سيول الأحواز... كارثة بيئية و«هندسة» ديموغرافية

تناقض بين قراءتي روحاني و«الحرس الثوري» لما حدث

سيول الأحواز... كارثة بيئية و«هندسة» ديموغرافية
TT

سيول الأحواز... كارثة بيئية و«هندسة» ديموغرافية

سيول الأحواز... كارثة بيئية و«هندسة» ديموغرافية

تزحف سيول مدمِّرة منذ أكثر منذ 30 يوماً، بلا هوادة وفي كل الاتجاهات، وتفرض حصاراً خانقاً على المدن العربية جنوب غربي إيران، أدّت إلى تشريد نحو 500 ألف شخص، بحسب الإحصائيات الرسمية. ونتيجة لذلك، توسّدت صفوف بشرية ضفتي نهري كارون والكرخة، مزوّدة بما تيسّر لها من إمكانيات للدفاع عن الأرض ضد خطر يرون في طياته ما هو أبعد من فعل الطبيعة... خطر يقولون إنهم جرّبوا أصنافه منذ نهاية آخر حكام الأحواز الشيخ خزعل الكعبي في 20 أبريل (نيسان) 1925 وحتى اليوم.
لم تكن موجة الفيضانات الحالية هي الأولى هذا العام في سهل الأحواز، جنوب غربي إيران. بل تقول الجهات المسؤولة عن إدارة السدود إنها الموجة الثالثة «التي تتصدى لها». وما يُذكر أنه قبل ‌‌أربعة أشهر تأزمت أحوال نهر الكرخة، وأدّت الفيضانات إلى إغراق قرى في قضاء الخفاجية ومدينة الرفيع الحدودية (مع العراق). كذلك دخلت المناطق المجاورة لمدينة الأحواز حالة الطوارئ لدى اجتياح السيول القرى الواقعة على نهر كارون قرب مدينة السوس. وفي محيط مدينة تُستر، فإن الفيضانات أدت إلى مغادرة سكان ما لا يقل عن عشر قرى قاصدين مناطق آمنة.
شبح الفيضانات عاد ليقضّ مضجع سكان المدن والقرى الواقعة المجاورة لنهري كارون والكرخة، وذلك بعد أيام قليلة من تراجع فيضانات اجتاحت جبال زاغروس، وخلّفت وراءها دماراً هائلاً في محافظات كردستان وكرمانشاه ولُرستان وإيلام بيد أن السيول انحدرت جنوباً باتجاه روافد أنهار إقليم الأحواز وشكّلت كميات تفوق قدرة السدود التي كانت ممتلئة بالمياه. وبالتزامن، كانت الدوائر المسؤولة تعيش ارتباكاً أدى إلى تأخر إجراءات الإغاثة في محافظة غُلستان، ذات الأغلبية التركمانية بشمال إيران، ما فجّر سجالاً بين الحكومة و«الحرس الثوري»، بعد أيام قليلة من أوامر نادرة للمرشد علي خامنئي للقوات المسلحة بالدخول على خط الفيضانات.

مناطق متضرّرة
في منتصف مارس (آذار) الماضي، بحسب منظمة الأرصاد الإيرانية، ضربت إيران موجتا أمطار غزيرة: الأولى على النصف الشرقي من البلاد، وامتد جزء منها إلى المحافظات الغربية. والثانية بدأت بالنصف الغربي قبل أن تتجه شمالاً.
واجتاحت السيول، وفق الإحصائيات الرسمية من وزارة الداخلية، 24 محافظة من أصل 31، في حين تحدثت وكالات إيرانية عن 26 محافظة. وذكر وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، في تقرير قدّمه الأسبوع الماضي للبرلمان أن الخسائر بلغت ما يعادل ملياري ونصف المليار دولار أميركي، وفق سعر الصرف الحكومي للدولار، وهو 42000 ريال.
وأفادت إحصائية للمفوضية الأوروبية هذا الأسبوع بأن 11 مليون إيراني تأثروا بالسيول، في حين أوضحت المصادر الطبية أنها قدمت خدمات إلى أكثر من مليون شخص جراء الفيضانات، وقدّرت وزارة السكن أن 14 ألف كيلومتر مربع تضرّرت جرّاء الفيضانات التي ألحقت أضراراً بما لا يقل عن 150 ألف بيت. أما عن خسائر الأرواح (بحسب الأجهزة الرسمية) فبلغت 76 حالة.

