المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات

ثلاثة أسابيع في نيويورك وواشنطن وديربورن

المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات
TT

المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات

المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات

سيكون من المكابرة بمكان أن أدّعي، أنا الذي زرت بلداناً ومدناً كثيرة، أنني لم أشعر بالغبطة البالغة وأنا أتلقى الدعوة لزيارة الولايات المتحدة وإحياء أمسية شعرية في نيويورك، وفي المقر الإداري للجامعة الأميركية في بيروت على وجه التحديد. لم يدر في خلدي إذ ذاك أي شيء يتصل بالدور السلبي الذي لعبته، وما زالت تلعبه، الدولة الأقوى في العالم في تقرير مصائر الشعوب والاستحواذ على مقدراتها وثرواتها الطبيعية. ولم تكن الغبطة تلك لتقع في خانة التغاضي عن السياسات الظالمة والهوجاء لمن تسببوا، وهم يتربعون على سدة الإدارات المتعاقبة، في إجهاض الكثير من الثورات، وإخماد الكثير من الوعود، ووأد الكثير من الأحلام وهي لا تزال طفلة في المهد. ولم أكن لأنسى بالقطع أن أميركا، وفق ما يقوله تزفيتان تودوروف، قامت على خطيئتين أصليتين، تتمثل الأولى في كون الدعم الذي تلقاه كريستوفر كولومبوس من ملكي إسبانيا المنتشيين بسقوط الأندلس، كان هدفه الحصول على المعدن الأصفر الذي يمكّنهما لاحقاً من استئناف الحروب الصليبية المجهضة واسترجاع بيت المقدس، وتتمثل الثانية في التسبب بمذابح الهنود الحمر وبناء الهيكل الرمزي لروما الجديدة على أنقاض أهل البلاد وسكانها الأصليين. لم يكن كل ذلك غائباً بالطبع عن ذهني ووعيي المعرفي، لكن ما كان حاضراً بموازاة ذلك هو البعد الآخر للحلم الأميركي الأعمق الذي لا تعكسه الرطانة السمجة لخطب الرؤساء والطامحين للرئاسة، بل قولة المفكر والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث بأن «كل مفكر خلاق هو بمثابة كولومبوس جديد يبحث على طريقته عن (أميركاه) الشخصية وعن أرضٍ جديدة لأحلامه». وما كنت أبحث عنه في تلك الزيارة هو الوجه الأكثر نصاعة لأميركا البراءة والعدالة والمغامرة الإنسانية التي رسمها شاعرها الأعظم والت ويتمان في ديوانه «أوراق العشب»، حيث نقرأ له نصوصاً من مثل: «أغني الأنثى بالتساوي مع الذكر \ أغني الحياة الهائلة في الشغف والنبض والعنفوان \ البهيجة من أجل أقصى فعل متحرر تشكَّل في ظل القوانين السماوية \ أعني الإنسان الحديث».
في الطريق الطويلة والشاقة إلى نيويورك كانت تنتابني مشاعر متناقضة تتراوح بين الفضول ومتعة التعرف إلى المدينة الكوزموبولوتية التي تجسد الحداثة في أكثر تجلياتها المعرفية والتقنية من جهة، وبين المدينة التي لم ير فيها معظم الشعراء سوى أبراج صماء وسوق عملاقة للجشع وتنافس البورصات المالية على سحق الإنسان وتفريغ الحياة من مخزونها الروحي، من جهة أخرى. فغارسيا لوركا الذي خاطب والت ويتمان في ديوانه «شاعر في نيويورك» بقوله: «لم أكفّ للحظة واحدة يا والت ويتمان العجوز والجميل \ عن التملي برؤية لحيتك المغمورة بالفراشات \ وكتفيك المخمليين المصقولين بضوء القمر»، يعبر عن مشاعره السلبية إزاء مدينة الأبراج الشاهقة والأضواء التي تعشي العيون بالقول: «إنها رهبة البرودة والقسوة، مشاهد الانتحار ومصابي الهستيريا وحالات الإغماء. شعور مروع ولكن دون عظمة». ولم تكن مشاعر أدونيس العربي، حين زار المدينة بعد عقود، لتختلف كثيراً عن مشاعر سلفه الإسباني، وهو الذي بدت قصيدته الشهيرة «قبر من أجل نيويورك» بمثابة استشعار حدسي بما أصاب المدينة في الحادي عشر من أيلول سبتمبر من العام 2001 حيث يقول: «نيويورك - هارلم، مَن الآتي في مقصلة حرير؟ من الذاهب في مقصلة بطول الهدسون؟ انفجرْ يا طقس الدمع، تلاحمي يا أشياء التعب، هل جاءك طائر الموت وسمعت آخر الحشرجة؟ حبْلٌ والعنق يجدل الكآبة، وفي الدم سويداء الساعة». وحتى الشاعر الأميركي ألن غينسبيرغ الذي أطلق قصيدته «عواء» ضد التصحر الروحي الأميركي، لا يتردد في رمي المدينة بشظايا نقده الجارح، متحدثاً عن «الهبائيين برؤوس ملائكة الذين يتحرقون للوصال السماوي العتيق بالدينمو النجومي لمكننة الليل \ والذين بفقرٍ وفي خِرَق وبعيون مجوفة جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشقق بلا ماء حار \ ومن قُبض عليهم في لحاهم العانيّة عائدين إلى نيويورك بحزام من الماريغوانا».
قد لا يستطيع عابر مثلي، يزور نيويورك للمرة الأولى ولأيام معدودة فقط، أن يصدر حكماً حاسماً وعادلاً على واحدة من أكثر المدن غرابة واكتظاظاً وإرهاصاً بمآلات الحداثة ومصائر الكوكب الأرضي. صحيح أنني زرت على عجل معالم المدينة الأبرز، متنقلاً بين شارع برودواي والتايمز سكوير، وبين مبنيي الأمم المتحدة والأمباير ستيت، وبين جسري بروكلين وجورج واشنطن، وبين فندق الفير فارم الهادئ في نيو جيرسي وتمثال الحرية، وغير ذلك من المعالم، لكن الصحيح أيضاً أن التعرف إلى أحشاء المدينة وسريرتها العميقة وإيقاعها الباطني يحتاج إلى أشهر أو سنوات عدة. ومع أنني وقفت ذاهلاً إزاء ذلك الخلل الواضح في علاقة الجسد الإنساني الضئيل بفضائه المكاني الهائل الذي يعكسه أفراط الأبراج في الارتفاع وضخامة المباني المتخاصرة.
ومع ذلك فلم تبد لي المدينة بالقسوة التي تخيلتها أو قرأت عنها. ربما لأنني كنت أتوقع مسبقا مشاهدة ما شاهدته، وربما لأن الزمن قد تغير ولم يعد ذلك الاصطدام القاسي بين القادمين من الأرياف وبين المدن المعولمة يخلف وراءه ذلك النوع السلبي من ردود الفعل الرومانسية التي وسمت الأدب قبل عقود من الزمن. أما الأمسية الشعرية التي أقمتها هناك تحت عنوان «هجرة الكلمات»، فقد جاءت تلبية لدعوة مشتركة من الرابطة القلمية الجديدة التي أسسها الشاعر اللبناني المقيم في نيويورك يوسف عبد الصمد، والجامعة الأميركية في بيروت ممثلة بمسؤولة إعلامها لينا بيضون، والقنصل اللبناني العام في المدينة مجدي رمضان، فقد عكس الحضور الكثيف الذي ملأ قاعة اجتماعات الجامعة تعطش المهاجرين اللبنانيين والعرب إلى هذا النوع من الأنشطة الثقافية التي تكسر رتابة الحياة اليومية وتخفف من وطأة السباق المرهق لتحقيق الاكتفاء المادي والمكانة الاجتماعية المرموقة. وحيث تبدلت صروف الزمن ومآلاته عما كانت في مطالع القرن الفائت، حيث أخلى مهاجرو مطالع القرن الفائت من العمال وباعة «الكشة» أماكنهم وأدوارهم للأجيال اللاحقة من المثقفين وذوي الاختصاصات العلمية العالية، فقد بدا الحضور النيويوركي المستند إلى خلفية معرفية عميقة، والذي ضم نخبة من المثقفين والإعلاميين والسياسيين والشعراء اللبنانيين والعرب، قادراً على التفاعل مع القصائد الملقاة بما يتلاءم مع طبيعة النصوص والصور والمناخات التعبيرية، بعيداً عن التطريب السمعي والصخب الاحتفالي.
