المساهمة الاوروبية مع أميركا شرق سوريا تنتظر حل «العقدة» التركية

واشنطن وموسكو تمددان «منع الاحتكاك» في الأجواء السورية... وأنقرة تريد نسخ تجربة «درع الفرات»

أطفال ينظرون من خيمة في مخيم الهول شرق سوريا أمس (رويترز)
أطفال ينظرون من خيمة في مخيم الهول شرق سوريا أمس (رويترز)
TT

المساهمة الاوروبية مع أميركا شرق سوريا تنتظر حل «العقدة» التركية

أطفال ينظرون من خيمة في مخيم الهول شرق سوريا أمس (رويترز)
أطفال ينظرون من خيمة في مخيم الهول شرق سوريا أمس (رويترز)

تنتظر لندن وباريس أجوبة واشنطن عن عدد من الأسئلة كي يحددا مشاركتهما في قوات التحالف الدولي شمال شرقي سوريا، أهمها حل العقد الأميركية - التركية حول «المنطقة الأمنية» بين نهري الفرات في جرابلس ودجلة قرب كردستان العراق خصوصاً بعدما جدد الجيشان الأميركي والروسي العمل بمذكرة «منع الاحتكاك» في الأجواء السورية.
وبعد تراجع الرئيس دونالد ترمب عن قراره «الانسحاب الكامل والسريع» من سوريا في بداية العام، عقدت سلسلة اجتماعات غير معلنة ثنائية بين الأميركيين والأوروبيين وجماعية شارك فيها ممثلو أميركا وتركيا وروسيا وأوروبيون وسوريون من شرق الفرات.
بحسب المعلومات المتوفرة لـ«الشرق الأوسط» فإن وزارة الدفاع (بنتاغون) ستبقي بمعنى أو آخر على أكثر من 400 جندي شرق الفرات وفي قاعدة التنف بعدما جرى إلحاق هزيمة جغرافية بـ«داعش».
وتضغط واشنطن على حلفائها الأوروبيين والإقليميين للإبقاء على عمليات التحالف جواً والانتشار البري شرق نهر الفرات وفوق التنف، لكن حلفاءها طرحوا على واشنطن سلسلة من الأسئلة المحددة قبل تحديدهم حجم المساهمة العسكرية، تتعلق بحجم المساهمة العسكرية المطلوبة، مدى الالتزام الأميركي بالبقاء بسوريا وتجنب مفاجأة مشابهة لتغريدة ترمب نهاية العام الماضي عندما قرر فجأة «الانسحاب الكامل والسريع»، الغطاء الجوي ومدى التفاهم مع الروس، والدور التركي شرق الفرات، والهدف من الوجود العسكري وتعزيز البنية التحتية للقوات المحلية.

«منع الاحتكاك»
وبدا، بحسب المعلومات، أن الجانب الأميركي حقق بعض التقدم في الإجابة عن بعض هذه الأسئلة مثل تمديد مذكرة «منع الاحتكاك» والتزام البقاء جوا لتوفير الحماية الجوية إضافة إلى التزام أميركي في البقاء برا «في المدى المنظور». وإذ ظهر وجود اختلاف في مواقف المسؤولين الأميركيين لأسباب الوجود العسكري بين مستشار الأمن القومي جون بولتون الذي يربطه بإضعاف إيران ووزير الخارجية مايك بومبيو والمبعوث الخاص إلى سوريا جيمس جيفري اللذين يربطانه بالحل السياسي وعملية جنيف والملف الإيراني، جرى التوافق على أن السبب القانوني للبقاء سيكون محاربة «خلايا داعش» بعدما هزم التنظيم جغرافياً كي تستطيع الدول الأوروبية تمرير المساهمة العسكرية داخلياً. وقدم بعض المسؤولين الأميركيين تفسيرا أن الموقف الحالي هو أقرب إلى استراتيجية وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون القائمة على ثلاثة أهداف: منع عودة «داعش» وإضعاف إيران والضغط لحل سياسي بموجب عملية جنيف.
كما أظهرت الاتصالات الأميركية - الأوروبية أن العقدة الرئيسية حالياً تتمثل بالدور التركي شرق الفرات، إذ أن أنقرة تلوح بالتوغل وأنها تريد نسخ تجربة «درع الفرات» في شرق الفرات، أي دخول الجيش التركي وفصائل سورية معارضة إلى عمق يتراوح بين 28 و32 كلم وبامتداد يتجاوز 400 كلم بين جرابلس وفيش خابور، فيما ترى واشنطن إمكانية نسخ تجربة «خريطة منبج» في شرق الفرات.
كانت أنقرة تفاهمت مع موسكو في نهاية 2016 وقامت بعملية «درع الفرات» بين جرابلس على الحدود السورية - التركية والباب شمال حلب، حيث باتت هذه المنطقة في عهدة الجيش التركي وحلفائه. كما أبرمت واشنطن وأنقرة منتصف العام الماضي «خريطة طريق» تتعلق بمنبج تقوم على تسيير دوريات مشتركة وإخراج «وحدات حماية الشعب» الكردية وإجراء تغييرات في المجلس المحلي. وتشكو أنقرة من بطء واشنطن في تنفيذ هذه «الخريطة».

