رئيسة لجنة التحكيم لـ «الشرق الأوسط» أحببت كل كلمة في الرواية

فوز العمانية جوخة الحارثي بـ «بوكر الدولية» يثير ردود أفعال مختلفة

جوخة الحارثي مع مترجمتها مارلين بوث بعد إعلان فوزها
جوخة الحارثي مع مترجمتها مارلين بوث بعد إعلان فوزها
TT

رئيسة لجنة التحكيم لـ «الشرق الأوسط» أحببت كل كلمة في الرواية

جوخة الحارثي مع مترجمتها مارلين بوث بعد إعلان فوزها
جوخة الحارثي مع مترجمتها مارلين بوث بعد إعلان فوزها

ربما بدأ الأدب العربي يشق طريقه نحو العالمية. هكذا فكرت بينما كنت أراقب عن قرب الروائية العمانية جوخة الحارثي بأناقتها العربية الكلاسيكية المحتشمة وهي تعتلي منصة الاحتفال لتسلم الجائزة مع مترجمتها الأميركية أستاذة الأدب في جامعة أوكسفورد مارلين بوث، عقب إعلان رئيسة لجنة التحكيم لجائزة البوكر بنسختها الدولية الدكتورة بيتاني هيوز، فوز رواية سيدات القمر بالجائزة التي تبلغ قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني مناصفة بين المؤلفة والمترجمة لعام 2019.
ما الذي جعل رواية نشرت أول مرة عام 2010 ولم تفز بأي جائزة عربية مغرقة في محليتها، تفوز بهذه الجائزة التي تنافست عليها روايات متقنة الحبكة والصنعة الأدبية ومن خمس لغات عالمية بالإضافة إلى العربية وهي على التوالي: الفرنسية والبولندية والألمانية والإسبانية بواقع روايتين؟
توجهت بالسؤال إلى رئيسة لجنة التحكيم مباشرة عقب انتهاء مراسم تسلم الجائزة من قبل الفائزتين، بيتاني هيوز فقالت بأنها قرأت الرواية ثلاث مرات وأنها أحبت كل كلمة فيها وكل شخصيات الرواية لأنها رواية مختلفة وغير مألوفة بالنسبة للقارئ الغربي، «فما أن يبدأ القارئ بصفحاتها الأولى حتى ينفتح أمامه عالم آخر من الدراما المحلية المنسابة بهدوء والتي تدور في قرية من قرى عمان، لكن القارئ سيشعر أنه مرحب به في هذا العالم الهادئ والمستكين، كل ذلك بلغة يختلط بها الشعر والنثر والأمثال الشعبية ووصفات الطب الشعبي وغيرها من التفاصيل الكثيرة». وأضافت بيتاني: «أن عملية اختيار هذه الرواية من بين ست روايات لم تكن عملية سهلة لأن كل الروايات المتنافسة على القائمة القصيرة كانت تتناول ثيمات إنسانية ومكتوبة بتقنية ولغة أدبية عالية، لكننا توصلنا إلى اختيار هذه الرواية بعد تصويت لجنة التحكيم عليها». إنها كما يبدو من كلامها متحمسة جدا لأن «هذه الرواية من منطقة الخليج وآمل أن تتم قراءتها من قبل عدد كبير من القراء وأن تكون الرواية باباً يُفتح على الأدب العربي في تلك المنطقة».
وجوخة الحارثي، أستاذة الأدب العربي في جامعة السلطان قابوس، هي أول روائية عمانية تتم ترجمة ثاني رواياتها الثلاث إلى الإنجليزية وبعنوان مغاير هو (أجرام سماوية)، والروايات على التوالي هي (منامات 2004 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ثم سيدات القمر 2010 عن دار الآداب، ثم نارنجة عن دار إلى داب عام 2016 والرواية الأخيرة فازت بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب لعام 2016). بينما ألفت المترجمة مارلين بوث كتابين وترجمت نتاج عدد من الروائيين العرب منهم حسن داود، رجاء الصانع، عالية ممدوح، هدى بركات ولطيفة الزيات غيرهم. وقد صرحت المترجمة أنها أبقت على بعض المفردات الشعبية العمانية كما جاءت بالنص الأصلي مثل مفردة (فلج) لأنها لم تجد مرادفا لها يعطي ذات المعنى بالإنجليزية.
ومن المصادفات الجميلة في رواية (سيدات القمر) أن إحدى شخصياتها النسائية تدعى لندن البنت التي ستتخرج من كلية الطب وستتجاوز أزمتها العاطفية، وقد أطلقت عليها أمها هذا الاسم لكونها أحبت علي بن خلف الذي قضى سنين الدراسة في لندن، أحبته حبا صامتا شبه صوفي مع كثير من الوعود والابتهالات أثناء صلاتها: «أحلف لك يا ربي أني لا أريد غير رؤيته، بالعرق على جبينه مرة أخرى، بيده على جذع النخلة، بالتمرة يلوكها في فمه» ص6. لكنه لم يلتفت لها، وبقيت صامتة طوال أحداث الرواية. كان صمت ميا وشحوبها هو فعلها المؤثر الذي مارس سطوته على أهلها وزوجها، وحين ضحكت في إحدى الليالي بعد أن سألها زوجها هل تحبه، كانت ضحكتها مفزعة لدرجة كادت تهدم جدران البيت وسببت ذعر الأولاد.
