المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات

ثلاثة أسابيع في نيويورك وواشنطن وديربورن

المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات
TT

المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات

المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات

سيكون من المكابرة بمكان أن أدّعي، أنا الذي زرت بلداناً ومدناً كثيرة، أنني لم أشعر بالغبطة البالغة وأنا أتلقى الدعوة لزيارة الولايات المتحدة وإحياء أمسية شعرية في نيويورك، وفي المقر الإداري للجامعة الأميركية في بيروت على وجه التحديد. لم يدر في خلدي إذ ذاك أي شيء يتصل بالدور السلبي الذي لعبته، وما زالت تلعبه، الدولة الأقوى في العالم في تقرير مصائر الشعوب والاستحواذ على مقدراتها وثرواتها الطبيعية. ولم تكن الغبطة تلك لتقع في خانة التغاضي عن السياسات الظالمة والهوجاء لمن تسببوا، وهم يتربعون على سدة الإدارات المتعاقبة، في إجهاض الكثير من الثورات، وإخماد الكثير من الوعود، ووأد الكثير من الأحلام وهي لا تزال طفلة في المهد. ولم أكن لأنسى بالقطع أن أميركا، وفق ما يقوله تزفيتان تودوروف، قامت على خطيئتين أصليتين، تتمثل الأولى في كون الدعم الذي تلقاه كريستوفر كولومبوس من ملكي إسبانيا المنتشيين بسقوط الأندلس، كان هدفه الحصول على المعدن الأصفر الذي يمكّنهما لاحقاً من استئناف الحروب الصليبية المجهضة واسترجاع بيت المقدس، وتتمثل الثانية في التسبب بمذابح الهنود الحمر وبناء الهيكل الرمزي لروما الجديدة على أنقاض أهل البلاد وسكانها الأصليين. لم يكن كل ذلك غائباً بالطبع عن ذهني ووعيي المعرفي، لكن ما كان حاضراً بموازاة ذلك هو البعد الآخر للحلم الأميركي الأعمق الذي لا تعكسه الرطانة السمجة لخطب الرؤساء والطامحين للرئاسة، بل قولة المفكر والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث بأن «كل مفكر خلاق هو بمثابة كولومبوس جديد يبحث على طريقته عن (أميركاه) الشخصية وعن أرضٍ جديدة لأحلامه». وما كنت أبحث عنه في تلك الزيارة هو الوجه الأكثر نصاعة لأميركا البراءة والعدالة والمغامرة الإنسانية التي رسمها شاعرها الأعظم والت ويتمان في ديوانه «أوراق العشب»، حيث نقرأ له نصوصاً من مثل: «أغني الأنثى بالتساوي مع الذكر \ أغني الحياة الهائلة في الشغف والنبض والعنفوان \ البهيجة من أجل أقصى فعل متحرر تشكَّل في ظل القوانين السماوية \ أعني الإنسان الحديث».
في الطريق الطويلة والشاقة إلى نيويورك كانت تنتابني مشاعر متناقضة تتراوح بين الفضول ومتعة التعرف إلى المدينة الكوزموبولوتية التي تجسد الحداثة في أكثر تجلياتها المعرفية والتقنية من جهة، وبين المدينة التي لم ير فيها معظم الشعراء سوى أبراج صماء وسوق عملاقة للجشع وتنافس البورصات المالية على سحق الإنسان وتفريغ الحياة من مخزونها الروحي، من جهة أخرى. فغارسيا لوركا الذي خاطب والت ويتمان في ديوانه «شاعر في نيويورك» بقوله: «لم أكفّ للحظة واحدة يا والت ويتمان العجوز والجميل \ عن التملي برؤية لحيتك المغمورة بالفراشات \ وكتفيك المخمليين المصقولين بضوء القمر»، يعبر عن مشاعره السلبية إزاء مدينة الأبراج الشاهقة والأضواء التي تعشي العيون بالقول: «إنها رهبة البرودة والقسوة، مشاهد الانتحار ومصابي الهستيريا وحالات الإغماء. شعور مروع ولكن دون عظمة». ولم تكن مشاعر أدونيس العربي، حين زار المدينة بعد عقود، لتختلف كثيراً عن مشاعر سلفه الإسباني، وهو الذي بدت قصيدته الشهيرة «قبر من أجل نيويورك» بمثابة استشعار حدسي بما أصاب المدينة في الحادي عشر من أيلول سبتمبر من العام 2001 حيث يقول: «نيويورك - هارلم، مَن الآتي في مقصلة حرير؟ من الذاهب في مقصلة بطول الهدسون؟ انفجرْ يا طقس الدمع، تلاحمي يا أشياء التعب، هل جاءك طائر الموت وسمعت آخر الحشرجة؟ حبْلٌ والعنق يجدل الكآبة، وفي الدم سويداء الساعة». وحتى الشاعر الأميركي ألن غينسبيرغ الذي أطلق قصيدته «عواء» ضد التصحر الروحي الأميركي، لا يتردد في رمي المدينة بشظايا نقده الجارح، متحدثاً عن «الهبائيين برؤوس ملائكة الذين يتحرقون للوصال السماوي العتيق بالدينمو النجومي لمكننة الليل \ والذين بفقرٍ وفي خِرَق وبعيون مجوفة جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشقق بلا ماء حار \ ومن قُبض عليهم في لحاهم العانيّة عائدين إلى نيويورك بحزام من الماريغوانا».
قد لا يستطيع عابر مثلي، يزور نيويورك للمرة الأولى ولأيام معدودة فقط، أن يصدر حكماً حاسماً وعادلاً على واحدة من أكثر المدن غرابة واكتظاظاً وإرهاصاً بمآلات الحداثة ومصائر الكوكب الأرضي. صحيح أنني زرت على عجل معالم المدينة الأبرز، متنقلاً بين شارع برودواي والتايمز سكوير، وبين مبنيي الأمم المتحدة والأمباير ستيت، وبين جسري بروكلين وجورج واشنطن، وبين فندق الفير فارم الهادئ في نيو جيرسي وتمثال الحرية، وغير ذلك من المعالم، لكن الصحيح أيضاً أن التعرف إلى أحشاء المدينة وسريرتها العميقة وإيقاعها الباطني يحتاج إلى أشهر أو سنوات عدة. ومع أنني وقفت ذاهلاً إزاء ذلك الخلل الواضح في علاقة الجسد الإنساني الضئيل بفضائه المكاني الهائل الذي يعكسه أفراط الأبراج في الارتفاع وضخامة المباني المتخاصرة.
ومع ذلك فلم تبد لي المدينة بالقسوة التي تخيلتها أو قرأت عنها. ربما لأنني كنت أتوقع مسبقا مشاهدة ما شاهدته، وربما لأن الزمن قد تغير ولم يعد ذلك الاصطدام القاسي بين القادمين من الأرياف وبين المدن المعولمة يخلف وراءه ذلك النوع السلبي من ردود الفعل الرومانسية التي وسمت الأدب قبل عقود من الزمن. أما الأمسية الشعرية التي أقمتها هناك تحت عنوان «هجرة الكلمات»، فقد جاءت تلبية لدعوة مشتركة من الرابطة القلمية الجديدة التي أسسها الشاعر اللبناني المقيم في نيويورك يوسف عبد الصمد، والجامعة الأميركية في بيروت ممثلة بمسؤولة إعلامها لينا بيضون، والقنصل اللبناني العام في المدينة مجدي رمضان، فقد عكس الحضور الكثيف الذي ملأ قاعة اجتماعات الجامعة تعطش المهاجرين اللبنانيين والعرب إلى هذا النوع من الأنشطة الثقافية التي تكسر رتابة الحياة اليومية وتخفف من وطأة السباق المرهق لتحقيق الاكتفاء المادي والمكانة الاجتماعية المرموقة. وحيث تبدلت صروف الزمن ومآلاته عما كانت في مطالع القرن الفائت، حيث أخلى مهاجرو مطالع القرن الفائت من العمال وباعة «الكشة» أماكنهم وأدوارهم للأجيال اللاحقة من المثقفين وذوي الاختصاصات العلمية العالية، فقد بدا الحضور النيويوركي المستند إلى خلفية معرفية عميقة، والذي ضم نخبة من المثقفين والإعلاميين والسياسيين والشعراء اللبنانيين والعرب، قادراً على التفاعل مع القصائد الملقاة بما يتلاءم مع طبيعة النصوص والصور والمناخات التعبيرية، بعيداً عن التطريب السمعي والصخب الاحتفالي.
كان من المفترض أن تكون نيويورك هي المحطة الوحيدة في زيارتي الأولى إلى الولايات المتحدة، غير أن الأمور جرت على غير ما كان مخططاً لها. فقد حدث خلال وجودي هناك أن تلقيت «عرضاً» يصعب رفضه من الصديق عمر خالدية الذي اقترح استضافتي في منزله في فيرجينيا وإقامة أمسية هناك بدعوة من «مجلس الفكر العربي» الذي أسسه قبل سنوات الكاتب الفلسطيني محمد ربيع. وما شجعني على قبول الدعوة هو عرض آخر سخي من قريب لي بأن يقلني ذهاباً وإياباً في سيارته الخاصة، وهو ما أتاح لي أن «أتصفح» بالعين المجردة تلك المنبسطات الأرضية المترعة بالألوان التي سبق لعاشق السفر جاك كيرواك أن وصفها بالتفصيل في كتابه «على الطريق»، وهو يقطع أميركا من الوريد إلى الوريد. ورغم قصر المدة الزمنية المتاحة لي هناك فقد بدت العاصمة الفيدرالية واشنطن بامتدادها الأفقي وحدائقها الوارفة ومبانيها التراثية الباذخة ذات الطراز الباروكي، مختلفة تماماً عن نيويورك ذات التصميم العمودي والاكتظاظ المفرط في البشر والمباني. أما الأمسية الشعرية التي تم التحضير لها على عجل فقد حوّلها الحضور النوعي إلى لقاء دافئ وحميم على مائدة اللغة الأم. وفيما كان جيل الشبان المولودين في أميركا، والذين يجهلون العربية، غائباً بشكل شبه تام عن المناسبة، كان معظم الحضور من المخضرمين وذوي الأعمار المتقدمة نسبياً، والذين وفر لهم الشعر سبيل الانفصال عن حاضرهم، واستعادة ذلك الشطر القديم من أعمارهم الذي قضوه في ربوع أوطانهم الأصلية. وهو ما انعكس أيضا في السهرتين الحميميتين اللتين توزعتا تباعاً بين المساررة الوجدانية والنقاشات الفكرية والسياسية التي تتناول شؤون العرب الراهنة في الأوطان والمهاجر.
ولم يدر في خلدي، وأنا أعود إلى نيويورك متهيئاً لرحلة الإياب إلى بيروت، أنني سأتلقى دعوة جديدة من الصديق عون جابر الذي تمنى علي أن أستهل بأمسية شعرية أنشطة المؤسسة الثقافية، التي أنشأها في ديربورن، تحت اسم «الندوة للفكر الحر». ولم تكن الأمسية بحد ذاتها هي ما دفعني إلى تلبية الدعوة، بل الرغبة في التواصل مع أصدقاء وأقرباء ورفاق مخذولي الأحلام قرروا إبان الحروب الطويلة والعقيمة أن يضعوا ما تبقى من رهاناتهم في عهدة المدينة الأميركية المكتظة بالمهاجرين العرب واللبنانيين، وخصوصا الجنوبيين الذين يشكلون القسم الأكبر من سكانها والذين عكَس الكاتب اللبناني أحمد بيضون أحوالهم وتفاصيل عيشهم في كتابه المميز «بنت جبيل - ميشيغان».
والحقيقة أن ديربورن، الشبيهة بقرية واسعة والتي تنتشر على جنبات شوارعها اللافتات التي تحمل بالعربية أسماء أصحابها وأنواع معروضاتها، تمنح زوارها شعوراً بالألفة والحنو، وتجعل اللبنانيين منهم يشعرون كما لو أنها واحدة من قراهم الجنوبية الوادعة. أما الأمسية الشعرية التي أقيمت في «المتحف العربي الأميركي» فقد كانت مفاجأة المدينة الحقيقية بالنسبة لشخص مثلي لم تسبق له زيارتها من قبل. ليس فقط بسبب الحشد الغفير الذي غصت به القاعة بل بسبب ذلك الفيض من الحب والتواصل الإنساني والتفاعل الوجداني مع القصائد الملقاة في الآن ذاته. وقد انعكس ذلك أيضاً في التقديم اللافت للشاعرة زينب عساف، وفي الكلمات الترحيبية المؤثرة لكل من صاحب الدعوة عون جابر، والقنصل سوزان ياسين، والسفير السابق علي عجمي. وإلى زيارة المتحف العربي الذي تكفل رئيسه حسن جابر باطلاعي على ما فيه من صور المهاجرين الأوائل ومقتنياتهم، وزيارة شركة فورد ومتحفها الصناعي الفريد، كانت اللقاءات المتكررة مع الأصدقاء الجدد والقدامى، وسهرات الألفة والحوارات المحببة التي تمتد حتى الصباح في بعض الأحيان، تطبع الرحلة إلى أميركا بطابعها الأليف والتلقائي والبعيد عن التكلف. حتى إذا حانت لحظة المغادرة بعد سبعة عشر يوماً من الصخب والشعر ومتعة المغامرة والتواصل الإنساني والمعرفي، كان على القلب أن يقسم نفسه بالتساوي بين التطلع إلى نبضه الأوّلي، وبين الالتفات إلى الوراء حيث يخلّف وراءه ذكريات لا تمّحي وأصدقاء لا سبيل إلى نسيانهم.



