«مقتل قائد الفرسان»... ملحمة الحب والوحدة والحرب والفن

موراكامي لا يحيد عن أسلوبه الروائي في روايته الأخيرة

موراكامي
موراكامي
TT

«مقتل قائد الفرسان»... ملحمة الحب والوحدة والحرب والفن

موراكامي
موراكامي

يُعتبر موراكامي من أهم أدباء ما بعد الحداثة، لتناوله قضايا اعتبرها النقاد اليابانيون بعيدة عن المألوف في الأدب المحلي، فاهتماماته تدور حول المشكلات الفردية العميقة، كالوحدة والكآبة، وتداخلها مع الأحلام والعيش في عوالم تحركها طاقات غير مرئية.
قرر موراكامي أن يكتب الرواية، لأول مرة، وهو في التاسعة والعشرين، بعد أن شاهد مباراة بيسبول في المقهى الخاص الذي يمتلكه، فكانت روايته الأولى في سنة 1978، التي لفتت الأنظار إليه كموهبة صاعدة.
لا يحيد موراكامي، في روايته الجديدة «مقتل قائد الفرسان»، عن أسلوبه الروائي، باختياره بطل روايته شخصاً في منتصف الثلاثينات، الذي لن نعرف اسمه عبر السبعمائة صفحة من السرد المتشعب والمطول بغير متعة في أكثر من مكان. لكننا سنعرف من الصفحات الأولى أنه رسام بورتريهات، ويعمل لوكالة تجارية مقابل أجر مجزٍ، فهو ليس بالرسام العادي، حسب وكيله الأساسي وزبائن المكتب.
إنه يرسم بورتريهات لوجوه عادية، إلا أنه يلتقط دواخل تلك الشخصيات لتبدو اللوحة أو البورتريه وكأنها تتكلم أو تُقرأ ككتاب مفتوح.
إلا أن هذا الفنان سيقرر ترك هذه المهنة التي يحبها وأجرها المالي المرتفع، لينطلق في رحلة عزاء شخصية أو بحث عن الذات، مستقلاً سيارته بلا هدف، مدة شهرين متواصلين، زائراً أماكن جديدة لم يعرفها من قبل، آملاً في الخلاص من ألمه المفاجئ الناجم عن طلب زوجته وحبيبته يوزو الطلاق، بعد ست سنوات من الزواج.
«هل هناك رجل في حياتك؟»... يسألها، تجيب، بصوت خافت: «نعم».
«هل تحبينه؟»، وتكون الإجابة بـ«نعم» أيضاً.
«حسناً إذاً، سأترك الشقة بأسرع وقت، وأتمنى لك حياة سعيدة».
بعد تلك المغادرة الهادئة، ستتغير حياة الرسام ليدخل في مرحلة جديدة، هي أشبه بمتاهة... حيث كل منعطف يقود إلى منعطف آخر وهكذا... لدرجة تصيب القارئ بالتيه. ففي مواضع كثيرة من السرد، يصعب التمييز إن كانت الأحداث تجري في حلم السارد أم في يقظته... وهل تحيا الشخصيات التي يحاورها الرسام في مخيلته أم في الواقع، كشخصية الرجل الشبح في لوحة «مقتل قائد الفرسان»، التي يجدها الرسام في بيت توموهيكو آمادا، الذي كان مهجوراً، قبل أن ينتقل إليه ليعيش حياة العزلة والتأمل، بعد أن طلبت زوجته الانفصال. يعود الفضل في هذه النقلة الحياتية الكاملة، في حياة الرسام، إلى مصادفة طيبة من صديقه وزميل دراسته مساهيكو، ابن توموهيكو آمادا.
ستكشف تلك اللوحة للرسام جزءاً غامضاً من حياة صاحب البيت (السيد آمادا)، الذي كان يتعلم فن الرسم الياباني في فيينا، نهاية الثلاثينات من القرن العشرين، فيما كانت هوايته الأساسية هي الموسيقى الكلاسيكية. في بيت السيد آمادا الذي يعج بكلاسيكيات الموسيقى الغربية، استمع الرسام خلال إقامته إلى عيون المؤلفات الموسيقية الأكثر شهرة.
إثر قيلولة ظهر أحد الأيام، يستيقظ الرسام من نوم خفيف، ليجد شخصاً بلا وجه يتحدث إليه ويطلب منه أن يرسمه، الأمر الذي لا يستوعبه طبعاً متذرعاً بأن الشخص - الظلالي، لا وجه له، ليجيبه الشبح بذكاء: «كل شيء لم تجربه من قبل يجب أن تفعله لأول مرة».
وحين يقلقه (في إحدى الليالي) صوت جرس يأتي من مكان قريب للمنزل، يتبعه الرسام، فيتبين له أنه آتٍ من مكان معشب تنتشر فيه مجموعة من الصخور.
سيتعرف الرسام على أحد الجيران، وهو السيد منشيكي، رجل في الستين من عمره بهيئة أنيقة وفاخرة توحي بالثراء.. لباسه، سيارته الجاغوار، وقصره الأبيض الزاهي، الذي يمكن رؤيته من شرفة بيت السيد آمادا.
