميزة.
ومن يتتبع سير الأقدمين من الشعراء العرب لا بد أن تستوقفه هذه الظاهرة التي لا تصدر، في الأعم الغالب، عمن زهد بالحياة وعزف عن ملذاتها، بل عمن أحبها وشغف بها حتى الثمالة. ومعظم هؤلاء هم من الشعراء الفرسان الذين أصيبوا إصابات قاتلة في حمأة الحروب، أو ممن قضوا اغتيالاً، أو من الذين داهمهم مرض قاتل لا شفاء منه. وإذ يبدو الرثاء هنا احتجاجاً بالكلمات على مصير مباغت لم يحسبوا حساباً له، أو رحيل مبكر حلّ قبل أوانه، يستدعي في الوقت نفسه مشاهد وتفاصيل من اللحظات التي تعقب الموت، حيث تجهد أنا الشاعر «الطفولية» في الاحتفاء بغيابها عبر تخيل موكب التشييع، واستدرار دموع الباكين والباكيات من أحبته وذويه، قبل أن تُسدل الستائر ويحل الظلام الكلي.
فطرفة بن العبد، الذي حمل إلى والي البحرين رسالة عمرو بن هند التي تحثه على قتل حاملها، واجه قدره بشجاعة نادرة حين رفض الفرار من السجن، مخاطباً من وراء القضبان حبيبته خولة بالقول: «ألا اعتزليني اليوم خولة، أو غضّي \ فقد نزلتْ حدباء محْكمة العضِّ \ إذا متّ فابكيني بما أنا أهلهُ \ وحُضّي عليّ الباكيات مدى الحضِّ \ ولا تعدُليني إن هلكتُ بعاجزٍ \ من الناس منقوضِ المريرة والنقْضِ». أما هدبة بن خشرم، شاعر بني عذرة الذي حُكم عليه بالموت إثر قتله لزيادة بن زيد، فقد اختار في رثائه لنفسه أن يستخدم صيغة المثنى التي استهلها أمرؤ القيس في معلقته الشهيرة «ألا علّلاني قبل نوْح النوائحِ \ وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانحِ \، وقبل غدٍ، يا لهف نفسي على غدٍ \ إذا راح أصحابي ولستُ برائحِ \ إذا راح أصحابي تفيض عيونهم \ وغودرتُ في لحدٍ علي صفائحي \ يقولون: هل أصلحتمُ لأخيكمُ؟ \ وما القبر في الأرض الفضاء بصالحِ».
لكن قصيدة مالك بن الريب التي رثى بها نفسه بعد أن أصيب بلدغة أفعى في أثناء مشاركته في فتح بلاد فارس زمن معاوية بن أبي سفيان لا تُعتبر ذروة من ذرى رثاء النفس عند العرب فحسب، بل هي في الآن ذاته واحدة من أفضل ما تركه لنا الأقدمون من فرائد الشعر وأيقوناته. ليس فقط بسبب صدقها المفرط، والتصاقها الحميم بمكابدات الشاعر في أثناء احتضاره، وليس لطزاجة صورها وحدبها على التفاصيل فحسب، بل لمكاشفاتها الوجودية العميقة التي دفعت البعض إلى إدراجها في خانة الحداثة الشعرية، أو إلى استلهام مناخاتها عبر تناص أسلوبي ورؤيوي، كما فعل يوسف الصايغ في قصيدته المميزة «اعترافات مالك بن الريب».
ولعل اختيار مالك لقافية الياء المفتوحة في قصيدته لم يكن بفعل الصدفة، بل لأنه أراد أن يحول القافية إلى نداء استغاثة حار يطلقه يائساً في خلاء الوجود العاري: «تذكرتُ من يبكي علي فلم أجد \ سوى السيف والرمح الرديني باكيا \ فيا صاحبي رحْلي دنا الموت فانزلا \ برابية إني مقيمٌ لياليا \ وخطأ بأطراف الأسنة مضجعي \ وردّا على عيني فضْل ردائيا \ يقولون: لا تبعد، وهم يدفنونني \ وأين مكان البعد إلا مكانيا \ وبالرمل منا نسوة لو شهدنني \ بكين، وفدّين الطبيب المداويا».
وإذا كان الشعر العربي الحديث قد أرسى مفهوماً للكتابة تتشابك فيه الموضوعات والهواجس المختلفة، متجاوزاً الأغراض التقليدية القديمة، كالفخر والمديح والهجاء، فإن الرثاء، بوصفه صرخة احتجاج في وجه الفقدان والموت، ظل يشغل حيزاً غير قليل من تجارب الشعراء المعاصرين، سواء كان رثاءً للحضارة العاجزة عن النهوض، كما فعل خليل حاوي في «لعازر»، أو رثاءً لأصدقاء وأقرباء وشهداء، كما عند السياب ونزار قباني وعبد الصبور وحجازي والفيتوري ودرويش وأمل دنقل وكثر غيرهم. على أن رثاء النفس لدى الاستشعار بدنو الرحيل يتمثل على نحو خاص لدى السياب وأمل دنقل ومحمود درويش. فالسياب المتيقن في أواخر أعوامه من تفاقم مرضه العضال، ومن المآل المأساوي الذي ينتظره وهو في ريعان شبابه، حوّل نصوصه الأخيرة إلى ما يشبه المراثي الشخصية المخترقة بصور الموت وتداعياته المتخيلة: «ويا مرضي \ قناع الموت أنتَ \ وهل تُرى لو أسفر الموتُ \ أخافُ؟ \ ألا دعِ التكشيرة الصفراء والثقبينِ \ حيث امتصت العينينْ \ جحافلُ من جيوش الدود يجثمُ حولها الصمتُ».
ومن داخل غرفة العناية المركزة، كتب أمل دنقل مجموعته الأخيرة «أوراق الغرفة رقم 8» التي لم تكن رثاءً لنفسه الذاوية فحسب، بل رثاء لبراءة العالم وكائناته وحيويته المتداعية، وصولاً إلى تماهيه المأساوي مع الخشب الهش لسرير المرض «وهذا السريرْ \ ظنني مثله فاقد الروح \ فالتصقتْ بي أضلاعهُ \والجماد يضمّ الجماد ليحميَهُ من مواجهة الناس \ صرتُ أنا والسريرْ \ جسداً واحداً في انتظار المصيرْ».
أما محمود درويش الذي لم يتردد في بعض مقاطع «الجدارية» في التعويل على الإبداع كسلاح ناجع في مواجهة الزوال: «هزمتك يا موت الفنون جميعها»، فهو يكشف في مقاطع أخرى عن أن التأسّي بالشعر لن يغير شيئاً من حقيقة الزوال المادي للإنسان.
وهو إذ يرسم بنفسه مشهدية رحيله، يزود مشيعيه بكثير من الوصايا التي تتلاءم مع ذائقته الجمالية ومزاجه الشخصي «صبّوني بحرف النون \ حيث تعبّ روحي سورة الرحمن في القرآن \ وامشوا صامتين معي على خطوات أجدادي \ ووقع الناي في أزلي \ ولا تضعوا على قبري البنفسجَ \ فهو زهر المحبطين \ يذكّر الموتى بموت الحب قبل أوانهِ \ وضعوا على التابوت سبع سنابلٍ خضراءَ إن وجدتْ \ وبعض شقائق النعمان إن وجدتْ».



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».