مصر تبدأ أولى خطوات «خارطة الطريق»

173 مليون دولار التكاليف التقديرية لإجراءات الاستفتاء على الدستور

عامل تابع للجنة العليا للانتخابات يحمل صندوق أوراق الاقتراع قبيل ساعات من انطلاق عملية الاستفتاء على الدستور المصري الجديد (أ.ف.ب)
عامل تابع للجنة العليا للانتخابات يحمل صندوق أوراق الاقتراع قبيل ساعات من انطلاق عملية الاستفتاء على الدستور المصري الجديد (أ.ف.ب)
TT

مصر تبدأ أولى خطوات «خارطة الطريق»

عامل تابع للجنة العليا للانتخابات يحمل صندوق أوراق الاقتراع قبيل ساعات من انطلاق عملية الاستفتاء على الدستور المصري الجديد (أ.ف.ب)
عامل تابع للجنة العليا للانتخابات يحمل صندوق أوراق الاقتراع قبيل ساعات من انطلاق عملية الاستفتاء على الدستور المصري الجديد (أ.ف.ب)

في لحظة استثنائية مشحونة بالتوتر، يبدأ اليوم (الثلاثاء) نحو 53 مليون مصري - على مدى يومين - الاقتراع على دستور جديد للبلاد في استفتاء شعبي، تعول عليه السلطات لإضفاء شرعية انتخابية على قرار عزل الرئيس السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان منتصف العام الماضي، وهو ما يجعل لنسبة المشاركة في الاستفتاء ونسبة الموافقة على الدستور دلالات حاسمة.
ووسط حالة من الاستنفار الأمني غير المسبوق، ومخاوف من عمليات إرهابية تستهدف إفشال المسار السياسي الراهن، يستقبل 3367 مقرا انتخابيا في عموم البلاد 52 مليونا و742 ألفا و139 ناخبا، للإدلاء بأصواتهم على تعديلات جوهرية وشاملة جرت على دستور وضعه إسلاميون نهاية العام قبل الماضي، وعطل عقب مظاهرات حاشدة ضد الرئيس السابق انطلقت في 30 يونيو (حزيران) الماضي.
وخلال اليومين الماضيين، دعا الرئيس المؤقت عدلي منصور وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي، المصريين إلى المشاركة بقوة في الاستفتاء، الذي يعد الخطوة الأولى في خارطة المستقبل التي وضعت عقب عزل مرسي، وتضمنت أيضا إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
وقال المستشار هشام مختار، عضو الأمانة العامة للجنة العليا للانتخابات، إن «التصويت على الاستفتاء سيبدأ في التاسعة صباحا وفقا لقرار دعوة الناخبين، ويعلق في التاسعة مساء في اليوم الأول؛ ويمتد في اليوم الثاني إلى انتهاء آخر مصوت (من الإدلاء برأيه)».
وانعكس الاستقطاب الحاد بين القوى المؤيدة لثورة 30 يونيو التي أنهت عاما من حكم مرسي، وقوى إسلامية داعمة له، في قراءة النتائج الأولية لاستفتاء المصريين في الخارج على مشروع الدستور. فبينما أعلن قادة الإخوان انتصارهم في الجولة الأولى مع ضعف نسبة تصويت المغتربين التي بلغت 15 في المائة ممن لهم حق الاقتراع، قالت اللجنة العليا للانتخابات إن قراءة مدققة في تلك النتائج تكشف عمليا ارتفاع في نسبة تصويت المغتربين.
وجاءت النتائج الأولية لتصويت المصريين في الخارج لافتة، إذ سجلت معظم السفارات نسبة موافقة على الدستور تجاوزت في معظمها حاجز الـ95 في المائة، وهو ما عده مراقبون «أمرا متوقعا».
وأوضحت اللجنة العليا للانتخابات أن الاستفتاء على دستور 2012 الذي جرى في عهد مرسي شارك فيه 93 ألف مصري في عملية الاقتراع داخل السفارات المصرية في الخارج، بينما شارك في استفتاء 2014 نحو 103 آلاف مقترع داخل المقار نفسها من أصل 681 ألف ناخب، بزيادة نحو 10 آلاف ناخب عن الاستفتاء الماضي.