يتكفل منشيكي بتكاليف إزالة الأحجار، لتبين مصدر الصوت، الذي يبدو أنه قد وصل لمسامعه من قبل أيضاً، ليكتشف منشيكي والرسام حفرة تشبه البئر، تحتوي على جرس ولا تؤدي لمكان. وسط غمرة من الشعور بالحيرة والغموض، يقول منشيكي للرسام بأن المكان قد يكون قبراً لأحد الرهبان، الذين يجربون الموت طواعية بصيام طويل يؤدي بهم للموت، في رحلة بحثهم عن أنفسهم أو معنى الوجود.
يستأجر منشيكي ورشة لإغلاق الحفرة، فتُسوى بالأرض. وتبقى الحجارة حول الحفرة مبعثرة بشكل عشوائي.
بعد لقاءات متكررة، يبررها السيد منشيكي بالفضول في التعرف إلى القاطن الجديد، في بيت آمادا، يبوح للرسام بأسراره الشخصية. بدءا من علاقته الحميمة مع آخر العشيقات، إلى اختياره العزوبة، وأيضاً احتمال أن تكون ماريا أكيكو هي ابنته البيولوجية من تلك العشيقة التي ودعته وداعاً حميماً طالبة الانفصال، فهي، على عكسه، تريد الزواج والاستقرار. ويختم منشيكي حديثه للرسام بالقول: «أنا شبه متيقن بأن ماريا هي ابنتي، فلقد وُلدت بعد سبعة أشهر من ذلك اللقاء».
يطلب منشيكي من الرسام أن يرسم «بورتريه» لماريا، وأن يدبر له لقاء شخصياً معها. على الضفة المقابلة، كانت ماريا تراقبهما معاً من غرفتها. وتسبب صدمة للرسام، حين تفاجئه بمعرفتها لقصة البئر وإزالة الحجارة، وبمدلول تحذيرها له بالقول: «لم يكن عليكما فعل ذلك».
في القسم الأخير من الرواية، سيتعرف الرسام عبر زميله مساهيكو، على الفصل المغيّب من حياة والده، وكيف تورط في حب فتاة كانت عضواً في تنظيم مقاوم للنازية. تُقتل الفتاة، إثر فشل محاولة اغتيال لأحد النازيين، من قبل المنظمة التي تنتمي عشيقة توموهيكو إليها. سيتم سجن وتعذيب توموهيكو بشدة، ويتم ترحيله لليابان بعد تسوية دبلوماسية. على أثر عودة توموهيكو إلى اليابان، يتم إرغام أخيه طالب الطب الرقيق على الالتحاق بمعسكر لأسرى صينيين. ويطلب منه أن يقطع رأس أحد الأسرى، بعد تلقينه توجيهات بكيفية تنفيذ العملية: «ضربة قاصمة لا تتكرر. سيفعل الأخ الشاب ذلك، لكن رقة مشاعره تسبب له كآبة حادة، تدفع للانتحار».
تلكما القصتان (موت رفيقته وانتحار أخيه)، غيرتا مسار حياة توموهيكو بكاملها، مما جعله يدأب على طمس ملامح تلك الفترة من حياته، ويخفي حزنه على ما أصاب أخاه. فيجد القارئ نفسه أمام شخصية ثانية لتوموهيكو.
تختفي ماريا بشكل غامض، سنعلم ذلك من اتصال تجريه عمتها مع الرسام لتسأله: «هل حضرت ماريا درس الرسم اليوم؟». وسيتزامن غيابها مع زيارة ملحّة وضرورية تقصد أن يقوم بها الرسام لتوموهيكو آمادا، في المصح الذي يقطنه بعد إصابته بألزهايمر متقدم، متعطشاً لحل اللغز الذي تمثله «لوحة مقتل قائد الفرسان»، بوصفها الحدث الأساسي في الرواية.
يتم رسم لوحة شديدة الغموض، قائمة على ارتباط بين عودة ماريا من المكان الذي كانت تختفي فيه وغياب الرسام أيضاً في نفق ضيق يشبه الكفن، بعد عبوره نهراً توجب عليه شرب مائه كي يصل إلى حيث يمكنه تحرير ماريا، والتي نعرف منها لاحقاً بأنها كانت مختبئة ليومين في قصر منشيكي. بدت تلك القطعة من السرد شديدة الغموض، فالرسام كان موجوداً في المصح وفي النفق باللحظة الزمنية ذاتها. وتوموهيكو في لحظة وعي وصحو متأثراً بسؤال الرسام عن اللوحة ثم مفارقته الحياة بعد سؤاله بلحظات قصيرة، واستغراب مساهيكو اختفاء صديقه الرسام من غرفة أبيه وعدم إجابته على اتصالاته ليومين متتاليين، وهو زمن غياب ماريا. كل هذه الأفكار، التي تبدو كأنها لقطات مبعثرة في حلم، تبدو كما لو قيلت على لسان شخصيات الرواية، وكأنها واقع حصل، حيث يواجه الإنسان ذاته، حائراً وضعيفاً أمام أسئلة الزمن والوجود المعقدة.
يقول الرسام في أحد المشاهد: «العالم مليء بالأشياء الوحيدة». ويبدو موراكامي كرسام، بلا اسم وملامح، يحاول التقاط وحدة العالم وتثبيتها في لوحة، مطلاً من شرفة منزل على المحيط، يستمع لمعزوفة كلاسيكية، لا يعكر عليه عزلته واندماجه سوى صوت جرس أو شبح يتحدث إليه، أو خبر عن كارثة انفجار المفاعل النووي منذ سنوات في اليابان وما إلى ذلك من الأشياء الوحيدة التي يعيد موراكامي رسمها في لوحة الحياة المعقدة.