«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات
TT

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«آيرلندا موجودة لكن الكاتب لا يتحمل وزر إن زارها أحدهم ولم يجدها»، بهذه العبارة يقدم الكاتب الألماني الشهير هاينريش بول (1917 - 1985) لكتابه المعنون «يوميات آيرلندية» لأنه يعرف عن يقين أن الآخرين لن يشاهدوا آيرلندا بعينيه، التي وثق رحلته إليها بمزيج نادر من الحس الإنساني مع الملحوظات العفوية المشحونة بالسخرية اللاذعة.

الكتاب صدرت ترجمة جديدة له أنجزها ماجد الخطيب عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، وتبلغ أهمية الكتاب أنه أدار في ستينات القرن الماضي دفة مئات الآلاف من السياح الألمان نحو آيرلندا؛ مواطنين يودون مشاهدة آيرلندا بعيني الكاتب بعد أن قرأوا القصص الغريبة والطريفة والانطباعات الذكية التي أوردها بول في نصوصه، حتى أن الكاتب الآيرلندي البارز هوغو هاملتون يعترف بأنه تحول إلى سائح في بلده ينظر إلى البشر والحواضر بشكل آخر بعد أن قرأ هذا العمل الأيقوني ضمن سياق أدب الرحلات.

يضم الكتاب انطباعات ومشاهدات وسرداً قصصياً من الحياة اليومية للآيرلنديين آنذاك عبر الغور العميق في الروح الإنسانية، الذي عُرف به الكاتب المنحدر من مدينة كولونيا، مؤكداً أن الآيرلنديين كانوا شعباً يحاول الاستفاقة من كابوس التاريخ في أوروبا، أو مجرد بقعة منسية من أوروبا على المحيط الأطلسي لا تزال تغط في سباتها رغم أن غبار الحرب العالمية الثانية لم يبلغها، كما لاحظ جيمس جويس.

يرى بعض النقاد الألمان أن بول كان يبحث في آيرلندا عن هويته التي طمستها إلى حد ما سنوات الحكم النازي والحرب العالمية، فراح يبحث في هذه البقعة من الأرض عن السلام والاطمئنان الذي فقده في ألمانيا بسبب التهم السياسية والأمنية التي كانت تلاحقه. أراد أن يعثر على ما يفتقده في شخصيته من مرح وسخرية وعفوية، فالألماني نقيض الآيرلندي في العديد من النواحي، حيث إنه منضبط ودقيق وجاد ومبرمج، على عكس فوضوية وسخرية وعفوية الآيرلندي.

يقول الآيرلندي: «حينما خُلق الزمن... خلق منه الكثير»، لذلك لم يكن للزمن قيمة عنده في تلك السنوات في حين يسابق الألماني الوقت لإعادة بناء ما خلفته الحرب، حتى أنه عندما يتأخر عرض الفيلم ساعتين في السينما لا يتذمر أحد، وربما لن تجد ساعة حائط حتى في محطة قطارات دبلن الرئيسية في ذلك التوقيت.

يقدم بول لوحة غنية بالتفاصيل عن حياة الآيرلنديين التي لا تحسب حساباً للوقت ويصف تعلقهم بشرب الشاي ليلاً ونهاراً وتدينهم المفرط وإدمانهم الكحول والمراهنات في سباق الخيول. اللافت أن الآيرلنديين في الخمسينات قاموا بتحويل دور السينما إلى مجتمع صغير تتطاير فيه أغطية الشمبانيا في حين يسرد أحدهم وهو جالس في الصف الثالث من قاعة العرض نكتة إلى آخر يجلس في الصف العاشر. لم يكتف بول بوصف «قمرة النوتي» في أماكن اللهو والشراب، بل دخلها وعاش تجربة احتساء الكحوليات في كبائن صغيرة لا تزيد مساحتها على متر مربع يجلس فيها الزبون منفرداً، ويظل يحتسي الشراب ولا يخرج منها إلا إذا انتهت نقوده أو سقط مغشياً عليه وتم نقله بعربة الإسعاف.

يلاحظ الكاتب أن كثيراً من الآيرلنديين يعزون مصائبهم وفقرهم إلى الأقدار التي لا يمكن مقاومتها، وهي ظاهرة سلبية تنطوي على مفارقة لافتة، فهم لا يفعلون شيئاً لتغيير ذلك، بل يفقد الواحد ساقه في حادث أو ينهار بيته في حريق أو يغرق المركب الذي يهاجر فيه إلى الولايات المتحدة لكنه يكتفي بترديد مقولة «أنه كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ».

المطر العاصف ظاهرة يومية في حياة الآيرلنديين، بفضله تحوّل البلد إلى بقعة خضراء من الأرض ينمو عليها العشب والأشجار والمحاصيل الزراعية، لكن الشمس نادرة للغاية حتى أن البعض يؤرخون للوقائع الشهيرة في حياتهم باليوم المشمس الفلاني أو الصباح المشرق في سنة كذا. ومن أمثلة ذلك أن يحكي شرطي المرور للمؤلف عن ابنته التي وُلدت في يوم مشمس قبل اليوم الذي قتلت فيها امرأة مجنونة أحد رجال الدين الذين تحبهم بدعوى إرساله إلى الجنة.

ولد هاينريش بول عام 1917 في مدينة كولونيا لعائلة ذات جذور إنجليزية، وطبعت مرارة العيش بصماتها على طفولته، فعانى ويلات الجوع بعد الحرب العالمية الأولى، ثم زجّت به الأقدار جندياً في أتون الحرب العالمية الثانية، لتشكل التجارب القاسية في جبهات القتال جوهر رؤيته الأدبية ومواقفه السياسية الرافضة للظلم. ويعد بول مهندس «إعادة الاعتبار» للأدب الألماني بعد عام 1945؛ إذ نجح في كسر العزلة الثقافية لبلاده ومنح أدبها اعترافاً دولياً، وبحسب كاتب سيرته «هاينريش فومفيغ»، لم يحظَ أديب ألماني في العصر الحديث بمثل ذلك التأثير العميق والحب العالمي الذي ناله بول.

وكان قطباً بارزاً في «مجموعة 47»؛ تلك النخبة الأدبية التي سعت لبناء وعي ألماني جديد فوق ركام الهزيمة، وبصفتهم رواداً لهذا التحول، حاول هو ورفاقه - مثل غونتر غراس - تطهير اللغة من الآيديولوجيا النازية، معالجين قضايا الذنب، والعدمية، والمسؤولية التاريخية، مستلهمين ذلك من الفلسفة الوجودية.

أثمرت موهبته الاستثنائية سلسلة من الروائع الخالدة التي تُرجمت للعربية، وحُوّلت لأعمال سينمائية ومسرحية، منها «وصل القطار في موعده»، و«لم ينطق بكلمة واحدة»، و«بلياردو في التاسعة والنصف». وتوجت هذه المسيرة الإبداعية بحصوله على جائزة نوبل للآداب، ليبقى رمزاً للجندي الذي تمرد بقلمه على بشاعة الحرب.


شخصية المثقف في واقع مضطرب

غلاف مذكرات خاتون كرخية
غلاف مذكرات خاتون كرخية
TT

شخصية المثقف في واقع مضطرب

غلاف مذكرات خاتون كرخية
غلاف مذكرات خاتون كرخية

تقدّم رواية «مذكرات خاتون كرخية» للروائي خضير فليح الزيدي تصويراً مركّباً ومعمّقاً لشخصية المثقف في سياق اجتماعي وسياسي مضطرب، وذلك من خلال عدسة مقهى شعبي يتحوّل إلى مرآة لأزمات المثقف العربي عامة، والعراقي على وجه الخصوص، إذ تعكس الرواية صورة المثقف، ليس كشخصية نخبوية منعزلة، بل ككائن منغمس في هموم اليومي، ويعاني من التناقضات بين المثال والواقع، بين الحلم بالفاعلية والوقوع في شراك الهامشية والوضع الاقتصادي المزري.

من خلال تحليل الرواية، نستكشف تشريحاً وجوديّاً واجتماعيّاً لصورة المثقف بوصفه شاهداً، وضحية، وحاملاً للذاكرة، إذ يظهر «جميل القربان» ككاتب شكاوى وناقل للحكايات، وهو نموذج للمثقف العضوي الذي يعيش بين الناس ويكتب همومهم. مهنته في كتابة الشكاوى سمحت له بأن «مرّت من خلف نظارته كل مشكلات الكون»، ممَّا يجعله أرشيفاً حيّاً للألم اليومي. هذا الدور يشبه دور المؤرخ الشعبي الذي يسجل ما يتجاهله التاريخ الرسمي، فضلاً عن أن اهتمامه بحكاية سعاد خاتون الكرخية التي اغتصبها أحد أقاربها، يضعه في موقع حامل الذاكرة الجريحة، ممَّا يعكس مسؤولية المثقف في حفظ قصص المظلومين والمهمّشين وإعادة الاعتبار لهم.

أمَّا شخصية الكاتب الراحل حسب الحاج (والد الراوي) فتقدّم كنموذج للمثقف الذي وقع في فخّ النجاح المبكر، وعانى من عقدة الإبداع والإخفاق، ولم يستطع تجاوزه. قصته (منشور سري) التي نشرها على جدران المدينة، أصبحت بمثابة العقدة التي منعته من الإنتاج الأدبي اللاحق، هذه العقدة ترمز إلى أزمة المثقف العربي الذي يقع تحت وطأة النجاح الأول أو الصورة النمطية، فيفشل في تطوير ذاته أو تجاوز ذاك الإنجاز. كما أن موته من دون تحقيق حلمه الأدبي يكشف عن الفجوة بين الطموح الرومانسي والإمكانات الواقعية، وهي فجوة يعيشها العديد من المثقفين في عالم تخلّى عن دعمه للثقافة بشكل عام.

ويبدو أن الراوي ومن خلفه (خضير فليح الزيدي) أراد من خلال علاقة المثقفين في المقهى بنظام الديون (جدولة الديون) أن يقدّم نقداً لاذعاً لوضعية المثقف الاقتصادية الهشّة، فـ«جميل القربان» نفسه مدين للحاج حمادة، وهذا الدين يحدُّ من حريته ويجعله رهينة لانتظار عمل كتابي يسدّد به دينه. هذه الحالة تظهر التبعية المادية التي تقوض استقلالية المثقف وتجعله خادماً لمن يملك المال. حتى المثقف المغترب القادم حديثاً من النرويج، الذي قدّم مفهوم «الجدولة» يظهر كمحاولة لإبراز الذات الثقافية من دون فهم عميق للواقع المحلي، الأمر الذي يعكس أزمة المثقف المنفصل عن سياقه.

ومن تجليات صور المثقف في الرواية نجد صورة المثقف الهامشي والمهمّش الذي يعيش صراعاً بين الحفاظ على ما تبقى من كرامته أو التخلي عن ثوابته الأخلاقية، فالشخصيات المثقفة في المقهى مثل: ياسر الطويل، والمطرب العاطل، تعيش على هامش المجتمع، فياسر الطويل، الذي «يقرأ المقامات الأكثر صعوبة بنشاز واضح»، يرمز إلى المثقف أو الفنان الذي فقد مكانته في زمن التحولات الثقافية والسياسية، إذ لم يعد «سوق له بعد اليوم ولا مقبوليّة، حتّى إن ركب الموجة العارمة، فصورته الماثلة لا تنسجم مع روح العصر». هذه الهامشية تجعل المثقف يلجأ إلى التكيف السلبي أو الخنوع، كما يظهر في توقيع الشهود على الكمبيالة بدافع الخوف أو المصلحة. المقهى هنا يصبح ملجأ للمثقفين المنكسرين الذين فقدوا صوتهم في الفضاء العام. كما يسلط النص – بحرفيّة عالية - الضوء على التوتر بين دور المثقف كناقد وواجبه كفرد يحاول البقاء. «سمّوعي اللئيم» (إسماعيل عبد الحق) الذي كان يعمل في النظام السابق «رجل أمن كان مخلصاً في عمله، بدراجة هوائيّة يراقب حتّى النمل والصراصير في المقاهي والسينمات، لكنّه الآن لم يُعد من أزلام النظام المنهار»، ويحاول الآن التكيف مع النظام الجديد، يمثل نموذجاً للمثقف الذي يضحي بمبادئه من أجل الأمان. توقيعه كشاهد على الكمبيالة مقابل تخفيف ديونه يظهر كيف يمكن أن يتحوّل المثقف (أو من يحمل وعياً) إلى أداة في يد السلطة المتمثلة بصاحب المقهى عندما تكون مصلحته الشخصية على المحك.

