تزامنت الذكرى المئوية لمجزرة أمريتسار، التي تعد من أسوأ الفظاعات التي ارتكبت خلال الحكم الاستعماري البريطاني للهند، هذا العام مع الانتخابات التشريعية الهندية التي يخوضها حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي تحت زعامة ناريندرا مودي أمام منافسه حزب المؤتمر بقيادة راهول غاندي. لكن لا تزال لندن تتجاهل تقديم اعتذار عنها.
وأعلنت الحكومة البريطانية آنذاك أن عدد القتلى وصل إلى 379 ضحية، ولكن المقاتلين من أجل الحرية في الهند أكدوا أن ألف بريء لقوا حتفهم عندما أطلق الجنود البريطانيون النار على آلاف الرجال والنساء والأطفال العزّل في مدينة أمريتسار الواقعة في شمال الهند.
ووصف رئيس الوزراء الهندي مودي المنتهية ولايته المأساة بـ«المروعة» مشيرا إلى أن تذكّر القتلى «يلهمنا لتكثيف جهودنا لبناء الهند بطريقة تشعرهم بالفخر». وحضر زعيم المعارضة راهول غاندي المراسم في أمريتسار ووصف يوم المجزرة عبر «تويتر» بـأنه «عار صدم العالم بأكمله وغيّر مسار الكفاح الهندي من أجل الحرية».
وفي يوم المجزرة تجمّع نحو 10 آلاف رجل وامرأة وطفل في حديقة جليانوالا باج العامة المسوّرة في أمريتسار بتاريخ 13 أبريل (نيسان) 1919. وكان كثيرون منهم يشعرون بالغضب جراء تمديد إجراءات اعتبرت قمعية وعملية اعتقال قياديين محليين تسببت باندلاع مظاهرات عنيفة قبل ثلاثة أيام. كان 13 أبريل يصادف كذلك يوم مهرجان كبير بمناسبة فصل الربيع. وشمل الحشد الذي يقدره البعض بعشرين ألفا حجاجا قدموا لزيارة معبد قريب مقدّس بالنسبة للسيخ. ووصل العميد ريجنالد داير مع عشرات الجنود فحاصروا الحديقة وبدأوا بإطلاق النار على المتجمعين دون سابق إنذار. وحاول كثيرون الفرار عبر التسلّق على الأسوار المرتفعة المحيطة بالمكان بينما قفز آخرون إلى داخل بئر عميقة في الموقع فيما واصل الجنود إطلاق النار.
وتعد المجزرة التي أعقبت احتجاجات في المدينة الشرارة التي أطلقت حركة الاستقلال في الهند. وكررت الصحف الهندية هذا الأسبوع دعواتها لبريطانيا للاعتذار عن المجزرة التي وصفها ونستون تشرشل، الذي كان وزير الدولة لشؤون الحرب حينها، بـ«الوحشية». والأربعاء، قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمام مجلس العموم إن المجزرة كانت «وصمة عار في تاريخ بريطانيا في الهند». وبينما قالت ماي «نشعر بأسف بالغ لما حصل» إلا أنها تجنبت كذلك الاعتذار.
وجاء في افتتاحية صحيفة «هندوستان تايمز» «حتى مع حلول مئوية المجزرة، رفضت بريطانيا (...) اتخاذ هذه الخطوة المهمة» والاعتذار. وبينما أقرت الصحيفة بأن بيان ماي «لربما أقوى بدرجة ما (...) لكنه غير كافٍ على الإطلاق».
وفي رد فعله على تصريحاتها، قال رئيس وزراء ولاية البنجاب أماريندر سينغ إن كلمات ماي غير كافية. وقال إنه من الضروري أن يقدم البريطانيون «اعتذارا رسميا واضحا» على «الوحشية الهائلة» التي تصرّف بها جنودهم حينها. وأشار إلى أن الآلاف حضروا مسيرة بالشموع الجمعة لتكريم الضحايا قبيل حفل تأبيني نظم أمس السبت. ووفقا لتقارير إعلامية هندية، وصف عدد من الساسة وأحفاد الضحايا هذه التعليقات بأنها لم ترق إلى اعتذار عام.
وفي زيارة أجراها عام 2013 إلى الموقع، وصف رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون ما حصل بالأمر «المخزي للغاية» لكن دون أن يقدم اعتذاراً رسمياً. وعام 1997. وضعت الملكة إليزابيث الثانية إكليلا من الزهور على الموقع لكن زوجها الأمير فيليب الذي لطالما عرف بزلّاته خطف عناوين الصحف التي نقلت عنه قوله إن تقديرات الهند لعدد القتلى «مبالغ فيها بشكل كبير».
وانضم المفوض السامي البريطاني لدى الهند أمس السبت إلى عشرات من الساسة والشخصيات العامة في المدينة لإحياء الذكرى المئوية للمجزرة. وكتب المندوب البريطاني دومينيك أسكويث في دفتر تذكاري بمناسبة الذكرى: «إن أحداث جليانوالا باج (أمريتسار) التي ارتكبت قبل مائة عام، هي عمل مشين في تاريخ الهند البريطانية». وقال أسكويث السبت عند حديقة جليانوالا باج المسوّرة حيث لا تزال علامات طلقات الرصاص ظاهرة «وددنا لو أن بوسعنا إعادة كتابة التاريخ، كما قالت الملكة، لكن ذلك غير ممكن». وأضاف «ما يمكن فعله كما قالت الملكة هو التعلّم من عبر التاريخ. أؤمن أننا نقوم بذلك. لا شك بأننا سنتذكر ذلك على الدوام. لن ننسى إطلاقا ما حصل هنا». ووصف أسكويث، وهو من سلالة هربرت أسكويث الذي تولى رئاسة وزراء بريطانيا من 1908 إلى 1916. في السجل التذكاري المخصص للزوار الأحداث التي وقعت في أمريتسار بـ«المخزية». وكتب «نشعر ببالغ الأسف لما حصل والمعاناة التي تسببت بها» الحادثة.
ومن الشهادات العديدة التي جمعها مؤرخان ونشرتها صحيفة «إنديان إكسبرس» هذا الأسبوع، شهادة راتان ديفي التي قتل زوجها في الهجوم والتي قالت حينها: «هناك أكوام من الجثث، بعضهم على ظهورهم والبعض الآخر وجوههم مرفوعة إلى الأعلى. عدد كبير من بينهم أطفال أبرياء لا ذنب لهم. لن أنسى هذا المشهد في حياتي». وأما داير، الذي لقّب بـ«سفاح أمريتسار»، فأشار لاحقا إلى أن الهدف من إطلاق النار لم يكن «تفريق الحشد بل معاقبة الهنود على العصيان».
الانتخابات التشريعية الهندية تتزامن مع الذكرى المئوية لمجزرة «أمريتسار»
لندن وصفتها بـ«وصمة عار في تاريخ بريطانيا»... لكنها تجنبت الاعتذار
المفوض السامي البريطاني لدى الهند دومينيك أسكويث (يمين) شارك أمس السبت في إحياء الذكرى المئوية للمجزرة (أ.ف.ب)
الانتخابات التشريعية الهندية تتزامن مع الذكرى المئوية لمجزرة «أمريتسار»
المفوض السامي البريطاني لدى الهند دومينيك أسكويث (يمين) شارك أمس السبت في إحياء الذكرى المئوية للمجزرة (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

