تونس.. الرهان الأكبر

أكثر من 170 حزبا.. أغلبها تستعد للانتخابات التشريعية

تونس.. الرهان الأكبر
TT

تونس.. الرهان الأكبر

تونس.. الرهان الأكبر

عادة ما يتزامن شهر أغسطس (آب) في تونس مع خروج التونسيين في إجازاتهم الصيفية وتوجههم نحو مواطنهم الأصلية أو نحو المدن الساحلية طلبا للراحة والاستجمام ويبتعدون بذلك عن أخبار السياسة والسياسيين.. لكن الأمر كان مختلفا هذه السنة، إذ لاحقت أخبار السياسة التونسيين وفرضت نفسها عليهم حيثما كانوا، وذلك بسبب تزامن شهر أغسطس الماضي مع أوج إعداد الأحزاب السياسية للوائحها الانتخابية استعدادا لانتخابات 26 أكتوبر (تشرين الأول). وقد رافق عملية اختيار الأحزاب لرؤساء لوائحها ضجيج كبير، وكثر الحديث عن وجود خلافات داخلية عميقة وحتى عن استقالات وانشقاقات صلب بعض الأحزاب. وقد أثارت هذه الأخبار اهتمام الكثير من التونسيين وجعلتهم يعيشون أجواء هذه الانتخابات المقبلة بشكل مبكر. ومن المنتظر بعد هذه «المعارك» الداخلية أن تبدأ الأحزاب في إعداد العدة لحملاتها الانتخابية والتعريف بمرشحيها وبرامجها، في أكبر استحقاق، وأهم رهان أمام البلاد، التي تخطو بشكل حثيث نحو الاستقرار، رغم المخاوف الأمنية، الناتجة من تصاعد العمليات الإرهابية في الداخل وعلى الحدود وفي المنطقة، وانعكاسات الوضع الاقتصادي المتأزم.
السؤال الذي يخامر أذهان التونسيين اليوم سواء وسط الطبقة السياسية أو الرأي العام هو ما إذا ستكون انتخابات 26 أكتوبر 2014 المنتظرة مختلفة عن انتخابات 23 أكتوبر 2011، وذلك ليس في مستوى النتائج فحسب، بل في الممارسة السياسية نفسها. ويمكن القول إن أول المفاجآت هو عدد اللوائح الانتخابية التي ستتقدم لانتخابات 26 أكتوبر التي ناهزت 1500 لائحة مقابل أكثر من 1600 لائحة انتخابية في انتخابات 2011.

* التشتت من جديد
* أظهرت انتخابات 2011 أن نحو مليون ونصف المليون ناخب (ما يمثل ثلث عدد الذين اقترعوا في تلك الانتخابات) تفرقت أصواتهم على عدد كبير من المرشحين ولم يتمكنوا بسبب العدد الكبير من اللوائح التي خاضت غمار هذه الانتخابات سواء من الأحزاب أو من المستقلين من إيصال من صوتوا لهم إلى المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي). وقد أكدت الكثير من الأحزاب غداة الانتخابات أنها «استوعبت الدرس» وأنها ستعمل في المواعيد الانتخابية المقبلة على «تكوين تحالفات انتخابية واسعة لـ«مواجهة حركة النهضة الإسلامية» التي فازت بانتخابات 2011 بحصولها على 89 مقعدا من جملة 217 مقعدا، وجمع مرشحوها أصوات نحو مليون ونصف المليون ناخب، وهو نفس عدد الأصوات التي وصفت بأنها «ذهبت أدراج الرياح» بسبب تعدد اللوائح وتشتت أصوات الناخبين. وعملا على تجاوز ظاهرة التشتت وضياع الأصوات أقدمت 5 أحزاب من عائلات سياسية مختلفة، في صائفة 2013 بعد اغتيال محمد البراهمي النائب في المجلس الوطني التأسيسي والقيادي في التيار الشعبي (حزب قومي عربي)، هي «حزب نداء تونس» (ليبرالي)، و3 أحزاب ذات توجهات يسارية هي «حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي»، و«حزب العمل الوطني الديمقراطي» و«الحزب الاشتراكي اليساري»، و«الحزب الجمهوري» (وسط اليسار) حينها على تكوين ما يسمى «الاتحاد من أجل تونس»، وهو عبارة عن جبهة سياسية.
وجرت مشاورات كثيرة من أجل تحويل هذه الجبهة السياسية إلى تحالف انتخابي. ولكن العملية فشلت لتقرر أغلب الأحزاب دخول الانتخابات المقبلة بشكل منفرد. ويمكن القول بناء على عدد اللوائح المقدمة لانتخابات 2014 أن ظاهرة تشتت الأصوات سيكون لها تأثيرها من جديد على النتائج المنتظرة وأن الكثير من الأصوات التي ستذهب إلى القوائم المستقلة أو إلى الأحزاب «الصغيرة» التي ليس لها إشعاع كبير على المستوى الوطني لن يتمكن أصحابها من الوصول إلى «مجلس نواب الشعب» وهي التسمية الجديدة التي ستطلق على البرلمان التونسي بعد الانتخابات المقبلة.
* تصنيفات
* يوجد في تونس اليوم نحو 170 حزبا سياسيا سيشارك الكثير منها في انتخابات 26 أكتوبر 2014. وسيكتفي البعض من الأحزاب بالمشاركة في عدد محدود من الدوائر وحتى في دائرة واحدة أو في دائرتين بالنسبة لبعضها، فإن ما يعرف بـ«الأحزاب الكبرى»، ستشارك في كل الدوائر وعددها 33 دائرة 27 دائرة في الداخل و6 دوائر في الخارج.
ولئن كان يصعب القيام بعملية ترتيب موضوعية ودقيقة للأحزاب التونسية من حيث قوتها وإشعاعها على الساحة السياسة فإن مختلف التصنيفات للأحزاب اليوم تعتمد بالأساس على نتائج انتخابات أكتوبر 2011 رغم أن بعض الأحزاب، وخصوصا «حزب نداء تونس» لم تكن موجودة حينها، فضلا عن بروز أحزاب أخرى هي بالأساس منشقة عن أحزاب أخرى معروفة تاريخيا على الساحة السياسية التونسية.
وعلى هذا الأساس يصنف المراقبون الأحزاب السياسية التونسية إلى مستويات كثيرة يأتي على رأسها في الصف الأول كل من حزب حركة النهضة (إسلامي) الذي يتزعمه راشد الغنوشي، و«حزب نداء تونس» الذي يرأسه الباجي قائد السبسي، وذلك اعتمادا على استطلاعات الرأي التي غالبا ما أعطت كليهما نسبا متقاربة من الأصوات تتراوح بين 25 و35 في المائة لكل منهما.