كان من المفترض أن تكون نيويورك هي المحطة الوحيدة في زيارتي الأولى إلى الولايات المتحدة، غير أن الأمور جرت على غير ما كان مخططاً لها. فقد حدث خلال وجودي هناك أن تلقيت «عرضاً» يصعب رفضه من الصديق عمر خالدية الذي اقترح استضافتي في منزله في فيرجينيا وإقامة أمسية هناك بدعوة من «مجلس الفكر العربي» الذي أسسه قبل سنوات الكاتب الفلسطيني محمد ربيع. وما شجعني على قبول الدعوة هو عرض آخر سخي من قريب لي بأن يقلني ذهاباً وإياباً في سيارته الخاصة، وهو ما أتاح لي أن «أتصفح» بالعين المجردة تلك المنبسطات الأرضية المترعة بالألوان التي سبق لعاشق السفر جاك كيرواك أن وصفها بالتفصيل في كتابه «على الطريق»، وهو يقطع أميركا من الوريد إلى الوريد. ورغم قصر المدة الزمنية المتاحة لي هناك فقد بدت العاصمة الفيدرالية واشنطن بامتدادها الأفقي وحدائقها الوارفة ومبانيها التراثية الباذخة ذات الطراز الباروكي، مختلفة تماماً عن نيويورك ذات التصميم العمودي والاكتظاظ المفرط في البشر والمباني. أما الأمسية الشعرية التي تم التحضير لها على عجل فقد حوّلها الحضور النوعي إلى لقاء دافئ وحميم على مائدة اللغة الأم. وفيما كان جيل الشبان المولودين في أميركا، والذين يجهلون العربية، غائباً بشكل شبه تام عن المناسبة، كان معظم الحضور من المخضرمين وذوي الأعمار المتقدمة نسبياً، والذين وفر لهم الشعر سبيل الانفصال عن حاضرهم، واستعادة ذلك الشطر القديم من أعمارهم الذي قضوه في ربوع أوطانهم الأصلية. وهو ما انعكس أيضا في السهرتين الحميميتين اللتين توزعتا تباعاً بين المساررة الوجدانية والنقاشات الفكرية والسياسية التي تتناول شؤون العرب الراهنة في الأوطان والمهاجر.
ولم يدر في خلدي، وأنا أعود إلى نيويورك متهيئاً لرحلة الإياب إلى بيروت، أنني سأتلقى دعوة جديدة من الصديق عون جابر الذي تمنى علي أن أستهل بأمسية شعرية أنشطة المؤسسة الثقافية، التي أنشأها في ديربورن، تحت اسم «الندوة للفكر الحر». ولم تكن الأمسية بحد ذاتها هي ما دفعني إلى تلبية الدعوة، بل الرغبة في التواصل مع أصدقاء وأقرباء ورفاق مخذولي الأحلام قرروا إبان الحروب الطويلة والعقيمة أن يضعوا ما تبقى من رهاناتهم في عهدة المدينة الأميركية المكتظة بالمهاجرين العرب واللبنانيين، وخصوصا الجنوبيين الذين يشكلون القسم الأكبر من سكانها والذين عكَس الكاتب اللبناني أحمد بيضون أحوالهم وتفاصيل عيشهم في كتابه المميز «بنت جبيل - ميشيغان».
والحقيقة أن ديربورن، الشبيهة بقرية واسعة والتي تنتشر على جنبات شوارعها اللافتات التي تحمل بالعربية أسماء أصحابها وأنواع معروضاتها، تمنح زوارها شعوراً بالألفة والحنو، وتجعل اللبنانيين منهم يشعرون كما لو أنها واحدة من قراهم الجنوبية الوادعة. أما الأمسية الشعرية التي أقيمت في «المتحف العربي الأميركي» فقد كانت مفاجأة المدينة الحقيقية بالنسبة لشخص مثلي لم تسبق له زيارتها من قبل. ليس فقط بسبب الحشد الغفير الذي غصت به القاعة بل بسبب ذلك الفيض من الحب والتواصل الإنساني والتفاعل الوجداني مع القصائد الملقاة في الآن ذاته. وقد انعكس ذلك أيضاً في التقديم اللافت للشاعرة زينب عساف، وفي الكلمات الترحيبية المؤثرة لكل من صاحب الدعوة عون جابر، والقنصل سوزان ياسين، والسفير السابق علي عجمي. وإلى زيارة المتحف العربي الذي تكفل رئيسه حسن جابر باطلاعي على ما فيه من صور المهاجرين الأوائل ومقتنياتهم، وزيارة شركة فورد ومتحفها الصناعي الفريد، كانت اللقاءات المتكررة مع الأصدقاء الجدد والقدامى، وسهرات الألفة والحوارات المحببة التي تمتد حتى الصباح في بعض الأحيان، تطبع الرحلة إلى أميركا بطابعها الأليف والتلقائي والبعيد عن التكلف. حتى إذا حانت لحظة المغادرة بعد سبعة عشر يوماً من الصخب والشعر ومتعة المغامرة والتواصل الإنساني والمعرفي، كان على القلب أن يقسم نفسه بالتساوي بين التطلع إلى نبضه الأوّلي، وبين الالتفات إلى الوراء حيث يخلّف وراءه ذكريات لا تمّحي وأصدقاء لا سبيل إلى نسيانهم.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».