«جنيف 2» في موعده لتشكيل حكومة مؤقتة بصلاحيات كاملة

لافروف التقى الجربا.. ومعارك المعارضة و«داعش» توقع 700 قتيل في سوريا

الأمير سعود الفيصل، وإلى يساره رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا، يتوسطان وزراء خارجية الدول الأساسية لـ«أصدقاء سوريا» بعد اجتماعهم في باريس أمس (أ.ب)
الأمير سعود الفيصل، وإلى يساره رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا، يتوسطان وزراء خارجية الدول الأساسية لـ«أصدقاء سوريا» بعد اجتماعهم في باريس أمس (أ.ب)
TT

«جنيف 2» في موعده لتشكيل حكومة مؤقتة بصلاحيات كاملة

الأمير سعود الفيصل، وإلى يساره رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا، يتوسطان وزراء خارجية الدول الأساسية لـ«أصدقاء سوريا» بعد اجتماعهم في باريس أمس (أ.ب)
الأمير سعود الفيصل، وإلى يساره رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا، يتوسطان وزراء خارجية الدول الأساسية لـ«أصدقاء سوريا» بعد اجتماعهم في باريس أمس (أ.ب)

اعتبرت مصادر دبلوماسية في باريس أن اجتماع المجموعة الأساسية من أصدقاء سوريا أو ما يعرف بـ«مجموعة لندن» في باريس أمس، والذي حضره، إلى جانب رئيس الائتلاف الوطني السوري أحمد الجربا، كل وزراء خارجية دول «مجموعة لندن» الـ11: «مرحلة مهمة أتاحت إطلاق دينامية سياسية جماعية» وبينت «وحدة الموقف» لجهة التمسك بانعقاد مؤتمر «جنيف2» للسلام في سوريا، وخصوصا «عمل الجميع في الاتجاه نفسه».
وشرحت المصادر المشار إليها معنى الجملة الأخيرة بالقول إن الساعات الثماني والأربعين الأخيرة وفرت الفرصة للتأكيد على التزام جميع الحاضرين إزاء المجموعات المقاتلة ميدانيا «لتوفير المناخ السياسي الذي يتيح للائتلاف الوطني السوري قبول المشاركة في مؤتمر جنيف2».
وفهم من أوساط أحمد الجربا ومن أوساط دبلوماسية أخرى أن «مجموعة من اللقاءات مع القادة الميدانيين ستجري في الساعات القادمة وقبل استحقاق الـ17 من الشهر الجاري حيث يفترض أن يحسم الائتلاف موقفه ويتخذ قرارا لجهة المشاركة من عدمها من أجل (توفير الغطاء) الضروري للذهاب إلى جنيف بحيث لا يكون هناك قطيعة بين الوفد المفاوض ومن هو موجود ميدانيا».
وشددت المصادر المشار إليها على أن «عمل مجموعة الـ11 في الاتجاه نفسه وتسخير قدراتها على التدخل لدى الجهات التي تستمع إليها بالغ الأهمية» الأمر الذي يعني عمليا منع الانشقاقات والمحافظة على وحدة الائتلاف ووجود تناغم بين القوات المقاتلة والممثلين السياسيين للمعارضة. ونقل عن الجربا قوله للوزراء الـ11 إنه «يتعين عليهم التوجه للشعب السوري لإفهامه ما الغرض من جنيف» كما يتعين عليهم أن «يعملوا يدا واحدة وفي الاتجاه نفسه».
وفي كلمته المختصرة عقب انتهاء الاجتماع، لخص وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الموقف العام بقوله: «لا حل للأزمة السورية إلا الحل السياسي ولا إمكانية للحصول على حل سياسي من غير اجتماع جنيف2 الذي يوفر الجواب على تطلعات الشعب السوري المشروعة والتي تتحكم بعودة سوريا إلى الاستقرار والسلام».
وأكملت مصادر قريبة منه بالقول إن كل ذلك مربوط بنجاح الائتلاف السوري الذي تلقى رئيسه رسالة الدعوة في التوافق على موقف إيجابي من المؤتمر الدولي الموعود. وقال فابيوس إن «جنيف2»: «يجب أن يعقد في موعده» وأن تكون غايته «توفير قيام عملية انتقال سياسي تضع حدا للنظام الاستبدادي الحالي وتقوم على تطبيق خريطة الطريق لجنيف1».
ورد الجربا على الوزير الفرنسي بالقول إنه «طرح الهواجس التي تعتري السوريين وعرض المطالب وأوضح حقيقة ما يجري على الأرض»، في إشارة ضمينة إلى الشروط التي طرحها الائتلاف لقبول جنيف2. ووصف الاجتماع بأنه «استثنائي وخرج بقرارات واضحة وهامة» مضيفا أن «تنحية (الرئيس السوري بشار) الأسد من أي مشهد من مستقبل سوريا باتت أمرا محسوما». وأشار الجربا إلى أن «عملية تسليم السلطة بكل مؤسساتها أصبحت موضع إجماع مدون ولا مجال للنقاش فيه». وفي رأيه أن الأزمة السورية «دخلت مرحلة الحسم».
غير أن لا الجربا ولا الوزير الفرنسي ولا المصادر التي تابعت الاتصالات أمس أشار إلى أن رئيس الائتلاف وعد بقبول دعوة أمين عام الأمم المتحدة ما يعني أن خيار المشاركة أو عدم المشاركة ما زالتا قائمتين. وذهبت بعض المصادر إلى القول إنه «لا يمكن الحسم اليوم» وإن «جنيف2» سيرى النور، وإن ما سعت إليه مجموعة الـ11 هو لتوفير الظروف كي يعقد المؤتمر.
