ماجد علي: أعشق كتب الطبخ... والعَجن يعدل مزاجي

صاحب أفضل مدونة لعام 2018

كيك العسل
كيك العسل
TT

ماجد علي: أعشق كتب الطبخ... والعَجن يعدل مزاجي

كيك العسل
كيك العسل

يحب الطهي في وضح النهار مكتفياً بأشعة الشمس المتسللة من النافذة؛ دون الحاجة إلى إضاءة المطبخ الذي لا تسمع فيه إلا صوتاً خافتاً لموسيقى كلاسيكية؛ في حين يتناثر بياض الطحين تاركاً توقيعاً جميلاً في فوضويته على مريول خباز إماراتي هاوٍ اسمه ماجد علي؛ منحت مجلة Saveurmag الأميركية مدونته لقب أفضل مدونة في المخبوزات والحلويات لعام 2018.
في مدونته The cinnaman تستمتع بالنظر إلى غرّيبة الليمون بالهيل والفستق فتناديك لتناولها مع الشاي وقت العصر؛ وقد تغريك فاكهة صيفية مثل البرقوق، كما أغرت ماجد لتحضير كعكة؛ ولن يكون مرورك عابراً بـكريم كراميل الموز بالهيل؛ ولو أنك تعلم مكانة الموز عند خبّازه!
يبدأ حديثه مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «نكهة هذه الفاكهة ارتبطت دائماً بطفولتي، إلا أن موهبتي بدأت بالبزوغ عندما تذوقت قطعة من خبز الموز، فعقدت العزم على تحضيره حتى أستعيد شيئاً من ذلك الزمن الجميل، ومن ثم أخذ حبي للمخبوزات في التدفق، حدث ذلك قبل 10 سنوات، ولم تكن هناك مدارس كثيرة متخصصة بالطبخ وعلى درجة عالية من الاحتراف؛ لذا لجأت إلى التعلم الذاتي بمشاهدة مقاطع الفيديو عبر الإنترنت والبحث في كتب الطبخ». ‎ما قبل عشرة أعوام لم يظهر لديه أي شغفٍ بالطبخ؛ إلا أنه كان في طفولته يحب الطعام كثيراً إلى درجة أن والديه وبخّاه مراراً؛ يبتسم ماجد وهو يلقي نظرة إلى تلك الأيام، ثم يقول: «كانت قائمتي المفضلة طويلة جداً تبدأ بكعكة البرتقال وكعكة مقلوبة الأناناس المُكَرمل؛ ويبدو أن الولع بالأكل كان مرحلة تمهيدية لوقوعي في حب الطبخ لاحقاً».
الطفولة مُلهمته الأولى؛ فتجربته مثلاً مع «خبز الملوح اليمني» استند فيه إلى ما تحمله ذاكراته عن أيام المدرسة الابتدائية عندما كان زميله اليمني يُحضر معه هذا الخبز برفقة العسل والحبة السوداء، فسُحِر ماجد برائحته. بعبارة أخرى، ذلك الإلهام البريء منبعٌ كريم يستنجد به في الكثير من وصفاته. عاشقٌ هو لكتب الطبخ... وقارئ نَهم لبطونها، ولا سيما المكتوبة باللغة الإنجليزية التي تزخر بالمعلومات القيّمة؛ منطلقاً منها نحو التطبيق وتجربة وصفات مختلفة أوصلته إلى ما هو عليه اليوم. ومما يلفت الانتباه أنه ينسب كل معلومة جديدة يتعلمها إلى أصحابها مع الإشادة بهم؛ كواحدة من الوصفات التي ذكر أنه أخذها من «العبقرية» - حسب وصفه - ستيلا باركس؛ وأخرى للخبازة مانويلا.
«إلى أين تُحلّق بك روح الخباز؟»، انبعث نورٌ من ابتسامة ماجد عندما رد على سؤالي: «إلى عالم آخر بعيد عن الواقع المؤلم الذي نعيشه؛ عندما أكون منزعجاً أو حزيناً أسارع إلى الخبز للترويح عن نفسي». وبلهجته الخليجية يضيف: «ما في أحلى من الخَبز والعَجن بعد يوم طويل؛ شَي يعدل المزاج، وبالأخّص يوم تطلع ناجحة».

إشباعٌ للروح أيضاً
يُعرّف ماجد علي عن نفسه بعبارة واحدة: «أعمل موظفاً حكومياً، وأشارك في عقد دورات وورش عمل تختص بالخبز».
ولعل أكبر إنجازٍ حققه بخوضه هذا الغمار؛ يتلخص في قوله: «أصبحت أعرف ما أريد، وأُقدّر ما أفعله، وأدرك قيمة نفسي؛ أيضاً لم أعد أجامل وأرضي الناس مثلما كنت». يستجمع ما تيسر له من كلمات تعبّر عن كُنه الجَمال الذي يلتصق بين أنامله: «ثمة شعور ساحر عندما أمزج المكونات مع بعضها بعضاً ثم أصبّها في قالب أو ما شابه ثم تكون النتيجة مختلفة تماماً عما بدأت به».
يستخدم ماجد مكونات في الحلويات من النادر استخدامها مثل إضافته الرُطب إلى الكوكيز؛ ويكنّ حباً كبيراً لفطيرة الفراولة الباردة مع الكركديه والورد؛ واصفاً إياها: «اجتهدت في أن أضفى عليها نكهة منعشة تحمل روح الشرق، وعلى أي حال أنا لا أهتم لشكل الفراولة، وإنما أشم رائحتها فإذا ما كان شذاها قوياً تكون بالجودة المطلوبة؛ وإن وجدتها بلا رائحة أعرف أنها بلا طعم».
ومن المثير للاهتمام أن يُقبل شاب إماراتي على هواية من هذا القبيل؛ لتكون أنيس أوقاته بعد الانتهاء من موعد وظيفته، سألته عن مدى احترام المجتمع الخليجي اختياراً من هذا النوع؛ فقال: «تعودنا على فكرة أن الطهي عالم المرأة، في حين أن غالبية المطاعم والمخابز يعمل بها طهاة رجال، وبطبيعة الحال فإن العائلة العربية التقليدية ترى أن مهنة الطبخ غير لائقة؛ ولا سيما أن العادات والتقاليد تحكم اختياراتنا كثيراً مما جعلني أواجه صعوبة في الاستمرار؛ إلى أن أطلقتُ مدونتي فكانت صوتي الوحيد للتعبير عن شغفي بهذه المهنة من خبز وكتابة وتصوير؛ في محاولة مني لتشجيع الهواة على صقل مهاراتهم». مُدونته مفعمة بالحياة يشرح فيها الخطوات بالتفصيل مرفقة بفيديوهات توضيحية؛ أنشأها قبل أربع سنوات باللغتين العربية والإنجليزية رابطاً فيها بين قصة أو موقف ما من حياته الشخصية وبين وصفاته.
ويظهر طابعه الشخصي في لقطاته لصور أطباقه دون أن يتقيد بأسلوب معين في التصوير، تماماً مثل صورة لفائف الكرواسون التي يعتز بها. يتطرق إلى التحديات التي وقفت في وجهه؛ مؤكداً أن ضيق الوقت كان أكبر معضلة؛ إلا أنه أجاد تنظيمه بشكل يسمح له بإدارة مدونته؛ مضيفاً: «أثناء مشاهدة برنامج مفضل أو الجلوس مع الأصدقاء أقتطع وقتاً للكتابة وتجربة الوصفات».
ويُعد ماجد محظوظاً بحكم نشأته في الإمارات العربية المتحدة التي تشهد انفتاحاً على الثقافات العربية والأوروبية الحديثة؛ مما يوسع من رقعة تبادل التجارب في الطعام، تبعاً له. وبحسب رأيه، فإن الوطن العربي ما زالت معرفته محدودة بالمدونات حتى أنه يتلقى الكثير من الأسئلة عن ماهية المدونة، موضحاً: «نحن في حاجة إلى الاهتمام أكثر بمدونات الطعام من أجل تثقيف الناس وتوعيتهم بالطبخ؛ هناك معتقدات خاطئة عن الطهي، أبرزها أن الغاية منه إسكات الجوع؛ بينما في حقيقة الأمر أنه يُشبع الجسد والروح على حد سواء».
ويذكر أن ما يميّز مُدَونة عن غيرها «صدق وشغف صاحبها بما يقوم به وأسلوبه المتفرّد»، معبرّاً عن إعجابه بالقائمين على مدونات الطعام في الغرب بالقول: «أحب مثابرتهم في تطوير أنفسهم وإيجابياتهم؛ فالفشل لا يفتّ في عزيمتهم، وهذا بحد ذاته مبهر».