إنّ الوصايا المعلقة على جدران المقهى، التي تشكل «مخطوطة كتاب الحياة»، تمثل حكمة جماعية راكمها «الرحالون» من المثقفين والعارفين بالحياة. هذه الوصايا مثل: «كن حذراً في التكيّف مع الحياة» و«إيّاك أن تنغمس في حبّ الحياة»، تعكس وعياً وجوديّاً متشائماً، وتُظهر المثقف بوصفه حاملاً لوعي تاريخي متشظٍّ شكّلته تجارب مريرة في تاريخ العراق المضطرب، فالمثقف – في هذا السياق - هو ناقل لهذا الوعي التراجيدي، الذي يخلق خطاباً موازياً للخطاب الرسمي المتفائل، ممَّا يجعله حارساً للذاكرة النقدية، وضحية لتاريخ دموي، وشاهداً منهكاً يحمل عبء الحكايات والديون والذاكرة، لكنّه يظل حاملاً لمشعل الحكاية، حتى إن كان ضوءه خافتاً، فقد أصبح المقهى بوصفه فضاءً مغلقاً وزمناً متجمّداً سجناً وجوديّاً للمثقف، لكنَّه أيضاً منبره الوحيد من خلال شخصيات مثل: «جميل»، و«حسب الحاج»، و«ياسر الطويل». وأصبح السرد نفسه محاولة أخيرة للخلاص، أو على الأقل للمقاومة عبر الكلمة، في عالم حيث «الحياة ليست سوى جدولة الماضي وحساباته المبررة».


تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ
TT

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

بعد نصف قرنٍ على ولادة «أبل» في مرآبٍ صغيرٍ بوادي السيليكون، يبدو الاحتفاء بها أقرب إلى تأملٍ في سيرة عصرٍ كاملٍ تشكّل على وقع الشاشة، واللمس، والصورة، والسرعة، والرغبة الدائمة في امتلاك الأحدث. الحكاية التي بدأت تجربة تقنية محدودة، اتسعت لتغدو إحدى أكثر العلامات حضوراً في الوعي اليومي للإنسان المعاصر. عبر خمسة عقود تحولت «أبل» من مشروعٍ صغيرٍ إلى كيانٍ ينسج صلته بتفاصيل حياة مئات الملايين من البشر: في العمل، والتواصل، والذاكرة، والذائقة، وتمثيل الذات أمام الآخرين. تبدو هذه الرحلة أبعد من قصة صعودٍ مالي، وأعمق من سجل ابتكاراتٍ ناجحة؛ إنها درسٌ في قدرة التكنولوجيا على التحول إلى ثقافة، وقدرة المنتج على اكتساب معنى رمزيّ يتجاوز وظيفته المباشرة. لذلك يمنح اليوبيل الذهبي لـ«أبل» مناسبةً لتفكيك الشيفرة التي جعلت «التفاحة المقضومة» علامةً على الحداثة، والتميز، والانتماء إلى زمنٍ يرى العالم فيه نفسه من خلال شاشات مضيئة.

قبل أن تبلغ «أبل» منزلة الأيقونة الثقافية المعولمة، وجب عليها استيعاب درسٍ تأسيسيٍ: الجودة ثقافة قبل أن تكون تقنية. درس تمتد جذوره إلى اليابان الخارجة من الحرب العالمية الثانية، حين أرسل الجنرال دوغلاس ماك آرثر الفيزيائي هومر ساراسون للمساهمة في إعادة بناء قطاع الاتصالات الياباني، حيث وجد أن جوهر الأزمة يتصل بالعقلية المؤسسية: خوفٌ من مساءلة السلطة، وترددٌ في اتخاذ القرار، وانعدام المبادرة. كان الخلل في تصور العمل ذاته: العلاقة بين العامل والنظام، والفرد والمسؤولية، والمنتج ومعناه الأخلاقي.

علّم ساراسون اليابانيين أن الجودة تبدأ من طريقة التفكير، والثقافة التي تحيط بالإنتاج، والقدرة على تحويل كل تفصيلٍ صغيرٍ إلى جزءٍ من منظومةٍ واعية. غادر اليابان عام 1950، وبقيت أفكاره طازجة في فضاء الصناعة اليابانية حتى صارت فلسفةً شاملةً تحكم أداء كبرى الشركات. وبحلول أواخر السبعينات، كانت المنتجات اليابانية قد رسخت سمعةً عالميةً في الدقة والإتقان. أما «أبل»، التي تأسست عام 1976، فاحتاجت زمناً أطول كي تجعل هذا الدرس جزءاً من بنيتها الداخلية.