«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
TT

«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

تنطلق أحداث مسلسل «الفرنساوي» من فكرة مركزية تقوم على تفكيك العلاقة بين القانون والعدالة؛ إذ لا تبدو النصوص القانونية ضماناً مطلقاً للحقيقة، بل أداة قابلة لإعادة التوظيف وفقاً لمن يمتلك القدرة على قراءتها بذكاء. وفي هذا الإطار، لا يقدِّم العمل، الذي يقوم ببطولته عمرو يوسف، الجريمة بوصفها لغزاً تقليدياً، بل مدخلاً لفهم أعمق لكيفية صناعة السرد داخل قاعات المحاكم.

المسلسل، المعروض على منصة «يانغو بلاي»، من تأليف وإخراج آدم عبد الغفار في أولى تجاربه الإخراجية، تدور أحداثه عبر 10 حلقات، ويشارك في بطولته نخبة من النجوم، من بينهم جمال سليمان، وسامي الشيخ، وسوسن بدر، وعلي البيلي، وإنجي كيوان، إلى جانب ظهور خاص لكل من عائشة بن أحمد، وبيومي فؤاد. وقد احتفل فريق العمل بعرض أولى الحلقات داخل أحد الفنادق الكبرى في القاهرة.

تدور الأحداث داخل عالم قانوني معقَّد، تتشابك فيه القضايا مع المصالح الشخصية وشبكات النفوذ، بحيث تتحول كل قضية إلى ساحة صراع بين روايات متعددة، لا مجرد بحث عن وقائع ثابتة. وهنا يبرز السؤال الأهم: ليس ما الذي حدث فحسب، بل كيف يمكن إثباته؟ ومن يملك القدرة على فرض روايته؟

ملصق ترويجي للمسلسل (يانغو بلاي)

​ من خلال شخصية «خالد مشير» المعروف بـ«الفرنساوي»، التي يجسدها عمرو يوسف، يتجلى هذا التوجه بوضوح؛ فالمحامي الشاب لا يتعامل مع القانون بوصفه حدوداً نهائية، بل بوصفه مساحة مرنة قابلة لإعادة التشكيل. يعتمد في منهجه على بناء الحقيقة أكثر من مجرد اكتشافها، عبر تحليل الأدلة وتفكيكها، ثم إعادة ترتيبها داخل إطار قانوني محكم يخدم روايته.

تتشكَّل ملامح هذه الشخصية من صدمة قديمة مرتبطة بمقتل والدته وحرمانه من اعتلاء منصة القضاء، مما دفعه إلى تبنّي أسلوب قائم على التحليل الدقيق والتخطيط المحكم بدلاً من المواجهة المباشرة. وتتصاعد الحبكة حين يتحول «صانع الحلول» إلى متهم رئيسي في جريمة قتل حبيبته السابقة، الطبيبة «ليلى والي»، التي تؤدي دورها عائشة بن أحمد.

هذا التحول يضع البطل أمام اختبار حقيقي لمنظومته القانونية، لا سيما مع تصاعد محاولات تشويه سمعته من وراء الستار. وتصبح «ليلى»، التي عاشت زواجاً مضطرباً تغلّفه السيطرة والعنف مع رجل الأعمال «يوسف عدلي ثابت» (سامي الشيخ)، محوراً لكشف شبكة معقدة من علاقات النفوذ، حيث تتحول وفاتها إلى مفتاح لفهم خفايا هذا العالم.

ويطرح المسلسل توازياً حاداً بين السلطة الرسمية وعالم الجريمة المنظّم؛ إذ يبرز «الديب» (جمال سليمان) كأحد أبرز رموز العالم السفلي، مستفيداً من ثغرات الماضي ليصنع لنفسه هوية جديدة. ومن موقعه في الظل، يراقب ابنه «خالد» عن بُعد، مجسداً سلطة خفية تحمي دون أن تظهر.

فريق العمل خلال الاحتفال ببدء العرض (يانغو بلاي)

وقال آدم عبد الغفار، مؤلف العمل ومخرجه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه سعى منذ البداية إلى تقديم مشروع متكامل قائم على رؤية واضحة، من خلال نص مكتمل لجميع الحلقات، مشيراً إلى أن مرحلة الكتابة، بشقيها التحضيري والفعلي، استغرقت ما بين 3 إلى 4 سنوات من التطوير.

وأوضح أنه يفضِّل العمل بوصفه مخرجاً يكتب نصوصه بنفسه، لما يوفره ذلك من تماسك في الرؤية بين النص والصورة، ويمنحه قدرة أكبر على التحكم في التفاصيل وبناء عالم درامي متماسك. ومع ذلك، أكد أنه لا يمانع إخراج أعمال من كتابة آخرين، إذا وجد فيها ما يُثير اهتمامه على المستوى الفني.

وعن بناء شخصية «الفرنساوي»، أشار إلى أنها لا تستند إلى نموذج واقعي محدد، بل جاءت بوصفها تركيبة درامية مركّبة تمزج بين أكثر من مصدر وتجربة، وهو ما منحها عمقاً نفسياً ودرامياً لافتاً. وأضاف أن مرحلة التحضير للشخصية كانت حاسمة، إذ جرى العمل على تشكيلها بعيداً عن القوالب النمطية، لتتحرك داخل مساحات رمادية تعكس طبيعة العالم الذي تنتمي إليه.

عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عن اختياره للفنان عمرو يوسف، موضحاً أنه كان حاضراً في ذهنه منذ المراحل الأولى للكتابة، حتى قبل طرح اسمه رسمياً، وهو ما ساعده على بلورة ملامح الشخصية بدقة أكبر، سواء على مستوى الأداء أو الإيقاع الداخلي، بما يتماشى مع طبيعة العمل.

وفيما يتعلق بالجانب البصري، أشار إلى أن فريق العمل تنقَّل بين 83 موقع تصوير، سعياً لخلق بيئة بصرية متنوعة تعكس ثراء العالم الدرامي وتعزز الإحساس بالواقعية. وأكَّد أن هذا التعدد لم يكن بهدف الاستعراض، بل جاء في خدمة السرد، لتقديم صورة متكاملة تواكب الطرح الدرامي، وتمنح العمل خصوصيته على مستويي الشكل والمضمون.


حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
TT

حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)

عمّقت الزيادات المتتالية في أسعار حفلات نجوم الغناء «الفجوة الطبقية» بمصر مع ارتفاع أسعار التذاكر بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة، بعدما سجَّلت أسعار بعض فئات التذاكر مليون جنيه (الدولار يساوي 52.5 جنيه في البنوك) بحفل الفنان المصري عمرو دياب المُقرَّر إقامته في الجامعة الأميركية مطلع مايو (أيار)، وهي تذكرة متاحة للحجز توفِّر 15 مكاناً بموقع متميز داخل الحفل.

وخلال الفترة الماضية شهدت أسعار التذاكر زيادات بشكل مطرد بما فيها تذاكر حفلات دار الأوبرا المصرية، والنسخة الماضية من «مهرجان الموسيقى العربية»، في وقت سجَّل فيه متوسط أسعار التذاكر في الحفلات الجماهيرية 500 جنيه على الأقل، مع محدودية هذه الأسعار وعدم إتاحتها في عدد كبير من الحفلات وفق متابعين.

وعادة ما تُقام حفلات النجوم العرب في مصر بأسعار أعلى من حفلات النجوم المصريين لتقاضيهم أجورهم بالدولار الأميركي، بينما تبلغ أسعار أقل فئة في حفلات بعض النجوم على غرار عمرو دياب وأنغام ألف جنيه، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور المُقرَّر قانوناً في مصر نحو 7 آلاف جنيه قبل خصومات التأمين والضرائب.

جانب من حفل فرقة «كايروكي» بالساحل الشمالي (حساب الفرقة على «فيسبوك»)

وقال مُنظِّم الحفلات وديع عزمي لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة عوامل تتحكم في وضع تذاكر الحفلات، في مقدمتها الأجور التي يتم سدادها ليس فقط للفنان، ولكن أيضاً للفرقة الموسيقية المصاحبة له، والعمالة المختلفة التي زادت أجورها على خلفية ارتفاع معدلات التضخم، بالإضافة إلى أنَّ مُنظِّم الحفل يسعى لوضع سعر يجعله قادراً على تغطية تكلفة تنظيم الحفل من التذاكر.

وأضاف: «بعض الحفلات الكبرى يلعب الرعاة فيها دوراً كبيراً بتحمل جزء من التكلفة، حيث لا يكون عائد بيع التذاكر هو المصدر الوحيد لتغطية تكاليف الحفل»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يسهم أحياناً في تخفيض سعر التذكرة لكن زيادة تكلفة جميع العوامل المرتبطة بالحفلات تدفع لزيادة أسعار التذاكر بشكل مستمر، الأمر الذي يكون له تأثير على الحضور الجماهيري بمختلف فئاته».

تكاليف متزايدة

وعزا الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد، ظاهرة ارتفاع أسعار تذاكر الحفلات الغنائية إلى التكاليف المتزايدة التي يتحمَّلها المُنظِّمون، وتشمل أجور النجوم الكبار، سواء من داخل مصر أو خارجها، و المصروفات الضخمة التي تتعلَّق بتجهيزات المسرح، والتقنيات الصوتية، والدعاية، والتأمين.

وأوضح أن «هذه العناصر مجتمعة تضاعفت تكلفتها بشكل كبير في ظلِّ موجة الغلاء الحالية؛ ما يدفع المُنظمين إلى التعامل مع الحفل بوصفه (منتجاً) يخضع لقواعد السوق، وعلى رأسها العرض والطلب، وهو ما يبرِّر رفع أسعار التذاكر، أو الاعتماد بشكل أكبر على الرعاة لتحقيق التوازن المالي، وضمان تحقيق أرباح».

جانب من حفل كبير لمحمد حماقي في الإسكندرية العام الماضي (حسابه على «فيسبوك»)

وأضاف محمود فوزي السيد: «هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على الجمهور، وأصبحت الحفلات الكبرى مقتصرة على فئات محدودة قادرة على تحمل الأسعار المرتفعة؛ ما أدى إلى تقلص القاعدة الجماهيرية لها»، مشيراً إلى أنَّ حضور حفل غنائي بات يتطلب ميزانيةً مرتفعةً لا تتناسب مع شريحة واسعة من الجمهور، الأمر الذي أفقد الحفلات طابعها الجماهيري الذي كانت تتمتع به في فترات سابقة.

ارتفاع معدلات التضخم

رأي دعمه الناقد الموسيقي مصطفى حمدي، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن حضور حفل موسيقي أصبح أمراً ضاغطاً اقتصادياً على الأسر التي تنتمي للطبقة المتوسطة؛ بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الحفلات، وهو ما انعكس حتى على كثافة حضور الحفلات الجماهيرية التي كانت تسجِّل حضوراً بأرقام تصل إلى 60 أو 70 ألف شخص، ولم تعد موجودة تقريباً في الوقت الحالي».

