هل حان الوقت لأن يحزم الأطباء أمتعتهم ويتركوا إدلب؟

TT

هل حان الوقت لأن يحزم الأطباء أمتعتهم ويتركوا إدلب؟

«هل حان الوقت لأن نحزم أمتعتنا ونترك إدلب؟» سألني خالد قبل بضعة أشهر عندما زرته في إدلب، وقال: «لقد رأيت كيف تعرض زملاؤنا في غوطة دمشق ودرعا للتهديد والاضطهاد والاعتقال خلال الهجوم لاستعادة هذه المناطق من قبل الحكومة السورية في عام 2018»، الدكتور خالد هو مدير أحد أكبر المراكز الطبية في الشمال السوري، وزميل الدراسة السابق.
قُتل أكثر من 1100 طبيب وممرض في سوريا في أثناء تأديتهم واجبهم خلال السنوات الثماني الماضية. 3900 آخرون ما زالوا معتقلين في سجون النظام السوري، بينما هناك 170 آخرون معتقلون لدى جهات أخرى. مثل العديد من العاملين في المجال الإنساني الآخرين في سوريا، كان على خالد أن يوازن بين رغبته في المساعدة وبين الحاجة إلى حماية أسرته في ظل سلام هش جداً.
نهاية الشهر الماضي، شنت الحكومة السورية وحلفاؤها هجوماً على جنوب إدلب وريف حماة الشمالي. قد يكون الهدف السيطرة على الطرقات الرئيسية أو استعادة السيطرة على المنطقة ككل. استهدف الهجوم العنيف المدنيين والمرافق المدنية مما أجبر أكثر من 300 ألف شخص على النزوح إلى الأماكن القريبة من الحدود التركية. هذا التكتيك أصبح معروفاً في سوريا، وهو الهجوم على المرافق المدنية بضراوة فتصبح المدن غير قابلة للحياة مما يجبر السكان على المغادرة. عندما زرت تلك المنطقة قبل بضعة أشهر، كانت المنطقة تستضيف معظم المهجّرين سابقاً من مدن أخرى في سوريا كالغوطة وشرق حلب ودرعا، حيث يبحث هؤلاء عن مكان آمن بعيداً عن القصف وبعيداً عن مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام.
في الأسابيع الثلاثة الماضية تعرض 19 مرفقاً صحياً للضربات الجوية، العديد من هذه المراكز هي مستشفيات معروفة تدعمها الأمم المتحدة. الإحداثيات الدقيقة لستة من هذه المراكز الطبية معروفة أيضاً للأمم المتحدة من خلال آلية تحييد المنشآت الإنسانية.
في عام 2014 قام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (أوتشا) بوضع آلية لتحييد المرافق الإنسانية تتضمن مشاركة إحداثيات المرافق الإنسانية مع كل الدول أطراف النزاع في سوريا، لم يكن ذلك مقنعاً للمنظمات الإنسانية ولا للعاملين في هذه المنظمات على الأراضي السورية، حيث من غير المنطقي مشاركة الإحداثيات مع الجهات نفسها التي تستهدف هذه المرافق.
كان أحد الأهداف حماية هذه المرافق والهدف الآخر هو التحقيق في هذه الهجمات. في سوريا، تم توثيق أكثر من 500 هجوم على مرافق طبية، كانت حصتنا منها في «سامز» ما يقارب الثلث. حصيلة هذه الهجمات لم تكن محاسبة مرتكبي الهجمات بل كانت إحساسنا كمنظمات إنسانية بأننا استنفدنا كل الوسائل، من تحصين للمشافي إلى توثيق وتتبع للهجمات إلى مناصرة حماية العاملين في الشأن الإنساني في سوريا عبر كل منصة استطعنا الوصول إليها، دبلوماسية أو إعلامية وكل ما نستطيع رفع صوتنا من خلاله. خلال شهادتي أمام الكونغرس الأميركي في عام 2017، أبلغت أعضاء الكونغرس بأننا فشلنا جميعاً في حماية العاملين في المجال الإنساني في سوريا وأخشى أن يؤثر الإفلات من العقاب والهجمات على المستشفيات وعمال الإغاثة في سوريا إلى استخدامه في نزاعات أخرى في المستقبل.في سوريا غادر 27 ألف طبيب البلاد من مجمل 40 ألفاً إلى دول أخرى يطلبون الأمان بينما يرفض آخرون، مثل خالد، المغادرة، وقد اختاروا البقاء وخدمة مجتمعاتهم على الرغم من المخاطر ومع العلم بأنهم سيكونون الهدف الرئيسي في حالة وقوع هجوم على إدلب. إن التزامهم الثابت يجب احترامه وتقديره عالياً. وإذا كانوا على استعداد لتحمل هذا الخطر الكبير، عندئذ يجب على قادة العالم على الأقل أن يقتربوا قليلاً من التزام هؤلاء الأطباء لضمان حمايتهم. وعلينا جميعاً أن نعمل معاً لإعادة وضع هذا المعيار: المستشفيات ليست هدفاً وتجب حمايتها بموجب القانون الدولي الإنساني.