عندما أسس ستيف جوبز شركة «نيكست» بعد خروجه من «أبل»، تصوّر أن جمع العقول اللامعة تحت ضغطٍ عالٍ يكفي لإنتاج أشياء عظيمة. لكن تجربته كشفت سريعاً أن العبقرية الفردية تحتاج إلى هندسةٍ ثقافيةٍ تنظّمها، والطاقة الخلاقة تبلغ أثرها حين تتحول إلى عمليةٍ قابلةٍ للتكرار والتحسين. وقد أيقن أن الموهبة الخام تحتاج إلى نظام، والإلهام يحتاج إلى بنية، والمنتج العظيم يولد من عقلٍ جمعي يقيس، ويصحح، ويعيد البناء.

في تلك المرحلة استنار جوبز بأفكار الثمانيني جوزيف غوران، أحد كبار مهندسي الجودة في الولايات المتحدة، الذي دعا إلى النظر في كل شيء بوصفه عملية متكررة، وأن القياس طريق السيطرة على الجودة. انجذب جوبز إلى هذه الرؤية، التي منحت الحدس الإبداعي جسداً قابلاً للإدارة. لكن التحول جاء متأخراً بالنسبة إلى «نيكست»، التي توقفت عن التصنيع عام 1993. انتقل هذا الإدراك مع جوبز إلى تجاربه التالية، وتحول إلى ذخيرةٍ فكريةٍ ستظهر آثارها لاحقاً.

ولدى شرائه شركة «بيكسار»، واجه معضلة ثقافية مغايرة، إذ ضم الاستوديو نخبةً مبدعةً قادرةً على إنتاج فيلمٍ ناجح، ثم تخرج منهكةً عقب كل مشروع، وكأن النجاح يستنزف شروط استمراره. طبق جوبز فلسفة العملية المنظمة: بناء نظامٍ يسمح بانتقال العمل، وتراكم المعرفة، واستكمال المشروع من أي نقطة. وبهذا المعنى، تحولت «بيكسار» من ورشةٍ إبداعيةٍ عميقة الموهبة إلى مؤسسةٍ قادرةٍ على الاستدامة، ومن حالةٍ فنيةٍ استثنائيةٍ إلى بنيةٍ تنتج الخيال بانتظام.

عاد جوبز إلى «أبل» في 1997، وكانت الشركة على حافة الانهيار وجلب معه خبراء تشربوا دروس الجودة من «هيوليت باكارد» و«موتورولا»، ومزج خبراتهم بما تعلمه في «بيكسار» و«نيكست» ليقدم بهم منجزه الأكثر تأثيراً: المنتج الأيقوني ثمرة منظومةٍ كاملة، والجمال الصناعي نتاج ثقافةٍ مصنعية تجعل الجودة قابلةً للتوسع على نطاقٍ هائل. ومع جهاز «iPod nano» عام 2005، بدأت العناصر المتفرقة تتجمع في صيغةٍ واحدة: تصميمٌ رشيق، تصنيعٌ دقيق، تجربة مستخدمٍ سلسة، ورغبةٌ قادرةٌ على تحويل الجهاز الصغير إلى علامةٍ على زمنٍ جديد.

تجاوز مشروع «أبل» مسألة التصنيع إلى طرح ثقافيٍّ أعمق: تحويل الحرفة إلى خوارزمية، واللمسة الإنسانية إلى إجراءٍ قابلٍ للتكرار. لقد تعاونت الشركة مع حرفيين في اليابان لتطوير عملياتٍ دقيقة، من بينها صناعة الهيكل الفولاذي العاكس. سُجلت أدق التفاصيل: زاوية المعصم، ومقدار الضغط، والسرعة، وإيقاع الحركة، وحتى صوت التلميع. تحولت الحرفة، التي كانت تنتقل بالتوارث والخبرة اليدوية، إلى كودٍ رياضي، ثم نُقلت إلى الصين كي تُعاد على نطاقٍ صناعيٍّ شاسع. عند تلك اللحظة أبرق نجم «أبل»: الجمع بين روح الفن ومنطق المصنع، وبين أثر اليد وصرامة الآلة، وبين الهالة الجمالية ومتطلبات الإنتاج الضخم.

خارج المصانع، بنت «أبل» لنفسها موضعاً خاصاً في المخيلة العالمية. فمنذ ظهوره، تجاوز الآيفون وظيفة الاتصال، وصار حاملاً لمعانٍ اجتماعيةٍ وثقافية، ومرآةً لطريقة حضور الفرد في العالم. الهاتف هنا وسيلةٌ للحديث، وكاميرا للذاكرة، ومحفظة للهوية، ومسرحٌ صغيرٌ يمارس عليه الإنسان صورته اليومية. هكذا غدا اقتناء الجهاز إشارةً إلى موقعٍ رمزي، وانضماماً إلى جماعةٍ متخيلةٍ ترى نفسها أقرب إلى الإبداع، والأناقة، والتميز.

