صفقات ترمب تثير القلق داخل «دويتشه بنك»

صورة أرشيفية لرئيس دويتشه بنك (أ.ب)
صورة أرشيفية لرئيس دويتشه بنك (أ.ب)
TT

صفقات ترمب تثير القلق داخل «دويتشه بنك»

صورة أرشيفية لرئيس دويتشه بنك (أ.ب)
صورة أرشيفية لرئيس دويتشه بنك (أ.ب)

أوصى متخصصون بمجال مكافحة غسل الأموال داخل «دويتشه بنك» عامي 2016 و2017 بضرورة إخطار مؤسسة رقابية فيدرالية معنية بمكافحة الجرائم المالية بصفقات عدة اتخذتها مؤسسات قانونية يديرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوج ابنته جاريد كوشنر.
كانت هذه الصفقات، التي شاركت في بعضها مؤسسته التي انحلت الآن، قد أثارت أجراس الإنذار داخل نظام كومبيوتري مصمم لرصد نشاطات غير قانونية، تبعاً لما ذكره خمسة موظفين حاليين وسابقين في البنك. وأعد الموظفون، المعنيون بالالتزام بالتنظيمات القانونية والذين تولوا مراجعة الصفقات، بعد ذلك تقارير حول ما وصف بأنه نشاطات مريبة رأوا أنه ينبغي إرسالها إلى وحدة داخل وزارة الخزانة تتولى جهود التصدي للجرائم المالية.
إلا أن مسؤولين تنفيذيين داخل «دويتشه بنك»، الذي أقرض مليارات الدولارات إلى شركات تتبع ترمب وكوشنر، رفضوا الأخذ بنصيحة موظفيهم. وعليه، لم يجر رفع التقارير إلى الحكومة قط.
ولم تتضح طبيعة الصفقات المعنية، لكن بعضاً منها على الأقل تضمن أموالا متدفقة ذهاباً وإياباً مع كيانات أو أفراد بالخارج، الأمر الذي اعتبره موظفو البنك أمراً يثير الريبة.
جدير بالذكر أن العاملين بمجال المقاولات العقارية، مثل ترمب وكوشنر، أحياناً ما يبرمون صفقات ضخمة تتضمن مبالغ نقدية هائلة، بما في ذلك مع أشخاص خارج الولايات المتحدة، ومن الممكن أن تثير أي من هذه الصفقات مراجعات من جانب الجهات المعنية بمكافحة غسل الأموال. ولا يعني أن يشعر موظفون بالريبة تجاه صفقة ما، وينبهون المسؤولين التنفيذيين تجاهها، بالضرورة أن الصفقة بها ما يخالف القانون، ذلك أنه في بعض الأحيان تختار البنوك عدم رفع تقارير عن نشاطات مريبة إلى جهات حكومية، إذا ما خلصت إلى أن شكوك موظفيها غير مبررة.
إلا أن موظفين سابقين في «دويتشه بنك» قالوا إن قرار عدم إخطار السلطات الفيدرالية بخصوص صفقات ترمب وكوشنر عكس توجهاً عاماً من جانب البنك تجاه قوانين مكافحة غسل الأموال يتسم بالتراخي. وقال الموظفون، الذين اشترط معظمهم عدم كشف هويتهم كي يحتفظوا بقدرتهم على العمل في الصناعة المصرفية، إن هذه القرارات كانت جزءاً من نمط تصرف متكرر من جانب المسؤولين التنفيذيين بالبنك، الذين يرفضون تقارير مشروعة لحماية علاقات البنك بعملاء كبار يدرون كثيراً من الأرباح عليه.
وفي هذا الصدد، قالت تامي مكفادين، خبيرة سابقة بمجال مكافحة غسل الأموال داخل «دويتشه بنك» تولت مراجعة بعض الصفقات المشار إليها: «نقدم لهم كل شيء، ونقدم إليهم توصية، ولا يحدث شيء».
وذكرت مكفادين أنه صدر قرار بإنهاء عملها مع البنك العام الماضي، بعدما دقت أجراس الإنذار إزاء بعض ممارسات البنك. ومنذ ذلك الحين، تقدمت بشكاوى لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية وجهات تنظيمية أخرى بخصوص مدى التزام البنك بتطبيق تنظيمات مكافحة غسل الأموال.

مؤسسة ترمب تنفي
من جهتها، قالت كيري مكيو، المتحدثة الرسمية باسم البنك، إنه كثف جهوده لمكافحة الجرائم المالية، وأضافت أن برنامجاً فاعلاً لمكافحة غسل الأموال «يتطلب تكنولوجيا مراقبة الصفقات، ومجموعة مدربة من الأفراد بإمكانهم تحليل النقاط التي دفعت النظام التكنولوجي لإطلاق الإنذار على نحو شامل وفاعل».
وأضافت: «لم يحدث أن منع محقق ما من تصعيد الإجراءات ضد نشاط جرى النظر إليه باعتباره قد يكون مريباً. علاوة على ذلك، فإن التلميح بأن أي شخص جرت إعادة تعيينه أو فصله من العمل للتغطية على أي مخاوف مرتبطة بعميل ما كاذبة، شكلاً وموضوعاً».
على الجانب الآخر، قالت أماندا ميلر، المتحدثة الرسمية باسم «مؤسسة ترمب»، كيان مظلي يضم كثيراً من الشركات المملوكة لآل ترمب: «ليس لدينا علم بأي صفقات أثارت القلق لدى (دويتشه بنك)»، مضيفة أن «مؤسسة ترمب» في الوقت الحالي «ليس لديها أي حسابات عاملة لدى (دويتشه بنك)». إلا أنها لم تجب لدى سؤالها حول ما إذا كانت هناك مؤسسات أخرى تتبع ترمب لديها حسابات فاعلة في البنك.
وقالت كارين زابارسكي، المتحدثة باسم «كوشنر كو»: «أي مزاعم حول علاقة دويتشه بنك و(كوشنر كمبانيز)، تتضمن ادعاءات بحدوث غسل أموال، مختلقة وكاذبة تماماً. وما تزال (نيويورك تايمز) مستمرة في خلق ادعاءات غير مترابطة».
ويأتي قرار «دويتشه بنك» بعدم الإبلاغ عن صفقات تخص ترمب وزوج ابنته بمثابة الحلقة الأحدث في علاقة طويلة ومعقدة بين آل ترمب والبنك الألماني الذي يعتبر المؤسسة المالية الوحيدة المنتمية للتيار الرئيسي التي تبدي دوماً استعدادها للتعاون مع ترمب.
وفي الوقت الحالي، تعكف هيئات تتبع الكونغرس، وأخرى تتبع الدولة، على التحقيق في العلاقة بين الجانبين، وقد طالبت البنك بالكشف عن سجلات تخص الرئيس وأسرته والشركات الخاصة بهما. كما تسعى مذكرتان صدرتا عن لجنتين تابعتين لمجلس النواب إلى الكشف عن وثائق تتعلق بأي نشاطات مريبة جرى رصدها في الحسابات البنكية والتجارية الخاصة بترمب منذ عام 2010، تبعاً لما ورد بنسخة من مذكرة متضمنة في ملف دعوى أمام محكمة فيدرالية.
كان ترمب وأسرته قد تقدموا بدعوى قضائية ضد «دويتشه بنك» في أبريل (نيسان)، سعياً لمنعه من الالتزام بالمذكرتين الصادرتين عن الكونغرس. ووصف محامو الرئيس المذكرتين بأن خلفهما دوافع سياسية.