وفي مستوى ثان نجد مجموعة أخرى من الأحزاب مثل «حزب التكتل من أجل العمل والحريات» برئاسة مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي و«حزب المؤتمر من أجل الجمهورية» الذي كان يرأسه محمد المنصف المرزوقي قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية، و«الحزب الجمهوري» الذي تقوده مية الجريبي وأحمد نجيب الشابي، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي (الحزب الشيوعي التونسي سابقا) ويقوده سمير الطيب. كما نجد في هذا المستوى «الجبهة الشعبية» وهي عبارة عن تحالف بين عدد من الأحزاب اليسارية والقومية وعلى رأسها «حزب العمال» الذي يترأسه حمة الهمامي. كما تحوم أسئلة كثيرة حول حظوظ «تيار المحبة» الذي يتزعمه الهاشمي الحامدي، القيادي السابق في حركة «الاتجاه الإسلامي» (النهضة حاليا) والذي خاض الانتخابات السابقة باسم «العريضة الشعبية» التي حصلت على المرتبة الثانية بعد حركة النهضة بـ29 مقعدا في المجلس التأسيسي. وفي مستوى آخر نجد «حزب المبادرة» الذي يترأسه كمال مرجان آخر وزير خارجية لتونس في عهد بن علي، وحزب «آفاق تونس» برئاسة ياسين إبراهيم و«التحالف الديمقراطي» برئاسة محمد الحامدي المنشق عن الحزب الجمهوري و«التيار الديمقراطي» برئاسة محمد عبو المنشق عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحركة وفاء برئاسة عبد الرؤوف العيادي المنشقة عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.
كما نجد مجموعة أخرى من الأحزاب التي تصف نفسها بالبورقيبية نسبة للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة أو الدستورية نسبة للحزب الاشتراكي الدستوري الذي تحول في ما بعد إلى التجمع الدستوري الديمقراطي، وتترأس بعض هذه الأحزاب شخصيات عملت مع بورقيبة وزين العابدين بن علي، مثل حامد القروي الوزير الأول الأسبق لـ«بن علي»، ونائب رئيس التجمع الدستوري الديمقراطي الذي وقع حله بعد يناير (كانون الثاني) 2011، والذي شغل أيضا مناصب وزارية مع بورقيبة. ومجموعة من الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية التي ستخوض بدورها الانتخابات المقبلة ولا يعرف الكثير عن حجمها وإشعاعها. وكذلك الشأن بالنسبة لبعض الأحزاب ذات التوجه القومي العروبي التي ستخوض الانتخابات منفردة. ويرى الكثير من المراقبين أن العامل الأبرز المختلف بين انتخابات 2011 وانتخابات 2014 وانتخابات هو ظهور حزب نداء تونس. وهو حزب لم يكن موجودا خلال انتخابات 2011 السابقة ويجمع في صفوفه عناصر من حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل ونقابيين ويساريين ومستقلين. ويقول مؤسسوه إنهم بعثوا الحزب من أجل «تحقيق التوازن على الساحة السياسية» (المقصود خلق توازن مع حركة النهضة الإسلامية التي فازت بانتخابات 2011). وهذا التوازن يبدو أنه تحقق ولو نظريا بالاعتماد على استطلاعات الرأي التي غالبا ما أعطت «النهضة» و«النداء» نسبا متقاربة في نيات التصويت للانتخابات المقبلة. ولكن حزب نداء تونس عاش في الأيام الأخيرة عواصف كثيرة بسبب اختيار لوائحه الانتخابية، وهو أمر لم يرض عنه بعض قيادييه وقواعده في الجهات، وأعلن عدد منهم عن استقالتهم من الحزب وتقدم بعضهم على لوائح أحزاب أخرى أو على لوائح مستقلة، والسؤال المطروح اليوم يتعلق بمدى تأثير هذه الأوضاع التي عاشها الحزب على نتائجه في الانتخابات المقبلة.
من جانبها، لم تتحالف حركة النهضة مع أي حزب سياسي واستعانت فقط بعدد من المستقلين من بينهم وزراء سابقون في حكومة علي العريض ليكونوا رؤساء للوائحها الانتخابية. كما أن الحركة لم تشهد مشكلات داخلية كبرى بسبب اختيار مرشحيها. وهذا ما يؤكد مدى الانضباط السائد بين قيادييها وإطاراتها وقواعدها وأنصارها، رغم أن هذا الانضباط الذي أظهرته الحركة لا يعني وفق بعض المسؤولين فيها أو المقربين منها أنه «لم تكن هناك خلافات حول بعض الاختيارات». ويمكن القول إن الحركة ستدخل غمار الانتخابات المقبلة دون مشكلات داخلية قد تؤثر على حظوظها.

