رثاء الذات كمحاولة يائسة لرتق ثوب الوجود الممزق

قدماء ومعاصرون رثوا أنفسهم قبل الموت

محمود درويش  -  أمل دنقل  -  بدر شاكر السياب  -  صلاح عبد الصبور
محمود درويش - أمل دنقل - بدر شاكر السياب - صلاح عبد الصبور
TT

رثاء الذات كمحاولة يائسة لرتق ثوب الوجود الممزق

محمود درويش  -  أمل دنقل  -  بدر شاكر السياب  -  صلاح عبد الصبور
محمود درويش - أمل دنقل - بدر شاكر السياب - صلاح عبد الصبور

إذا كان الشعر من بعض وجوهه هو محاولة رمزية لرأب صدوع العالم، أو تعويض باللغة عما خسرناه من فراديس الطفولة والحياة الهانئة والأماكن المفقودة، فإنه ليس من المستغرب أن يحتل الرثاء ذلك الموقع المتقدم بين ضروب القول الشعري وأغراضه، ليس في الإطار العربي وحده، بل في الإطار العالمي والإنساني بوجه عام.
وسواء تعلق الأمر بالمنازل والمدن والأوطان، أو تعلق بالأزمنة الهاربة، أو بغياب الأحبة والأهل والأصدقاء، فإن فن الرثاء هو من أكثر الفنون التصاقاً بالنفس البشرية، وتعبيراً عن حاجتها إلى الإفصاح عن أنينها ومكنوناتها العميقة وصراخها الاحتجاجي في وجه الفقدان. وليس صدفة تبعاً لذلك أن يكون الرثاء هو الموضوع المشترك والأثير لمعظم الملاحم والنصوص الشعرية التي تناهت إلينا منذ القدم، بدءاً من رثاء البطل السومري كلكامش لصديقه أنكيدو، وإنانا لديموزي، وعشتار لتموز، وليس انتهاءً بمراثي إرميا لأورشليم في العهد القديم. ومع أن الشعر الغربي لم يخلُ من هذا الفن ذي الطبيعة العابرة للقوميات والكيانات السياسية، فإن أياً من الشعوب لم يحتفِ على الأرجح بهذا الفن كما هو الحال مع العرب. ليس فقط بسبب طبيعتهم العاطفية والانفعالية التي يسهم ضوء الشمس في إنضاجها بشكل مفرط، بل لأن الحروب شبه المتواصلة التي تسببت بها ندرة الماء والكلأ وشظف العيش كانت ترفع منسوب الموت قتلاً إلى حدوده القصوى، فضلاً عن أن حياة الترحل وهلامية الأماكن العابرة كانت تحول الحياة برمتها إلى طلل واسع، وتشرع أمام الشعر أبواب التفجع والحنين ورثاء الذات والعالم. هكذا، غص ديوان العرب الشعري بعشرات القصائد المؤثرة التي حملت إلينا رثاء المهلهل لأخيه كليب، والخنساء لأخويها الراحليْن، وابن الرومي لولده الأوسط كما لحريق البصرة، والمتنبي لجدته الراحلة ولخولة التي أحبها بصمت، وصولاً إلى الشعر الحديث الذي يحفل بعشرات المراثي المماثلة.
ولأن الفقدان هو القاسم المشترك بين الموت والحب غير الممتلك، فقد اتسمت قصائد الحب العذري عند العرب بنبرة رثائية مثقلة بالحسرة والتفجع والشجن العاطفي. فإذا كان الحب بحد ذاته نوعاً من «الموت الصغير»، وفق مقولة ابن عربي، فإن الحب المحكوم بالفراق يفوق في وطأته آلام الموت البيولوجي، باعتبار أن الحبيبة الميتة تذهب إلى كنف التراب، فيما الحبيبة الحية تذهب إلى كنف شخص آخر، تتكفل الغيرة بتحويله إلى جحيم حقيقي، وهو ما يعكسه بوضوح قول بشار بن برد: «من حبها أتمنى لو يصادفني \ من نحو قريتها ناعٍ فينعاها \ كيما أقول: فراقٌ لا لقاء له \ وتضمر النفس يأساً ثم تسلاها». ويتحول الرثاء من جهة أخرى إلى محاولة يائسة لردم الهُوى العميقة الفاصلة بين ضفتي الحياة والموت، أو إلى محاولة