التقرير تعرض للقتل
جدير بالذكر أن الإبلاغ عن النشاطات المريبة يقع في قلب جهود الحكومة الفيدرالية لرصد النشاطات الإجرامية، مثل غسل الأموال والصفقات التي تشكل انتهاكاً للقانون. إلا أن التنظيمات الحكومية تمنح البنوك حرية اختيار الصفقات التي يمكنها الإبلاغ عنها إلى شبكة الإنفاذ المعنية بالجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة.
يذكر أن جهات الإقراض عادة ما تتبع توجهاً يتكون من خطوات مختلفة في رصد النشاطات غير المقبولة. وتتمثل الخطوة الأولى في تصفية آلاف الصفقات والتعاملات بالاعتماد على برامج كومبيوتر، التي تبعث بالصفقات التي تعتبرها مريبة على نحو محتمل إلى موظفين من المستويات الإدارية المتوسطة لمراجعتها بصورة مفصلة. وبإمكان هؤلاء الموظفين اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان عليهم وضع تقرير بخصوص وجود نشاط مريب، لكن القرار الأخير بخصوص ما إذا كان ينبغي رفع التقرير إلى وزارة الخزانة غالباً ما يجري اتخاذه من جانب مديرين على مستوى إداري أعلى.
وفي صيف 2016، أطلق البرنامج الإلكتروني داخل «دويتشه بنك» الإنذار بخصوص سلسلة من الصفقات، تتضمن الشركة العقارية التابعة لكوشنر الذي أصبح اليوم مستشاراً رفيع المستوى بالبيت الأبيض.
وقالت مكفادين التي تعمل منذ فترة طويلة خبيرة بمجال مكافحة غسل الأموال في مكتب جاكسون فيل، التابع لـ«دويتشه بنك»، إنها تولت مراجعة الصفقات، ووجدت أن أموالاً انتقلت من شركة كوشنر إلى أشخاص روس. وخلصت إلى أن هذه الصفقات ينبغي إخطار الحكومة بشأنها لأسباب منها أن الجهات التنظيمية الفيدرالية سبق أن أمرت «دويتشه بنك»، الذي ضبط متورطاً في غسل مليارات الدولارات لحساب روس، بتشديد إجراءات المراقبة على الصفقات التي ربما تكون غير قانونية. وبالفعل، وضعت مكفادين مسودة تقرير عن النشاط المشبوه الذي رصدته، وأرفقت به عدداً من الوثائق الداعمة لقرارها.
وفي العادة، تجري مراجعة مثل هذا القرار من جانب فريق من الخبراء المعنيين بمكافحة غسل الأموال، يتميزون بالاستقلالية عن الخط التجاري الذي جاءت منه الصفقات، في هذه الحالة قسم الصرافة الخاصة، تبعاً لما ذكرته مكفادين واثنين من المديرين السابقين في البنك.
إلا أن هذا لم يحدث مع هذا التقرير، وإنما جرى توجيهه إلى مديرين في نيويورك كانوا جزءاً من البنك الخاص الذي يتولى رعاية مصالح العملاء بالغي الثراء. وخلص هؤلاء إلى أن مخاوف مكفادين لا أساس لها، وقرروا عدم رفع تقرير إلى الحكومة، حسبما ذكره موظفون في البنك.
وقالت مكفادين وبعض من زملائها إنهم يعتقدون أن التقرير تعرض للقتل للحفاظ على العلاقة القوية بين قسم المصرف الخاص وكوشنر.
وبعد أن أصبح ترمب رئيساً، جرت مراجعة الصفقات المتعلقة به وبشركاته من جانب فريق لمكافحة الجرائم المالية في البنك، يطلق عليه «وحدة التحقيقات الخاصة». وأصدر هذا الفريق الذي يوجد مقره في جاكسون فيل عدة تقارير بخصوص صفقات مريبة، تتضمن كيانات مختلفة يملكها ترمب أو يسيطر عليها، تبعاً لما ذكره ثلاثة موظفين سابقين لدى «دويتشه بنك» اطلعوا على التقارير عبر نظام الكومبيوتر الداخلي.
وتضمنت بعض هذه التقارير شركات محدودة المسؤولية تملكها «دونالد جيه. ترمب فاونديشن»، حسبما ذكر اثنين من الموظفين.
وفي نهاية الأمر، اختار «دويتشه بنك» عدم الإبلاغ عن هذه الصفقات المريبة هي الأخرى لدى وزارة الخزانة. وقال الموظفون إنه كان من غير المألوف أن يرفض البنك سلسلة من التقارير المتعلقة بذات العميل رفيع المستوى.

علاقة قديمة من التعاون
جدير بالذكر أن علاقة ترمب بـ«دويتشه بنك» تمتد إلى عقدين. وخلال فترة، توقفت غالبية بنوك وول ستريت عن التعاون معه بسبب إشهاره إفلاسه على نحو متكرر، أقرض «دويتشه بنك» ترمب وشركاته إجمالياً يفوق 2.5 مليار دولار. ومن بين المشروعات التي تولى قسم المصرف الخاص تمويلها منتجع «دوال غولف» الذي يملكه ترمب قرب ميامي، وتم تحويل مبنى مكتب البريد القديم في واشنطن إلى فندق فاخر.
وعندما أصبح ترمب رئيساً، كان يدين لـ«دويتشه بنك» بأكثر من 300 مليون دولار، مما جعل من البنك الألماني أكبر جهة دائنة لترمب.
وشعر مسؤولون تنفيذيون رفيعو المستوى من أنه حال اتخاذهم موقفاً صارماً تجاه حسابات ترمب، مثلاً من خلال المطالبة بسداد قرض متأخر، فإنهم بذلك قد يثيروا غضب الرئيس. على الجانب الآخر، إذا لم يحركوا ساكناً، فإن البنك قد يبدو متساهلاً إزاء ترمب الذي تسيطر إدارته على سلطات تنظيمية على البنك.
جدير بالذكر أنه خلال السنوات القليلة الماضية، عاقبت سلطات تتبع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي «دويتشه بنك» لمعاونته عملاء، بينهم روس أثرياء، في غسل أموال ونقلها إلى داخل دول مثل إيران على نحو يخرق العقوبات الأميركية. وقد دفع البنك مئات الملايين من الدولارات كعقوبة، ويعمل في ظل أمر صادر له من بنك الاحتياطي الفيدرالي لبذل مزيد من الجهد لوقف النشاطات غير القانونية.
من ناحية أخرى، يضم مكتب جاكسون فيل، التابع لـ«دويتشه بنك»، آلاف الموظفين الذين يعكفون على تفحص العملاء والصفقات. وقال ستة موظفين حاليين وسابقين بالمكتب إن الصفقات المرتبطة بآل ترمب تثير قلقاً عميقاً.
وقال الموظفون إنه جرى الضغط على الموظفين المعنيين بمكافحة غسل الأموال كي يمروا سريعاً عبر الصفقات لتقييم ما إذا كانت مريبة. وعليه، فإنهم غالباً ما يقعون في أخطاء على جانب عدم الإبلاغ.
وذكر اثنان من الموظفين السابقين أنهما نبها إلى صفقات تتضمن شركات يملكها روس بارزون، لكن مديري البنك أخبروهم بعدم كتابة تقارير عن وجود نشاطات مريبة. وشعر الموظفان بأن البنك لا يرغب في إثارة ضيق عملاء مهمين.
وقال كثير من الموظفين إنهم اشتكوا من العمليات المعنية بمكافحة غسل الأموال داخل البنك إلى جوشوا بليزر، رئيس قسم التحقيقات في الجرائم المالية داخل «دويتشه بنك» في جاكسون فيل، وتعرضوا للانتقاد باعتبار أنهم يتبعون توجهاً سلبياً. وقالت واحدة من الموظفات إنها استقالت الصيف الماضي لأنها شعرت بالقلق إزاء الجانب الأخلاقي لعمل البنك.
أما بليزر، الذي استعان به البنك عام 2017 لتعزيز جهاز مكافحة الجرائم المالية لديه، فرفض التعليق.
ومن ناحيتها، كانت وظيفة مكفادين في «دويتشه بنك» فحص العملاء والصفقات المرتبطة بقسم المصرف الخاص، الوحدة التي تقرض ترمب المال. وكانت مكفادين قد انضمت للعمل في البنك عام 2008، بعد أن عملت في «بنك أوف أميركا»، أيضاً في جاكسون فيل.
ورحلت مكفادين عن «بنك أوف أميركا» عام 2005، وتقدمت بدعوى قضائية ضده في وقت لاحق بسبب التمييز العرقي، وإنهاء خدمتها على نحو ظالم. وتبعاً لسجلات المحكمة، جرت تسوية قضيتها بناءً على بنود غير معلنة في العام ذاته الذي التحقت خلاله بالعمل لدى «دويتشه بنك»، حيث فازت بكثير من جوائز الأداء.
وقالت مكفادين إنه في الفترة التي نبهت خلالها إلى صفقات شركة كوشنر، اشتكت كذلك من الأسلوب العام لفحص البنك لحسابات العملاء رفيعي المستوى، مثل أولئك الذين يتقلدون مناصب رسمية. وجرى النظر إلى هؤلاء العملاء باعتبارهم ينطوون على مخاطرة أكبر، من حيث التورط في الفساد. وعليه، خضعت حساباتهم لفحص إضافي.
وقالت مكفادين إنها أخبرت رؤسائها بأن العشرات من هؤلاء العملاء في قسم المصرف الخاص، وبينهم ترمب وأفراد أسرته، لا يخضعون لهذا الفحص الإضافي. إلا أن رؤسائها أخبروها بالتوقف عن إثارة الأسئلة، تبعاً لما ذكرته مكفادين واثنين من المديرين السابقين بالبنك.
وبعد أن نقلت شكواها إلى قسم الموارد البشرية، جرى نقل مكفادين إلى قسم آخر، وأنهي عملها لدى البنك في أبريل (نيسان) 2018، وأخبرها البنك بأنها لا تتولى معالجة عدد كاف من الصفقات.
وقد اعترضت مكفادين على ذلك، وقالت إن رؤساءها قلصوا عدد الصفقات التي يتعين عليها مراجعتها بعد إعلانها عن قلقها بخصوص صفقات ترمب وأقاربه. وقالت هي واثنين من المديرين السابقين بالبنك إنهم يرون قرار إنهاء خدمتها كإجراء انتقامي منها.
وقالت: «لقد حاولوا إسكاتي. واليوم، أشعر بالسلام لأني فعلت الصواب».
- خدمة «نيويورك تايمز»



من نشوة الذكاء الاصطناعي إلى ذعر الأسواق... ماذا حدث في «وول ستريت»؟

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

من نشوة الذكاء الاصطناعي إلى ذعر الأسواق... ماذا حدث في «وول ستريت»؟

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة نيويورك (رويترز)

لم تكن موجة الهبوط العنيفة التي ضربت «وول ستريت» مجرد رد فعل عابر على نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية؛ بل كشفت عن تصدعات في الرهان الأكبر الذي قاد صعود الأسهم خلال العام الحالي: طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؛ فبعد أشهر من الارتفاعات القياسية، وجد المستثمرون أنفسهم أمام تساؤلات متزايدة بشأن قدرة شركات التكنولوجيا على تحقيق عوائد تبرر إنفاقها الضخم، في وقت باتت فيه التكاليف التمويلية والضغوط السياسية تهدد بإبطاء التوسع في البنية التحتية لهذه التكنولوجيا.