الطَحينة والتمر...
هذه الهواية جعلت ماجد يُعامل نفسه وعائلته بحميمية يفصح عنها: «في كل عيد ميلاد لي أبتكر كعكة جديدة وأهديها لنفسي؛ كما أني أحب تحضير المخبوزات المفضلة عند والدي، ولا سيما تلك التي تتكون من قمح كامل أو زيت زيتون وشوفان، وفي صباحات بعض الجُمع أنهض باكراً لأجل تحضير فطور شهي يتكون من خبز دبس التمر بالريحان والشوفان وإلى جانبه العسل والزبد؛ على أن تكون العجينة جاهزة من الليلة السابقة حتى تأخذ وقتها في الاختمار».
وينساب كلامه عن الأجواء المبهجة؛ متابعاً: «عندما نجتمع على مائدة العائلة يكون لطَبقي رونقه الخاص؛ وأستمتع بمراقبة وجوه أفراد الأسرة عند تناول أول لقمة». «خبز البريوش والبيتزا» يبعثان فيه الدفء والحنان، ونجاحه في مخبوز جديد يجعله يرفرف فرحاً. تتسارع خفقات قلبه كلما شقَّت عليه وصفة، وقد يتوقف الفؤاد عن النبض إذا رأى ما لا يبشر بالخير أثناء الخَبز، في حين يضرب ماجد أطراف أصابعه بجبينه لو اكتشف أنه أدخل الوصفة إلى الفرن دون أن يشعله بعد مرور ساعة من الزمن، أو إذا أضاف ملح الليمون بدلاً من السكر عند عمل العجين، وأمام أي موقف حرج يتذكر ما نصحه به أحد المتمرسين يوماً؛ كانت نصيحة من ثلاثة أجزاء: «إذا لم تخطئ لن تتعلم، لا تقارن نفسك بأحد؛ وكن صادقاً فيما تقدم».
شكّلت الرحلات فرصة رائعة لاستكشافه لوائح الطعام؛ ويقول في ذلك: «سافرت إلى دول عدة، وفي أميركا على وجه الخصوص لمست تقديراً عالياً لمكونات الطعام؛ فشعبها يمتلك حساً مرهفاً في التذوق؛ كما لاحظت أن المطاعم تتبادل الاحترام فلا تقلّد بعضها في الأطباق». ومرة بعد أخرى تزداد شجاعة الخباز الشاب في وضع لمسته الشخصية على بعض الأطباق بعد أن أصبحت لديه خبرة جيدة بالنكهات والقوام؛ ولأن المطبخ الشرقي يأسره ومن دون منازع لتعدد نكهاته، كما يقول، فإن بعض المكونات تستحوذ على أطعمته مثل الطحينة والعسل والتمر وزيت الزيتون، مبيناً: «من الوصفات التي حازت على استحسان متابعي بسكويت دبس التمر المملح، وفطيرة الخوخ باللوز مع العسل والزعفران، ودعيني أخبرك عن (الأخيرة)؛ فعندما تلمح عيني فاكهة الدرّاق لا يهدا لي بال إلى أن أراها فطيرة يُحكى عنها». «ما مشروعك القادم؟»... يقول ماجد في ختام المقابلة الممتعة: «لفترة طويلة عملت جاهداً على شحذ مهاراتي في التصوير والطبخات والتدوين؛ سيكون جميلاً أن يُقُدّر الله لي إصدار كتاب عن المخبوزات».



أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
TT

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)

لم تعد خريطة السفر تُرسم فقط حول المعالم التاريخية والشواطئ والمتاحف. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المطاعم والأطباق الشهيرة وجهات سياحية بحد ذاتها، وأصبح هناك مسافرون يخططون رحلاتهم حول تجربة طبق معين في مطعم لا يوجد إلا في مدينة معينة.

البيتزا هي أشهر طبق في نابولي (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى هؤلاء الذواقة، لا تكفي صورة الطبق أو وصفه، ولا يمكن أن تحل نسخة أخرى منه في مطعم مختلف محل التجربة الأصلية. فهناك أطباق ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمطاعمها وطهاتها ومدنها، حتى أصبح تذوقها جزءاً من برنامج السفر، وأحياناً سبباً رئيسياً وراء الرحلة.

من نيويورك إلى مودينا وبرشلونة وطوكيو وليما، هذه عشرة أطباق وتجارب غذائية أصبحت تستحق، بالنسبة إلى عشاق الطعام، رحلة كاملة.

تونة كارباتشيو: «لو بيرناندين» نيويورك

في نيويورك، يعد «Le Bernardin» من أشهر عناوين المأكولات البحرية الفاخرة. ومن الأطباق التي ارتبطت بالمطعم «تونة كارباتشيو»، حيث تقدم شرائح التونة الرقيقة بطريقة تبرز جودة المكون الأساسي وتوازن النكهات.