ووفق تقرير صدر عن جهاز «التعبئة والإحصاء» المصري، في سبتمبر (أيلول) 2020 فإنَّ نسبة الفقر بلغت 29.7 في المائة عن عام 2019 - 2020، مع وضع مبلغ 857 جنيهاً شهرياً و10279 جنيهاً سنوياً خطاً للفقر، بينما بلغ حدُّ الفقر المدقع 550 جنيهاً شهرياً والسنوي 6604 جنيهات على أساس سعر صرف 16 جنيهاً لكل دولار، بينما يسجِّل الدولار اليوم بالبنوك نحو 52.5 جنيه.

ومع غياب الأرقام الرسمية الحديثة بشأن نسب الفقر، فقد أشار تقرير للبنك الدولي إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن عام 2022.

ويؤكد حمدي أنَّ زيادة معدلات التضخم انعكست بشكل لافت على الترفيه الذي تمثل الحفلات الموسيقية أحد جوانبه، مشيراً إلى «غياب مشهد الحضور الأسري عن الحفلات كما كان سابقاً، بالإضافة إلى محدودية الحفلات الجماهيرية الكبيرة التي تُقام لنجوم الصف الأول». على حد تعبيره.

وهنا يستعيد محمود فوزي السيد مشهد الحفلات الغنائية بالجامعات التي كانت تلعب دوراً مهماً في إتاحة الفن للشباب من خلال استضافة نجوم كبار مثل عمرو دياب، وتامر حسني، ومحمد حماقي، مما يوفر متنفساً فنياً بأسعار مناسبة للطلاب، إلا أن هذه الظاهرة تراجعت بشكل ملحوظ، ما أسهم في تضييق فرص الوصول إلى الحفلات، خصوصاً لدى الفئات الشابة.

تشهد أسعار تذاكر الحفلات ارتفاعاً كبيراً (حساب تامر حسني على «فيسبوك»)

وشدَّد على ضرورة تدخل وزارة الثقافة المصرية ومؤسساتها، وعلى رأسها دار الأوبرا المصرية، لإعادة التوازن إلى سوق الحفلات من خلال تنظيم فعاليات جماهيرية بأسعار مناسبة، مؤكداً أنَّ تفعيل هذا الدور من شأنه توسيع قاعدة الجمهور وإعادة الحفلات إلى طبيعتها بوصفها فناً متاحاً للجميع، خصوصاً مع أهمية موسم الصيف الذي يفترض أن يشهد نشاطاً مكثفاً في هذا المجال.

ويُعدُّ الصيف هو الموسم الأبرز للحفلات في مصر، والتي لا تقتصر على المدن الساحلية فحسب ولكن أيضاً على العاصمة، بينما شهد موسم عيد الفطر وأعياد الربيع حفلات محدودة غاب عنها النجوم العرب بشكل لافت.


«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)
الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)
TT

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)
الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية، التي اختارها ضيفة شرفٍ لدورته السادسة، التي انطلقت يوم الجمعة 24 أبريل (نيسان). كما يستعيد أبرز أعمال المخرج الراحل يوسف شاهين، في إطار الاحتفال بذكرى مئوية ميلاده.

كانت وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية، الدكتورة مليكة بن دودة، قد افتتحت المهرجان بحضور محافظه محمد علال، حيث ذكرت في كلمتها أن المهرجان يُعدّ امتداداً لإرث حضاري عريق.

وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية تكرم الفنان صالح أوقروت (إدارة المهرجان)

وكرّمت الوزيرة 4 شخصيات خلال حفل الافتتاح، ومنحتهم جائزة «العناب لإنجاز الحياة»، وهم: المخرج العالمي بيل أوغست، الحائز على جائزة الأوسكار والسعفة الذهبية لمهرجان «كان» مرتين، والفنان الجزائري صالح أوقروت، تقديراً لحضوره المميز في الأعمال الكوميدية والدرامية، والفنانة الجزائرية بهية رشيد، التي أثرت الساحة الفنية في الجزائر على مدى مسيرة حافلة بالعطاء، والنجمة المصرية إلهام شاهين، صاحبة المسيرة الحافلة التي جعلت منها إحدى أبرز أيقونات الشاشة العربية.

