ناجح إبراهيم: الإرهاب لا يصنع دولا.. و«داعش» تحمل بذور فنائها الداخلي

الجهادي السابق أكد لـ {الشرق الأوسط} أن الخلافة يجب أن تكون على نمط الاتحاد الأوروبي

ناجح إبراهيم: الإرهاب لا يصنع دولا.. و«داعش» تحمل بذور فنائها الداخلي
TT

ناجح إبراهيم: الإرهاب لا يصنع دولا.. و«داعش» تحمل بذور فنائها الداخلي

ناجح إبراهيم: الإرهاب لا يصنع دولا.. و«داعش» تحمل بذور فنائها الداخلي

الجهادي السابق الدكتور ناجح إبراهيم، طبيب في مدينة الإسكندرية، كان من بين أبرز مؤسسي الجماعة الإسلامية في مصر في السبعينات من القرن الماضي، قبل أن يتحول إلى أحد أهم أقطاب المراجعات الفكرية، وأحد القادة التاريخيين الذين أطلقوا مبادرة «وقف العنف» الشهيرة عام 1997.
«الشرق الأوسط» أجرت حوارا مع الدكتور إبراهيم، الذي تحدث عن الجماعات الإرهابية باستفاضة، شارحا تدرجها في التشدد، وانقلاب بعض فصائلها عن الجماعة الأم «القاعدة» وصولا إلى تكفير قائدها أيمن الظواهري. وأكد إبراهيم أن ما يسمى بـ«الخلافة الداعشية» هو أمر مثير للسخرية، مفندا ادعاءاتها الفقهية، ومشيرا إلى أن العالم العربي إذا أراد إقامة دولة الخلافة، فالأصلح أن تكون على نمط الاتحاد الأوروبي. وإلى أبرز ما جاء في الحوار.
* أين ومتى ولماذا توجد الجماعات التكفيرية المسلحة على غرار «القاعدة» وجبهة النصرة و«داعش»؟
- توجد هذه المجموعات حيثما لا تكون هناك دولة مركزية قوية. فحينما كانت لا توجد دولة مركزية قوية في أفغانستان وجدت «القاعدة» هناك، ومثلها حين انهارت الصومال.
وحديثا، حينما انهارت الدولة في ليبيا وجدت الجماعات المسلحة، والآن هي مسيطرة على الوضع الليبي تماما. وعلى ذات النمط، سيطرت جبهة النصرة على أماكن كثيرة في سوريا. وكذلك حينما غابت الدولة المركزية في العراق وحكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حكما طائفيا واستخدم الميليشيات في قهر السنة، وجدت «داعش» هناك. وأيضا حينما لم تستطع الدولة المصرية في عهد «الإخوان» أن تتحكم في منطقة سيناء وجدت «القاعدة» هناك، وكانت لها ثلاثة معسكرات في ثلاث قرى تتدرب فيها عيانا بيانا وسط الناس.
* وكيف ترى الوضع حاليا في ظل تمدد بؤر الإرهاب وتهديدها لكثير من الدول العربية؟
- لا بد من وضع عدد من القواعد العامة لفهم أسس وجود التنظيمات، أولها، كما ذكرنا أن تلك الجماعات تترعرع مع غياب الدولة المركزية القوية. ثانيا، هناك دول في منطقة الشرق الأوسط الآن ليست هي صانعة السياسة في المنطقة، ولكن التنظيمات والجماعات المسلحة هي المسيطرة والفاعل الرئيس.. في العراق هناك «داعش»، في سوريا جبهة النصرة، في ليبيا المجموعات التكفيرية المسلحة مثل أنصار الشريعة، وفي جنوب اليمن هناك مجموعات مثل الحوثيين. إذن فقد حدث خلل في هذه الدول حيث غابت الدولة الوطنية القومية القوية في مقابل صعود تلك التنظيمات.
ثالثا، إن أي حاكم يحكم بطريقة طائفية، أو يريد أن يبتلع الدولة في جماعته، فإنه يفشل. لأن الفرد لا يمكن أن يبتلع جماعة، ولا يمكن للجماعة أن تبتلع وطنا، ولا يمكن للدولة أن تبتلع أمة. رأينا ذلك حين أرادت جماعة «الإخوان» ابتلاع الدولة المصرية وفشلت وماتت الجماعة؛ وكادت الدولة تموت معهم لولا ستر الله. وحين سعى المالكي لابتلاع العراق فشل، والعراق يتجه إلى التفتت.
وعلى المستوى الأكبر، رأينا حين أراد (الرئيس المصري الأسبق) جمال عبد الناصر أن يختزل الأمة العربية في مصر فشل، وصدام حسين أراد نفس الشيء في العراق وفشل، وإيران حاولت نفس الشيء وفشلت.. والآن تركيا تريد أن تلعب نفس الدور ومصيرها سيكون مشابها.
* وماذا عن طبيعة العلاقة بين تلك التنظيمات المتطرفة في المنطقة، هل بينها علاقة تنافس أم تكامل؟