الجانب السياسي
بعد أسبوع من فيضانات المحافظات الغربية توجّه الرئيس الإيراني حسن روحاني «لتفقد» مناطق في الأحواز، ما أكد التقارير الأولية عن خطورة الوضع هناك. يُذكر أنه سبق لأمين عام مجلس الأمن القومي، علي شمخاني، أن حذّر من «وقوع كارثة إنسانية»، إذ أشار إلى «تحديات تواجهها» مدينة الأحواز وضواحيها. إلا أن حاكم الأحواز، غلام رضا شريعتي، في الوقت نفسه، ظهر في مقابلة تلفزيونية لينفي «وجود أي مخاطر أو قلق» لدى أجهزة المسؤولة من ارتفاع منسوب نهر كارون.
ويوم أمس (الجمعة)، قال برويز فتاح، رئيس هيئة الخميني للإغاثة، في صلاة جمعة طهران إن «الإدارة الخاطئة وراء السدود سبب السيول في الأحواز»، مؤكداً أن أوضاع المناطق العربية «أكثر صعوبة ومرارة». وتابع فتاح، الذي شغل منصب وزير الطاقة في عهد رئاسة محمود أحمدي نجاد، انتقاده قائلاً: «كشخص اختصاصي في الموارد المائية، وشغل منصب وزير الطاقة سابقاً، أعتقد أنه كان يمكن تفادي هذا الحادث... من المؤكد أن التوقّعات في إدارة السدود كانت خاطئة». وللعلم، قبل نحو أسبوع، قالت مصادر مطلعة إن عضو «مجلس خبراء القيادة» عباس الكعبي طلب في اجتماع للمسؤولين وصف الفيضانات بـ«فيضانات السدود».

سوء إدارة المياه والبيئة
الآن، بينما يعرب خبراء البيئة الإيرانيون عن مخاوفهم من التغييرات المناخية بناءً على معطيات علمية، اعتبرها الرئيس حسن روحاني «رحمة سماوية». وبينما كانت وكالة «تسنيم» المتصلة بـ«الحرس الثوري» تتهم «جهات معادية بإرسال غيوم تحمل أمطاراً مدمِّرة فوق إيران»، وصف روحاني امتلاء السدود وعودة المياه للبحيرات والأهوار بأنهما نتيجة تدبير من حكومته. وقال الرئيس الإيراني على هامش جولة تفقدية في الأسبوع الأول من فيضانات الأحواز: «أنا سعيد لفرحة المزارعين في الأحواز، لقد دشّنا اليوم المرحلة الأولى من مشروع توفير المياه».
من جهة أخرى، يقلل خبراء البيئة ممّا تعتبره الحكومة الإيرانية الابتعاد عن حافة الإفلاس المائي بعد سنوات عجاف تراجع فيه بشكل كبير مخزون إيران من المياه الجوفية ومياه الأنهار. ويجمع الخبراء على أن السيول الأخيرة هي من تبعات التغييرات الإقليمية وارتفاع درجة الحرارة، ويحذّرون من سيول أكثر تدميراً في السنوات المقبلة. وقالت سحر تاج بخش، رئيسة منظمة الإرصاد الإيرانية، للبرلمان الإيراني إن ما بين 60 و65 في المائة من الأراضي الإيرانية ما زالت تعاني من الجفاف.
وبخلاف خبراء البيئة الذين يعتبرون الفيضانات دليلاً على دخول إيران حقبة مزيد من الجفاف وتغيّر درجات الحرارة، تصرّ الحكومة الإيرانية على أن البلاد دخلت فترة سنوات رطبة بعد مرحلة الجفاف. ولقد كشفت الفيضانات الأخيرة، إلى جانب غزارة الأمطار، عن تبعات تدخلات المشاريع الإيرانية في إنشاء السدود والقضاء على الوهاد والأنهار التقليدية الفصلية التي تلعب دور الرئة للأنهار الدائمة. وللعلم، تتقاسم مشاريع إنشاء السدود والطرق في السنوات الماضية وزارتا الطرق والطاقة ومجموعة شركات «خاتم الأنبياء»، الذراع الاقتصادية لـ«الحرس الثوري». ولقد ارتفع عدد السدود الكبيرة إلى عشرة عملاقة فوق نهري الكرخة وكارون بعد ثورة 1979، بالإضافة إلى عشرات السدود الصغيرة التي تقوم بدور تحريف وضبط مستوى المياه.
ويخشى السكان العرب، جنوب غربي البلاد، أن تمضي السلطات قدماً في مشروع لإنشاء سدّين آخرين وحفر إنفاق تؤدي إلى نقل المياه من الروافد الأساسية لأنهار الأحواز إلى محافظات وسط إيران.

سدود وراء فيضانات
في السياق نفسه، دحضت السلطات الإيرانية، على مدى الشهر الماضي، تقارير حذّرت من مخاطر انهيار السدود، شمال الأحواز، بينما عززت سلسلة زيارات لكبار المسؤولين مخاوف أهالي الأحواز من احتمالات انهيار السدود. وحقاً، نقلت وکالات أنباء عن محمد رضا یزداني، مدير سد الكرخة، أن «الإفراج عن كميات المياه يهدف إلى منع حادث أكبر».
هذا، ويُعتبر سد الدز فوق نهر كارون، الذي اكتمل تشييده عام 1963، أقدم السدود في إيران. ويقع السد على بعد 23 كيلومتراً شمال شرقي مدينة الصالحية في الأحواز، ويبلغ طوله 212 متراً وعرضه 27 متراً، ويبلغ مخزونه 3.3 مليار متر مكعب من المياه، وتمر من فتحاته 6 آلاف متر مكعب في الثانية. وتمتد خلفه بحيرة بمساحة 64 كيلومتراً مربعاً.
أما سد الكرخة، فيُعد أطول السدود الترابية في الشرق الأوسط، وهو يقع على بعد 22 كيلومتراً شمال غربي مدينة الأحواز. واستغرق بناء هذا السد عشر سنوات ودخل الخدمة منذ عام 2000، وتستوعب بحيرة السد التي يبلغ طولها 60 كيلومتراً 5.9 مليار متر مكعب. وخلال الفيضانات الأخيرة وصل حجم المياه التي خرجت من السد إلى 780 متراً مكعباً للثانية. وأفادت وكالة «إرنا» عن تدفق 6 مليارات و400 مليون متر مكعب إلى سد الكرخة خلال الأمطار الأخيرة. ونقلت عن يزداني، مدير السد، أن السلطات أفرجت عن نحو ثلاثة مليارات و800 مليون متر مكعب خلال الفترة الماضية. ولقد أدت الأمطار الغزيرة إلى امتلاء مخزون السدود في الأحواز هذا العام قبل حلول الربيع وذوبان الثلوج في أعالي جبال زاغروس. وبحسب التلفزيون الإيراني، فإن كمية الأمطار غير مسبوقة على مدى الـ300 سنة الأخيرة، بينما تقول وكالة «فارس» (الناطقة باسم «الحرس الثوري») إنها غير مسبوقة في السنوات الـ150 الأخيرة.

منشآت النفط... والفيضانات
مثل حلقات الدومينو سقطت المدن العربية تدريجياً في فخّ الفيضانات. في البداية تدخلت قوات «الحرس الثوري» بقوة السلاح وفجّرت عدة أماكن في هور الحويزة لتدمير ساتر ترابي أنشأته. ويقع هور الحويزة على الحدود بين الجانبين الإيراني والعراقي، ومع محاولة الأجهزة المسؤولة إجلاء سكان قرى كثيرة لإغراقها بهدف إنقاذ المدن، فإن الأزمة أماطت اللثام عن حقيقة أخرى مسرحها هور الحويزة.
الحقيقة هذه هي تدخل وزارة النفط في تقسيم الأهوار إلى أحواض متعددة، وتجفيف نصف الهور في الجانب الإيراني خلال عمليات تطوير حقل «آزادغان» النفطي التي بدأت منذ عام 2005. ويُقدّر عدد آبار النفط الإيرانية الآن بين 250 و350 بئراً نفطية. وقبل اتساع الفيضانات أعلنت وزارة النفط الإيرانية تأمين منشآتها من الفيضانات. وأصرت الجهات المسؤولة على أنها أغرقت جميع أحواض هور الحويزة التي يبلغ طولها 80 كيلومتراً بعرض يصل إلى ثلاثين كيلومتراً.
وفي المقابل، دشن ناشطون حملة «افتحوا الأهوار» باللغتين الفارسية والعربية، وزاد غموض الأوضاع في هور الحويزة من السخط الشعبي في المناطق التي تحاصرها الفيضانات. وهو ما حدا بـ«الحرس الثوري» للدفع بأحد أبرز قياداته لإجراء مفاوضات مع شيوخ العشائر، ونشرت الوكالات صوراً جوية من رحلة تفقدية للتحقق من ادعاءات الحكومة و«الحرس»، وتوجه وزير النفط بيجن زنغنه، خلال الأسبوع الماضي، لينفي صحة ما يتردد عن تجفيف أراضي الهور.
وعلى خلاف الرواية الرسمية، يواصل ناشطون عرب تسجيلات توثّق وجود مساحات واسعة تحت سيطرة شركات النفط وتمنع السلطات غمرها بالمياه.

تهجير العرب
الحديث عن «ترانسفير»، أو تهجير السكان العرب في الأحواز ليس جديداً. وفي أبريل عام 2005 نزل مئات آلاف من الأحوازيين إلى الشوارع للاحتجاج ضد مخطط لحكومة الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي يوصي جميع الدوائر الإيرانية بتهجير النخب العرب إلى مناطق أخرى، وتشجيع الأهالي على الهجرة الداخلية، وجلب آخرين من غير العرب.
ومن جانب آخر، تشهد منطقة الأحواز أزمة بيئية حادة منذ 15 سنة، نتيجة ما يعتبره السكان المحليون سياسة السلطات الإيرانية في إدارة المياه وإنشاء سدود ومشاريع غايتها تحويل مجرى الأنهار، ما تسبب في تجفيف مساحات واسعة من أهوار الحويزة والفلاحية. كذلك تواجه الأجهزة المسؤولة تهماً من السكان المحليين باتخاذ تطوير حقول النفط ذريعة لتجفيف هور الحويزة الحدودي مع العراق.
الجدير بالذكر، أيضاً، أن الحرب العراقية - الإيرانية كانت قد وجّهت ضربة للتركيبة السكانية في مدن عبادان والمحمّرة والحويزة والبسيتين وعموم القرى العربية الموزّعة على الحدود بين البلدين، ما أسفر عن هجرة قسرية لمئات الآلاف الذين غادروا باتجاه عمق المحافظة أو المحافظات الإيرانية المركزية والشمالية. ومنذ نهاية تلك الحرب لم تستعد تلك المناطق عافيتها، ولم يصل الاهتمام الإيراني بإعادة الإعمار إلا إلى منشآت النفط وممتلكات وزارتي النفط والجمارك، في حين ظلّت الخدمات متواضعة مقارنة بفترة ما قبل الحرب، كما أن السلطات منعت عودة أهالي قرى حدودية تحت ذريعة انتشار حقول الألغام.
أضف إلى ما سبق، أن سياسات إدارة المياه وتجفيف الأهوار أسهمت في تنامي ظاهرة الغبار والعواصف الرملية، وانتشار مرض السرطان في المناطق العربية نتيجة تفاقم موجات الغبار والتلوث البيئي وفقدان التوازن البيئي في أنهار سهل الأحواز. غير أن السلطات تتستر على إحصائيات المصابين بالأمراض نتيجة التدهور البيئي. ولكن رغم ذلك، بحسب منظمة الصحة العالمية، احتلّت مدينة الأحواز عام 2011 المرتبة الأولى في قائمة المدن الأكثر تلوثاً في العالم، وشمل تقرير المنظمة 1100 مدينة (في 91 دولة) يتجاوز عدد سكانها 100 ألف نسمة.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2013، بعد يوم من نشر منظمة الصحة العالمية تقريراً يربط تلوث الهواء بسرطان الرئة، أفادت مجلة «تايم» نقلاً عن مؤسسة «كواتزر» بأن مدينة الأحواز البالغ عدد سكانها 3 ملايين تحتل قائمة المدن العشر الأكثر تلوثاً، بحسب الجزيئات المحمولة في الهواء.
إلى جانب ذلك، عملت الحكومات الإيرانية منذ تسعينات القرن الماضي على تنفيذ مشاريع كثيرة تهدف إلى تقليص مساحة الأراضي المملوكة للعرب، منها توسيع مساحة مشروع قصب السكر من شرق مدينة الأحواز إلى غرب المدينة، ما وأد أكثر من 250 من القرى الممتدة على ضفتي نهر كارون بين مدينة الأحواز وعبادان والمحمرة.
وكانت بداية المشروع بإجبار أهل قرى مجاورة للنهر على الهجرة والتخلي عن أراضيهم الزراعية. سيطرة الحكومة على الأراضي وضعت نهاية لنظام الري القديم الذي يقوم وفق الأعراف المحلية، وأدى امتناع السلطة عن تدفق المياه من وسط مزارع قصب السكر وفشل الزراعة الجافة إلى تخلي المزارعين عن مزيد من الأراضي التي يحول مشروع قصب السكر دون حصولها على المياه.
وأعادت الفيضانات الواسعة التي كانت السدود فيها العنصر الأساسي، النقاش بين العرب حول مخططات التهجير. وطلبت السلطات إجلاء 12 مدينة وبلدة، ولكن بحسب مصادر رسمية لم يتجاوب سوى عشرة في المائة مع نداءات السلطات.
وجرى تداول عشرات التسجيلات التي نقلت صورة مغايرة لرواية الإعلام الإيراني. وردد العرب هتافات تندد بإدارة المياه في الأنهار، وسياسة إنشاء السدود. والملاحَظ من التسجيلات أن أهل الأحواز فسروا السيول على أنها «مُفتَعلة» وفي سياق مخططات تهدف إلى الإخلال بالتركيبة السكانية.

زيارة سليماني... وحضور ميليشياته
> توجه قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني» إلى الأحواز هذا الأسبوع، بعد أسابيع من الجدل حول سوء الإدارة، والاستياء الشعبي بين أهالي المناطق العربية، وتداول تسجيلات عبر شبكات التواصل الاجتماعي توثق طرد مسؤولين كبار وقادة عسكريين، إضافة إلى أهازيج تندد بسياسات السلطات ضد العرب.
ولم تمضِ أيام حتى أعلنت وسائل الإعلام التابعة لـ«الحرس الثوري» وصول وحدات من فيلق «فاطميون» الأفغاني إلى المدن المنكوبة في محافظة لُرستان. وبعد يومين أعلنت وكالات إيرانية دخول قوات «الحشد الشعبي» العراقي من منفذي مهران والشلامجة وانتشارها في عدد من ضواحي مدينة الأحواز. وانضم لقافلة سليماني عناصر من «حزب الله» اللبناني رافعين شعار الحزب، إضافة إلى علَمَي لبنان والبحرين.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.