كان قرار العاملين في هذه المرافق بمشاركة إحداثيات مرافقهم هو نتيجة يأسهم أن هناك من سيتحرك لينقذهم. لم يكن قراراً سهلاً ولذلك لم تقدم عليه كل المرافق، واقتصر بدايةً على مرافق معروفة أو استُهدفت تكراراً. حتى الآن لم يتجاوز عدد المرافق التي شاركت إحداثياتها في سوريا الألف بينما يتجاوز العدد 14 ألفاً في بلدان أخرى، مما يدل بشكل واضح على تأثير ديناميكيات الصراع السياسية على العمل الإنساني وعلى عجز آليات الأمم المتحدة في سوريا.
في سبتمبر (أيلول) الماضي، كان التهديد بشن عملية عسكرية واسعة النطاق في إدلب وشيكاً، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب: «سيرتكب الروس والإيرانيون خطأ إنسانياً خطراً للمشاركة في هذه المأساة الإنسانية المحتملة». بعد فترة وجيزة، تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار برعاية تركيا وروسيا.
بعد أيام قليلة من إعلان وقف إطلاق النار، زرت إدلب. بحلول ذلك الوقت، كان ما بين 20 و30 ألف شخص قد خرجوا من جنوب إدلب غير واثقين من اتفاق وقف إطلاق النار، لكن كان من الواضح أن وقف النار المؤقت قد جلب بريق الأمل إلى الأهالي. في أثناء السير على الطريق السريع «M - 5»، شاهدنا مواقع بناء جديدة من قِبل السكان المحليين الذين يحاولون إعادة بناء منازلهم وإعادة بعض الأمور الطبيعية.
رغم هذه العلامات الإيجابية، كانت الحياة في إدلب هشة. زرت خمسة مستشفيات في شمال غربي سوريا، حيث أخبرني زملائي بالمصاعب المستمرة التي يواجهونها. وذكروا أن إمدادات الأدوية تستمر أقل من أسبوع واحد كل شهر، ما يترك المرافق الطبية بالفعل تحت ضغط شديد لتأمين الأدوية لمرضاهم. برأي الزملاء في سوريا، فإن وكالات الأمم المتحدة لا تلبي احتياجات المستشفيات في إدلب. خوفهم هو أن الأمم المتحدة تقبع تحت ضغط الحكومة السورية للحد من الموارد الإنسانية للمناطق خارج سيطرتها كاستخدام جديد للإغاثة الإنسانية سياسياً. بينما استُنفدت موارد المنظمات المتخصصة كـ«سامز» وشركائها نتيجة الهجمات الممنهجة على المرافق وموجات النزوح الكبيرة. يرى الزملاء عجز الأمم المتحدة عن حمايتهم واضحاً في الإحاطة الأخيرة عن الوضع في سوريا لمجلس الأمن في السابع عشر من مايو (أيار) الجاري، حيث ذكرت الإحاطة الكثير من الحقائق والأرقام والمعلومات عن الوضع الإنساني دون القدرة على إحداث أي تغيير.
رغم الأمل الظاهر على وجوه المدنيين في العودة عندما كنت في سوريا العام الماضي، فإن كل شخص قابلته لم يكن مقتنعاً بأن وقف النار سيكون مستداماً. سكان إدلب يريدون الاستقرار طويل الأجل والسلام. إنهم يدعون المجتمع الدولي وقادة العالم إلى ضمان استمرار وقف إطلاق النار وتجميد الصراع والعمل على محاسبة الجناة، ولا تختلف آمالهم كثيراً بالهدنة التي بدأت في 18 مايو الحالي عن تلك التي بدأت في سبتمبر الماضي.
في أثناء مغادرتي، أخبرني خالد: «لا يهمني أن أموت، ولكني آمل أن أوصل رسالتي، وأن أحترم الثقة التي أُوليت لي كطبيب. آمل أن تكون عائلتي آمنة، وأدعو لأطفال سوريا أن يكون لهم مستقبل أفضل من دون قنابل أو جوع أو تهجير».
* رئيس الجمعية الطبية
السورية - الأميركية (سامز)



مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.


العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
TT

العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)

في أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني عقب أدائها اليمين الدستورية، لم تُستقبل بخطاب تهنئة بروتوكولي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بقدر ما وجدت نفسها أمام برنامج عمل صارم، يمكن عدّه وثيقة توجيه سياسي واقتصادي وأمني، ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد بوضوح معايير النجاح والفشل.

العليمي الذي ترأس الجلسة الأولى لمجلس الوزراء تحدث بلغة مباشرة، محمّلاً الحكومة مسؤولية مضاعفة في ظرف استثنائي؛ إذ أكد أن البلاد لم تعد تحتمل إدارة تقليدية أو حلولاً مؤقتة، قائلاً: «ندرك جميعاً أن المهمة ليست سهلة، لكن ليس أمامكم سوى خيار واحد: العمل، ثم العمل، ثم العمل».

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على مفهوم «صناعة النموذج» بوصفه جوهر المهمة الحكومية، عادّاً أن الحكومة الجديدة «ليست مجرد تغيير أسماء أو تدوير مواقع؛ بل رسالة سياسية تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وقال إن «صناعة النموذج، مع استعادة ثقة المواطنين والأشقاء والأصدقاء، جزء لا يتجزأ من المعركة الوطنية، وليس مساراً منفصلاً عنها»، في إشارة إلى أن الأداء الحكومي بات ساحة مواجهة موازية للصراع مع الميليشيات الحوثية.

وأوضح أن الحكومة تحمل بعداً أوسع للشراكة، ونقلاً تدريجياً لصناعة القرار إلى جيل جديد، مضيفاً أن الرهان الحقيقي على الشباب والنساء؛ «ليس فقط لإنجاح التجربة، بل لفتح الطريق أمام أجيال متعاقبة، وبناء مسار أوسع للشراكة القابلة للاستمرار».

محددات اقتصادية وأمنية

واحتل الملف الاقتصادي صدارة توجيهات العليمي، الذي ربط بين الاستقرار الاقتصادي وبقاء الدولة، مؤكداً أن تنمية الموارد أولوية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية؛ «بل هي شرط أساسي لإحداث تغيير حقيقي في ميزان القوى».

وأشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن المعركة «لم تعد مقتصرة على ميليشيا الحوثيين الانقلابية؛ بل تشمل اختلالات متراكمة، وفقراً متصاعداً، وتضخماً أنهك المواطنين، وفقداناً للثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد بعدالة وكفاءة».

وقال: «هدفنا العام في هذه المرحلة هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والتخفيف من معاناة المواطنين»، من خلال دعم استقلالية «البنك المركزي»، وحماية العملة الوطنية، وضمان حد أدنى من اليقين الاقتصادي.

وزراء حكومة الزنداني مع العليمي عقب تأدية اليمين الدستورية (سبأ)

وشدد على أن كبح التضخم، واحتواء تآكل القوة الشرائية، هما «المعيار اليومي الذي يقيس به المواطن صدقية الدولة»، مؤكداً أن ذلك يتطلب «انضباطاً مالياً صارماً، وموازنة واقعية، وتوريداً كاملاً للإيرادات إلى حساب الدولة»، مضيفاً: «لا يمكن الحديث عن دولة بينما يتم استنزاف مواردها خارج خزينتها العامة».

وفي المحور الأمني، أعاد العليمي التأكيد على أنه «لا دولة بلا أمن، ولا أمن دون مؤسسات عادلة»، رافضاً السرديات التي تتحدث عن فراغ أمني، وعدّها «محاولة لإرباك الثقة، واستهدافاً للجهود الإقليمية، خصوصاً الدور السعودي في توحيد القرار الأمني والعسكري».

وأكد على مسؤولية وزارة الداخلية في تعزيز حضورها الأمني، ليس شكلياً؛ «بل عبر انتشار مدروس يستهدف مناطق الضعف ومصادر العنف»، داعياً إلى الانتقال من رد الفعل إلى العمل الاستباقي.

وقال: «الأمن الذي نريده ليس استعراض قوة، بل هو سيادة قانون، وانضباط مؤسسي، ورسالة طمأنينة يومية يشعر بها الناس في حياتهم»، مع التشديد على «حماية الحريات العامة، وموظفي الإغاثة، وتجريم الخطاب الطائفي والمناطقي».

الاختبار العملي

وشدد العليمي على أن جعل عدن عاصمة حقيقية للدولة يمثل اختبار الجدية الأول للحكومة، مشيراً إلى أن إحداث الفارق لن يتحقق إلا عبر 3 محاور متلازمة؛ هي «الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، والأمن وسيادة القانون، والخدمات».

ودعا إلى عودة الحكومة فوراً إلى الداخل، والانتظام في اجتماعاتها، وعدم تسييس الخدمات تحت أي ظرف، «باستثناء ما يتعلق بمنع استفادة الميليشيات الحوثية، وهو أمر محسوم بقرارات دولية».

وأكد أن المواطن لا يعنيه من ينتصر سياسياً؛ «بل من يدفع الرواتب، ومن يوفر الكهرباء والماء، ويضبط الأسعار، ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار»، محذراً بأن أي انقسام داخل الحكومة سينعكس مباشرة على حياة الناس.

الزنداني يؤدي اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية (سبأ)

وأولى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني اهتماماً خاصاً بالشراكة مع السعودية، واصفاً إياها بأنها ليست علاقة عاطفية؛ بل «طريقنا الآمن للمستقبل»، وبأنها تقوم على المصالح والمصير والأمن المشترك.

وأكد أن الدعم السعودي أسهم في تحسن الخدمات خلال الأسابيع الماضية، داعياً إلى «البناء عليه، والاستفادة المثلى من المنح والمساعدات عبر القنوات الرسمية، بما يعزز الثقة بالعهد الجديد».

من جهته، عدّ رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن توجيهات العليمي تمثل محددات واضحة لعمل الحكومة، مؤكداً التزامها «العمل المؤسسي، وتعزيز الرقابة، وعدم التهاون مع أي تجاوز للقانون، واستغلال الفرصة التاريخية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب».