مسيرات ضخمة في الجزائر تطالب بتنحي بن صالح

تزيد الضغوط على قيادة الجيش للنزول عند شروط الحراك... والشرطة تعلن كشف خلية إرهابية خططت لهجمات وسط المحتجين

مواجهات بين قوات الأمن والمحتجين في العاصمة الجزائرية أمس (أ.ف.ب)
مواجهات بين قوات الأمن والمحتجين في العاصمة الجزائرية أمس (أ.ف.ب)
TT

مسيرات ضخمة في الجزائر تطالب بتنحي بن صالح

مواجهات بين قوات الأمن والمحتجين في العاصمة الجزائرية أمس (أ.ف.ب)
مواجهات بين قوات الأمن والمحتجين في العاصمة الجزائرية أمس (أ.ف.ب)

نزلت حشود ضخمة من الجزائريين إلى الشوارع في مختلف المدن الكبرى للتعبير عن تمسكها برفض تسلّم رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح منصب الرئيس الانتقالي في البلاد خلفاً للرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة. وشكّلت مسيرات أمس (الجمعة)، اختباراً لموقف الحرك الشعبي من انتقال السلطة إلى بن صالح، واختباراً مماثلاً للعلاقة مع المؤسسة العسكرية التي تبدو الآن تحت ضغط للنزول عند إرادة الشارع وتغيير الشخصيات التي تسلّمت قيادة المرحلة الانتقالية بعد تنحي بوتفليقة.
«لقد ضحوا برئيس مريض من أجل أن يستمر النظام». كان هذا رأي سليم مشري، وهو قيادي في التنظيم الجزائري المستقل عن الحكومة، «نقابة مستخدمي الإدارة العامة»، الذي شارك أمس مع مئات الآلاف في مظاهرات بالعاصمة، للمطالبة برحيل رئيس الدولة المعيّن، عبد القادر بن صالح، ومعه رئيس الوزراء نور الدين بدوي، ورئيس «المجلس الدستوري» الطيّب بلعيز. وهذه القناعة يشاركه فيها عدد كبير من نشطاء الحراك ممن يخشون «الالتفاف على المطلب الرئيسي، وهو رحيل النظام بكامله»، بحسب ما قال بعضهم.
ورغم إغلاق مداخل العاصمة وبإحكام شديد، منذ يومين، للحؤول دون التحاق أعداد كبيرة من خارجها بالحراك، عجَّت الساحات العامة، أمس، كعادتها بالحشود من كل الفئات المهنية ومن كل الأعمار. وبدأ تجمّع المتظاهرين في الساعات الأولى من النهار بالبريد المركزي، معقل «الثورة السلمية» التي انطلقت في 22 فبراير (شباط) الماضي. وكان طلبة «الجامعة المركزية» من أوائل المتظاهرين الذين رفعوا الراية الوطنية والشعارات المطالبة برحيل «كل رموز النظام».
سامية مشاط، وهي مغتربة جزائرية بفرنسا، جاءت من باريس أول من أمس (الخميس)، للمشاركة في المظاهرة، وحجزت أمس ليلاً على آخر طائرة نحو العاصمة الفرنسية، حيث يعيش زوجها وأولادها الثلاثة. قالت وهي ترتدي ألوان العلم الجزائري: «شاهدنا (أول من أمس) بن صالح يستقبل بدوي بمقر الرئاسة، وقد تحدثا في شؤون البلاد بحسب ما بثه التلفزيون الحكومي. ألا يعلمان أنهما مرفوضان شعبياً؟ يجب أن ينسحبا من المشهد. إنهما من مخلفات نظام بوتفليقة».
وبالقرب من سامية، كان خمسيني يرفع لافتة تنتقد موقف رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي أكد في خطاب، الأربعاء الماضي، دعمه لبن صالح رئيساً للمرحلة الانتقالية. وقالت وسائل إعلام بعد هذا الخطاب إن قيادة الجيش تدير ظهرها للحراك، علماً أن موقفها المساند للمحتجين دفع ببوتفليقة إلى التنحي في الثاني من الشهر الحالي وأطلق سلسلة ملاحقات ضد رجال أعمال كانوا محسوبين على الرئاسة، لكنهم متهمون بالثراء غير المشروع وفي قضايا فساد أخرى مشتبه فيها.
وقالت مصادر مقربة من وزارة الدفاع إن الفريق قايد صالح، الضابط العسكري الثمانيني، قد يغيّر موقفه من الفترة الانتقالية والشخصيات التي ستشرف عليها، وذلك بناء على مدى قوة المحتجين وإصرارهم على تنحية بن صالح. وكان قائد المؤسسة العسكرية قد تعهد مرتين في وقت سابق بـ«النزول عند مطالب الشعب كاملة»، وأعطى مؤشرات إلى عدم اعتراضه على اللجوء إلى حل سياسي بدل التقيّد بـ«المادة 102» من الدستور التي تتحدث عن تولي رئيس مجلس الأمة رئاسة الدولة لمدة 90 يوماً، في حالة استقالة رئيس الجمهورية. وتنتهي الفترة الانتقالية بتنظيم انتخابات رئاسية في 4 يوليو (تموز) المقبل، بحسب ما وعد الرئيس الانتقالي عبد القادر بن صالح في كلمة له قبل أيام.
وقال نجل دبلوماسي جزائري يعمل في السنغال، وجاء من داكار إلى الجزائر من أجل المشاركة في المظاهرات: «هل يدرك من قرر هذه الانتخابات الانتحارية (الاستحقاق الرئاسي في 4 يوليو) أن شروطها غير متوافرة، وأن الإصرار عليها سيدفع البلاد لانسداد يكون الخروج منه أكثر تكلفة؟».
وأظهرت قوات حفظ النظام العام بعتادها ورجالها، إصراراً لافتاً أمس على صد محاولات محتملة من المتظاهرين للتوجه إلى قصر الرئاسة بحي المرادية بأعالي العاصمة، حيث يتواجد بن صالح وفريق المساعدين الذين ورثهم من الرئيس المستقيل بوتفليقة. وقد استعملت قوات الأمن في «ساحة موريس أودان»، القريبة من البريد المركزي خراطيم المياه لثني المتظاهرين عن مغادرتها. غير أنها بعد فترة قصيرة انسحبت أمام قوة السيل البشري الجارف.
ومساء أمس أعلنت الشرطة الجزائرية أنها أحبطت مشاريع إجرامية واسعة النطاق باعتقال مجموعة إرهابية مدججة بالأسلحة والذخيرة، كانت تخطط للقيام بأعمال إجرامية وسط المتظاهرين، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية. وقالت الشرطة، في بيان، إن هذه المجموعة عملت على استغلال الكثافة البشرية الناجمة عن التعبئة للسعي إلى تنفيذ مخططها. وأضافت أن «التحريات المنجزة سمحت بالتوصل إلى أن بعض الأسلحة التي كان يحوزها هؤلاء المجرمون، تم استعمالها في جرائم اغتيال في حق بعض منتسبي مصالح الأمن خلال العشرية السوداء (موجة العنف التي ضربت الجزائر مطلع تسعينات القرن الماضي)».
وتابع البيان: «خلال هذه الأسابيع، تم تحديد هوية أجانب، تم توقيفهم والكشف عن مخططاتهم، ممن جاءوا خصيصاً لإذكاء التوترات ودفع الشباب للجوء إلى أنماط متطرفة في التعبير، قصد استغلال صورهم عبر وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي». وكشفت الشرطة عن اعتقال بعض الأجانب وبحوزتهم «تجهيزات حساسة».
وكانت مديرية الشرطة أصدرت قبل ذلك بياناً دعت فيه مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي إلى «ضرورة التحلي بالحيطة والحذر من تداول ونشر بعض الصور والفيديوهات القديمة، التي تهدف إلى تضليل الرأي العام والإساءة إلى جهاز الشرطة»، في إشارة إلى مشاهد عنف من جانب شرطة مكافحة الشغب ضد المتظاهرين، بوسط العاصمة. وقال البيان إن «هذه الصور والفيديوهات المتداولة تتعلق بأخبار مغلوطة وأحداث قديمة، جرى بعضها في دول أجنبية، تنسب إلى جهاز الشرطة الجزائرية، وترمي أساساً إلى تغليط الرأي العام الوطني».
وعرفت كبرى مدن البلاد وحتى مناطق الصحراء، مشاهد مشابهة لما عاشته العاصمة أمس. ففي مسيرات مليونية، طالب الجزائريون عبر مناطق البلاد بتنحي «رموز النظام»، ودعوا رئيس أركان الجيش إلى «تنفيذ وعوده». وكما جرت العادة، يرتقب أن يصدر رد فعل من قيادة الجيش، بعد هذه المظاهرات الضخمة. فإما يعدل الفريق قايد صالح عن موقفه بخصوص بقاء بن صالح رئيساً للدولة، وإما يستجيب للمطالب الشعبية.
إلى ذلك، قال اللواء المتقاعد علي غديري إن الالتزام بالدستور هو الأسلم في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها الجزائر. ولم يتردد غديري، في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، في الإعراب عن قلقه لما يمكن أن تؤدي إليه حماسة واندفاع الحراك الشعبي خصوصاً مع قيام كثير من النخب السياسية بالحديث باسمه. وأوضح غديري، الذي أعلن نيته الترشح لخوض السباق الرئاسي: «المادة 102 من الدستور تنص على أن يتولى رئيس مجلس الأمة منصب الرئيس لمدة 90 يوماً، ولكن البعض يرفض تولي عبد القادر بن صالح... وأنا أرى أن علينا التمسك بالنص الدستوري ولا داعٍ لأي تخوف... فبن صالح كان يستمد قوته ونفوذه من (الرئيس السابق) بوتفليقة، وبوتفليقة ذهب، وبالتالي لا قوة لبن صالح ولا لرئيس المجلس الدستوري (الطيب بلعيز) ولا لرئيس الحكومة (نور الدين بدوي) ولا لغيرهم من رموز النظام القديم... لم يعد لكل هؤلاء أي تأثير، وبالتالي لا ضرر من وجودهم خلال المجال المحدد لحين إجراء الانتخابات». واستطرد: «الجيش لم ينقلب على الحراك، وإنما هو ملتزم بالدستور وبتطبيق نصوصه، كما أنه حريص على تقليص المدة الانتقالية... المسار الدستوري ربما قد يكون أشق، لكنه الأضمن لإجراء الانتخابات في أقرب أجل ممكن... وكل من ينادي برئاسة جماعية أو أي حل آخر فإنه يسهم بذلك في تمديد المرحلة الانتقالية».
يشار إلى أنه في أعقاب إعلان وزارة الداخلية الجزائرية فتح باب الترشيح لخوض غمار الانتخابات الرئاسية، أكد غديري أول من أمس (الخميس)، نيته الترشح للسباق الانتخابي.
وشدد غديري على أن قلقه لا يتعلق بجهات أو أحزاب بعينها، وقال: «هناك قوى إسلامية وغير إسلامية وحتى قوى أجنبية تستعد لخرق الحراك والتموقع من الآن داخل المجتمع، وبالطبع لن يكون هذا في صالح البلاد». واعتبر أن «الإسلاميين بالجزائر لا يشكلون خطراً كبيراً، فقد هُزموا سياسياً وعسكرياً... كما أنهم يدركون أنهم فشلوا في مصر وفي سوريا، وأصبح الفشل يرافقهم أينما كانوا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.