تهديد وجودي
وأظهرت نقاشات غير معلنة بين خبراء ودبلوماسيين من الدول المعنية أن تركيا تنظر إلى شمال شرقي سوريا باعتباره «يشكل تهديدا وجوديا من احتمالات ممارسة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تراه امتدادا لحزب العمال الكردستاني نفوذاً على المسألة الكردية». إذ أنه «من وجهة نظر تركيا، فإن السماح بظهور منطقة حكم ذاتي أخرى تخضع لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي سيشكل خطأ فادحاً. ويتعارض هذا التوجه مع جهود التوصل لاتفاق حول ترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة على المدى القصير من أجل تناول المخاوف الأمنية الوطنية الخاصة بتركيا».
في غضون ذلك وبالتوازي مع المفاوضات التي يتولاها جيفري القريب لأنقرة، تحاول واشنطن ميدانياً تنويع هياكل «قوات سوريا الديمقراطية» الحالية بإضافة المزيد من العناصر غير التابعة لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» لاسترضاء تركيا التي «تبدو غير مقتنعة بأن المزيد من التنوع يعني سيطرة أقل من قبل حزبي الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني»، بحسب مصادر.
وترى أنقرة أن جهود واشنطن «إضفاء اعتدال على موقف حزب الاتحاد الديمقراطي أو إعادة هيكلة قواته لا تصل إلى جوهر المشكلة» وأن اقتراح واشنطن إبعاد «وحدات حماية الشعب» الكردية عن الحدود إلى العمق «لن يتمكن من تقليص نفوذ الحزب في المنطقة»، لذلك فإن احتمال اتخاذ تركيا تحركات عسكرية أحادية الجانب شمال شرقي سوريا «لا يزال قائما رغم غياب أي موافقة من الجانبين الأميركي والروسي».
وبعثت واشنطن ودول أوروبية برسائل تحذير أو طمأنة إلى أنقرة كي لا يتوغل جيشها شرق الفرات «لأن هذا سيزيد تعقيد العلاقات الأميركية - التركية ويخلق فوضى شمال سوريا تؤثر على الأمن القومي التركي»، إضافة إلى أن «الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية لا ترغبان في وجود قوات تركية داخل أراضي سوريا، وترفضان الاستعانة بقوات أخرى مثل قوات النخبة التابعة لأحمد الجربا وقوات البيشمركة - روج من منطقة كردستان العراق لملء المنطقة الأمنية».

اتفاق أضنة
في غضون ذلك، لم تحقق المفاوضات الروسية - التركية حول تفعيل «اتفاق أضنة» تقدما جوهرياً خصوصاً بعد قرار واشنطن البقاء شرق سوريا. وقال أحد الخبراء: «تبدو روسيا غير متحمسة للدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة في سوريا، وهي مترددة حالياً تجاه اقتراح أي حلول للمشكلة يمكن أن تثير ردود أفعال سلبية دولياً أو تزيد تعقيد علاقاتها بالحكومة السورية. أيضاً، تبدو روسيا غير متحمسة تجاه علاقة حزب الاتحاد الديمقراطي بالولايات المتحدة وتطالب بفك ارتباط الحزب بواشنطن قبل أن تشرع في التعاون معه. رغم ذلك، لا تنظر روسيا إلى حزب الاتحاد الديمقراطي باعتباره منظمة إرهابية رغم تحالفها مع تركيا».
لكن اقتراح موسكو تفعيل «اتفاق أضنة» بديلا من «المنطقة الأمنية» دل على أن «نهاية اللعبة من المنظور الروسي تعتمد على تسريع الانسحاب الأميركي وعودة تدريجية للحكومة السورية إلى شمال شرقي سوريا». وبقراءة المواقف الأميركية والتصريحات المتناقضة، يبدو أن نهاية اللعبة من المنظور الأميركي تعتمد على الإبقاء على الوجود الأميركي في المنطقة إلى أن تحين لحظة إعادة سيطرة النظام على الأوضاع بعد الوصول إلى اتفاق، أو من دون اتفاق، مع روسيا.
وكان لافتا أن واشنطن طلبت من «قوات سوريا الديمقراطية» التريث في إجراء مفاوضات مع دمشق بالتزامن مع عرقلة موسكو إجراء مفاوضات بين دمشق والأكراد.
وبحسب مصادر، يتبع «حزب الاتحاد الديمقراطي وحلفاؤه، استراتيجية حذر وحرص تتطور عبر مسارات متنوعة: تتمثل الأولوية الأولى في الحفاظ على هيكل الأمن والحكم سليماً مع إدخال تغييرات صغيرة تحت حماية أميركية. ونظراً لأن أمد الوجود الأميركي غير واضح، يبقي الأكراد على اتصالات مع النظام عبر روسيا».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.