وأشار اللجنة العليا للانتخابات على لسان المتحدث الرسمي إلى أنه سمح للمصريين خلال الاستفتاء السابق بالتصويت عبر البريد، وهو أمر عدته اللجنة الحالية مثيرا للريبة ويفتح الباب أمام الطعن على النتائج، في ضوء شكوك حول استغلال التصويت البريدي في عمليات التصويت الجماعي.
واتخذت اللجنة العليا للانتخابات إجراءات متشددة في تصويت المصريين خارج البلاد، منها ضرورة وجود أصل الأوراق الثبوتية (بطاقة الرقم القومي أو جواز سفر حديث) مع الراغبين في الإدلاء بأصواتهم.
من جانبه، قال المستشار مختار إن «عملية فرز الأصوات ستجرى بعد انتهاء اليوم الثاني من التصويت مباشرة، وفي مقر اللجان الفرعية على مستوى الجمهورية». وأضاف، خلال مؤتمر للجنة العليا للانتخابات بمقر الهيئة العامة للاستعلامات أمس، أن الإعلان عن نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية الجديدة، سيكون في غضون 72 ساعة من انتهاء التصويت.
وفي غضون ذلك، قرر مجلس إدارة نادي القضاة تشكيل غرفة عمليات تتولى متابعة الإشراف القضائي على عملية الاستفتاء على مشروع الدستور، والمساعدة في تذليل العقبات التي قد تواجه القضاة المشرفين على اللجان الفرعية والعامة. ويجري الاستفتاء على مشروع الدستور تحت إشراف قضائي كامل. وقال المستشار سامح السروجي، عضو مجلس إدارة نادي القضاة، إن غرفة عمليات النادي ستكون بمثابة حلقة وصل بين القضاة المشرفين والجهات الأخرى المعنية بعملية الاستفتاء، سواء في ما يتعلق بضمان تأمين كل اللجان أو المساعدات اللوجيستية في عملية الاستفتاء، والعمل على حل أي عقبات قد تطرأ، حتى تجرى عملية الاستفتاء بسلاسة وعلى النحو الأكمل والأمثل.
وفي مسعى لطمأنة وتسهيل عمل القضاة المشرفين على عملية الاقتراع، صدق الفريق أول السيسي على تخصيص طائرات نقل عسكرية لنقل أكثر من 1000 قاض من الهيئات القضائية المشرفة على الاستفتاء بالأماكن النائية والمنعزلة، وذلك لضمان تسلم اللجان في التوقيتات المحددة لها.
وقالت مصادر عسكرية إن القوات الجوية ستشارك أيضا في تنفيذ العديد من الطلعات الجوية لمراقبة وتأمين سير عملية الاستفتاء بجميع محافظات الجمهورية، ونقل صورة حية للأحداث إلى مراكز العمليات الرئيسة للقوات المسلحة، وتوفير خدمة الإسعاف الطائر لنقل الحالات الطبية الطارئة خلال عملية الاستفتاء.
وميدانيا، شهدت محافظات البلاد أمس انتشارا كثيفا لعناصر الجيش والشرطة المكلفة بتأمين عملية الاقتراع. وقال مصدر عسكري إن القوات المسلحة تشارك بأكثر من 35 ألف ضابط وصف ضابط ومجند من الجيش الثاني الميداني في تأمين الاستفتاء بمحافظات الإسماعيلية ودمياط وبورسعيد والدقهلية والشرقية وشمال سيناء داخل 83 لجنة عامة و2418 مركزا انتخابيا و2834 مقرا انتخابيا، يبلغ فيها عدد الناخبين 9.777.921 مواطنا.
وتنتشر عناصر الجيش الثالث الميداني لتأمين 422 لجنة ومركزا انتخابيا في محافظات السويس وجنوب سيناء والبحر الأحمر؛ حيث تصل أعداد القوات المشاركة إلى أكثر من 13 ألف ضابط ومجند لتأمين 711.914 ناخبا وناخبة خلال الإدلاء بأصواتهم.
