حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات

ضرورة ملحة لإعادة النظر في قوانين الإعلام بالدول العربية

حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات
TT

حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات

حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات

«الصحافة»... هذه المهنة التي طالما كان لها وقع خاص ومميز بين المهن. إنها مغامرة لكشف الغموض، وخوض رحلات بحث محفوفة بالمخاطر، لا تقف عند حدود أرض أو زمن أو شعب. هي «أكسجين الديمقراطية» كما وصفتها منظمة حقوق الإنسان الدولية غير الحكومية، باعتبارها العنصر الأساس للديمقراطية التي تتعلق بقدرة الأفراد على المشاركة بشكل فعال في عملية صنع القرارات التي تؤثر عليهم.
الصحافي ليس رئيس دولة، ولا يجلس على كرسي من ذهب، لكنه يستطيع أن يهزّ بكلمةٍ الأرضَ تحت زعيم أو رئيس، وبكلمةٍ قد يكشف فساداً مرعباً، وهذا ما فعله كثيرون عبر التاريخ، بأقلامهم فقط، ولا يزالون، لكن الثمن كان حياتهم. ومن أجل التغيير والوصول إلى مجتمع ديمقراطي حقيقي، لا بد من حماية حياة العاملين في هذا المجال.
في كل عام يحتفل العالم في 3 مايو (أيار)، بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة بهدف تقييمها في شتى أنحاء العالم، والأهم حماية العاملين فيها والدفاع عنها والوقوف في وجه من يتعرض لها من هجمات تهدد استقلالها والإشادة بالصحافيين الذين ضحوا بحياتهم أثناء تأدية واجبهم المهني.
في صلب اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، تتربع حرية الصحافة وحرية التعبير. هذا اليوم، هو مناسبة لإعلام الجمهور بكل الانتهاكات التي تتعرض لها الصحافة، وللتذكير بأن المطبوعات في عشرات البلدان حول العالم، تخضع للرقابة والغرامة والتوقف المؤقت والدائم، وما يتعرض له الصحافيون والمحررون والناشرون من مضايقات واعتداءات، واعتقالات وقتل أحياناً، ولتذكير الحكومات بحاجتها للوفاء بالتزاماتها تجاه حرية الصحافة، كما للتفكير مع المهنيين في مجال الإعلام حول موضوعات تتعلق بحرية الصحافة والأخلاقيات المهنية.
الإعلام والديمقراطية:
- الصحافة في أوقات التضليل
عنوان العام الحالي لحرية الصحافة. وكما كثير من عواصم العالم، نظّم مكتب اليونيسكو في بيروت بالشراكة مع وزارة الإعلام، وبالتعاون مع كل من مركز الأمم المتحدة للإعلام في بيروت، ومؤسسة «جوستيسيا» للتنمية وحقوق الإنسان، ومنظمة إعلام للسلام (ماب) - لقاء للمناسبة، برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، ممثلاً بوزير الإعلام جمال الجراح، حضرته «الشرق الأوسط».
إعلاميون وحقوقيون تحدثوا عن أهمية الإعلام، بصفته منبراً حراً لإيصال كلمة حق ونبذ العنصرية وبثّ الكراهية وكيفية التعامل مع نقل الخبر بكل مصداقية، من دون استخدام تعابير تؤجج الحقد بين أفراد المجتمع الواحد، كما تطرق المؤتمر لأهمية استحداث قوانين جديدة تساهم في إعطاء مساحة حرية أكبر للإعلام.
- انتقاء التعابير
عن «الفلتان وسوء استخدام حرية التعبير»، تحديداً في وسائل التواصل الاجتماعي، الذي بات منبراً يستخدم من البعض لسبّ وشتم الآخر، بسبب عدم القدرة على السيطرة على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، تحدث داوود إبراهيم، الصحافي والأكاديمي والأستاذ الجامعي، متناولاً أهمية اختيار الأسلوب المناسب في نقل الصحافي لخبر ما، مهما كان بشعاً. وحسب تعبيره، الصحافي «ليس ناشط سلام»، ولا بد أن يخبر العالم بحقيقة حدثت، قد تكون مجزرة أو إبادة جماعية. ولكن الأهمية تكمن في كيفية تناوله الخبر بأسلوب خالٍ من بثّ الكراهية، وأن يتجنب التعميم والاتهام والتحريض طائفياً أو حزبياً أو عرقياً. متناولاً «جدار بلفاست أو خط السلام» كمثال على انتقاء التعابير. «مهمته الفصل بين الأحياء الكاثوليكية والبروتستانتية في بلفاست، عاصمة آيرلندا الشمالية خلال الحرب الدينية بين الطرفين.
وفي الحقيقة هو ستار عازل وأسلاك شائكة تفصل بين الأطراف المتخاصمة».
يقول: «الإعلام هنا يفكر بمجتمع، ويسعى للبناء وليس للتعطيل». لم يتناول المؤتمر حماية حياة الصحافيين وعدم التعرض لهم فقط، بل تحدث عن المسؤولية الموكلة إليهم، وكيف يكون الإعلام صحياً أو محرضاً، وكيف يبني أو يهدم، وذلك من خلال استخدام حرفية العمل بحيادية، وتجنب الوقوع في تسويق الأخبار لحساب طرف أو آخر. وفي ذلك، يؤكد إبراهيم، على أهمية أن يفتح الصحافي في نقله للأحداث، المجال لجميع الناس للتعبير عن آرائهم ودفعهم من خلال كلماته إلى الاستنتاج من دون وصف طائفة أو عرق بالدموية.
- «الإعلام المسيس والتضليل»
في لبنان تحديداً ظاهرة، يعتبرها البعض حرية التعبير الديمقراطي، فيما يعتبرها آخرون فوضى مدمرة، قد يعود السبب للتركيبة السياسية الطائفية في السلطة، فلكل حزب أدواته الإعلامية التي تروج لسياسته.
وعن هذا الأمر، تحدث الإعلامي عباس ضاهر، متناولاً أهمية حرية الإعلام وحرية الصحافي في التعبير عن فكرة معينة وكتابة رأي معين، من دون التعرض لأي تهديد أو قمع بسبب رأي ما. والأمثلة في لبنان كثيرة، وقد دفع صحافيون حياتهم ثمن رأي أو كلمة. وتابع أن في لبنان تحديداً «الإعلام مسيس، فلكل حزب قناته وبوقه الإعلامي، يهاجم ويشتم ويُخون، وليس من حسيب ولا رقيب ولا رادع».
ومهما اختلفت الآراء والمواقف، اعتبر ضاهر، أنه من الأهمية أن يتضامن الإعلاميون لمواجهة أي تحدٍ قد يطالهم أو يقف في وجههم. وهذا ما يفتقده لبنان، بسبب التزامات غالبية إعلاميّيه الحزبية التي تطغى على احترام المهنية في العمل.
من الأمثلة التي قدّمها ضاهر، على التضليل الإعلامي، نتائج بحث سيكون في متناول الجميع بعد أيام، تحدث عن سقوط الطائرة الإثيوبية في بيروت. وجّهت وقتها الدولة الإثيوبية الاتهامات إلى الدولة اللبنانية وطالبتها بدفع التعويضات، وقد استندت آنذاك على الخطاب الإعلامي للمؤسسات اللبنانية التي كانت تفتقر للخطاب الموحد أو الموضوعي. هذا التخبط الإعلامي واللامسؤولية حمّل الحكومة اللبنانية مسؤولية سقوط الطائرة، فيما كشفت نتائج التحقيقات أن كابتن الطائرة هو المسؤول.
- قوانين الإعلام
عن هذا الموضوع، تحدث القاضي بول مرقص رئيس مؤسسة «جوستيسيا» للإنماء وحقوق الإنسان في لبنان، عن القانون والإعلام، وضرورة مراجعة القوانين المتعلقة بالصحافة في لبنان. ومن الجدير ذكره أن أحدث قانون يعود للعام 1962، فلا بدّ من ضرورة استحداث قوانين جديدة، لا تسمح لمتولي السلطة باستخدامها ضد الإعلاميين بكل إجحاف. وعلى العاملين في الإعلام الاطّلاع على القوانين الجديدة، وهي 3 أو 4 فقط، للتعرف على مضامينها، منها قانون الوصول إلى المعلومات، وقانون حماية كاشفي الفساد، ولا بد لكل صحافي وإعلامي وناشط حقوقي واجتماعي أن يقرأها، وهي متاحة للجميع على مواقع الإنترنت.
كيف تكون حدود حرية التعبير والرأي والحق؟ يقول مرقص: «عبر أخلاقيات المهنة للإعلاميين. هذه الأخلاقيات هي التي تضمن حقوق الغير وعدم التعرض لها، والمصلحة الوطنية التي لا يجب أن تمس».
وتحت عنوان «الاحتفال السنوي السادس والعشرين باليوم العالمي لحرية الصحافة»، بُحث هذا الموضوع في المؤتمر الدولي، الذي اشتركت في تنظيمه اليونيسكو وحكومة جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية والاتحاد الأفريقي، وعقد في مدينة أديس أبابا يومي 2 و3 مايو.
بالمناسبة أيضاً، رأى أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في كلمته، أن حرية الصحافة أساسية لتحقيق السلام والعدالة والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان، وأن «أي ديمقراطية لا تكون مكتملة من دون توفر إمكانية الحصول على معلومات شفافة وموثوقة». وسلّط الضوء على دور الصحافة في مواسم الانتخابات حين ينبغي أن يهتدي الناس بالحقائق، وليس بالأكاذيب، عند اختيار ممثليهم، حسب تعبيره. وتحدث عن التكنولوجيا وما أحدثته من تحول كبير في وصول الناس إلى المعلومات وتبادلها، محذراً من استخدامها أحياناً لتضليل الرأي العام أو لتأجيج العنف وتغذية الكراهية.