وفي لقاء لافت، التقى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الجربا على هامش اجتماع باريس. ويعتبر اللقاء الثنائي النادر، الذي لم ترشح عنه أي تفاصيل، مهما لناحية التنسيق قبل اجتماع «جنيف2»، وبمثابة تلبية للدعوة التي تلقاها الائتلاف لزيارة موسكو. وأفادت وزارة الخارجية الروسية على صفحتها عبر «تويتر» أن لافروف أجرى محادثات مع الجربا، أرفقته بصورة أظهرت الجربا ولافروف ومرافقيهما حول طاولة المحادثات.
وشهدت العاصمة الفرنسية اتصالات ومشاورات على كل الخطوط والصعد شارك فيها غالبية الوزراء الموجودين فيها والمبعوث الدولي - العربي الأخضر الإبراهيمي. بيد أن الأنظار تتجه إلى الاجتماع الذي سيلتئم صباح اليوم في مقر السفير الأميركي في باريس ويضم وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره لافروف والإبراهيمي.
وتمخض اجتماع الـ11 عن بيان مطول من 14 فقرة أطلق عليه اسم «بيان باريس للمجموعة الأساسية» جرى التفاوض على تفاصيله في اجتماع الخبراء السبت. وتذكر الفقرة الأولى بأن الغرض من «جنيف2» هو «تمكين الشعب السوري من التحكم بمستقبله وإنهاء النظام الاستبدادي الحالي من خلال تنفيذ عميلة انتقال سياسي حقيقية». فيما تندد الفقرة الثانية بـ«فظائع النظام التي يرتكبها ضد شعبه بمساندة حزب الله وغيره من المجموعات الأجنبية»، متوقفة عند استخدام البراميل المتفجرة وسياسة التجويع التي تعتبرها «جريمة حرب» وتدعو المجتمع الدولي لرفض استمرارها.
وتدعو «مجموعة لندن» النظام إلى وقف هجماته العشوائية ضد المدنيين فورا وإطلاق سراح جميع الأشخاص المعتقلين بصورة تعسفية والسماح بوصول المساعدات الإنسانية. والأهم في الفقرة الثالثة أن البيان «يحث روسيا وإيران على استخدام نفوذهما الكامل على النظام» من أجل الانصياع لهذا الطلب ما يعني عمليا تحميلهما مسؤولية الأعمال التي يرتكبها النظام.
ويخصص البيان فقرة كاملة للتنديد باللعبة المزدوجة التي يلعبها النظام الذي يقول من جانب إنه جاهز للمشاركة في مؤتمر «جنيف2» ومن جهة أخرى يرفض الغرض من التئامه المنصوص عليه في رسالة الدعوة وفي قرار مجلس الأمن رقم 2118 أي إقامة سلطة انتقالية تتمتع بكافة الصلاحيات التنفيذية.
وقالت المصادر الدبلوماسية إن على روسيا «مسؤولية كبرى» لأنها ساهمت في بلورة خريطة الطريق وصوتت لصالح قرار مجلس الأمن وتؤكد أنها تريد حلا سياسيا وبالتالي فإنها لو لم تعمل في هذا الاتجاه فسيعني وجود تناقضات بين ما تقوله وتفعله.
واستبق الـ11 قرارا قد يتخذه النظام لجهة تنظيم انتخابات رئاسية يترشح الأسد لها، إذ أكدت المجموعة أن الانتخابات «في حال تناقض تام» مع عملية «جنيف2» وأنها ستكون بمثابة «مهزلة» من أجل «إبقاء رجل في السلطة تعتبر الأمم المتحدة أنه ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية». ونبهت إلى أن مجموعة الـ11 ستعتبر انتخابات كهذه باطلة سلفا.
وتريد المجموعة «الفقرة 7» تحديد مهلة زمنية لكي لا تجرجر المحادثات في جنيف إلى ما لا نهاية. بيد أن المصادر الدبلوماسية رفضت تحديد مهل معينة تاركة الأمور للمتفاوضين. لكنها بالمقابل اعتبرت أنه يتعين أن تفضي مسيرة جنيف إلى «تحقيق منافع فورية للشعب السوري» مطالبة «جميع الأطراف» بوقف استخدام الأسلحة الثقيلة خلال عملية التفاوض والتزام بهدنات إنسانية. وتمثل الفقرة الأخيرة استجابة «جزئية» لمطالب المعارضة التي تتمسك بوقف القصف وإطلاق السجناء قبل المفاوضات. ويشدد الـ11 على أنه «حالما تقام الهيئة الحاكمة الانتقالية التي تسيطر على جميع المؤسسات الحكومية ومن ضمنها القوات المسلحة وأجهزة الأمن والمخابرات لن يكون لبشار الأسد وشركائه المقربين الملطخة أيديهم بالدماء أي دور في سوريا» لا بل إن الفقرة 8 تشدد على محاسبة «جميع المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية».
وفي مسعى لطمأنة الجهات المترددة بدعم أطراف في المعارضة، حث البيان «جميع المجموعات المسلحة (المعارضة) أن تحترم قيم الديمقراطية والتعددية وتعترف بالسلطة السياسية للائتلاف» فيما الفقرة ما قبل الأخيرة أدانت وجود المقاتلين الأجانب في سوريا معددة منهم حزب الله أو القوات المدعومة من إيران أو «المقاتلين ضمن المجموعات المتطرفة» مطالبة بخروجهم من هناك.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.