وتشارك المنطقة المركزية العسكرية بأكثر من 46 ألف عنصر لتأمين عملية الاستفتاء داخل محافظات القاهرة والجيزة والمنوفية والقليوبية والفيوم وبني سويف والمنيا بإجمالي 22.154.036 صوتا انتخابيا، في حين تتولى المنطقة الغربية العسكرية المعاونة في تأمين الاستفتاء داخل ثماني لجان عامة و150 مركزا و150 مقرا انتخابيا بمحافظة مطروح، وتأمين الأهداف والمنشآت المهمة في نطاق مسؤوليتها بقوات تتجاوز عشرة آلاف ضابط وصف وجندي لتأمين عملية الاستفتاء.
وفي محافظات الإسكندرية والغربية والبحيرة وكفر الشيخ والتي يصل إجمالي الناخبين بها إلى 11.749.229 ناخبا، تنتشر قوات المنطقة الشمالية العسكرية لتأمين العملية الانتخابية بقوات تتجاوز 35 ألف ضابط وصف ضابط ومجند.
من جانبه، قال اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية، إن «مصر ستشهد الثلاثاء والأربعاء لحظات فارقة في تاريخها، لحظات ننشدها عبورا جديدا وانتصارا لمصر يحققه أبناء الوطن.. عبورا يرسم بسواعد أبناء مصر الفتية مستقبلا يحقق المجد لمصرنا رغم كيد الحاقدين». وأضاف إبراهيم خلال تفقده قوات الأمن المركزي المكلفة بتأمين عملية الاستفتاء على الدستور، أمس أنه «شرف لكل رجال الشرطة أن يتحملوا مسؤولية أمن أبناء الوطن في هذا العرس الديمقراطي، الذي سيتحقق في تلك الأيام الطاهرة التي نحتفل فيها جميعا بذكرى مولد الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)».
وقالت اللجنة العليا للانتخابات إن الاستفتاء الذي ينطلق اليوم يجري تحت رقابة 67 منظمة حقوقية محلية، بإجمالي 83.467 مراقب، فيما تتابع الاقتراع ست منظمات دولية بإجمالي 790 متابعا.
وفي غضون ذلك، بدأ فريق من مراقبي الجامعة العربية لمتابعة لجان الاستفتاء على مشروع الدستور التوجه إلى المحافظات المصرية المختلفة، للانتشار في لجان الاستفتاء. وقالت السفيرة هيفاء أبو غزالة، الأمينة العامة المساعدة رئيسة بعثة الجامعة العربية لمتابعة الاستفتاء على الدستور المصري، في تصريحات لها أمس إنه «تقرر إقامة غرفة أزمات بالأمانة العامة للجامعة العربية لتكون مقرا لمتابعة غرفة عمليات الاستفتاء لما تحتويه من تزويد كامل، وسيقوم بمباشرة غرفة العمليات فرقة صباحية وفرقة مسائية للاتصال مع المتابعين بالمحافظات المختلفة يوميا ثلاث مرات».
وأشادت بتوفير المؤسسات المصرية الخدمات اللازمة خاصة الخدمات التي تتعلق بتأمين المتابعين من الدول العربية المختلفة الممثلة لجامعة الدول العربية، مضيفة أن مشاركة الجامعة العربية في هذا الاستفتاء تأتي انطلاقا من دورها المحوري في متابعة مثل هذه الفعاليات، سواء كان هذا الاستفتاء أو الانتخابات بالعديد من الدول، ليس فقط الدول العربية، ولكن في بقية دول العالم.
وحول وجود تنسيق مع جهات المراقبة الأخرى سواء من الاتحاد الأوروبي ومؤسسات أخرى سواء أميركية، أو منظمات المجتمع المدني، لمتابعة الانتخابات، قالت السفيرة هالة أبو غزالة إنه «جرى عقد اجتماع مع لجنة الخبراء من الاتحاد الأوروبي، وأعلنا أننا على استعداد أن نجتمع مع أي جمعية أو حزب أو مؤسسة لمتابعة الانتخابات، وبالتالي كان هناك انفتاح بهذا الشأن، لكن لم نلتق مع أي حزب سياسي أو جمعية، لأن لدينا العديد من الجمعيات المسجلة لمتابعة الانتخابات، وسنكون بالمقرات، ونسجل الملاحظات التي سنشاهدها في المقرات المختلفة».



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.