وميا هي أكبر الأخوات التي تدور الرواية عنهن والتي تنفتح حياتهن على حيوات شخصيات أخرى، أسماء التي تحب القراءة، وخولة التي تحب مرآتها، وأمهما سالمة عروس الفلج. الرواية تسرد ذلك القدر الهائل من تفاصيل حياة الناس الفقراء والأغنياء، العقلاء والمجانين، الشيوخ والعبيد، وترتكز بشكل خاص على حياة النساء في تلك القرية، في حقبة زمنية قريبة من تاريخ عمان، حقبة التحول نحو الحداثة والتخلص من تبعات الماضي مثل التجارة بالعبيد وتقرير مصير النساء نيابة عنهن والإشارة إلى قتلهن بمجرد الشك في عفتهن. لكن الرواية أيضا تحكي تلك الحكايات الكثيرة غير المدونة وغير المقروءة والتي قد تكون في طور النسيان أو نُسيت فعلا. وحالما يبدأ تدفق السرد، فإن زخمه الدلالي سيحمل القارئ، عبر شبكة فرعية من الترابطات الاجتماعية والمكانية والزمانية، تتيح لنا الدخول إلى تلك القرية المتخيلة، ونستشعر كيف أن ميا الشاحبة المنكبة على ماكينة خياطتها هربا من وجع روحها بعد قصة حب صامتة، وكيف أن أختها خولة تنتصر لنفسها ولقرارها بالانفصال عن زوجها أخيرا بعد سنوات من انتظار عودته من كندا، ونستشعر تقلبات حياة العبدتين (ظريفة وأمها عنكبوتة) وتأثيرهما القوي في حياة سيديهما. هناك سرد ذكي يتيح لنا قراءة ما لم يُكتب وأحداث نوهت لها الكاتبة ولم تبح بها مباشرة، مثل قصة الحب المختلفة والحرة بين البدوية نجية وزعران والد البنات الثلاث، وقصة الحب التي بقينا نجهل تفاصيلها والتي راحت ضحيتها أم عبد الله زوجة التاجر سليمان مع أحد عبيد الشيخ سعيد. كأننا نطلّ عن بعد على هذه الأحداث ونمارس القراءة البعيدة التي تتيح لنا التركيز على تفاصيل صغيرة جدا في متن السرد، مثل الحلوى التي تحبها ظريفة العبدة وطريقة استعمال أصابعها بالرجرجة عليها، الرمل الذي ينثره عزان عن ملابسه بعد لقائه مع نجية في الصحراء، الشباك الصغير في الغرفة الذي تنادي من خلاله مسعودة على الناس كي تثبت لهم أنها ما تزال على قيد الحياة، البئر ورمزيته في حلم عبد الله بعد أن ماتت ظريفة وحيدة، وعلى تفاصيل أخرى كبيرة مثل الثيمات والمصائر والأجناس والمجازات. لقد أمحت الكاتبة الفوارق بين ذاكرتها الفردية التي عايشتها وبين الذاكرة الجماعية لأهل بلدها، وكشفت بأسلوبها الخاص وسردها المحكم مختلف جوانب الوجود في تلك القرية الصغيرة (العوافي) في المرحلة التاريخية من بداية القرن العشرين إلى سبعينياته وهي فترة مسكوت عنها تقريبا من تاريخ عمان.
تتناوب الأصوات في هذه الرواية بين صوت الراوي العليم وصوت الأنا المباشر الذي يسرده عبد الله ابن التاجر سليمان الذي يأتينا على شكل هذيان مسافر متعب يتطلع من نافذة الطائرة المتجهة نحو فرانكفورت، إلى أعماق روحه في استدعاء حر وتداخل بين الذكريات والأزمنة والشخوص والأمنيات، عبد الله هو الشاهد والمراقب في هذه الرواية على تحولات الناس والقرية نحو أنماط حياتية جديدة. كل ذلك في أسلوب سردي محنك ولغة سهلة لكنها دقيقة، كثيفة، ومكتفية بذاتها في الوصف، وتغترف من الحكايات والميثولوجيا التي سمعتها أو عايشتها الكاتبة، كأنها بتدوينها لتلك الحكايات في سياق الرواية تتضامن مع الموروث الشعبي والتاريخي لبلدها. ورغم ذلك فقد نسجت الكاتبة عالما روائيا محليا متداخلا يصنع أبعاده وتخومه بنفسه، ويتصرف بزمنه وفضائه وشخصياته وبما يحويه من أشياء وأساطير. لقد لبتّ هذه الرواية من خلال كل ذلك وبإبداع شروط وتقنيات وآليات الكتابة الروائية، واستحقت هذا الفوز الأدبي الكبير.



ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية