البشير وأشقاؤه في السجن... و«العسكري» يعد بتسريع تسليم السلطة للمدنيين

إجراءات لمكافحة الفساد والبرهان يبدي زهده في الحكم... الأصم لـ«الشرق الأوسط»: طالبنا بتقليص صلاحيات العسكر

تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

البشير وأشقاؤه في السجن... و«العسكري» يعد بتسريع تسليم السلطة للمدنيين

تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

حقق المعتصمون أمام قيادة الجيش السوداني، انتصاراً جديداً، وخطوة أخرى في سبيل اجتثاث نظام الإنقاذ الوطني السابق، بعد أن قامت السلطة العسكرية الانتقالية، الحاكمة، بنقل الرئيس المعزول عمر البشير، إلى سجن كوبر المركزي، في الخرطوم بحري، ليل الثلاثاء، ليلحق برفيقيه، نائبه أحمد هارون، ووالي الخرطوم، عبد الرحيم محمد حسين، الذي لازمه طوال عهده الذي ناهز 30 عاماً، في حين تم وضع رئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر في الإقامة الجبرية فور عودته من قطر. في غضون ذلك، تعهد رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان، بتسليم السلطة للشعب في «أقرب وقت ممكن».
وقال المجلس العسكري، أمس، إنه جرى اعتقال شقيقين للرئيس المخلوع عمر البشير هما عبد الله والعباس، في إطار حملة الاعتقالات الجارية «لرموز النظام السابق».
وقال متحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي, شمس الدين كباشي، إن القوات غير النظامية الموالية للحزب الحاكم السابق بزعامة البشير وضعت تحت قيادة الجيش والشرطة.
وكشف، أن الجهات الثلاث (الدفاع الشعبي، ومنسقية الخدمة المدنية، والشرطة الشعبية) سيطرت عليها القوات المسلحة والشرطة، وأنه جارٍ حصر ممتلكاتها.
وقال أحد أقارب البشير لـ«الشرق الأوسط»، أمس: إن الرئيس المعزول نُقل إلى سجن «كوبر» الشهير الواقع على الضفة الشرقية للنيل الأزرق، عند مدينة «الخرطوم بحري». مشيراً إلى وجود عدد من قادة الإنقاذ حالياً في السجن نفسه، من بينهم عبد الرحيم محمد حسين، وأحمد هارون، وقادة حزب المؤتمر الوطني.
وكان المتحدث باسم «المجلس العسكري الانتقالي» الفريق شمس الدين كباشي، قد وعد الصحافيين قبل ثلاثة أيام بنشر قوائم المحبوسين والمتحفظ عليهم من رموز النظام السابق من المسؤولين الحزبيين والرسميين، بيد أنه لم يكشف عن قوائم الاعتقالات بعد؛ ما فتح المجال واسعاً أمام التكهنات.
وفور ذيوع خبر نقل البشير إلى السجن السياسي الشهير، كوبر، بضاحية الخرطوم بحري، سارعت أجهزة الإعلام المحلية والدولية، إلى نصب كاميراتها أمام بوابة السجن، بأمل السماح لها بالحصول على «صورة» للرجل الذي حكم السودان بالحديد والنار طوال ثلاثين عاماً، وهو يرسف في أغلاله، في حين نشرت قوات كبيرة من الجيش وقوات الدعم السريع خارج السجن.
وذكر مصدر «الشرق الأوسط»، أن البشير وضع في «حبس منفرد» بعيداً عن مكان رموز نظامه الأخرين الذين قبض عليهم قبله، وأن أسرته لا تعلم بوضعه الآن، وذلك بعد أن بقي محتجزاً بحراسة مشددة في «بيت الضيافة» داخل القيادة العامة للجيش.
من جهة أخرى، تواصلت عمليات التعبئة الجماهيرية بين المعتصمين، وسيّرت «لجنة الأطباء المركزية» – نقابية معارضة – موكباً للأطباء، في حين سيّرت «شبكة الصحافيين السودانيين»، موكباً انطلق من وكالة الأنباء الرسمية (سونا)، وتوجه الموكبان إلى مقر الاعتصام. وذكرت لجنة الأطباء المركزية، أن الموكب يهدف إلى دعم المعتصمين، وإعادة هيكلة النظام الصحي، وانتزاع مركز القرار الصحي من رموز النظام المعزول، في حين قالت شبكة الصحافيين إن موكبها يستهدف «إزالة آثار النظام القديم في أجهزة الإعلام الرسمية، وهيكلتها لتحقيق أهداف التحول الديمقراطي والعدالة والمساواة، وإيقاف هيمنة رموز العهد البائد على تلك الأجهزة، وذلك استمراراً لمسيرات الاعتصام «النوعية» التي بدأت بأساتذة جامعة الخرطوم أول من أمس.
من جهة أخرى، أصدر المجلس العسكري الانتقالي قراراً، قضى بمراجعة حركة الأموال، وحجزها المشتبه فيها ابتداء من الشهر الحالي؛ وذلك امتداداً لقراره السابق بإلزام المؤسسات الحكومية بالإفصاح عن حساباتها المصرفية داخل وخارج البلاد. وقال بيان صادر عن الإعلام العسكري أمس: إن رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان وجّه البنك المركزي، بمتابعة والإبلاغ عن «أي حركة كبيرة أو مشبوهة للأموال عن طريق المقاصة أو التحويلات».
وذلك ضمن إجراءات يُنتظر أن يتخذها المجلس لمحاسبة الفساد المستشري في البلاد، طوال حكم الرئيس المعزول عمر البشير، كما وجّه القرار السجّل التجاري، بوقف تبادل الأسهم ونقل ملكيتها، والإبلاغ عن أي عمليات نقل أسهم أو شركات بصورة مثيرة للشكوك. وألزم مرسوم أصدره البرهان مؤسسات الدولة بكشف حساباتها المصرفية والإيداعات داخل البلاد وخارجها، ونصّ على أن «كافة الوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات والكيانات الحكومية، وجميع الجهات التي تمتلك حكومة السودان حصة فيها، عليها التقدم بالبيانات اللازمة حول الحسابات المصرفية والإيداعات والأوراق المالية والمبالغ النقدية أو أي معادن نفيسة أو مجوهرات داخل وخارج السودان»، وتسليمها لبنك السودان والجهات المعنية خلال 72 ساعة. وتوعد المرسوم المخالفين لقراره بالمساءلة، وإخضاعهم للمحاكمة التي لا تتجاوز عقوبتها السجن مدة لا تتجاوز عشر سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معاً.
وفي حين أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان، عزمه على «نقل السلطة إلى الشعب في أقرب وقت ممكن»، بدا القيادي بـ«تجمع المهنيين السودانيين» محمد ناجي الأصم متفائلاً بالتطورات التي تشهدها البلاد. وقال الأصم لـ«الشرق الأوسط» أمس: «لقد تحقق جزء كبير من مطالب الثورة، لكن المطلب الأساس لا يزال قائماً»، وتابع: «نعمل على تعبيد طريق آمنة لمطالب الثورة السودانية، وذلك لن يتم إلا بتسليم السلطة السيادية للمدنيين مع تمثيل العسكريين».
وعقد المجلس العسكري الانتقالي أمس، أول اجتماعاته في القصر الجمهوري، على الضفة الغربية للنيل، وترأس الاجتماع رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان، وأبدى الرجل الذي جلس على «الكرسي» الذي ظل البشير يحتكره طوال الثلاثين سنة الماضية، زهده في السلطة، وتعهد بتسليم السلطة للشعب في أقرب وقت ممكن.
وبحسب تقارير صحافية، تناول الاجتماع تقارير أداء اللجان، وبحث قضايا تتعلق بالأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية بالبلاد، وصدرت خلاله عدد من التوجيهات والقرارات الاقتصادية والسياسية.
وأوضح الأصم، أن الثورة أدت إلى تغيير نظام عمر البشير، ودفعت الموجة الثانية من الثورة كلاً من رئيس المجلس العسكري الانتقالي وزير الدفاع السابق عوض بن عوف، ونائبه الفريق كمال عبد المعروف إلى التنحي، وتابع: «لكن هذه ليست القضية الأساسية، القضية الأساسية تسليم السلطة للمدنيين وتحقيق المطالب كاملة». وتوقع الأصم استجابة المجلس العسكري لمطالب الشارع، وقال: «قد لا يتم ذلك بسهولة، لكن المجلس مضطر للاستجابة؛ لأنه أكد أنه تسلم السلطة لتحقيق مطالب الشعب السوداني»، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه تواجد الناس في الميادين من ضغط على المجلس، وتابع: «هذا التواجد أزاح البشير وبن عوف، وهو الذي يضمن تحقيق المطالب»، وأضاف: «لا توجد قوة تستطيع الوقوف ضد مطالب الشعب».
ونفى الأصم تقديم «ترشيحات» بأسماء الوزراء للحكومة المزمعة تكوينها، وقال: «سلمنا رؤيتنا للحكومة، وتتكون من ثلاثة مستويات، سيادية وتنفيذية وتشريعية»، وأضاف: «الخطوة المهمة بالنسبة لنا موافقة المجلس على تقليص صلاحياته، وبعدها يمكن النقاش حول التشكيلة الوزارية».
وفي السياق، سلمت لجنة من «قوى الحرية والتغيير» المجلس العسكري الانتقالي، ورقة تتضمن مقترحاتها بشأن آليات الانتقال والفترة الانتقالية، وقالت عضو لجنة التفاوض مريم المهدي لـ«الشرق الأوسط» أمس: «قدمنا ورقة (آليات ترتيب الانتقال للسلطة الانتقالية المدنية) المجمع عليها للمجلس العسكري الانتقالي».
وحسب المهدي، فإن اللجنة التي قابلت المجلس العسكري الانتقالي مكونة من شخصين لتمثيل «قوى الحرية والتغيير» وشخص عن «تجمع المهنيين»، وشخصين من ممثلين للمعتصمين «شاب وشابة». وأوضحت المهدي، أن اجتماعاً عقد أمس، قرر توسيع اللجنة المركزية لتحالف لقوى الحرية والتغيير لتشمل «الحركات المسلحة، ومنظمات المجتمع المدني»، وتكليف لجنة مصغرة منه للتفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي.
من جهته، قال عضو لجنة الانتقال كمال حامد البولاد لـ«الشرق الأوسط»: إن قوى الحرية والتغيير، اتفقت بشكل كامل على «مسودة الفترة الانتقالية» وتتمثل في تشكيل «مجلس رئاسي، ومجلس وزراء انتقالي، وبرلمان انتقالي». وأوضح البولاد أن لجنته ستقدم التصور للشعب السوداني باعتباره مدخلاً للفترة الانتقالية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.