* الأمن والاقتصاد أولوية الجميع في البرامج الانتخابية
* ماذا عن الحظوظ المنتظرة لكل حزب وما هي خطط وبرامج الأحزاب لاستمالة الناخبين؟ تعكس خطابات بعض الأحزاب، وخصوصا الفاعلة منها على الساحة السياسية التونسية ثقة متناهية بشأن حظوظها في الانتخابات المقبلة رغم أن البعض يعد مثل هذه الخطابات الموغلة في التفاؤل «تكتيك» انتخابي وليس قراءة مبنية على معطيات واقعية. فقياديو حركة النهضة ولئن لم يتحدثوا عن نسبب محددة ينتظرون تحقيقها في الانتخابات المقبلة فإن بعضهم أكدوا أن الحركة ستفوز بثقة أغلبية التونسيين من جديد. ووفقا لبعض المصادر القريبة من الحركة فإن «النهضة» تتطلع لتحقيق نفس نتائج انتخابات 2011 على الأقل، وخصوصا المحافظة على ما يسمى «الثلث المعطل» من عدد نواب مجلس نواب الشعب الذي ستفرزه الانتخابات المقبلة. وفي المقابل ما فتئ قياديون في حزب نداء تونس يؤكدون أنهم سيفوزون بالانتخابات المقبلة، مستندين بالخصوص إلى بعض نتائج استطلاعات الرأي، ومقللين في ذات الحين من تداعيات المشكلات الأخيرة التي عاشها الحزب. أما بقية الأحزاب فلا أحد بإمكانه التكهن بالنتائج التي ستحققها رغم أن البعض يتحدث عن إمكانية حصول مفاجآت من عدد من الأحزاب، وذلك مقارنة بنتائج انتخابات مثل التحالف الديمقراطي، أو حزب المبادرة ومن تيار المحبة الذي يمكن أن يحدث مفاجأة جديدة.
أما على مستوى البرامج الانتخابية فإنه وإلى حد الآن لم تكشف الأحزاب التونسية التي ستشارك في الانتخابات المقبلة بشكل رسمي عن تفاصيل برنامجها الانتخابية. ويرى الكثير من المراقبين أن توجهات أغلب الأحزاب لا يختلف بعضها عن بعض خاصة على المستوى الاقتصادي، باستثناء بعض الأحزاب اليسارية التي تتحدث عن منوال تنموي جديد يختلف جذريا عن النهج الليبرالي الذي تعتمده تونس منذ عقود، أو الدعوة إلى تغيير نموذج المجتمع التونسي بالنسبة لبعض الأحزاب اليمينية ذات التوجه الديني التقليدي. ويتوقع هؤلاء المراقبون أن تسيطر قضية «مكافحة الإرهاب» و«معالجة الوضع الاقتصادي المتأزم للبلاد» على الحملة الانتخابية المقبلة، ويؤكدون أن هاتين المسألتين تمثلان أولوية بالنسبة للتونسيين الذين ينتظرون من الأحزاب السياسية مقترحات وأفكارا بهذا الشأن.
من جهة أخرى، بدأت الساحة السياسية التونسية تشهد جدلا واسعا حول طرق تمويل الأحزاب السياسية لحملاتها الانتخابية ومدى التزام الجميع بتطبيق القوانين في هذا الخصوص. وتذهب بعض الأوساط إلى القول إن المال سيكون عاملا محددا في نتائج الانتخابات المقبلة وإن الإمكانيات بين الأحزاب ستكون متفاوتة جدا، وسيكون لذلك تأثيره على هذه النتائج. وقد غذى هذا الجدل وجود الكثير من أصحاب المؤسسات على رأس لوائح انتخابية لبعض الأحزاب من بينها، وخاصة حزبي النهضة ونداء تونس. وهو خيار كان محل اختلاف في الآراء، حيث انتقدت بعض الجهات هذا الخيار وقادت ما يشبه الحملة ضده، في حين عده آخرون مسألة طبيعية وأنه من حق رجال ونساء الأعمال الترشح لعضوية البرلمان مثل أي مواطن تونسي آخر، دون أن يكونوا محل «شبهة». كما أثار الحضور الضعيف للمرأة التونسية في اللوائح الانتخابية استياء الكثير من الأوساط، وخصوصا الجمعيات ذات التوجه النسوي والحقوقي. ويتوقع بالنظر إلى موقع المرأة في اللوائح الانتخابية أن يكون تمثيل النساء في البرلمان التونسي القادم أقل من تمثيليتها في المجلس الوطني الحالي بعد التخلي عن خيار التناصف في تكوين اللوائح الانتخابية.
أما الرهان الأكبر والأهم بالنسبة للانتخابات المقبلة حسب الكثير من المتابعين للشأن التونسي فيتعلق بالجانب الأمني والاحتياطات التي ستتخذ حتى تجري هذه الانتخابات في أجواء عادية خاصة مع تنامي الحديث من جهات رسمية عن وجود تهديدات إرهابية جدية مع قرب موعد الانتخابات، والتأكيدات المتكررة لأكثر من جهة سياسية وحزبية، أن «الجماعات الإرهابية ستعمل على إفشال المسار الانتخابي في تونس»، وهو أهم ملف تعمل عليه السلطات الأمنية والعسكرية التونسية في علاقة بالانتخابات المقبلة وفق عدد من المصادر.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