مماثلة لانتشال الغائب من عهدة الصمت وإحيائه بالكلمات. وإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية فقه اللغة، لرأينا شبهاً واضحاً بين كلمتي «رثى» و«رفا»، أو بين رفو الثياب ورثاء الموتى. وبما أن الفاء تُقلب ثاءً في بعض اللهجات العربية، فإن الخياط الذي يرفو الثياب الممزقة تُطلق عليه تسمية «الراثي» أو «الرثّاء». وقد أكد أبو العلاء المعري على مبدأ العلاقة بين الجسد والثوب في قولته الشهيرة: «جسدي خرقة تخاط إلى الأرض \ فيا خائط الخلائق خطْني». وإذ يدرك الراثي في صميمه أنه آيل كالمرثي إلى زوال محتّم، فإن بكاءه على الآخر هو في الآن ذاته بكاءٌ على مصيره المماثل، وهو حين يرثي الآخر إنما يرثي نفسه في الوقت ذاته.
على أن اللافت في هذا السياق هو أن بعض الشعراء العرب، قدماء ومعاصرين، لم يكتفوا برثاء أحبتهم وأصدقائهم الراحلين، بل عمدوا إلى رثاء أنفسهم بالذات حين يئسوا لسبب أو لآخر من الحياة، أو شعروا بدنوّ الأجل، وهو ما جعله عبد المعين الملوحي موضوعاً لأحد مؤلفاته المميزة.
ومن يتتبع سير الأقدمين من الشعراء العرب لا بد أن تستوقفه هذه الظاهرة التي لا تصدر، في الأعم الغالب، عمن زهد بالحياة وعزف عن ملذاتها، بل عمن أحبها وشغف بها حتى الثمالة. ومعظم هؤلاء هم من الشعراء الفرسان الذين أصيبوا إصابات قاتلة في حمأة الحروب، أو ممن قضوا اغتيالاً، أو من الذين داهمهم مرض قاتل لا شفاء منه. وإذ يبدو الرثاء هنا احتجاجاً بالكلمات على مصير مباغت لم يحسبوا حساباً له، أو رحيل مبكر حلّ قبل أوانه، يستدعي في الوقت نفسه مشاهد وتفاصيل من اللحظات التي تعقب الموت، حيث تجهد أنا الشاعر «الطفولية» في الاحتفاء بغيابها عبر تخيل موكب التشييع، واستدرار دموع الباكين والباكيات من أحبته وذويه، قبل أن تُسدل الستائر ويحل الظلام الكلي.
فطرفة بن العبد، الذي حمل إلى والي البحرين رسالة عمرو بن هند التي تحثه على قتل حاملها، واجه قدره بشجاعة نادرة حين رفض الفرار من السجن، مخاطباً من وراء القضبان حبيبته خولة بالقول: «ألا اعتزليني اليوم خولة، أو غضّي \ فقد نزلتْ حدباء محْكمة العضِّ \ إذا متّ فابكيني بما أنا أهلهُ \ وحُضّي عليّ الباكيات مدى الحضِّ \ ولا تعدُليني إن هلكتُ بعاجزٍ \ من الناس منقوضِ المريرة والنقْضِ». أما هدبة بن خشرم، شاعر بني عذرة الذي حُكم عليه بالموت إثر قتله لزيادة بن زيد، فقد اختار في رثائه لنفسه أن يستخدم صيغة المثنى التي استهلها أمرؤ القيس في معلقته الشهيرة «ألا علّلاني قبل نوْح النوائحِ \ وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانحِ \، وقبل غدٍ، يا لهف نفسي على غدٍ \ إذا راح أصحابي ولستُ برائحِ \ إذا راح أصحابي تفيض عيونهم \ وغودرتُ في لحدٍ علي صفائحي \ يقولون: هل أصلحتمُ لأخيكمُ؟ \ وما القبر في الأرض الفضاء بصالحِ».
لكن قصيدة مالك بن الريب التي رثى بها نفسه بعد أن أصيب بلدغة أفعى في أثناء مشاركته في فتح بلاد فارس زمن معاوية بن أبي سفيان لا تُعتبر ذروة من ذرى رثاء النفس عند العرب فحسب، بل هي في الآن ذاته واحدة من أفضل ما تركه لنا الأقدمون من فرائد الشعر وأيقوناته. ليس فقط بسبب صدقها المفرط، والتصاقها الحميم بمكابدات الشاعر في أثناء احتضاره، وليس لطزاجة صورها وحدبها على التفاصيل فحسب، بل لمكاشفاتها الوجودية العميقة التي دفعت البعض إلى إدراجها في خانة الحداثة الشعرية، أو إلى استلهام مناخاتها عبر تناص أسلوبي ورؤيوي، كما فعل يوسف الصايغ في قصيدته المميزة «اعترافات مالك بن الريب».
ولعل اختيار مالك لقافية الياء المفتوحة في قصيدته لم يكن بفعل الصدفة، بل لأنه أراد أن يحول القافية إلى نداء استغاثة حار يطلقه يائساً في خلاء الوجود العاري: «تذكرتُ من يبكي علي فلم أجد \ سوى السيف والرمح الرديني باكيا \ فيا صاحبي رحْلي دنا الموت فانزلا \ برابية إني مقيمٌ لياليا \ وخطأ بأطراف الأسنة مضجعي \ وردّا على عيني فضْل ردائيا \ يقولون: لا تبعد، وهم يدفنونني \ وأين مكان البعد إلا مكانيا \ وبالرمل منا نسوة لو شهدنني \ بكين، وفدّين الطبيب المداويا».
وإذا كان الشعر العربي الحديث قد أرسى مفهوماً للكتابة تتشابك فيه الموضوعات والهواجس المختلفة، متجاوزاً الأغراض التقليدية القديمة، كالفخر والمديح والهجاء، فإن الرثاء، بوصفه صرخة احتجاج في وجه الفقدان والموت، ظل يشغل حيزاً غير قليل من تجارب الشعراء المعاصرين، سواء كان رثاءً للحضارة العاجزة عن النهوض، كما فعل خليل حاوي في «لعازر»، أو رثاءً لأصدقاء وأقرباء وشهداء، كما عند السياب ونزار قباني وعبد الصبور وحجازي والفيتوري ودرويش وأمل دنقل وكثر غيرهم. على أن رثاء النفس لدى الاستشعار بدنو الرحيل يتمثل على نحو خاص لدى السياب وأمل دنقل ومحمود درويش. فالسياب المتيقن في أواخر أعوامه من تفاقم مرضه العضال، ومن المآل المأساوي الذي ينتظره وهو في ريعان شبابه، حوّل نصوصه الأخيرة إلى ما يشبه المراثي الشخصية المخترقة بصور الموت وتداعياته المتخيلة: «ويا مرضي \ قناع الموت أنتَ \ وهل تُرى لو أسفر الموتُ \ أخافُ؟ \ ألا دعِ التكشيرة الصفراء والثقبينِ \ حيث امتصت العينينْ \ جحافلُ من جيوش الدود يجثمُ حولها الصمتُ».
ومن داخل غرفة العناية المركزة، كتب أمل دنقل مجموعته الأخيرة «أوراق الغرفة رقم 8» التي لم تكن رثاءً لنفسه الذاوية فحسب، بل رثاء لبراءة العالم وكائناته وحيويته المتداعية، وصولاً إلى تماهيه المأساوي مع الخشب الهش لسرير المرض «وهذا السريرْ \ ظنني مثله فاقد الروح \ فالتصقتْ بي أضلاعهُ \والجماد يضمّ الجماد ليحميَهُ من مواجهة الناس \ صرتُ أنا والسريرْ \ جسداً واحداً في انتظار المصيرْ».
أما محمود درويش الذي لم يتردد في بعض مقاطع «الجدارية» في التعويل على الإبداع كسلاح ناجع في مواجهة الزوال: «هزمتك يا موت الفنون جميعها»، فهو يكشف في مقاطع أخرى عن أن التأسّي بالشعر لن يغير شيئاً من حقيقة الزوال المادي للإنسان.
وهو إذ يرسم بنفسه مشهدية رحيله، يزود مشيعيه بكثير من الوصايا التي تتلاءم مع ذائقته الجمالية ومزاجه الشخصي «صبّوني بحرف النون \ حيث تعبّ روحي سورة الرحمن في القرآن \ وامشوا صامتين معي على خطوات أجدادي \ ووقع الناي في أزلي \ ولا تضعوا على قبري البنفسجَ \ فهو زهر المحبطين \ يذكّر الموتى بموت الحب قبل أوانهِ \ وضعوا على التابوت سبع سنابلٍ خضراءَ إن وجدتْ \ وبعض شقائق النعمان إن وجدتْ».



حفل موسيقي بعنوان «للبنان» دعماً لمتضرري الحرب

الأختان كسرواني تشاركان بحفل «للبنان» في باريس (نويل كسرواني)
الأختان كسرواني تشاركان بحفل «للبنان» في باريس (نويل كسرواني)
TT

حفل موسيقي بعنوان «للبنان» دعماً لمتضرري الحرب

الأختان كسرواني تشاركان بحفل «للبنان» في باريس (نويل كسرواني)
الأختان كسرواني تشاركان بحفل «للبنان» في باريس (نويل كسرواني)

كما في كل مرة يتعرّض فيها لبنان لمأساة أو حرب، تبادر الأختان نويل وميشيل كسرواني إلى دعمه. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، قررتا، بالتعاون مع مجموعة من الفنانين اللبنانيين في باريس، تنظيم حفل موسيقي يذهب ريعه لمبادرات إنسانية في لبنان.

يُقام حفل «للبنان» في 25 مارس (آذار) على مسرح «فليش دور» في باريس، ويحييه عدد من الموسيقيين والمغنّين اللبنانيين المقيمين في فرنسا، من بينهم بشار مار خليفة، وزيد حمدان، والسورية لين أديب، إضافة إلى الأختين كسرواني. وقد نفدت بطاقات الحفل خلال 3 أيام فقط من الإعلان عنه.

مجموعة من التشكيليين يعرضون لوحاتهم ويُخصَّص ريعها لدعم المتضرّرين (نويل كسرواني)

توضح نويل كسرواني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الفكرة وُلدت خلال نقاش مع سارة زعيتر من مؤسسة «مشوار» حول مبادرة لدعم اللبنانيين، مضيفةً أنه «في ظل غياب خطة طوارئ فاعلة واستمرار العدوان، قررنا التحرّك سريعاً».

وأشارت إلى أن الفنانين لم يترددوا في المشاركة، قائلةً: «الجميع تحمّس، كما تفاعل الجمهور بسرعة لافتة، ما تُرجم بنفاد التذاكر خلال أيام قليلة. وهذا دليل على أن اللبنانيين في الاغتراب مستعدون دائماً للمساعدة».

وبالتعاون مع مؤسستَي «مشوار» و«كورنيش»، اكتمل البرنامج الفني للحفل، إلى جانب التحضير لسلسلة نشاطات لاحقة تصبّ في الهدف نفسه.

يتضمّن الحفل عروضاً موسيقية وغنائية، يقدّم خلالها زيد حمدان وصلة من موسيقى وأغنيات الـ«أندرغراوند». في حين يُحيي كلٌّ من لين أديب، وبشار مار خليفة، فقرات غنائية من أعمالهما الخاصة بالعربية. وتتولى تقديم الفنانين على المسرح الممثلة شادن فقيه.

حملة «للبنان» تجمع مواهب فنية لبنانية مقيمة في باريس (نويل كسرواني)

وعن النشاطات المرافقة للحملة، تقول كسرواني: «لسنا وحدنا أصحاب المبادرة، بل مجموعة أصدقاء اجتمعنا لدعم بلدنا». وتشير إلى مشاركة سارة حجار، مديرة مهرجان «الفيلم اللبناني في باريس»، التي اقترحت عرض فيلم «كلنا للوطن» للمخرج الراحل مارون بغدادي في 1 أبريل (نيسان) المقبل، بالتعاون مع «نادي لكل الناس» في بيروت، وجمعية «مشوار» في باريس.

قبل نحو عام، شاركت الأختان كسرواني في مبادرة إنسانية مشابهة حملت عنوان «الناس للناس». وتقولان: «يومها وثّقنا عبر فيديوهات ما تقوم به بعض الجمعيات الإنسانية في بيروت، بهدف تشجيع هذا النوع من المبادرات وحثّ الناس على التبرّع لها».

وفي مبادرة «للبنان»، يجمع الفنانون اللبنانيون التبرعات من خلال أنشطة فنية وثقافية، انطلاقاً من قناعة بأن اللبنانيين متكاتفون ويسعون دائماً إلى دعم بعضهم بعضاً، خصوصاً في أوقات الحرب، حيث يحرصون على تجاوز الانقسامات ومساندة المتضررين.

ويلي عرض فيلم بغدادي لقاء مع الدكتورة سماح كركي، المتخصّصة في علم الأعصاب، تتناول فيه تأثير التغطية الإعلامية للحروب على الصحة النفسية. كما تشارك الصحافية والباحثة في السينما اللبنانية لولا مابا في الفعالية، بالتعاون مع «نادي لكل الناس» و«مشوار» ومهرجان «الفيلم اللبناني في باريس»، لتسليط الضوء على واقع جنوب لبنان.

وفي 11 أبريل تُنظَّم ندوة حول الحرب في لبنان والعوامل المتراكمة التي تسهم في تكرارها، بمشاركة الخبير السياسي زياد ماجد، وعالم النفس ألبير مخيبر، واختصاصية الأعصاب سماح كركي. ويناقش المشاركون سبل التعامل مع حالة الطوارئ المستمرة، وتأثير تلقّي الأخبار على الصحة النفسية. وتدير الجلسة الصحافية ليانا صالح.

المطبخ اللبناني يشارك في حملة «للبنان» (نويل كسرواني)

وعن حجم التبرعات التي جُمعت حتى الآن، توضح كسرواني: «من المبكر إعطاء أرقام دقيقة، فالحفل ليس النشاط الوحيد. هناك فعاليات أخرى سيُخصَّص ريعها لدعم لبنان، من بينها مشاركة فنانين تشكيليين، مثل سما بيضون التي صمّمت الملصقات الترويجية للحملة، إضافة إلى عرض أعمال فنية لكلٍّ من كبريت و(رومي) للبيع لصالح المبادرة. كما ستكون هناك مشاركة للمطبخ اللبناني؛ إذ تُحضّر أمال سعادة حلويات لبنانية يذهب ريعها لدعم الحملة».

وتختم كسرواني: «المبادرة هي محاولة لمواجهة شعور العجز الذي يلازم اللبنانيين في الاغتراب. صحيح أننا بعيدون عن الوطن، لكننا نعيش القلق نفسه ونتألم لما يحدث. من خلال هذه المبادرة نؤدي واجبنا بقدر ما نستطيع. ندرك أن ما نقدّمه لا يوازي حجم المأساة، لكننا نسعى إلى التخفيف من معاناة من خسروا منازلهم وأرزاقهم وتشتّتت عائلاتهم، مستعينين بمواهبنا الفنية لخدمة وطننا».


نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)
ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)
TT

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)
ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

حقّقت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد الأعمال المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً، من بينها 11 مسلسلاً طويلاً (30 حلقة) و27 مسلسلاً قصيراً (15 حلقة) شملت إنتاجات مصرية وعربية، وعُرضت عبر منصات «شاهد» و«وتش ات» و«يانغو بلاي» وعبر قنوات «المتحدة» ومحطات التلفزيون المصري، وقنوات «إم بي سي» إلى جانب قنوات عربية.

هذا الكم الكبير شهد تنوعاً درامياً لافتاً، عبر مسلسلات اقتحمت قضايا شائكة وتصدت لأعراف اجتماعية ظالمة على غرار «حكاية نرجس»، وأخرى انتقدت قوانين أجحفت حقوقاً مثل قانون «حق الرؤية» للأب بعد الانفصال، كما في «أب ولكن»، وبين دراما شعبية غاصت في مجتمع الحارة المصرية، من بينها «إفراج» ومسلسلات تصدت لتجارة بيع الأعضاء كما في «عرض وطلب»، ومرض طيف التوحد «اللون الأزرق»، وأعمال كوميدية، من بينها «كلهم بيحبوا مودي»، وأخرى رومانسية.

وبين أعمال لاقت اهتماماً لافتاً، ووجوه جديدة صعدت، ونجوم أخفقوا، ونجوم وجب عليهم التغيير مستقبلاً، تحدث نقاد مصريون لـ«الشرق الأوسط» عن أهم متغيرات الموسم المنقضي.

ياسمين عبد العزيز على الملصق الدعائي لمسلسلها الرمضاني (الشركة المنتجة)

ترى الناقدة ماجدة خير الله أن الموسم الرمضاني هذا العام لا يقل تميزاً عن سابقه فهناك مسلسلات تصدرت المشهد مثل «صحاب الأرض» وبطلته منة شلبي وإياد نصار، و«حكاية نرجس» وبطلته ريهام عبد الغفور وفريق الممثلين معها، و«عرض وطلب» لسلمى أبو ضيف وفريقها، و«عين سحرية»، وهو مميز جداً، و«فرصة أخيرة»، و«اللون الأزرق» وهو عمل مميز جداً، ويطرح موضوعاً مهماً، لكنه لم يحظَ بالاهتمام الإعلامي الذي يستحقه.

سلمى أبو ضيف قدمت أداءً أضاف للشخصية في مسلسل «عرض وطلب» (الشركة المنتجة)

لكن في المقابل، انتقدت خير الله تشابه الأفكار في عدد من المسلسلات، منها علاقة الأب بأطفاله بعد الطلاق، التي ترى أنها طُرحت بشكل راقٍ في مسلسل «كان ياما كان» وبشكل سيئ في «أب ولكن»، وفي إطار كوميدي في «المتر سمير»، وتلامست مع مسلسل «بابا وماما جيران»، قائلة إنه «ليس من المعقول أن تراود 4 مؤلفين نفس الفكرة».

وهو ما يتفق معه الناقد أندرو محسن مستبعداً أن يكون هذا التكرار توارد خواطر بين المؤلفين، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن مسلسلات كثيرة تناولت هذه القضية بشكل مبالغ فيه، لكن الأبرز نجاحاً مسلسل «اتنين غيرنا» لأنه طرح فكرة الانفصال والزواج الثاني بشكل رومانسي، وعلى النقيض لم يكن «كان ياما كان» موفقاً، بينما كانت أحداث «المتر سمير» و«بابا وماما جيران» بها جوانب كثيرة متوقعة.

أفضل 5 أعمال

فيما أكد الناقد طارق الشناوي أن الموسم الرمضاني كان متنوعاً بشكل كبير رغم غياب الأعمال التاريخية، واختار أهم 5 أعمال بالموسم وفق تقديره. وهي «نرجس»، «صحاب الأرض»، «عين سحرية»، «عرض وطلب»، «اتنين غيرنا»، لإبداع مخرجيها وتميز الكتابة والأداء، عاداً سامح علاء مخرج «حكاية نرجس» مفاجأة هذا العام في أول مسلسل يخرجه بعد أن حاز من قبل على السعفة الذهبية بمهرجان «كان» عن فيلمه القصير «16» والمؤلف عمار صبري الذي كتب المسلسل، كما كتب أيضاً «صحاب الأرض».

لقطة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

وعن المسلسلات الطويلة، قالت خير الله إنها «تنافست على المط والتطويل وافتعال مواقف لاستكمال أحداثها، كما في مسلسل (على قدر الحب) لنيللي كريم، الذي اتضحت أزمته من الحلقات الأولى. والتمثيل به لم يكن جيداً»، كما ترى أنه «لا يوجد عمل كوميدي بارز هذا العام، وهناك فقر شديد في الكوميديا».

فيما وصف الناقد أندرو محسن الموسم الرمضاني هذا العام بأنه «ضعيف»، معتبراً أن الأزمة الكبيرة تكمن في تكرار الأفكار، وفي استمرار تصوير المسلسلات على الهواء خلال عرضها، ما يؤثر سلباً على مستواها.

لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

واعتبر أن عدداً من الفنانين قاموا بمغامرات غير محسوبة، على غرار محمد فراج في «أب ولكن»، ونيللي كريم في «على قدر الحب»، وماجد الكدواني في «كان ياما كان».

وتوقف محسن عند 3 مسلسلات عدّها الأفضل هذا الموسم، وهي «عين سحرية»، و«عرض وطلب»، و«حكاية نرجس»، كما أشاد بمسلسل «صحاب الأرض»، مؤكداً أنه مهم على مستوى الموضوع والصناعة والإنتاج، لافتاً لتميز مخرجين في أول أعمالهما الدرامية، وهما سامح علاء في مسلسل «حكاية نرجس»، وعمرو موسى في «عرض وطلب».

وأشاد الشناوي بأداء ريهام عبد الغفور في «حكاية نرجس»، وسلمى أبو ضيف ودينا الشربيني، والفنانين عصام عمر وباسم سمرة وحمزة العيلي وآسر ياسين، بجانب فنانات برعن في الأدوار الثانية، في مقدمتهن سماح أنور، وتساءل عن سبب تكرار أحمد العوضي لثيمة البطل الشعبي... هل ستكون لديه القدرة على الانتقال لدائرة أخرى؟

وقارنت ماجدة خير الله بين تناول البيئة الشعبية على غير الحقيقة في مسلسلات اعتمدت على الصراخ، مثل «علي كلاي»، وبين طرحها في «حكاية نرجس» في بيئة شعبية، لتكشف الفرق بين المعالجات الراقية والمفتعلة، حسبما تقول. وأبدت خير الله دهشتها لعدم وجود عمل مخصص للأطفال على غرار «بكار» و«بوجي وطمطم».

وعَدّ أندرو محسن هذا الموسم أضعف من سابقه، قائلاً: «إن المسلسلات الضعيفة، عددها أكبر، ومشاكلها أكثر»، لافتاً إلى أن «المشكلة في المنظومة الكاملة للصناعة التي تتطلب إعادة نظر في الكتابة واختيار الموضوعات ومعالجة الأفكار وفي الكم الإنتاجي الذي يأتي أحياناً على حساب الكيف».

وطالب الشناوي بعض النجوم المصريين بتغيير البوصلة، على غرار ياسمين عبد العزيز التي يجب أن تمتلك إرادة تغيير فريق العمل، فهي أمامها ألغام درامية متعددة، وكذلك عمرو سعد الذي يتوقع له أن يغير من الدراما الشعبية التي اعتاد تقديمها، مشيراً إلى أن نيللي كريم كأنها لم تكن في «على قدر الحب».

عمرو سعد يحتفي بانتهاء تصوير مسلسل «إفراج» (الشركة المنتجة)

وحدّد الناقد محمود عبد الشكور أبرز أعمال رمضان لهذا العام، عبر حسابه على «فيسبوك»، التي تصدرها مسلسل «حكاية نرجس»، مشيداً بالأداء اللافت لبطلته ريهام عبد الغفور، ومؤكداً أن أداءها شخصية البطلة بكل ما تمثله من شرّ يثبت أن الممثل ذا الوجه الجميل والبريء وصاحب التكنيك العالي هو الأنسب من غيره لأدوار الشر. كما اختار مسلسل «صحاب الأرض» من بين أهم أعمال الموسم، إذ وصفه بأنه «عمل كبير حقاً يليق بأهل غزة وتضحياتهم ويمثل علامة مهمة في تاريخ الدراما المصرية».

وأشار عبد الشكور إلى أن موهبة سلمى أبو ضيف في «عرض وطلب» منحت شخصية «هبة» بطلة المسلسل كل تفاصيلها الإنسانية دون ذرة مبالغة أو افتعال، عاداً «عين سحرية» من أجمل مسلسلات الموسم، حيث يقدم شخصيات مركبة، طارحاً الحكاية عبر نظرة معمقة للفساد خلف الصور اللامعة، مؤكداً على تميز العمل كتابة وتنفيذاً وفكراً وفناً وأداءً.


«منافسة خجولة» في موسم عيد الفطر السينمائي بمصر

أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)
أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

«منافسة خجولة» في موسم عيد الفطر السينمائي بمصر

أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)
أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)

يشهد موسم عيد الفطر السينمائي في مصر منافسة خجولة؛ إذ تُعرض فيه 4 أفلام جديدة فقط، من بينها فيلمان كوميديان هما «فاميلي بيزنس» و«برشامة»، بجانب فيلمَي «إيجي بست» و«سفّاح التجمع»، وتنضم الأفلام الأربعة للمنافسة على إيرادات «شباك التذاكر»، بجانب عدد آخر من الأفلام التي ما زالت تُعرض من مواسم سابقة.

وكان فيلم «برشامة»، بطولة هشام ماجد، وريهام عبد الغفور، ومصطفى غريب، وباسم سمرة، وحاتم صلاح، وإخراج خالد دياب، في مقدمة الأفلام التي طُرحت في موسم العيد، وحظي الفيلم الذي تدور أحداثه في إطار كوميدي على تقييمات إيجابية على مستوى النقاد.

وتدور أحداث «برشامة» حول الغش في لجنة امتحانات لعدد من طلاب الثانوية العامة (منازل) من خلال مفارقات ومواقف كوميدية، وقال هشام ماجد على هامش العرض الخاص للفيلم إن «تصوير عدد كبير من المشاهد في (لوكيشن) واحد كان مهمة صعبة للمخرج».