وعبّرت الفنانة إلهام شاهين عن سعادتها بهذا التكريم، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أنا ممتنّة جداً وسعيدة بهذا التكريم؛ فهو تتويج لمسيرتي الفنية، ويؤكد أن اختياراتي كانت صحيحة، وأن لهذه المسيرة أثراً»، وأضافت: «من الرائع أن يأتي تكريمي في دورة تكون فيها مصر ضيفة الشرف، وفي ظل الاحتفال بمئوية المخرج الكبير يوسف شاهين، الذي أتشرف به».

ملصق لاحتفاء مهرجان «عنابة» بمئوية يوسف شاهين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى حبها للجزائر، مؤكدة أنها تحمل لها ذكريات جميلة؛ إذ سبق تكريمها رفقة النجمة وردة من قبل الرئيس الأسبق بوتفليقة، كما حضرت «مهرجان وهران» مرتين، وحصلت على جائزتي أفضل ممثلة وأفضل فيلم عن «خلطة فوزية»، الذي كان من إنتاجها أيضاً، إضافة إلى مشاركتها في دورة أخرى عضواً في لجنة التحكيم.

وشهد المهرجان حضوراً لافتاً لفنانين مصريين، من بينهم: المخرج خالد يوسف، وسهير المرشدي، ورانيا فريد شوقي، وسيف عبد الرحمن، ومدير التصوير السينمائي سمير فرج، الذي يقدّم «ماستر كلاس» في فن التصوير السينمائي.

واستهلَّ المهرجان فعالياته بافتتاح معرض «يوسف شاهين والسينما الجزائرية»، الذي تستضيفه محطة القطار بعنابة، ويتضمن صوراً له ولأفلام أخرجها بين مصر والجزائر، من بينها «عودة الابن الضال» (1976)، و«جميلة بوحريد» (1958).

وتحت عنوان «الإنتاج المشترك المتوسطي: عودة الابن الضال بعد 50 عاماً»، يُنظّم المهرجان ندوة موسَّعة في إطار مئوية يوسف شاهين، بمشاركة المخرج خالد يوسف، والفنانة سهير المرشدي، والفنان سيف عبد الرحمن، ومن الجزائر المخرج أحمد راشدي، وأحمد بجاوي، وسليم عقار.

ويستعيد المهرجان، ضمن برنامج «ذاكرة شاهين»، 3 من أبرز أفلامه، مقدّماً إياها في عروض جماهيرية تتيح إعادة اكتشاف عبقرية شاهين والتأمل في رؤيته الفريدة للإنسان والمجتمع والهوية، وهي أفلام: «باب الحديد»، و«عودة الابن الضال»، و«النيل والحياة».

ويحتفي المهرجان باختيار مصر ضيفَة شرفٍ لدورته السادسة؛ إذ ذكر محافظ المهرجان، محمد علال، أن هذا الاختيار يُعدّ استحضاراً لتاريخ سينمائي عريق مشترك، امتدّ لأكثر من 50 عاماً من التعاون والإبداع بين البلدين. كما يقيم المهرجان ندوةً حول 130 عاماً من السينما المصرية، بمشاركة نقاد مصريين.

ملصق الدورة السادسة من المهرجان (فيسبوك)

وقال الناقد المصري زين خيري لـ«الشرق الأوسط»، إن احتفاء «عنابة» بالسينما المصرية ومئوية يوسف شاهين يعكس عمق العلاقة بين مصر والجزائر، خصوصاً في مجال السينما، مشيراً إلى أن التعاون بين شاهين والسينمائيين الجزائريين كان واسعاً وممتداً، إذ أخرج أفلاماً عن الثورة والمقاومة.

وعدّ خيري مشاركته، إلى جانب نقاد مصريين، في ندوة «السينما المصرية في 130 عاماً» من الندوات المهمة في المهرجان، مؤكداً أن «مهرجان عنابة»، من خلال متابعته له منذ انطلاقه، جادٌّ ومتميِّز، ويولي اهتماماً كبيراً باختياراته من الأفلام، والضيوف، والفعاليات.

يُذكر أن الدورة الـ6 من مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي»، المتخصص في أفلام دول البحر المتوسط، تشهد عرض 55 فيلماً من 20 دولة، من بينها 13 فيلماً يُعرض عالمياً للمرة الأولى.