من جانبها، ربطت المديرة العامة لليونيسكو أودري أزولاي، في رسالتها، بين حرية الصحافة والديمقراطية، قائلة: «تعد الصحافة الركن الأساس للمجتمعات الديمقراطية، ولا بد من ضمان حرية الرأي عن طريق إتاحة التبادل الحرّ للأفكار والمعلومات القائمة على بينات ووقائع حقيقية، في زمن تعلو وتشتد نبرة الخطاب القائم على الارتياب وإساءة الظن بالصحافة وبالعمل الصحافي الرامي إلى نزع الشرعية عنهما».
وأشارت أزولاي إلى أن «مرصد اليونيسكو لجرائم قتل الصحافيين أحصى 99 جريمة قتل في العام 2018. وبلغ مجموع جرائم قتل الصحافيين التي أحصاها المرصد 1307 جرائم للفترة الممتدة من عام 1994 إلى عام 2018»، مضيفة: «يشكل الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحقهم تهديداً لكل المجتمعات، ويفرض علينا توخي الحيطة والحذر في جميع الأحوال والأوقات».
وحسب موقع «اليونيسكو»، قُتل خلال العام 2019 ثمانية صحافيين، ومواطن إلكتروني معاون، فيما سجن منذ مطلع العام 175 صحافياً، وبلغ عدد السجناء في أوساط المواطنين الإلكترونيين 150 شخصاً، و17 من المعاونين. ففي أفغانستان قتل 3 صحافيين، وصحافي في غانا، و3 في المكسيك، وصحافية في المملكة المتحدة، قتلت قبل أيام قليلة من التقرير.
- جائزة العام
حصل وا لون، وكياو سوي أوو، الصحافيان في وكالة «رويترز» للأنباء، الذين يقضيان عقوبة السجن لمدة 7 سنوات في ميانمار، على جائزة رئيسية في حرية الصحافة من الأمم المتحدة. وقدمت «يونيسكو» جائزة جيليرمو كانو العالمية لحرية الصحافة إلى ثورا أونج، أحد أشقاء وا لون، خلال حفل استُضيف في أديس أبابا.
- تضحيات تواجه آلة الخوف مع تصاعد وتيرة الكراهية ضد الصحافيين
> تُبيّن النسخة 2019 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة، تصاعد وتيرة الكراهية ضد الصحافيين لتبلغ حد العنف، حسب منظّمة «مراسلون بلا حدود»، ما أدّى إلى تنامي الشعور بالخوف، وتقلّص دائرة البلدان التي تُعتبر آمنة، ليتمكّن الصّحافيون من ممارسة مهنتهم. في حين تشدّد الأنظمة الاستبدادية قبضتها على وسائل الإعلام أكثر فأكثر.
ويُبيّن تصنيف المنظمة الذي يُقيِم سنوياً حالة الصحافة في 180 بلداً، أنّ آلة الخوف تعمل بأقصى طاقتها، ما يقوض بشدة ممارسة الصحافة في ظروف هادئة.
ويتميز تصنيف 2019 بتربع النرويج على الصدارة للسنة الثالثة على التوالي، واستعادت فنلندا المركز الثاني، على حساب هولندا. في المقابل تراجعت السويد مرتبة واحدة لتحتل المركز الثالث. وعلى صعيد القارة الأفريقية، حققت كل من إثيوبيا وغامبيا تقدماً ملحوظاً.
ويواصل كثير من الدول الخاضعة لحكم أنظمة استبدادية التراجع على جدول في التصنيف، كما الحال في فنزويلا وروسيا وفيتنام والصين.
ولا تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رغم تدهور مؤشرها الإقليمي بشكل أقل حدة هذا العام، المنطقة الأصعب والأخطر على سلامة الصحافيين. فبينما انخفض بشكل طفيف عدد الصحافيين القتلى في سوريا خلال عام 2018، فإن ممارسة العمل الصحافي لا تزال خطيرة للغاية في بعض البلدان، مثل اليمن، والحال نفسها في ليبيا، ولا تزال إيران أكبر سجن للصّحافيين على الصعيد العالمي. أما منطقة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، فلا تزال تُراوح مكانها سنة بعد أخرى في المرتبة قبل الأخيرة في التصنيف، وذلك رغم التباين غير المعتاد بين التطورات الوطنية والتحسّن الطفيف في مؤشرها الإقليمي.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».