صحافيان ميدانيان في سوريا... الأول وثّق فظائع «داعش» والثاني خطفه التنظيم

الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة
الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة
TT

صحافيان ميدانيان في سوريا... الأول وثّق فظائع «داعش» والثاني خطفه التنظيم

الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة
الصحافي كاميران يغطي دمار الرقة

تحتل سوريا المركز السابع ما قبل الأخير في تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة لعام 2019. وبحسب المنظمة، فإن ظروف العمل في الصحافة «لا تحتمل»؛ إذ تجعل الاعتقالات والاختطافات والاغتيالات العمل الصحافي في سوريا «خطيراً وصعباً». تجربتان ننقلهما لتوثيق هذا؛ الأولى لكاميران، الصحافي الذي شهد المعارك الساخنة لطرد عناصر «داعش»، وغطّاها لصالح أكثر من 30 جهة إعلامية بين عامي 2014 و2019. والأخرى للصحافي فرهاد الذي مر 1600 يوم على اختفائه...
«لا زلت أتذكر صوت الفتاة الإيزيدية وهي تدعوا شقيقها لاعتناق الدين الإسلامي. المقابلة تركت أثراً عميقاً وفتحت باب التساؤل عن هذه الحرب وما خلفتها من مصائب»، بهذه الكلمات يبدأ الإعلامي كاميران سعدون الحديث عن تجربته الإعلامية والقصص المؤثرة التي سمعها وكتبها أثناء تغطية المعارك ضد تنظيم «داعش» الإرهابي منذ منتصف عام 2014 وحتى اليوم.
كاميران المتحدر من مدينة المالكية أو «ديريك» كما يسميها سكانها الأكراد، قرر العمل بمجال الإعلام، وكانت أول تجربة له في يونيو (حزيران) (حزيران) 2014 مع وكالة «رويترز» العالمية منسقاً ومترجماً بعد أيّام من إعلان تنظيم «داعش» خلافته المزعومة... ونجح فيها، لينتقل بعدها للعمل مع صحيفة «لوس أنجليس تايمز» الأميركية ونال إعجاب كادرها الصحافي.
خلال 5 سنوات من عمله تجول في مدن وبلدات مضطربة شهدت معارك ساخنة لطرد عناصر التنظيم، وتنقل من مكان إلى آخر وسط صحراء مترامية الأطراف، وسلك طرقاً وعرة ونام في أماكن خطرة، وتعرض لنيران المعارك التي كادت تودي بحياته.
في منتصف أغسطس (آب) عام 2014، وعندما شن عناصر تنظيم «داعش» آنذاك هجوماً واسعاً على موطن الأقلية الإيزيدية في جبال شنكال شمال العراق، عمل كاميران مراسلاً حربياً لصالح صحيفة «لوس أنجليس تايمز»، وكانت بداية عمله مع الصحافي البارز باتريك ماكدونالد. وعن تجربته يقول كاميران: «عملت مع جميع مراسلي الصحيفة بالمنطقة لتغطية المعركة ضد التنظيم، وحصلت على خبرة كافية في التغطية الميدانية».
عن قصة الفتاة الإيزيدية، يروي كاميران أنه كان في مهمة صحافية بمخيم شاريا التابع لمدينة دهوك العراقية صيف 2015، وأجرى مقابلة مع شاب إيزيدي يدعى نشوان الذي نقل أن لديه 6 شقيقات اختطفن جميعاً صيف 2014، وكانت أعمارهن صغيرة لا تتجاوز الكبيرة منهن 20 سنة. بقي التواصل بينهم عبر خدمة «واتساب»، وبعد مرور عام على اختطاف ثاني أخواته وكانت قد تزوجت من مسلح «داعشي» سوري الجنسية وأنجبت منه طفلة تسكن في بادية تدمر وسط سوريا، بدأ يتغير حديثها مع أخيها، وفي إحدى التسجيلات الصوتية طلبت منه ترك الإيزيدية والدخول للدين الإسلامي ووعدت بمساعدته وأهلها للالتحاق بالتنظيم.
نشوان كان يقول إن هذه التسجيلات أخفاها عن والديه، ويعزو ذلك إلى أنهما «سيموتان قهراً لو سمعاها، فالمصيبة التي حلت بعائلتنا كبيرة ولا يزال أبي وأمي يذرفان الدموع ليل نهار على فقدان جميع بناتهما، لتأتي هذه المصيبة وتتحول أختي (داعشية)».
وكانت بلدة مخمور العراقية أولى المدن الكردية التي تحررت من قبضة التنظيم في نهاية أغسطس (آب) 2014، من قبل قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق، وقتذاك ذهب كاميران بمهمة صحافية ميدانية وكان من أول دفعات الإعلاميين الذين يدخلون المنطقة المحفوفة بالمخاطر، وعن مشاهداته الأولى يقول: «أشلاء وبقايا جثث تعود لمقاتلي التنظيم في كل مكان، بجانبها رؤوس منفصلة عن أجسادها. كانت مشاهد قاسية جداً لم أعتد رؤيتها. بالنسبة لي كان تحدياً حقيقياً لمتابعة عملي أو التوقف عنه»، عدا مشاهد الخراب والدمار الذي تعرضت له مخمور، وكانت ألسنة النار قد أحرقت معظم المباني والبيوت القديمة للمنطقة، مما ترك أثراً عميقاً لدى كاميران.
وسيطر مسلحو تنظيم «داعش» على مساحة كانت تعادل مساحة المملكة المتحدة، في سوريا والعراق المجاور في ذروة قوته منتصف 2015، وكان يحكم نحو 8 ملايين شخص في منطقة تبلغ مساحتها 88 ألف كيلومتر مربع، واستطاع أن يجني مليارات الدولارات من عائدات النفط والسرقة والخطف، لكنه تكبد أكبر هزائمه العسكرية في عام 2017 عندما فقد السيطرة على مدينة الموصل بالعراق والرقة في سوريا.
وحملت الأيام كثيراً من المفاجآت للإعلامي كاميران، ففي شهر مارس 2017 وعندما كان يعمل مترجماً مع فريق صحيفة الـ«تلغراف» البريطانية لتغطية المعارك الدائرة في مدينة الموصل العراقية، تعرض المكان الذي كانوا يوجدون فيه لقصف بقذائف الهاون... يروي تلك التفاصيل كأنها حدثت قبل قليل ليقول: «كانت المنطقة تهتز من حولنا، أصوات عالية.. رصاص وقذائف. كنا نجهل مصيرنا، يومذاك نجونا بأعجوبة ولم يتعرض أحد لأي أذى والحمد لله»، وفي ذلك اليوم وعندما تعرضوا للقصف دخلوا إلى أحد المنازل بالموصل وكان بداخله أصحابه، ويضيف: «تساءلنا هل هم من التنظيم أم مدنيون، دخلنا بحذر. كنا خائفين منهم وهم أيضاً خائفين منا. دخلنا إلى السرداب حتى هدأ القصف، لنكتشف فيما بعد أنهم لا علاقة لهم بالتنظيم».
يكتب كاميران باللغة الإنجليزية، ونشر له كثير من التقارير في صحف الـ«تلغراف» البريطانية، و«واشنطن بوست» و«لوس أنجليس» الأميركيتين، وعمل مراسلاً لراديو(NPR) الأميركي، وقال: «أكتب القصص التي تحمل بعداً إنسانياً وترتبط بالواقع، والحروب التي دارت بمناطق كردستان العراق وشمال شرقي سوريا»، والأخيرة تسمى عند سكانها الأكراد منطقة «روج آفا»، وتعني بالعربية «غرب كردستان».
وخلال سنوات عمله في تغطية معارك «داعش»، عمل كاميران مع 30 جهة ووكالة عالمية.
وتمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» العربية الكردية والمدعومة من التحالف الدولي بقيادية أميركية، بعد 6 أشهر من هجوم بدأته في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، ضد آخر معقل لعناصر «داعش» في بلدة الباغوز فوقاني بريف دير الزور الشمالي، من القضاء على خلافة التنظيم المزعومة جغرافياً وعسكرياً.
بحسب كاميران كان الدمار والخراب من بين أكثر الأشياء التي لفتت انتباهه. ففي مدينتي الموصل والرقة كانت هناك مناطق سويت بالكامل بالأرض، جراء قصف الطيران الحربي وتعرضها للصواريخ والقاذفات في معارك طرد عناصر التنظيم. وكان حريصاً على التقاط الصور بكاميرا هاتفه في معظم المدن التي عمل فيها. ويقول: «كنت أتساءل في قرارة نفسي: هل سيأتي يوم ويحتفل العالم بالقضاء على هؤلاء القتلة؟ هل ستتخلص البشرية من هذا التطرف والتشدد وآثاره؟».
وفي ختام حديثه، يرى الإعلامي كاميران سعدون أن التنظيم لم ينته رغم القضاء عليه عسكرياً، «حيث خلاياه النائمة وأفكاره المتطرفة منتشرة بين سكان المناطق التي خضعت لحكمه سنوات طويلة»، وعلق قائلاً: «إذا بقيت الحروب دون حلول سياسية فسيظهر تنظيم ثان وثالث... تحمل العقيدة والآيديولوجيا نفسها لـ(داعش) ولو بأسماء أخرى، فالفوضى تساعد على ظهورها وانتشارها».
- فرهاد حمو... 1600 يوم من الاختفاء القسري
> فرهاد حمو. صحافي كردي مضى على اختفائه القسري 1600 يوم. اختُطف بتاريخ 15 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2014 على يد عناصر من تنظيم «داعش» الإرهابي. فبعد انتهاء العمليات العسكرية والقضاء على خلافته المزعومة في نهاية مارس (آذار) الماضي؛ بقي مصير الرهائن والمختطفين لدى «داعش» صندوقاً أسود.
يروي الصحافي مسعود عقيل المتحدر من مدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا، كيف اختطف مع زميله فرهاد يومذاك، ففي ساعات الصباح الباكر وأثناء توجههما من القامشلي إلى قرية تل علو مسقط رأس الشيخ حميدي دهام الجربا لإجراء مقابلة لصالح شبكة «رووداو» الإعلامية، حيث كان يعمل فرهاد ومسعود معها، وبعد وصولهما إلى الطريق السريعة الواصلة بين محافظة الحسكة (شمال شرقي سوريا) وبلدة تل كوجر أو «اليعربية» بحسب تسميتها العربية، شاهدا حاجزاً غير اعتيادي لمسلحين يلبسون زياً إسلامياً مدججين بالأسلحة ويرتدون أحزمة ناسفة.
يقول مسعود: «أتذكر كان عددهم 6 عناصر، فتشوا السيارة، وشاهدوا معداتنا والهواتف الجوالة، وعرفوا أننا صحافيان، وقام أحدهم بالركوب معنا وهددنا بالسلاح أو تفجير حزامه الناسف في حال مخالفة أوامره»، واتجهوا نحو بلدة تل حميس.
في تلك البلدة، بدأت رحلة من التعذيب والتحقيقات والأسئلة عن ديانتهما وتوجهاتهما الحزبية، حيث بقي فرهاد ومسعود في سجن تل حميس 3 أيام، لينقلا بعدها إلى سجن الشدادي الواقعة أقصى شرق سوريا، ثم نقلا بعد شهر إلى سجن الرقة، وكانت أبرز معاقل التنظيم آنذاك في سوريا قبل طرده منها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركية.
ويتابع مسعود حديثه ليقول: «أعتقد كان السجن الأسود، وضعونا في زنزانات انفرادية منفصلة، بعد شهرين جمعونا في (منفردة) واحدة لمدة 10 أيام»، ولم يكن يعلم مسعود بأن تلك الأيام ستكون الأخيرة بينهما، يضيف بحسرة: «في 9 مارس (آذار) 2015 كان آخر يوم نقضيه معاً، بعد الظهر جاء السجان ونقلني إلى (منفردة) ثانية وبقي فرهاد في مكانه، ومنذ ذلك اليوم فقدنا بعضنا».
ونقل مسعود لسجون ومعتقلات عدة خاضعة للتنظيم، وفي 21 سبتمبر (أيلول) 2015، أُطلق سراحه في إطار صفقة تبادل للأسرى بين «الإدارة الذاتية» وتنظيم «داعش»، عبر وجهاء من العشائر تمت في بلدة الهول جنوب مدينة الحسكة، وأضاف: «كانوا دائماً يرهبونني بأنهم سيجزّون رأسي من عنقي، كنت فاقداً الأمل بصراحة، وعندما أفرج عني سألت الأمير (الداعشي) عن مصير فرهاد، فادعى أنه لا يعرف شيئاً؛ لا مكانه ولا سجنه».
في منزل عائلته الكائن بمدينة القامشلي، لا تزال والدته وأباه وإخوته ينتظرون عودة الصحافي فرهاد بفارغ الصبر. في كل ركن وزاوية من المنزل هناك ذكرى ترويها والدته إلهام أحمد بحسرة، حيث كانت تلبس إيشارباً مطرزاً بألوان فاتحة، لكن الشيب غزا شعرها، وبدت متقدمة بالعمر رغم أنها في بداية عقدها الخامس، حزناً لفقدان ابنها، لتقول: «كان يجلس هنا نشرب الشاي الذي كان يحبه، في تلك الزاوية كنا نجلس على مائدة الطعام، وهناك كان مكانه المفضل للدراسة، وجهه لا يفارقني ولا لحظة؛ كيف كان ينام ويصحو باكراً»، وأضافت: «كنت أحرص على تجهيز الطعام مرات عدة كي تكون وجبته ساخنة، أما أكلته المفضلة فكانت (اللحم في صينية)».
وعبر حسين عمر، مدير ديسك «روج آفا» بقناة «رووداو»، عن حزنه العميق لغيابه بهذه الطريقة المؤلمة، قائلاً: «لا يزال جرحاً عميقاً لن يندمل إلا بعودته السالمة إلى أسرته وزملائه»، منوهاً: «كنّا نأمل أن يتحرّر زملينا فرهاد مع القضاء على آخر جيب لتنظيم (داعش) في شرق الفرات، وقد آلمنا عدم حدوث ذلك، لكننا لم نفقد الأمل، وسنظلّ ننتظر عودته».
أثناء معركة الباغوز كان أراس حمو؛ الأخ الأصغر لفرهاد يعمل مصوراً مع قناة «رووداو» الكردية، بقي في التغطية حتى آخر دقيقة بهدف البحث عن شقيقه، فكلما كانت تخرج دفعة من المحاصرين ومقاتلي التنظيم وأسرهم كان يستفسر عن مصير شقيقه، ونقل أنه وفي إحدى الليالي كانت المعركة على أشدها، وتحول ليل الباغوز إلى نهار من شدة لهيب القصف ونيران المعارك، وقال: «طلبت من مسؤول عسكري في (قوات سوريا الديمقراطية) أن يكونوا حذرين بالهجوم وقصف المواقع، لأن هناك أسرى ورهائن في قبضة التنظيم، وشقيقي فرهاد من بينهم».
كما أجرى أراس مقابلات مع أمراء وقادة من التنظيم بهدف معرفة معلومات عن أخيه فرهاد، ولفت أنه حصل على معلومات حول مصيره، وقال: «البعض أكد مشاهدته وأنه على قيد الحياة، ولكن لا يعرفون مكانه، فيما آخرون نقلوا له أنهم شاهدوه من بين الأشخاص الذين كان يستخدمهم التنظيم في أعمال الحفر والسخرة ولا يعلم أحد مصيرهم».
وعبر ساكار عبد الله، مدير قسم المراسلين في قناة «رووداو»، عن أسفه الشديد لغياب زميله، وأكد أن «فرهاد اتسم بروحه المرحة والمرونة في التعامل مع ما كان يُطلب منه إنجازه بموجب خطط العمل المرسلة إليه، أو الأحداث الطارئة التي كانت تتطلّب التحرّك الفوري والوصول بأسرع ما يمكن إلى موقع الحدث».
وأشار أراس حمو إلى أن مسؤولي «قوات سوريا الديمقراطية» أكدوا لهم استمرار التحقيقات مع قادة وأمراء التنظيم: «يقولون هناك أكثر من 10 آلاف عنصر ومسلح (داعشي)، وبعد انتهاء التحقيقات يأملون في الحصول على معلومات تفيد بمعرفة مصير الرهائن والمختطفين».
أما والدته إلهام التي تنتظر عودته ليجلس ابنها فرهاد من جديد بجانبها ويحتسي الشاي معها، فتقول: «كان يقول لي إنه يحب شرب الشاي معي. أنتظر عودته، وأملي الوحيد أن يكون على قيد الحياة ويعود لنا بسلامة».


مقالات ذات صلة

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

استقبلت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، بمقرها في الرياض، الشيخ حمد آل ثاني، المستشار بالمؤسسة القطرية للإعلام، يرافقه عدد من القيادات الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».