بالنسبة إلى عشاق المأكولات البحرية، تمثل زيارة المطعم فرصة لتجربة فلسفة الشيف إريك ريبير التي تقوم على احترام المكونات البحرية وعدم إغراقها بالتعقيد.

حساء توم يام الشهير في بانكوك (بيكسيلز)

وهنا يتحول الطبق إلى جزء من هوية المكان، وليس مجرد عنصر في قائمة طويلة.

لازانيا: «أوستيريا فراتشيسكانا» مودينا (إيطاليا)

في مودينا الإيطالية، أعاد الشيف ماسيمو بوتورا تعريف العلاقة بين الطعام والذاكرة. ومن أشهر أفكاره طبق «الجزء المقرمش من اللازانيا»، الذي يستلهم الجزء الذي يحبه كثيرون من اللازانيا التقليدية: الأطراف المقرمشة.

قد يبدو الطبق بسيطاً، لكنه يعكس فلسفة المطعم في إعادة تفسير الأطباق الإيطالية المعروفة بأسلوب معاصر. ولذلك أصبح من التجارب التي يبحث عنها الزوار الذين يضعون المطعم على قائمة رحلاتهم إلى إيطاليا.

تجربة الطعام في «ديسفروتار» برشلونة

في برشلونة، أصبح مطعم «Disfrutar» من أهم العناوين العالمية لعشاق المطبخ المعاصر. المطعم الذي تصدر قائمة أفضل مطاعم العالم عام 2024 لا يعتمد على طبق واحد فقط، بل على تجربة تذوق متكاملة.

بعض ابتكاراته أصبحت معروفة عالمياً، وتحولت طريقة تقديم الطعام فيه إلى جزء من التجربة السياحية نفسها. الزائر لا يأتي فقط لتناول العشاء، وإنما لخوض تجربة يصعب العثور على نسخة مماثلة لها في مكان آخر.

السوشي في طوكيو

في اليابان، يمكن أن يكون السوشي نفسه سبباً كافياً للسفر. لكن التجربة تختلف جذرياً عندما يكون الهدف تناول السوشي في مطعم عالمي.

بط بيكين الشهير في الصين (غيتي)

في طوكيو، ترتبط قيمة التجربة بالدقة، وجودة الأسماك، ومهارة الشيف، وطريقة التعامل مع الأرز والصلصة ودرجة الحرارة. ولهذا يسافر عشاق السوشي إلى العاصمة اليابانية ليس فقط من أجل الطعام الياباني، وإنما من أجل تجربة طريقة تقديمه في موطنه.

بيتزا نابولي (إيطاليا)

هناك أطعمة لا تحتاج إلى تعريف، والبيتزا النابولية واحدة منها. لكن الذواقة يعرفون أن تناول البيتزا في نابولي يختلف عن تناولها في أي مكان آخر.

فزيارة المدينة الإيطالية تمنح السائح فرصة لتذوق البيتزا في بيئتها الأصلية، حيث أصبحت طريقة إعداد العجين والخبز والمكونات جزءاً من التراث الثقافي للمدينة.

ولهذا تحولت بعض مطاعم البيتزا التاريخية في نابولي إلى محطات ثابتة في برامج عشاق الطعام الذين يزورون المدينة.

«بكين داك» في بكين (الصين)

يُعد بط بكين من أشهر الأطباق الصينية التي ارتبطت بالعاصمة الصينية. ويأتي الزوار إلى مطاعم متخصصة بحثاً عن التجربة التقليدية التي تشمل تحضير البط، وطريقة تقطيعه وتقديمه مع الفطائر الرقيقة والمكونات المصاحبة.

هنا لا يتعلق الأمر بطبق فقط، وإنما بطقس كامل حول الطعام، وهو ما يجعل التجربة جزءاً من اكتشاف ثقافة المدينة.

سيفيتشي في ليما (البيرو)

في ليما، أصبح السيفيتشي رمزاً للمطبخ البيروفي الحديث. السمك الطازج المتبل بالحمضيات والفلفل والمكونات المحلية يقدم تجربة مرتبطة مباشرة بالمحيط الهادئ وثقافة الطعام في بيرو.

ولهذا أصبحت المطاعم البيروفية الراقية وجهة مهمة للزوار الذين يريدون فهم المطبخ المحلي من خلال أطباقه الأساسية، وليس فقط تناول وجبة عابرة.

«نوما» في كوبنهاغن

في كوبنهاغن، قدم مطعم «Noma» مفهوماً مختلفا للسياحة الغذائية، حيث أصبحت المكونات المحلية والموسمية جزءاً من قصة الرحلة.

لم يكن الهدف دائماً تقديم طبق يعرفه الزائر مسبقاً، وإنما اكتشاف النكهات والمكونات التي تعبر عن البيئة الاسكندنافية. وهكذا أصبحت زيارة المطعم بالنسبة إلى كثير من الذواقة تجربة ثقافية بقدر ما هي تجربة غذائية.

حساء «توم يام» في بانكوك

في بانكوك، تمثل أطباق المطبخ التايلاندي عامل جذب للسياح من جميع أنحاء العالم، ومن بينها حساء «Tom Yum» الشهير، الذي يجمع بين الحموضة والحرارة والأعشاب العطرية.

وتزداد قيمة التجربة عندما يتناول الزائر الطبق في مطعم محلي معروف، حيث ترتبط النكهات بالمكونات والتقاليد الغذائية التي يصعب فصلها عن البيئة التايلاندية نفسها.

«تاكوس» في مكسيكو سيتي

أما في مكسيكو سيتي، فأصبح التاكو أحد رموز ثقافة الطعام في المدينة. وبين المطاعم الراقية وأكشاك الشوارع، يبحث المسافرون عن أماكن بعينها لتجربة أنواع محددة من التاكو. واللافت أن السياحة الغذائية هنا لا ترتبط بالمطاعم الفاخرة فقط. فقد يكون كشك صغير في شارع مزدحم مقصداً لآلاف الزوار لأنه يقدم طعاماً ارتبط بالمدينة وتناقل الناس شهرته عبر الأجيال ووسائل التواصل الاجتماعي.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الطعام لم يعد مجرد خدمة تقدم للسائح بعد وصوله إلى وجهته. بل أصبح في بعض الحالات دافعاً للوصول إلى الوجهة نفسها. ويؤدي تصنيف المطاعم والجوائز العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا التحول. فصورة طبق مميز أو مراجعة من مسافر معروف يمكن أن تجعل مطعماً صغيرا على خريطة مدينة ما مقصداً لزوار من قارات مختلفة.


مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
TT

مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)

من ابتكار حلوى «كانيليه» بالكافيار، مروراً بتحويل عظام السمك إلى شمعدانات للطاولة، وصولاً إلى إعادة استغلال العظام في صناعة مستحضرات التجميل، يتجسد هنا المعنى الحقيقي للاقتصاد الدائري.

في الوقت الراهن، يتجه الطهاة إلى استخدام الموارد بشكل أكثر ذكاءً وكفاءة، بهدف تحسين تجربة الضيوف، بدلاً من الانتقاص منها. وتستعرض «رابطة المطاعم المستدامة»، خمسة مطاعم مميزة جعلت من مفهوم الدائرية مكوناً أساسياً في قوائمها.

سانت بيتر - سيدني

من خلال افتتاح «متجر تقطيع الأسماك» عام 2018 ليعمل جنباً إلى جنب مع مطعمه في سيدني، أعاد الطاهي ورجل الأعمال جوش نيلاند تعريف التعامل مع الأسماك، باعتبارها كائناً يُقطّع بالكامل، لا مجرد شرائح. ويجري نقل كل سمكة إلى هذا المكان المبتكر لتقسيمها إلى ما بين 20 و40 جزءاً مختلفاً، من الأعناق إلى الأضلاع والكبد والبيض والمعدة والدهون وحتى العظام، ولكل منها استخدام محدد.

ويُظهر هذا النهج كيف يمكن للتقطيع الواعي أن يحوّل ما كان يُعد سابقاً مجرد نفايات، إلى أطباق لذيذة ومبتكرة، مع تعزيز الإبداع عبر الاستخدام المدروس للموارد.

أما الأجزاء المتبقية فيجري تحويلها إلى برغر السمك ولازانيا وفطائر تُباع في المتجر. وحال عدم استخدامها لصنع مرق غني بالنكهة في أطباق مثل حساء المرجان الصافي، تُجفف العظام وتُرسل إلى خزّاف محلي، لاستخدامها في صنع طلاء لأطباق يدوية الصنع. كما تُحفظ الدهون بعناية لتُستخدم، في وقت لاحق، في صناعة شموع من دهن السمك تُباع عبر المطعم.

وتتضمن القائمة أطباقاً مبتكرة، مثل لحوم الأسماك المعالجة، ونقانق التونة الحارة، ولحم بطن سمك أبو سيف المدخن. وحتى الحلويات لا تخرج عن هذا النهج؛ إذ يمكن للضيوف إنهاء وجبتهم بحلوى مصنوعة من نخاع عظام التونة، أو «كانيليه» بالكافيار، أو كعكة محشوة بكريمة مستخلصة من السمك مع مربى التين والشوكولاته البيضاء.

أتولييه كرين - سان فرانسيسكو

في حي «كاو هولو» بمدينة سان فرانسيسكو، صُممت قائمة التذوق متعددة الأطباق لدى الشيف دومينيك كرين لتجسيد مفهوم التدوير، حيث تتحول المنتجات الثانوية من كل طبق إلى مكونات جديدة في طبق آخر. كما تُستخدم قشور الروبيان وسرطان البحر لصنع المرق، ويُضاف سائل المحار لتعزيز النكهة، ويُعاد توظيف الخبز القديم في إعداد الحساء أو المثلجات، بينما تُستخدم قشور الجبن لإضفاء نكهة على أطباق الحساء.

وقد مكّن برنامج التخمير الذكي في المطبخ من إطالة عمر المكونات الموسمية، وضمان الاستفادة القصوى منها، مع إضافة نكهات قوية في الوقت نفسه. ومن خلال تحويل الفائض من المنتجات وبقايا الخضراوات إلى خلّات وخضراوات مخمرة وصلصات، يحافظ المطبخ على مرونته وإبداعه. أما ما يتبقى من نفايات غذائية، فيجري تحويله إلى سماد في مزرعة محلية تُزرع فيها منتجات المطعم.

كما يتعاون المطعم مع مشروع بيئي لإعادة تدوير أصداف المحار، وإعادتها إلى خليج سان فرانسيسكو، ما يحد من النفايات ويُسهم في تحسين جودة المياه والتنوع الحيوي، فضلاً عن دعم استعادة قاع البحر والشعاب.

بان تيبا - بانكوكفي مطعم «بان تيبا»، تُعاد تدوير جميع النفايات العضوية أو تُحوّل إلى سماد، بدلاً من إرسالها إلى مكبّات النفايات.

يُقدّم مطعم «بان تيبا»، في بانكوك، مثالاً رائعاً على كيفية تصميم أنظمة خالية من النفايات، حتى في أرقى المطابخ. فقد أُعيد تصميم سير العمل في المطبخ بوعي تامّ للتعامل مع المنتجات الثانوية باعتبارها مكونات أساسية، لا باعتبارها نفايات.

من خلال دمج مبدأ الاقتصاد الدائري في صميم العمليات اليومية، نجح المطعم في التخلص نهائياً من النفايات العضوية، التي تُرسل إلى مكبّات النفايات. أما المواد التي لا يُمكن إعادة تدويرها، فيجري تحويلها إلى سماد وتُعاد إلى تربة حديقة المطعم، مُغلقةً بذلك حلقة التغذية.

وتضمن تصميم هذا النظام الغذائي، استحداث وظيفتين داخليتين مُتخصصتين لتمكين الاستخدام الأمثل لكل مُكوّن: يتولى أحد أعضاء الفريق عملية التخمير، بينما يُجري آخر أبحاثاً وتطويراً لإيجاد طرق جديدة لاستخدام فائض الطعام. واليوم، تُخمّر بقايا الفاكهة لتُصنع منها أنواع من الخل والكومبوتشا. كما تُعالج سيقان الأعشاب لتُصنع منها زيوت وصلصات ومساحيق؛ وتُستخدم بقايا الثوم والبصل في صناعة التوابل. وحتى زيت الطهي المُستعمل يُمكن تحويله إلى وقود حيوي.

بالنظر إلى بطء تحللها، انطوت أصداف المأكولات البحرية على تحد خاص، لكن الفريق رأى في ذلك فرصةً لابتكار شيء فريد. وبالتعاون مع فنانين محليين، حوّلوا هذه المواد إلى شمعدانات رائعة تُستخدم الآن باعتبارها قطعاً مركزية على المائدة، تعكس بجمال ما يُقدّم في الطبق وتُذكّرنا بأصول طعامنا الثمينة.دون خوليو - بوينس آيرس

يُقدّم مطعم «دون خوليو»، الذي تُديره عائلة، أطباقاً تحتفي بالمطبخ الأرجنتيني، حيث يُقدّم لحم بقر مُربّى بطرق مستدامة، مقترناً بنبيذ محلي ومنتجات من مزرعة المطعم خارج بوينس آيرس. حصل «دون خوليو»، إلى جانب مطعمه الشقيق «إل بريفيريدو»، على شهادة الختم الأخضر عام 2021، ليصبح المطعم الوحيد في المدينة الذي يحصل عليها. وجرى تصميم شهادة «الختم الأخضر» لتدريب ودعم وتنظيم وتكريم من يُحققون ممارسات متميزة في إدارة النفايات. وعلى هذا الصعيد، حصل «دون خوليو» على أعلى تصنيف ممكن.

مع إحضار كل حيوان كاملاً ليجري ذبحه بالكامل داخل المطعم، يحرص فريق العمل على عدم إهدار أي جزء منه. تُصنع من بقايا اللحم «إمباناداس»، أو نقانق طازجة ومُعتّقة في أغلفة طبيعية، ويُستخدم أي دهن مُزال في صنع خبز غني بالنكهة. يُعاد استخدام الخبز غير المُستعمل كفتات خبز لتغطية الميلانيساس في مطعم إل بريفيريدو، أو في حلويات الموظفين مثل بودنغ الخبز.

ميرازور - مينتون

منذ افتتاح مطعم «ميرازور» عام 2006، دافع الشيف ماورو كولاجريكو عن نهج دائري في فن الطهي. ويعدُّ البحث والتطوير ركيزة أساسية في فلسفته، مع تكريس فريقه جهوده لتحسين نهج المطعم واستخدام الموارد بأساليب أكثر كفاءة.

يزرع مطعم «ميرازور» معظم منتجاته بنفسه، ويتبع ممارسات زراعية تتناغم مع النظم البيئية الطبيعية. كما يعكف حالياً على تطوير مشروع زراعي بيئي واسع النطاق، يمتد على مساحة 42 فداناً، مخصصاً ليصبح مزرعة دائرية تُعنى بتجديد التربة والإنتاج والبحث والتدريب.


سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
TT

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات، سواء عبر نكهته أو رائحته أو شكله. تصبح كل قضمة، أو «كدشة» كما يسمّيها اللبنانيون، بمثابة رحلة خاطفة إلى زمنٍ يحنّ إليه المرء، ويتمنّى لو يعود به إلى الوراء.

ورغم أنّ بعض الأشخاص يربطون أكلةً أو سندويشاً معيّناً بمرحلة حربٍ أو جوع، فإنها تبقى بالنسبة إليهم حاملةً للحظة البهجة التي عاشوها وهم يتناولونها، فتنتصر الذكرى الجميلة على قسوة الظروف.

الجبن الأبيض مع البطيخ (إنستغرام)

ويرى علماء النفس أن علاقة وثيقة تربط بين حاستَي الشمّ والتذوّق والذاكرة، إذ تُعدّ الروائح والنكهات من أكثر المحفّزات على استعادة تفاصيل ظنّ الإنسان أنّها اندثرت. فما إن يتذوّق المرء لقمة اعتادها في طفولته أو يشمّ رائحة خبز خرج للتوّ من الفرن، حتى يجد نفسه يعود إلى بيت العائلة، أو إلى ساحة المدرسة، أو إلى جلسة جمعت أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة. وكأنّ الطعام يتحوّل إلى أرشيف حيّ يحتفظ بالمشاعر أكثر مما يحتفظ بالمذاقات.

ولا ترتبط هذه الذكريات دائماً بالأطباق الفاخرة أو الوصفات المعقّدة، بل غالباً ما تكون لأطعمة شديدة البساطة. فسندويش أعدّته الأم على عجل، أو قطعة خبز غُمست بزيت الزيتون والزعتر، أو رغيف خرج ساخناً من فرن القرية، قد يترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. فالقيمة هنا لا تكمن في المكوّنات، بل في الأشخاص الذين شاركونا تلك اللحظات، وفي الشعور بالأمان والدفء الذي رافقها.

سندويشات تحاكي الطفولة (إنستغرام)

ولكلّ فئة من اللبنانيين محطّاتها الخاصة مع هذه الذكريات. فالمغترب قد تثير فيه رائحة الزعتر شوقاً جارفاً إلى الوطن، بينما يحتفظ أبناء جيل السبعينات، الذين عايشوا سنوات الحرب، بنكهات أكلات بسيطة، كان معظمها عبارة عن سندويشات متواضعة المكوّنات، لكنها تركت أثراً عميقاً في الذاكرة. أما الذين أمضوا طفولتهم في القرى، فيكفي أن تفوح رائحة خبز الصاج حتى يعودوا إلى أيام لا تزال تسكن وجدانهم.

وإذا سألت أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر مرحلة الحرب اللبنانية، فسيردّ على الأرجح بأنها «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة». ففي ظل انقطاع لبنان عن الخارج، وغياب التيار الكهربائي، وتنقّل اللبنانيين من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، تحوّل هذا السندويش إلى رفيق دائم في رحلة النزوح.

ويأتي سندويش البطاطا والبيض المسلوق في طليعة النكهات التي لا تزال تستحضرها الذاكرة اللبنانية. وتقول منى بريدي: «هذا السندويش الذي كانت والدتي تحضّره لي على الغداء أو العشاء لا أزال أتلذّذ به حتى اليوم، وأعدّه جزءاً لا يتجزأ من طفولتي». بينما ترى صديقتها نايلة حلو أنّ أكثر ما تفتقده من حلويات الماضي هو «عروس الطحينة بالسكر». وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا السندويش بديلاً عن الحلاوة التي لم تكن متوفرة دائماً، فكنا نلتهمه أنا وإخوتي بشهية، ولا أزال حتى اليوم أعود إليه بين حين وآخر».

أما المغتربون اللبنانيون، فيجمعهم حنين واحد يتمثّل برائحة المناقيش، ولا سيما منقوشة الزعتر. فكثير منهم، ما إن تطأ أقدامهم أرض الوطن، حتى يتوجّهون مباشرة إلى أقرب مخبز لتناول منقوشة ساخنة. بينما يفضّل آخرون أن تحضّر لهم والدتهم «عروس الزعتر وزيت الزيتون» كما كانت تفعل في طفولتهم، فيكون طعمها مزيجاً من الحنين والدفء العائلي.

ومن السندويشات التي ارتبطت بذكريات الطفولة «عروس الجبن الرومي مع المربّى» و«عروس البندورة والنعناع» و«عروس الجبنة البلغارية مع البطيخ» وكلمة عروس في لبنان تُطلق على السندويش. وقد أعاد مطعم «أم شريف ديلي» إحياء هذه الوصفات البسيطة، فخصّص لها حيّزاً في لائحة طعامه، ووصل سعر بعضها إلى نحو 15 دولاراً، رغم مكوّناتها المتواضعة. وبينما انتقد كثيرون هذا الارتفاع في الأسعار، رأى آخرون أنّ استعادة نكهة تختزن ذكريات الطفولة تستحق أن تُدفع في سبيلها كلفة أكبر.

وتطول لائحة «سندويشات الذكريات» لتشمل أصنافاً ارتبطت بمناطق لبنانية معيّنة، حتى باتت جزءاً من هويتها الشعبية. فأبناء مدينة طرابلس يستحضرون بحنين «سندويش المغربية»، الذي شكّل لسنوات وجبةً لا تغيب عن طفولتهم. بينما يحتفظ كثيرون بذكرى «عروس اللبنة والنعناع اليابس»، التي كانت محطةً شبه إلزامية للعائلات في طريقها إلى شتورا، قبل أن تتابع رحلتها نحو البقاع أو زحلة.

وللبحر أيضاً سندويشاته الخاصة. فكثير من اللبنانيين لا يزالون يربطون رحلات الصيف العائلية إلى الشاطئ بـ«سندويش البطاطا المقلية مع الكاتشاب»، الذي كان يُحضَّر في المنزل ويوزَّع على الأولاد بعد ساعات من السباحة واللعب. كما يحضر في الذاكرة «عروس المرتديلا»، أو سندويش «الكشك» في مواسمه، وسندويش الجبنة البيضاء مع البندورة، وهي وجبات لم تكن تحتاج إلى مكوّنات كثيرة بقدر ما كانت تحتاج إلى لمّة العائلة ونزهة بسيطة لتصبح ذكرى لا تُنسى.

ولعلّ ما يجمع هذه السندويشات جميعها أنّها لم تكن مجرّد وجبات تسدّ الجوع، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فهي تختزن رائحة البيت، ودفءَ الأم، وضحكات الإخوة، ورحلات المدرسة، والنزهات العائلية. ومع مرور السنين، لم يعد مذاقها مجرّد نكهة، بل صار يستحضر زمناً جميلاً يحنّ إليه كثيرون، ويصفونه بـ«زمن البركة»، حين كانت البساطة كافية لصناعة أجمل الذكريات.