- فكر التكفير انتشر للغاية، و«داعش» فاقت «القاعدة» في التكفير. وتنظيم القاعدة الآن قسم إلى شطرين متنازعين ومتخاصمين، ويحدث بينهما قتال لا محالة، هما «داعش» و«النصرة». «النصرة» تبايع الدكتور أيمن الظواهري، زعيم «القاعدة»، بينما «داعش» ضده وتدعوه للتوبة من نصرة «الإخوان» أو سلوك المسار الديمقراطي، وذلك لأن «داعش» لم تكتف بتكفير الجيوش والأنظمة العربية، بل تخطت ذلك إلى تكفير جميع الأحزاب حتى التي لها مرجعية إسلامية، لأنها ترى أن الديمقراطية ذاتها كفر.
كما كفرت «داعش» الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والرئيس المصري الأسبق الدكتور محمد مرسي، فهي فاقت الجميع في التكفير، وزايدت على الجميع في التطرف.
* وماذا عن العلاقة بين هذه التنظيمات والجماعات التي ظهرت في مصر؟
- أنصار بيت المقدس والمجموعات التكفيرية التي ظهرت في مصر متوافقة مع «داعش»، وتتمنى أن تدعمها «داعش». لكن ذلك لا يعني أن هناك تنظيم «داعش» في مصر كامتداد للتنظيم العراقي.
لكن هناك شبابا مصريا من التيارات المتطرفة في مرحلة «الانبهار الكاذب» بـ«داعش». ورأينا مثل ذلك الانبهار سابقا حين قامت «القاعدة» بضرب الولايات المتحدة في أحداث 11 سبتمبر (أيلول) من عام 2001، حيث سجد البعض شكرا، وهلل البعض انبهارا بنموذج «القاعدة» وقتها، دون أن يدروا.
وقلت لبعضهم في هذا الوقت إن أحداث سبتمبر ستكون أكبر كارثة على الإسلام والمسلمين. وفعلا بعدها بسنوات، تسببت تلك الأحداث في احتلال أميركا لأفغانستان ثم العراق، وكانت سابقة أن تحتل أميركا بلادا إسلامية.
ونحن الآن نرى ذات الشيء مع «داعش». وهذا الانبهار خطر، لأن المرحلة التالية هي توالد مجموعات، ربما من عشرة أفراد أو أقل. ثم يمكن أن تتوحد تلك المجموعات.. وهذا لن يسقط الدولة المصرية ولكنه سيحدث على الأقل إرباكا.
وقبل أن نصل إلى مرحلة الانهيار الكامل لـ«داعش»، في غضون عامين مثلا، يمكن أن نرى في مصر مثل تلك المجموعات، التي قد تتصور أن بإمكانها مثلا المطالبة بحكم ذاتي أو طرد الشرطة، أو إقامة الشريعة في بعض الأحياء أو الشوارع، أو غير ذلك من أفكار صبيانية لا تستند إلى عقل أو فقه.
* إذن ترى أن «داعش» نفسها ليست موجودة في مصر؟
- لا، ليست موجودة.
* وماذا عن هؤلاء المنبهرين، ومن هم تحديدا؟
- عدد المصريين الذين ذهبوا إلى سوريا يقدر بالآلاف، ومن هناك قد يذهبون إلى «داعش». وأكثرهم شباب من الجماعة الإسلامية وسلفية القاهرة، والأخيرة أغلبها «تكفيري» بالأساس. إلى جانب شباب من حركة «حازمون» (تيار أسسه الشيخ السلفي حازم صلاح أبو إسماعيل، وهو قيد المحاكمة حاليا في عدد من قضايا العنف).
ورأينا أن أغلب التكفيريين في مصر انضموا إلى أبو إسماعيل، حتى الظواهري نفسه أيده، ثم طلب من مرسي أن يعينه نائبا للرئيس. ربما لم يكن يعلم أبو إسماعيل أن هؤلاء من التكفيريين لأنه ليس له خبرة في الحركات الإسلامية، وكان كل ما يهمه أن يكون رئيسا لمصر فقط، سواء بالتكفيريين أو بغيرهم، بينما هو غير جدير بأي شيء.
* وكيف تواجه مصر هذا التهديد؟
- على الدولة المصرية أن تجد حلا لهؤلاء الآلاف. فلو قالت إن كل من سيعود سيذهب إلى السجن، فسيذهبون إلى «داعش»، ونكون أعطيناهم وقودا جديدا. لكن الحل هو إيجاد صيغة لعودة هؤلاء، بما لا يضر الوطن.
ونحن في مبادرة منع العنف صنعنا ذلك (في التسعينات من القرن الماضي)، وأعيد الآلاف من الخارج بسلام وأمان.. من كان عليه حكم بسيط قضاه معززا ثم خرج، ولم يصنع هؤلاء أي شيء بعد ذلك. وهي تجربة جديرة بالبحث والدراسة، وليس في مصر فقط، لأن «داعش» تحول إلى تنظيم متعدد الجنسيات، والآن نرى اتهاما لبريطاني بقطع رأس الصحافي الأميركي جيمس فولي على سبيل المثال.
وهذا التعدد في الجنسيات قد يسفر عن تنازعات داخل التنظيم، حيث رأينا أن أحد أعضاء التنظيم اعترض على قطع رأس الأميركي، فقام التنظيم باتهامه بالخيانة وذبحه عقابا على اعتراضه.