ووفقاً لتحليل نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، محا الهبوط نحو 3.2 تريليون دولار من القيمة السوقية للأسهم الأميركية في جلسة واحدة، بعدما تحوّل فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي إلى شرارة أشعلت موجة بيع واسعة، في سوق كانت تعاني أصلاً من تراكم مراكز استثمارية ضخمة ومخاوف متزايدة بشأن تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي.

وكان مؤشر «ناسداك 100»، المثقل بأسهم التكنولوجيا، قد هبط بأكثر من 6 في المائة الخميس، قبل أن يسترد جزءاً من خسائره في جلسة الجمعة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً 4.9 في المائة.

ولم يكن العامل السياسي وحده وراء هذا التحول؛ فقد تزايدت مخاوف المستثمرين من أن يؤدي صعود الديمقراطيين إلى تشديد القيود على إنشاء مراكز البيانات، سواء على المستوى الفيدرالي أو في الولايات، بما يهدد خطط التوسع التي تستند إليها توقعات نمو شركات التكنولوجيا. وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع تقديرات بوصول الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى تريليون دولار خلال العام المقبل.

متداول يعمل في بورصة نيويورك وخلفه شاشات تعرض تحرك الأسهم (أ.ب)

ونقلت الصحيفة عن لودوفيك سوبرا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أليانز» الألمانية، أن نتائج الانتخابات أنهت افتراض أن قطاع الذكاء الاصطناعي سيحصل على تمويل مفتوح بلا قيود، مشيراً إلى أن الأسواق بدأت تدرك أن توقعات النمو غير المحدود لا تصلح وحدها أساساً لتقييم الشركات.

وتزامن ذلك مع ضغوط مالية كانت تتراكم قبل الانتخابات؛ فقد أثارت نتائج الربع الثالث تساؤلات بشأن التوازن بين الإنفاق الرأسمالي الهائل لشركات التكنولوجيا الكبرى، ونمو إيرادات أنشطتها الأساسية، بينما غذّت خسائر أدوات الدين المرتبطة بشركات متخصصة في توفير البنية التحتية السحابية مخاوف من اتساع مشكلات التمويل في القطاع.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تكن ترفع أسعار الأسهم من خلال أرباح شركات تصنيع الرقائق والمعدات ومراكز البيانات فحسب؛ بل كانت تعزز أيضاً توقعات النمو الاقتصادي الأميركي. وبالتالي، فإن أي تباطؤ في الإنفاق قد يضغط في الوقت نفسه على أرباح الشركات وعلى التوقعات الاقتصادية، بما يضعف أحد أبرز محركات صعود الأسواق.

انسحاب المستثمرين يضخم الخسائر

لكن ما حوّل المخاوف إلى موجة بيع واسعة كان التراجع المتزامن للمستثمرين الأفراد وصناديق التحوط عن مراكزهم في الأسهم؛ فبعد أن اعتاد المستثمرون الأفراد شراء الأسهم عند كل تراجع سعري، سجلوا هذه المرة عمليات بيع صافية في الأسهم الفردية بلغت 388 مليون دولار خلال أول ساعتين من التداول الخميس، وفق بيانات «فاندا ريسيرش».

ومع تسارع الهبوط، اضطرت صناديق التحوط إلى تقليص مراكزها الاستثمارية الممولة بالاقتراض، في عملية تعرف في الأسواق باسم خفض الرافعة المالية، بهدف الحد من المخاطر وتوفير السيولة. وأدى هذا الانسحاب المتزامن إلى زيادة ضغوط البيع، بعدما تحولت المراكز الاستثمارية التي عززت المكاسب خلال فترة الصعود إلى مصدر إضافي للخسائر.

وأبلغ «جي بي مورغان» عملاءه بأن الخميس كان أسوأ يوم لصناديق التحوط من حيث الخسائر اليومية منذ تداعيات الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أبريل (نيسان) من العام الماضي، مشيراً إلى أن تقليص الصناديق لاقتراضها وخروجها من المراكز الاستثمارية بلغ أقوى مستوياته خلال فترة 20 يوماً منذ موجة البيع التي صاحبت جائحة «كوفيد-19».