روّجت «أبل» لنفسها عبر فكرة «التفكير بشكل مختلف»، فشيدت حول منتجاتها وعداً ثقافياً: من يختارها يقترب من عالمٍ أكثر صفاءً وجرأةً وقدرةً على تحويل العمل إلى أسلوب حياة. بهذا الوعد تشكل ولاءٌ استثنائيٌّ، حيث ارتبطت الأجهزة بصورة الذات الحديثة: ذات أنيقة، خفيفة، خلاقة، واثقة من أدواتها. وتظهر إعلانات «أبل»، في معظمها، كدعوةٍ إلى نمط عيشٍ مرغوب، أكثر من كونها شرحاً لمواصفاتٍ تقنية. الشاشة اللامعة نافذةٌ على هوية، والجهاز امتدادٌ للجسد، والواجهة البيضاء لغةٌ بصريةٌ توحي بالنقاء والسيطرة والانسجام.

تشير القراءات السيميائية إلى أن «أبل» بنت علامتها عبر ثلاثية: الاسم، والمنتج، والمزاج. الاسم/ الشعار «تفاحة»، يحمل خفةً ومرحاً وسهولةً في التحول إلى أيقونةٍ عابرةٍ للغات والثقافات. والمنتجات تمنح العلامة أرضيتها العملية عبر الأداء والجودة والتكامل. أما المزاج فقد تحرك عبر مراحل متوالية: روح التمرد في الثمانينات، طموح الريادة في التسعينات، ثم الراحة الواثقة في الألفية الجديدة. ومن هذا التداخل بين الاسم والشيء والإحساس، صارت «أبل» ظاهرةً تتجاوز حدود الشركة، ورمزاً ثقافياً معولماً لعصر الإنترنت بأكمله.

بحلول عام 2011، اعتلت «أبل» قمة القيمة السوقية العالمية. وبعد رحيل جوبز المبكر، قاد تيم كوك الشركة إلى طورٍ جديدٍ تضاعفت فيه أرباحها، واتسع فيه مفهومها لذاتها، إذ تحولت تدريجياً من شركةٍ تتمحور حول دورة الأجهزة الكبرى إلى منظومةٍ رقميةٍ واسعة، يشكل قطاع الخدمات فيها رافداً مركزياً من روافد الربح: عمولات متجر التطبيقات، واشتراكات التخزين، وصفقات البحث، ومجمل البنية التي تجعل المستخدم يعيش داخل فضاءٍ مغلقٍ ومريحٍ في آنٍ واحد. تجاوزت قاعدة المستخدمين ملياراً ونصف المليار إنسان، وتحولت هذه الكتلة إلى مجتمعٍ رقميٍّ هائل، وسوقٍ ثقافيةٍ يحرص صانعو التطبيقات والمحتوى والمنافسون على الوجود داخلها.

هذا التحول يعيد تعريف معنى شركة التكنولوجيا. صارت «أبل» صانعة أجهزة، وحارسة بوابة، ومنسقة نظامٍ بيئيٍّ كامل. المستخدمون داخل هذا العالم يصنعون المحتوى، ويستهلكونه، ويشترون التطبيقات، ويدفعون الاشتراكات، ويعيدون إنتاج الولاء نفسه عبر عاداتٍ يوميةٍ صغيرة. في هذا الكون، تبيع «أبل» الجهاز والتجربة، الراحة والانتماء، الأداء والإحساس، وتحوّل علاقة المستهلك بالمنتج إلى علاقةٍ طويلةٍ مع بيئةٍ كاملةٍ من الخدمات والرموز والإيماءات.

قصة «أبل»، بهذا المعنى، قصة انتقال معرفةٍ عبر القارات، وخطوط التجميع، وأنظمة الإدارة، وأشكال الخيال. إنها قصة تعلمت فيها الصناعة الأميركية من اليابان، ثم أعادت صياغة الدرس بين مختبرات كاليفورنيا ومصانع آسيا. وهي أيضاً قصة الصين التي راكمت خبرةً صناعيةً هائلةً من خلال إنتاج أجهزة صُممت لتبدو كأنها قادمةٌ من عالمٍ أملس، خفيف، ومثالي. وفي العمق، إنها قصة شركةٍ استطاعت أن تجعل من شعارٍ بسيطٍ حاملاً لمعاني التمرد، والإبداع، والتميز، والانتماء.

اليوم، تدخل «أبل» مرحلةً جديدةً مع صعود جيلٍ قياديٍّ وسط تحديات الذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية، وأسئلة سلسلة التوريد، والبحث عن الموجة التالية من الابتكار. لكن جوهر الحكاية يبقى في قدرة هذه الشركة على عكس تحولات عصرها وصناعتها في آنٍ واحد. «أبل» مرآةٌ للحداثة الرقمية: تصنع المنتجات، وتصوغ الرغبات، وتؤثر في الذائقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأدواته. وبعد 50 عاماً، تبدو «التفاحة المقضومة» أكثر بكثير من علامةٍ تجارية؛ إنها استعارةٌ كبرى لعصرٍ كامل، وحلمٌ صناعيٌّ تحول إلى أسطورةٍ ثقافية، وتذكيرٌ بأن تفاحة المعرفة، منذ بدء التكوين، كانت دائماً بوابةً إلى عالمٍ آخر.