ويعود الفنان محمد سعد للمنافسة السينمائية للعام الثاني على التوالي بفيلم «فاميلي بيزنس»، وذلك بعدما شارك العام الماضي بفيلم «الدشاش»، بعد غيابه عن الساحة لنحو 6 سنوات. ويشارك في بطولة فيلمه الجديد غادة عادل، ودنيا سامي، وهيدي كرم، وهو من إخراج وائل إحسان. وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول أسرة تعيش على السرقة، لكن عندما تقترب من السجن تغير مسارها لسرقة من نوع آخر.

الملصق الترويجي لفيلم «سفّاح التجمع» (الشركة المنتجة)

الناقدة الفنية المصرية حنان شومان، أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن عدد أفلام موسم «عيد الفطر» هذا العام ضعيف جداً بالمقارنة بسنوات سابقة، مضيفة أن «موسمَي (الفطر) و(الأضحى) تحديداً من أكبر المواسم استقبالاً للعروض السينمائية».

وترى حنان شومان أن «الحالة الاقتصادية» ربما أثرت على عدد الأفلام، خوفاً من ضعف الإيرادات، خصوصاً مع ارتفاع أسعار تذاكر السينما، والتي باتت تمثل عبئاً على بعض الأسر، إلى جانب تخبط السوق السينمائية بالمقارنة مع ازدهار السوق الدرامية على مدار العام في مصر.

وعن سيطرة الكوميديا في العيد، أوضحت حنان شومان أن «الكوميديا» صاحبة «الصوت العالي» في موسم «عيد الفطر» دائماً، لتوازن بين الجرعة الفنية، والأمور الحياتية اليومية الرمضانية، لافتة إلى أن «الناس بحاجة دائماً إلى الضحك والترفيه».

محمد سعد يعود للمنافسة عبر «فاميلي بيزنس» (الشركة المنتجة)

وفي السياق، احتفل صنّاع فيلم «إيجي بست» في إحدى دور العرض السينمائي بـ«وسط البلد»، بالعرض الخاص بحضور الجمهور. الفيلم تأليف أحمد حسني، وإخراج مروان عبد المنعم، ويتصدر بطولته أحمد مالك، وسلمى أبو ضيف، ومغني الراب المصري مروان بابلو الذي يخوض أولى تجاربه في عالم التمثيل.

«إيجي بست» تدور أحداثه حول المنصة الشهيرة التي حملت الاسم نفسه والتي تم حجبها قبل سنوات، بعدما تحدت حقوق الملكية الفكرية، وقوانين صناعة السينما، وفق صنّاع الفيلم الذين طرحوا القضية في قالب درامي.

بوستر «إيجي بست» (الشركة المنتجة)

وينافس كذلك فيلم «سفّاح التجمع»، وهو الفيلم الوحيد خلال موسم «عيد الفطر» الذي تدور أحداثه في عالم «الجريمة والإثارة». والفيلم مستوحى من أحداث حقيقية، من خلال شخصية تدعى «كريم»، المعروف إعلامياً بـ«سفّاح التجمع»؛ إذ اشتهر بهذا اللقب بعد قيامه بقتل عدد من السيدات، وإلقاء جثثهن في مناطق صحراوية، حسب التحريات واعترافات المتهم أمام جهات التحقيق، وأثارت قضيته الرأي العام في مصر. والعمل من تأليف وإخراج محمد صلاح العزب.

ريهام عبد الغفور تتوسط المخرج خالد دياب والفنان هشام ماجد في العرض الخاص لفيلم «برشامة» (حسابها على «فيسبوك»)

وعلقت الناقدة الفنية المصرية صفاء الليثي على تصدر «الكوميديا» في موسم العيد، موضحة أن تشبّع الناس من الموسم الدرامي الرمضاني وراء ذلك، وأن «(الكوميديا) ليست نقيصة، فالمهم الكتابة والإخراج، والابتعاد عن الإفيهات واللزمات المتجاوزة».

وعن رأيها في عدد الأفلام المعروضة، أكدت صفاء الليثي لـ«الشرق الأوسط» أن «تزامن عيد الفطر مع موسم الامتحانات، وانشغال الناس بالتحضيرات، ربما كان وراء مراعاة ذلك من قبل بعض المنتجين».

ويُعرض حالياً في السينمات المصرية حسب التصدر في قائمة إيرادات «شباك التذاكر»، وفق بيان الموزع السينمائي المصري محمود الدفراوي، أفلام «إن غاب القط»، و«طلقني»، و«جوازة ولا جنازة»، و«ولنا في الخيال حب».