وفي مؤشر إضافي إلى عمق الاضطراب، أعلنت مجموعة «والي» لصناديق التحوط إغلاق جزء من أنشطة الاستثمار في الأسهم وإعادة بعض الأموال إلى المستثمرين.

هل انتهت طفرة الذكاء الاصطناعي؟

رغم الارتداد الجزئي لأسهم التكنولوجيا الجمعة، لا يزال المستثمرون منقسمين بشأن ما إذا كانت موجة البيع تمثل تصحيحاً مؤقتاً للمراكز الاستثمارية المزدحمة، أم بداية تحول أعمق في تقييم آفاق الذكاء الاصطناعي؛ فبعضهم يرى أن المخاوف السياسية مبالغ فيها، خصوصاً أن كثيراً من مشروعات مراكز البيانات دخل بالفعل مرحلة الإنشاء، ما يجعل وقفها بالكامل أمراً مستبعداً. كما عززت بيانات الوظائف الأميركية هذه النظرة، بعدما أظهرت إضافة 165 ألف وظيفة في أكتوبر (تشرين الأول)، متجاوزة توقعات الأسواق.

لكن في المقابل، يرى مستثمرون أن الاضطراب الأخير قد يكون مؤشراً إلى بلوغ طفرة الذكاء الاصطناعي ذروتها، وأن الأسواق بدأت تعيد النظر في افتراضاتها بشأن حجم الإنفاق والعوائد المستقبلية.

تُعرض معلومات السوق على شاشة في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

وتنقل «فاينانشال تايمز» عن نيكيل سرينيفاسان، كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق «بنزايتن ماكرو»، اعتقاده بأن الأسواق قد تواصل التراجع، حتى لو شهدت ارتدادات مؤقتة خلال الفترة المقبلة، في إشارة إلى أن إعادة تقييم الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد لا تكون انتهت بعد.

ما التوقعات؟

على صعيد توقعات التداول، لا تبدو الأسواق مقبلة على استعادة سريعة للاستقرار مع بداية الأسبوع الجديد، رغم الارتداد الجزئي الذي سجلته أسهم التكنولوجيا في جلسة الجمعة. ونقلت «رويترز» عن محللين، أن عمليات التخلص من المراكز الاستثمارية المموّلة بالاقتراض قد تستمر، بما يبقي التقلبات مرتفعة، فيما لا تزال الأسئلة المتعلقة بتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي والعوائد المنتظرة منها دون إجابات واضحة.

وفي حين يرى بعض المستثمرين أن موجة البيع ربما تجاوزت حدودها، يحذّر آخرون من اعتبار التراجع قد بلغ نهايته، مشيرين إلى أن الأسواق لم تستوعب بعد التداعيات المحتملة للتحولات السياسية والتنظيمية في الولايات المتحدة.

وسيكون اختبار الأسواق الأبرز الثلاثاء، مع صدور بيانات التضخم الأميركية، التي قد تؤثر في توقعات أسعار الفائدة، خصوصاً أن العقود الآجلة كانت تسعّر احتمالاً بنحو 80 في المائة لرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في اجتماعه خلال ديسمبر (كانون الأول).

كما ستتجه الأنظار إلى نتائج «كور ويف»، المتخصصة في الحوسبة السحابية، و«أبلايد ماتيريالز» و«سيسكو»، للحصول على مؤشرات بشأن قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على مواصلة التوسع وتوفير التمويل اللازم لمشروعاتها.


تدفقات الأسهم العالمية تصمد أمام عاصفة الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
TT

تدفقات الأسهم العالمية تصمد أمام عاصفة الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض الأرقام النهائية بعد قرع جرس الإغلاق في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

رغم موجة التراجع الحادة التي ضربت أسواق الأسهم الأميركية والآسيوية على وقع المخاوف من تضخم استثمارات الذكاء الاصطناعي، وتداعيات التحولات السياسية في واشنطن، واصل المستثمرون ضخ أموالهم في صناديق الأسهم العالمية للأسبوع السابع على التوالي، في مفارقة تعكس استمرار شهية الاستثمار خارج بؤر الاضطراب، بالتزامن مع توجه متزايد نحو أدوات السيولة، والأصول الأكثر أماناً. ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي ليبر»، بلغت التدفقات الصافية إلى صناديق الأسهم العالمية 38.63 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) ، مسجلة أعلى مستوى أسبوعي منذ سبتمبر (أيلول).

وأبقى الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، في حين لمح الأخير إلى احتمال رفعها مجدداً في ديسمبر (كانون الأول).

واستقطبت صناديق الأسهم الأوروبية صافي تدفقات بقيمة 13.25 مليار دولار، وهو أكبر حجم من التدفقات الأسبوعية منذ 12 أغسطس (آب). كما جذبت صناديق الأسهم الآسيوية تدفقات صافية بلغت 8.34 مليار دولار.

وساهم تراجع أسعار النفط والغاز الطبيعي، التي كانت قد رفعت معدلات التضخم في أوروبا منذ اندلاع الحرب مع إيران، في تعزيز الطلب على الأسهم، والصناديق الاستثمارية الأوروبية. وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنحو 15.6 في المائة خلال الأسبوع.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة طفيفة بلغت 0.05 في المائة منذ بداية الأسبوع، رغم تراجع مؤشر «إم إس سي آي» العالمي لجميع الدول بنسبة 2.91 في المائة، وانخفض مؤشر «إم إس سي آي» لأسواق آسيا والمحيط الهادئ -باستثناء اليابان- بنسبة 4.69 في المائة.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

وفي المقابل، تراجع الطلب على صناديق قطاع التكنولوجيا إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع، مع تسجيلها صافي تدفقات داخلة أسبوعية بقيمة 623.61 مليون دولار. وفي قطاعي الرعاية الصحية والخدمات المالية، بلغت التدفقات الداخلة 1.33 مليار دولار و1.2 مليار دولار على التوالي.

وسجلت صناديق السندات العالمية صافي مشتريات بقيمة 9.91 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول). واستقطبت صناديق السندات الحكومية تدفقات بقيمة 3.07 مليار دولار، وهي الأعلى في أربعة أسابيع. كما سجلت صناديق السندات مرتفعة العائد، والسندات المقومة باليورو، والسندات قصيرة الأجل تدفقات داخلة بلغت 2.02 مليار دولار، وملياري دولار، و1.52 مليار دولار على التوالي.

أما صناديق أسواق النقد العالمية، فقد اجتذبت تدفقات ضخمة بلغت 172.71 مليار دولار، وهي الأكبر منذ أبريل (نيسان) 2020.

صناديق السلع الأولية

وفيما يتعلق بصناديق السلع الأولية، سجلت صناديق الذهب والمعادن النفيسة الأخرى تدفقات داخلة بقيمة 269.79 مليون دولار، ما عوّض جزئياً التدفقات الخارجة البالغة 1.54 مليار دولار في الأسبوع السابق. كذلك سجلت صناديق الطاقة تدفقات داخلة للأسبوع الثالث على التوالي، بلغت 327.31 مليون دولار.

وفي الأسواق الناشئة، سجلت صناديق الأسهم صافي مشتريات أسبوعية بقيمة 1.91 مليار دولار، للأسبوع الخامس على التوالي من التدفقات الداخلة. في المقابل، شهدت صناديق السندات تدفقات خارجة بقيمة 299.07 مليون دولار، وفقاً للبيانات التي شملت 29229 صندوقاً.

وعلى صعيد الولايات المتحدة، سجلت صناديق أسواق النقد أكبر تدفقات نقدية داخلة في ستة أشهر خلال الأسبوع المنتهي في 4 نوفمبر، مع تنامي الحذر قبيل انتخابات التجديد النصفي، وتصاعد المخاوف بشأن ارتفاع إنفاق شركات التكنولوجيا العملاقة على الذكاء الاصطناعي، واستنزافها للسيولة، ما عزز الطلب على الأصول الآمنة.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي ليبر» أن المستثمرين ضخّوا صافي 117.97 مليار دولار في صناديق أسواق النقد الأميركية خلال الأسبوع، وهو أكبر استثمار أسبوعي منذ 6 مايو (أيار).

صناديق الأسهم الأميركية

وفي المقابل، استقطبت صناديق الأسهم الأميركية صافي تدفقات داخلة بقيمة 14.81 مليار دولار، معوضة التدفقات الخارجة الصافية البالغة 6.54 مليار دولار في الأسبوع السابق، بدعم من تراجع أسعار الطاقة، وانخفاض عوائد سندات الخزانة عن مستوياتها المرتفعة المسجلة في أكتوبر.

وفاز الديمقراطيون بالسيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب في انتخابات التجديد النصفي الأميركية التي جرت الثلاثاء، ما أثار مخاوف من أن يؤدي تشديد الرقابة التنظيمية إلى الحد من التوسع السريع لقطاع الذكاء الاصطناعي.

وأثرت هذه المخاوف سلباً على الأسواق يوم الخميس، إذ تراجعت مؤشرات «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» الصناعي بنسبة 5.52 في المائة و4.36 في المائة و3.44 في المائة على التوالي.

وعلى مستوى فئات الأسهم الأميركية، اشترى المستثمرون صافي 10.35 مليار دولار من صناديق الشركات الكبرى، و1.64 مليار دولار من صناديق الأسهم متعددة الأحجام، و422.77 مليون دولار من صناديق الشركات الصغيرة، في حين سحبوا صافي 1.07 مليار دولار من صناديق الشركات المتوسطة.

