ألم يحن موسم الاتجاه إلى الشرق؟

من أجل بناء القاعدة المعرفية في العالم العربي

كونفشيوس
كونفشيوس
TT

ألم يحن موسم الاتجاه إلى الشرق؟

كونفشيوس
كونفشيوس

لا يعرف العرب في مختلف دولهم أشياء كثيرة عن الصين ونهضتها الحديثة. وباستثناء أفراد قلائل يتواصلون مع نظرائهم في ذلك البلد لأغراض تجارية ولوجيستية محضة فإن تصوراتنا عن أكثر دول العالم سكاناً لا تتعدى «كليشيهات» بالية تراكمت في عقلنا الجمعي بحكم الانخراط العربي شبه الكلي في الثقافة الغربية التي صاغت مفاهيمها عن العالم أجواءُ الحرب الباردة. الصين بالنسبة لنا لا تتجاوز حروب الأفيون القديمة، والشيوعية وهونغ كونغ وتايوان والسور العظيم وجيش التيراكوتا وميدان تيانانمين، وربما سيلاً من البضائع المقلدة الرخيصة والرديئة الجودة أو التجسس الصناعي، بينما لا تزال اللغة الصينية وصفاً دارجاً في غير بلدٍ عربي لكل أمر معقد مستغلق يستحيل فهمه رغم أن الحديث الشريف حض قبل أكثر من 1400 عام مضت على طلب العلم حتى لو كان في الصين.
تلك الحالة من الانغلاق الاختياري تجاه الشرق، وحصر التبادل المعرفي بالغرب، لا سيما بجناحه الأنغلوفوني، ربما كان لها ما يبررها في أوقات مضت عندما كانت بعض الدول العربية لا تزال تخطو خطواتها الأولى في مرحلة بناء الدولة بعد الاستقلال، وفي ظل الهيمنة التامة للإمبراطورية البريطانية ووريثتها الأميركية. لكن الأمور اختلفت ونحن الآن على أبواب الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، ولا بد أن مقاربة مختلفة للعلاقات العربية بالصين أصبحت مستحقة أكثر من أي وقت مضى، فقد تولّت أجيال جديدة شابة مقاليد السلطة في العالم العربي خرجت من عباءة العلاقات الأبوية الطابع بالدول الكبرى، وأصبحت بشكل متزايد أقدر على تعاملات أكثر ندية في علاقاتها الدولية كما اتخاذها القرارات الاستراتيجية. وفي ذات الوقت، فإن صين اليوم على وشك إزاحة دولة العالم الأعظم، الولايات المتحدة، عن عرش الاقتصاد الأكبر عالمياً خلال سنوات قليلة، وهي الآن المستثمر الأكبر في تطوير البنية التحتية والموانئ والاتصالات عبر الكوكب، وقد نجحت في رفع مئات الملايين من مواطنيها خارج خط الفقر ليقربوا مكانة الطبقة الوسطى المنتجة والمستهلكة، التي عادةً ما تدير ماكينة الاقتصادات العالمية.
يحدث هذا في الوقت الذي يشهد فيه الغرب تباطؤاً اقتصادياً، وردة فكرية نحو الفاشيات الخطرة، فيغرق الاتحاد الأوروبي في شباك من أزمات المديونية والبطالة وسياسات التقشف والخلافات بين أعضائه، وتنعزل بريطانيا على نفسها بعد «بريكست»، وتصبح عرضة للتهميش الاقتصادي والثقافي (أقله مقارنة بماضيها الإمبراطوري) وتتجه نحو تفكك شامل لمكونات الهوية البريطانية لحساب القوميات المحلية في الأقاليم الخاضعة لحكم لندن. وتبدو الولايات المتحدة في وارد منافسة جادة على مناطق نفوذها التقليدي، سواء فيما يتعلق بالتعاملات بالدولار أو ولاءات الدول، وذلك بعد استرداد روسيا لعافيتها تدريجياً منذ مرحلة سقوط الاتحاد السوفياتي السابق، ونهضة الصين وأمم آسيا الأخرى، وتكرار محاولات دول أصغر لبناء استقلال جزئي تجاه الهيمنة الأميركية، بل وحتى بناء نطاقات نفوذ إقليمية من الهند إلى تركيا، ومن إيران إلى فنزويلا.
الجيل الجديد من القيادات العربية يفتقر في ظل هذه التحولات الكونية الهائلة على مسرح السياسة العالمية إلى قاعدة معرفية محلية من خبراء وتقنيين ومؤرخين ودبلوماسيين يكون بمقدورها ليس فقط التحدث مع الصين اللغة والثقافة والحضارة والأمة والدولة والشعب، بل وأيضاً امتلاك الكفاءة لعبور العقل الجمعي الصيني والتفكير بطريقته.
يتطلب بناء مثل تلك القاعدة المعرفية في العالم العربي بداية الاستغناء عن النظارات الغربية التي لطالما حصرت فهمنا للصين بمساحة صراع الحرب الباردة العديمة البصيرة واستبدال بها نظرة عريضة ذات عمق تاريخي. مثل تلك النظرة ستضع التحولات الآيديولوجية لصين القرن العشرين والدولة العملاقة التي نتجت عنها في حجمها الحقيقي كمجرد تطور مرحلي ضمن إطار سياق زمني ممتد نحو ماضٍ من ثلاثة آلاف سنة، ولا يخرج عن البنية الجينية لثقافة هذا الجزء من العالم الذي بقي طوال قرون طويلة محور الحضارة البشرية، على الأقل لحين بزوغ الرأسمالية المعاصرة في القرن الثامن عشر التي نقلت مركز الجاذبية – بمعناها الحضاري والثقافي – مؤقتاً نحو الغرب.
هذا العمق التاريخي الذي تستند إليه جمهورية الصين الشعبية بعقودها السبعة (تأسست 1949) يجعل كثيراً من المفاهيم الأساسية عن شكل منظومة الحكم والسلطة وبنية القوة والولاءات فيها مستمدة بشكل أو آخر من تعاليم فلاسفتها ومفكريها القدماء من العهد الكلاسيكي أكثر منها نتاج التجارب الماركسية الأورومركزية، تماماً كما كثير من الأفكار الناظمة للسلوكيات المشتركة بين المواطنين الصينيين العاديين في وقتنا الراهن كأخلاقيات العمل، وأهمية العائلة، وتوقير السلطة والآباء وكبار السن التي تكاد تكون مُستلَّة بحرفيتها من نصوص الحكيم الصيني العظيم كونفوشيوس (551 – 479 قبل الميلاد). ولا شك أن هوس الصينيين بالتعليم والمعرفة كصيغة أكيدة لصعود الفرد ورِفعة مجتمعه معاً إنما هو انعكاس لتجربة قومية طوال 25 قرناً عندما كان يتعين على مَن يأمل الالتحاق بالعمل العام في خدمة الإمبراطور أو الترقي لمناصب سلك الخدمة المدنية العليا أن يتجاوز سلسلة من امتحانات القبول والكفاءة عدة مرات وفي موضوعات مختلفة ثقافية وتقنية.
وللحقيقة، فإن المتابع لمُجريات الحياة في الجمهورية الشعبية المعاصرة وطبيعة النقاشات التي تجري فيها يلحظ بسهولة أن المثقفين على تنوع توجهاتهم الآيديولوجية يسترجعون ويستشهدون بنصوص وأفكار حكماء أمتهم القدماء، تماماً كما يستذكر الغربيون شكسبير وميكافيللي وهيغل ومونتيسكو، ولا شك أن أعرافاً سائدة مثل صيغة المجتمع المتناسق التي تفترض تقديم حفظ اللحمة الاجتماعية ووحدة المجتمع على مصالح الأفراد، أو الاعتقاد بمبدأ وحدة القيادة - قائد أعلى واحد للمجتمع - المُستوحى من النظام التقليدي للأسرة الصينية، أو حتى مبدأ أنه من الأنجع إدارة وسَوْس الجشع البشري للمادة بدل محاولة قمعه بالكلية، وغيرها، مستقاة من أفكار صينية قديمة الجذور بقيت قيد التداول، وتحولت مع مرور الأيام إلى طبيعة ثانية للعقل الصيني، بغض النظر عن كل الرطانات الحزبية والثورية والألوان الحمراء والشعارات الشيوعية.
لا يعني بناء قاعدة معرفية تتولى توفير المشورة لدول العالم العربي بشأن العلاقات مع العملاق الصيني تحولاً جذرياً في التموضعات السياسية إقليمية كانت أو عالمية، ولا حتى المغامرة بفقدان صداقات عميقة وتحالفات بنيوية قائمة مع الغرب، بقدر ما هي لحاق بما تستدرك دول الغرب نفسها القيام به. الأميركيون اليوم ينفقون أموالاً طائلة على مراكز أبحاث وبعثات وأكاديميات معنية بدراسة الصين بكل ما فيها، ولديهم أكبر عدد من الخبراء العالميين بشؤون ذلك البلد بعد بكين نفسها. أما تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية، التي عليها أن تواجه الانعكاسات السلبية الحاسمة المترتبة على مشروعها لتنفيذ مسألة خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي، فقد طارت مسرعة إلى بكين في زيارة دولة محاولة بناء شراكة تجارية عميقة معها، تعوضها عما ستخسره المملكة المتحدة من التجارة مع شركائها الأوروبيين. وليس سراً أن ثمة تغييرات جذرية تتم وفق برنامج قومي شامل في بنية مناهج المدارس البريطانية لمنح فرص لعدد كافٍ من الطلاب البريطانيين لتعلم اللغة الصينية مبكراً ومن ثم تأهيلهم للتخصص الجامعي في مجالات تسمح ببناء جسور تواصل ثقافي وتكنولوجي وتجاري وحتى اجتماعي مع أمة كونفوشيوس، وبينما تتسرب أدوات القوة الناعمة من أيدي القوى الغربية رويداً رويداً لسوء التقدير وتقديم مصالح القلة، يبني الصينيون قواعد جديدة للتأثير العالمي سواء من خلال بناء منصات كونية للإعلام، أو من خلال الاستثمارات الخارجية في معظم دول العالم من آسيا إلى أفريقيا ومن أوروبا إلى الأميركيتين.
إنه موسم الاتجاه إلى الشرق. ولا نملك في العالم العربي هذي المرة أن نكون آخر الواصلين.



مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)
مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)
TT

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)
مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)

أكدت المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أنها تشارك في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي بوصفها منتجةً مشاركةً بالفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حمّاد، كما تشارك بمشروعَي فيلمين أحدهما سوداني والآخر هندي بسوق مهرجان برلين، لافتة إلى أنها تنحاز في اختياراتها للأفكار والمعالجات الفريدة، وأشارت في حوارها لـ«الشرق الأوسط» إلى أن فيلمها الوثائقي «حبيبي حسين» قد حاز اهتماماً لافتاً من الجمهور الهولندي خلال عرضه بمهرجان «روتردام السينمائي» في دورته الماضية، حيث فاز بالمركز الثالث في قائمة اختيار الجمهور، وذلك بعدما شارك في عدد من المهرجانات الدولية، مشيدة بالحضور الفلسطيني في المهرجانات الكبرى.

وتسجل مي عودة حضورها منتجةً بأفلام مهمة، لكنها تغيب عن الإخراج، موضحة أن الإنتاج استحوذ عليها في السنوات الأخيرة لوجود كثير من الأصوات المميزة من صناع الأفلام الذين يتطلعون إلى خروج مشروعاتهم للنور، وأنها تسعد بذلك كثيراً كما في فيلم «حبيبي حسين» الذي أتاحت فيه للمخرج أليكس بكري تقديم أول أفلامه.

فيلم «خروج آمن» يشارك بالدورة 76 بمهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وتشارك مي عودة في الدورة الـ76 لمهرجان برلين (12- 22) فبراير (شباط) بوصفها منتجةً مشاركةً للفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حماد الذي يُعرض بقسم البانوراما، وكذلك منتجةً مشاركةً لمشروع فيلمين بسوق الإنتاج للمهرجان، وهما الفيلم السوداني «كارت أزرق» لمحمد العمدة وإنتاج أمجد أبو العلا، والفيلم الهندي «فيرال»، مؤكدة أنها تفخر بهذه المشاركات.

وتوضح رؤيتها لهذه الاختيارات الثلاثة قائلة: «هذه الأفلام تبحث عن الهوية والإنسان كل في مجتمعه، ففيلم (خروج آمن) يُعد بناية واحدة لشخصيات تشكل نسيج القاهرة المتعدد، و(كارت أزرق) يبحث في معنى اللجوء والهوية والصداقة عبر قصة ذكية وإنسانية جداً، أما (فيرال) فيستعيد زمن سابق حيث صراع الطبقات والغطرسة الرأسمالية والعنصرية».

وكانت عودة قد شاركت أخيراً بالفيلم الوثائقي «حبيبي حسين» في مهرجان «روتردام السينمائي» خلال دورته الماضية، وقد حظي باهتمام لافت، وتقول عنه: «سعدت كثيراً بمشاركة فيلم (حبيبي حسين) بمهرجان (روتردام السينمائي) بعد عرضه العالمي في مهرجان (بوسان) ومشاركته في مهرجان (القاهرة)، وفوزه بجائزة شادي عبد السلام، بجانب مشاركته بمهرجان (بلاك بوكس) بسويسرا، ثم (روتردام) وكانت المفاجأة الكبرى فوزه بالمرتبة الثالثة في اختيار الجمهور، وهذا إنجاز كبير لفيلم وثائقي، وكانت ردود الأفعال مبهرة من الجمهور، وهناك العديد من المشاركات التي تنتظر الفيلم دولياً خلال الفترة المقبلة».

ملصق الفيلم الوثائقي (مهرجان روتردام)

وتحكي عن علاقتها بالفيلم: «بدأت علاقتي به عبر مكالمة هاتفية من صديقي توماس، وقال لي إن هناك مخرجاً فلسطينياً لديه فيلم قام بتصويره على مدى 10 سنوات بسينما جنين، وحين شاهدت ما تم تصويره تحمست كثيراً للفيلم وقلت هذا فيلم يمسني، ولا بد أن أحكي عنه».

ورغم أن مي عودة تنتمي لمدينة رام الله لكنها ارتبطت بسينما جنين التي حضرت بها عروضاً عديدة، والتي يحكي الفيلم عنها وعن حسين عارض الأفلام بها، وتقول عنها: «هذه السينما كانت متوقفة بقرار من الاحتلال الإسرائيلي لفترة طويلة منذ عام 2007، حين جاءت جهة ألمانية وقررت ترميمها وتحديثها وأنفقوا مبالغ كثيرة وجمعوا تبرعات وتم تشغيل السينما في 2010 لكن في 2017 تم هدمها لأن طريقة الدعم الغربي تنصب على الاهتمام بالآلات وليس على الإنسان، وقد حاول فلسطينيون تشغيلها لكن السينما لم تحقق أرباحاً مالية فجاء صاحب السينما وهدمها لتبقى في خيالنا تحمل الحنين والذكريات، وقد أحببنا إهداء الفيلم لحسين عارض الأفلام الذي توفي عقب التصوير فقمنا بتغيير عنوان الفيلم من (العارض الأخير) إلى (حبيبي حسين)».

وكان الفيلم قد حاز تمويلاً من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي» و«آفاق» وحصل على جائزتين من ملتقى القاهرة السينمائي.

وأنتجت مي عودة أفلاماً روائية من بينها الفيلم الطويل «200 متر» الذي حاز على جائزة الجمهور من مهرجان فينيسيا، والوثائقي «إجرين مارادونا»، و«أزرقاق»، و«العبور»، و«روشمي» و«المنسي»، كما أخرجت أفلاماً وثائقية، من بينها «يوميات»، و«غزة بعيونهن»، و«الرسم لأحلام أفضل».

وحازت جائزة مجلة «فارايتي» الأميركية لأفضل موهبة عربية في 2020، وتقول عن غيابها بوصفها مخرجةً: «لا شك أن الإنتاج استحوذ عليّ لأن هناك كثيراً من الأصوات المميزة تحتاج إلى المساندة والدعم لتظهر أفلامها».

معالجة فريدة

وعما يجذبها للأفلام التي تتصدى لإنتاجها تقول عودة: «أنا وشريكتي زورانا تجذبنا قصة الفيلم وطريقة معالجته، قد تكون القصة جاذبة لكن المعالجة عادية أو غير مقنعة أو تقليدية فلا نتحمس لها، إذ لا بد أن تكون القصة فريدة والمعالجة تماثلها في التفرد، وإذا لم نحب الفيلم مائة في المائة فمن الصعب أن نُكمل المشروع لأن رحلة إنتاج أي فيلم تنطوي على مصاعب كبيرة».

وتُبدي مي سعادتها بالحضور الفلسطيني في المهرجانات العالمية والعربية خلال عام 2025 وتقول عنه: «دائماً هذا الحضور موجود ومهم لأن الأفلام الفلسطينية بمخرجيها ومخرجاتها لديها ما تقولوه، لذا أقول دائماً إن السينما الفلسطينية هي وزارة دفاع فلسطين التي تنشر القصص الصادقة وسط كل هذه الأكاذيب المُروجة غربياً».


ألعاب نارية «ممنوعة» تؤرق أحياءً شعبية في مصر

الألعاب النارية تنتشر في الأحياء الشعبية بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الألعاب النارية تنتشر في الأحياء الشعبية بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

ألعاب نارية «ممنوعة» تؤرق أحياءً شعبية في مصر

الألعاب النارية تنتشر في الأحياء الشعبية بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الألعاب النارية تنتشر في الأحياء الشعبية بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

رغم جهود وزارة الداخلية المصرية للحد من تصنيع الألعاب النارية وترويجها، وضبط آلاف القطع منها، فإن انتشارها اللافت في الأحياء الشعبية، خصوصاً قبيل شهر رمضان، بات يؤرق سكان مناطق عدة في مصر. وأعلنت الأجهزة الأمنية ضبط كميات كبيرة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة في محافظات القاهرة، والفيوم، والإسكندرية، والغربية، قاربت 15 مليون قطعة بأشكال وأحجام مختلفة، عُثر على بعضها بحوزة تجار، وأخرى داخل مصانع وورش تعمل بالمخالفة للقانون. كما أعلنت وزارة الداخلية، الأربعاء، توقيف شخص بدائرة قسم شرطة أول العامرية بالإسكندرية، لحيازته كمية من الألعاب النارية تمهيداً للاتجار بها.

تعيش سعيدة عبد الغفار، وهي بائعة خبز في العقد الرابع من العمر بمنطقة المنيب في الجيزة (غرب القاهرة)، حالة من الذعر اليومي بسبب انتشار الألعاب النارية.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع قرب حلول شهر رمضان يبدأ موسم بيع الألعاب النارية، ولا أستطيع الاعتراض على جارتي التي تبيعها»، مضيفة: «هي تعدّها باب رزق». وتوضح أنها تخشى الإصابة بسببها، وتحرص على الابتعاد عن الطرق التي تنتشر فيها، لأن الأطفال لا يتحلّون بالحرص الكافي، ما يفرض على الكبار مزيداً من الحذر.

أحدث مضبوطات الألعاب النارية في الإسكندرية (وزارة الداخلية)

ترتبط الألعاب النارية لدى المصريين بالأعياد والاحتفالات، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى مصدر قلق متزايد. وقد تسبب إطلاق ألعاب نارية في حفل للفنان محمد رمضان بالساحل الشمالي، الصيف الماضي، في وفاة فرد أمن وإصابة 6 أشخاص.

وفي محافظة الفيوم (جنوب غربي القاهرة)، أدّى انفجار كميات من الألعاب النارية قبل 10 أشهر إلى انهيار عقار بالكامل، وأسفر الحادث عن مصرع شخص وتضرر عقار مجاور.

وتدخل الألعاب النارية إلى الأسواق بطرق غير قانونية عبر الموانئ. وأعلنت وزارة الداخلية، الثلاثاء، عبر صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، ضبط 22 ألف قطعة ألعاب نارية لدى أحد التجار في الإسكندرية، وقبلها بيومين ضبطت أجهزة أمن محافظة الغربية 2375 قطعة في إحدى قرى مركز المحلة الكبرى.

وفي القاهرة، تمكّنت الأجهزة الأمنية خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من ضبط شخص بحوزته ألف قطعة ألعاب نارية متنوعة، كما حدّدت مصدر حصوله عليها، وصادرت 1.3 مليون قطعة داخل منزل يُستخدم في تصنيعها وترويجها.

مضبوطات ألعاب نارية في محافظة الفيوم (وزارة الداخلية)

ومن أجل محاصرة مخاطر الألعاب النارية، يفرض القانون عقوبات ضد تجارها ومستورديها، وتقضي المادة 102 (أ) من قانون العقوبات بالسجن المؤبد لكل من أحرزها أو حازها أو صنعها أو استوردها دون الحصول على ترخيص بذلك، ورغم العقوبات المغلظة فإنها تعد تجارة رائجة، فخلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ضبطت الأجهزة الأمنية في محافظة أسيوط (جنوب مصر) شخصاً بحوزته أكثر من 5 ملايين لعبة نارية.

ووفق الخبير الاقتصادي المصري إلهامي الميرغني: «لا توجد إحصاءات منشورة حول حجم سوق الألعاب النارية في مصر». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لكن توجد مؤشرات يمكن من خلالها تقدير حجم الأرباح؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية عام 2025 ضبط 11 مليون قطعة خلال 24 ساعة فقط، كما أوقفت 3 أشخاص في منطقة الخصوص بالقليوبية بحوزتهم قرابة مليوني قطعة، قُدّرت قيمتها بنحو 8 ملايين جنيه».

وأشار الميرغني إلى وجود مصدرين رئيسيين للألعاب النارية في السوق المصرية: «الأول التصنيع المحلي في مصانع غير مرخصة، والثاني الاستيراد من الصين التي تسيطر على نحو 80 في المائة من السوق، تليها فرنسا ثم الهند»، مؤكداً أن استمرار هذه التجارة يدل على تحقيق أرباح مرتفعة تعادل مستوى المخاطرة في التصنيع أو الاستيراد.


معرض أثري يوثق وصول معتقدات المصريين القدماء إلى سواحل البحر الأسود

المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)
المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)
TT

معرض أثري يوثق وصول معتقدات المصريين القدماء إلى سواحل البحر الأسود

المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)
المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)

استضافت مكتبة الإسكندرية معرضاً فوتوغرافياً أثرياً بعنوان «العقائد المصرية على ساحل البحر الأسود» في متحف الآثار التابع لقطاع التواصل الثقافي، وذلك بالتعاون مع سفارة بلغاريا في القاهرة، ومعهد دراسات البلقان.

يضم المعرض مجموعة من الصور لقطع أثرية توضّح انتشار العقائد المصرية في إقليم البحر الأسود، وتكشف عن أوجه تواصل ثقافي وروحاني فريدة. ويقسّم المعرض القطع المختارة إلى 7 أقسام تشمل: «النقوش والآثار الكتابية، والمصنوعات العظمية، وقطع التراكوتا، والبرونزيات، والمنحوتات الرخامية، إضافة إلى الأحجار الكريمة والخواتم والمجموعات النقدية»؛ وذلك وفق كلمة الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، خلال افتتاح المعرض.

صور لعملات نقدية نادرة من البحر الأسود (مكتبة الإسكندرية)

وقال زايد، في بيان للمكتبة الأربعاء، إن المعرض يكتسب طابعاً احتفالياً بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس العلاقات الدبلوماسية الثنائية بين بلغاريا ومصر، عادّاً المعرض دعوةً لاستكشاف التواصل بين مصر القديمة والمدن الساحلية للبحر الأسود. وأشار إلى أن الجذور التاريخية لهذا التواصل تعود إلى مطلع الألفية الأولى قبل الميلاد؛ فمع وفاة الإسكندر الأكبر وتولي الأسرة البطلمية حكم مصر، انتشرت عقائد دينية من وادي النيل نحو شرق البحر المتوسط وصولاً إلى سواحل البحر الأسود، وامتزجت أصولها المصرية بملامح سكندرية ويونانية.

وأعرب السفير البلغاري لدى مصر، ديان كاترشيف، عن سعادته بالمشاركة في هذا الحدث بمكتبة الإسكندرية، الذي يبرز عمق العلاقات التاريخية بين مصر وبلغاريا، ويؤكد أن التفاعل بين الشعبين سبق إقامة العلاقات الرسمية بين البلدين، وهو ما يتجلى في هذا المعرض.

افتُتح المعرض في مكتبة الإسكندرية (مكتبة الإسكندرية)

وقدمت المصورة الفوتوغرافية الدكتورة فيسيلا أتاناسوفا شرحاً مفصلاً للقطع الأثرية التي تتضمنها صور المعرض، التي تدل على عمق الروابط الثقافية المبكرة بين مصر القديمة ومدن ساحل البحر الأسود، وتوضح الدور الحيوي الذي لعبته مصر في تشكيل المعتقدات الدينية في المنطقة.

ويقام المعرض، بالتعاون مع مركز الدراسات التراقية (نسبة إلى تراقيا وهي منطقة تاريخية في جنوب شرقي أوروبا) التابع للأكاديمية البلغارية للعلوم، خلال الفترة من 10 إلى 17 فبراير (شباط) الحالي، ويضم مجموعات من اللقى الأثرية من مدن مختلفة على طول ساحل البحر الأسود، عبر لوحات شارحة، من بينها: خيرسونيسوس تاوريكا في شبه جزيرة القرم، وأولبيا وتيراس في أوكرانيا، وتوميس في رومانيا، ومدينتا ميسامبريا وأوديسوس في بلغاريا، وبيزنطة في تركيا، ومدينة فاني في جورجيا. كما يقدّم للزوار صورة شاملة عن التغلغل المتعدد الأشكال للعقائد المصرية في إقليم البحر الأسود.

ووفق مدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، يُعدّ المعرض دليلاً على انتشار المعتقدات المصرية القديمة في مناطق متفرقة من العالم، متجاوزةً حدودها الجغرافية، خصوصاً في العصرين اليوناني والروماني.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن دولاً عدة، خصوصاً في منطقة ساحل البحر الأسود، عرفت آلهة مصرية قديمة مثل إيزيس وسيرابيس وحورس الطفل، إلى جانب تماثيل الأوشابتي والتمائم وغيرها من الآثار، مما يؤكد قوة وتأثير الحضارة المصرية القديمة وانتشارها عالمياً.

ولفت إلى أن معابد عدة شُيّدت للإلهة إيزيس في مناطق متفرقة، وأن البحارة كانوا يتبرّكون بها عند مواجهة العواصف والظروف القاسية في البحر، وهو ما يعكس مدى التأثير الواسع للعقائد المصرية في شعوب أخرى، مشيراً إلى أن هذا المعرض يُقام للمرة الأولى في مصر وأفريقيا.