صناديق التكنولوجيا

وسجلت صناديق التكنولوجيا والصناعة وخدمات الاتصالات تدفقات خارجة بلغت 160.23 مليون دولار و624.67 مليون دولار و965.68 مليون دولار على التوالي. في المقابل، استقطبت صناديق القطاعين المالي والصحي تدفقات داخلة بقيمة 1.3 مليار دولار و1.09 مليار دولار على التوالي.

كما سجلت صناديق السندات الأميركية تدفقات داخلة صافية بقيمة 7.31 مليار دولار، وهي الأعلى في أربعة أسابيع. واستقطبت صناديق الدخل الثابت -الخاضعة للضرائب المحلية العامة- وصناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة طويلة الأجل تدفقات داخلة بلغت 2.72 مليار دولار و2.66 مليار دولار على التوالي. كذلك اشترى المستثمرون ما قيمته 794.32 مليون دولار من صناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة قصيرة ومتوسطة الأجل.


صندوق النقد: تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي عامل جديد أمام البنوك المركزية

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد: تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي عامل جديد أمام البنوك المركزية

غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)
غورغييفا تتحدث خلال إحدى جلسات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، إن البنوك المركزية حول العالم ستحتاج إلى أخذ أي تباطؤ في النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي في الحسبان، لدى تقييم الخطوات اللازمة لمكافحة التضخم.

وأوضحت غورغييفا أن المخاوف بشأن الاعتماد على طفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وارتفاع تقييمات الشركات المرتبطة به، بدأت تؤثر في الأسواق حول العالم.

وقالت خلال فعالية في مقر صندوق النقد الدولي بواشنطن: «الأمور تشهد صعوداً وهبوطاً، ومن المرجح أن يستمر ذلك»، مضيفة أن التقلبات ستزيد من صعوبة مهمة البنوك المركزية، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد استقرار الأسعار.

وجاءت تصريحاتها غداة موجة هبوط حادة ضربت أسهم شركات التكنولوجيا، الخميس، وامتدت تداعياتها إلى الأسواق العالمية، وسط مخاوف من أن يؤدي فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، إلى تشديد الرقابة التنظيمية على الذكاء الاصطناعي وإبطاء التوسع في إنشاء مراكز البيانات، ما دفع المستثمرين إلى اللجوء إلى السندات باعتبارها ملاذاً أكثر أماناً.

وتأتي هذه المخاوف السياسية في وقت تواجه فيه الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ضغوطاً متزايدة، بسبب التساؤلات بشأن العوائد المحتملة من الإنفاق الضخم على البنية التحتية اللازمة لهذه التكنولوجيا. وأدت موجة التراجع الأخيرة إلى تفعيل طلبات تغطية الهامش، وأثارت قلق المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط.

وقالت غورغييفا إن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تدعم النمو الاقتصادي في بعض البلدان، وتساعد في تعويض الآثار السلبية لصدمة نقص إمدادات النفط الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه تزيد الضغوط التضخمية ومخاطر الاستقرار المالي.

وكان صندوق النقد قد حذّر الشهر الماضي، من مخاطر كبيرة تهدد النمو والاستقرار المالي إذا انتهت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مخاطر أخرى من بينها استمرار الحرب في الشرق الأوسط لفترة طويلة.

وأشار الصندوق حينها إلى أن التراجع الحاد في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى هبوط كبير في أسعار الأصول، بما قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1.1 في المائة بحلول عام 2028، بما في ذلك تراجع الناتج الأميركي بنسبة 1.8 في المائة.

ولم تكرر غورغييفا هذه التوقعات السلبية في تصريحاتها الجمعة، لكنها أقرت بتزايد التقلبات في الأسواق، وقالت إن «حدوث تباطؤ في الزخم الذي يوفره النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي، سيشكل عاملاً يتعين أخذه في الحسبان، بينما تقيّم البنوك المركزية الخطوات اللازمة لمواجهة التضخم المستعصي».

وفي سياق متصل، أفادت «رويترز»، الجمعة، بأن الديمقراطيين يعتزمون طرح حزمة واسعة من التشريعات الجديدة التي تستهدف أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطوير مراكز البيانات، فور توليهم السيطرة على الكونغرس الأميركي في يناير (كانون الثاني).

ويمثل ذلك تحولاً واضحاً عن نهج الكونغرس السابق الذي قاده الجمهوريون؛ إذ ركز المشرعون إلى حد كبير على تشجيع تطوير الذكاء الاصطناعي، وامتنعوا عن إقرار تشريعات تفرض قيوداً على هذه التكنولوجيا.