* وكيف ترى الفكر التكفيري عند «داعش»، وما مستقبلها؟
- فكر التكفير عند «داعش» هو فكر إقصائي تماما، لا يقبل أي تعددية. على عكس الإسلام الذي أقر عدة تعدديات، منها التعددية الفقهية والسياسية والفكرية وحتى الدينية، وهي أعلاهم، كما في قوله تعالى «لكم دينكم ولي دين».
«داعش» فكرها في أي خلاف هو «كفر أو إيمان»؛ في حين كان السلف والصحابة يعملون بمنطق «الراجح والمرجوح»، وكما قال الإمام الشافعي: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
وهذا المنهج الإقصائي شديد التطرف هو أول بداية لهدم «داعش»، وذلك فهي تحمل بذور فنائها الداخلي. كما أن لنا في التاريخ أسوة، فجماعات الخوارج والتكفير كانت لها جيوش عبر التاريخ، لكنهم لم يكونوا أي دولة طوال تاريخ الإسلام، وذلك لأن الدولة لا تقوم بالسلاح وإنما بالفكر أساسا.
ورأينا كيف يهدم الـ«داعشيون» قبور الأنبياء، كما قامت طالبان سابقا بتفجير تماثيل في أفغانستان، وأحرق المتطرفون المخطوطات الصوفية في مكتبات مالي، وحرمت «بوكو حرام» التعليم في أفريقيا، هم أعداء للفكر والثقافة والعلم، ولا يمكنهم بناء دولة.. في حين إن عمرو بن العاص حضر إلى مصر ورأى الأهرام والتماثيل وغيرها، وتركها، رغم أنه كان أولى بهدمها لو رأى فيها ما يخالف الدين.. لكنه كان يؤمن أن الحياة لا تقوم إلا بهذه التعددية.
أيضا «داعش»، إلى جانب أعدائها الدوليين، لها الآن 17 عدوا إقليميا، حسبما حصرتهم في دراسة. وهذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لم يقاتل على جبهتين أبدا. وبعض هذه العداوات ناجمة عن خطابها السخيف الساذج، فيما خاطب الرسول زعماء عصره من الروم والفرس بما يليق بهم.
* وكيف تفند فقهيا ما يدعى بـ«الخلافة الداعشية»؟
- هذه سذاجة وابتذال لمعنى الخلافة، كما ابتذلوا وأساءوا لمعاني مثل الجهاد، الذي حولوه إلى قتل وجماجم، بدلا من الذود عن الأوطان. وفعلها أيضا الملا عمر (زعيم طالبان الأفغانية، الذي نصب نفسه أميرا للمؤمنين)، وكان ذلك أكبر من حجمه ومكانته؛ بل ومكانة أفغانستان أيضا.
وكيف يقول زعيم «داعش» إنه خليفة بينما يسيء إلى معنى الخلافة؟ وفي دراسة كتبتها عن المقارنة بين خلافة «داعش» المزعومة والخلافة الراشدة في عهد عمر بن الخطاب، رأينا أن عمر أنصف ابن المسيحي على ابن واليه على مصر عمرو بن العاص، وكاد يضرب عمرو ليقيم معنى العدل والرحمة والتسامح وقبول التعددية واحترام الآخر.
ثانيا، هل هناك خليفة لا نعرف مؤهلاته؟ ولا نعرف عنه شيئا؟ هل هناك خلافة لا تصنع أي شيء يفيد الناس، أو حتى معدة من معدات الحرب التي يخوضونها بسلاح الغرب الذي يصفونه بالكفر؟
أيضا الخلافة الآن بالصورة التي يتصورها البعض غير ممكنة، لأنه لا يمكن دمج مؤسسات الدول مثل الماضي. لكن الصورة الوحيدة الممكنة لإقامة الخلافة حاليا، وذلك بحسب رأيي ورأي كثير من العلماء، هي صورة على غرار الاتحاد الأوروبي، أي عملة نقدية موحدة، ثم حلف عسكري على غرار الناتو أو غيره، ثم سياسة موحدة، على أن تحتفظ كل دولة بكيانها ومؤسساتها.
* إذا كان لـ«داعش» كل هذه العداءات، فما الذي يعوق تنفيذ مبادرات جدية لمكافحة الإرهاب، مثل مبادرة خادم الحرمين لتأسيس مركز دولي لمكافحة الإرهاب، هل هناك قوى دولية معروفة تقف خلف ذلك؟
- هناك قوى دولية وإقليمية تريد تفتيت المنطقة، فالحقيقة أن الصراع العربي - الإسرائيلي القديم تحول إلى صراع عربي - عربي، وإسلامي - إسلامي، وسني - شيعي، ومذهبي. والآن تتمزق الدول من الداخل بفعل هذه المجموعات، التي لم تقدم صورة طيبة عن الإسلام ولكن أساءت إليه ونفرت العالم منه.
وكقاعدة، جميع المجموعات التكفيرية والميليشيات تكون فاعلة في هدم الدول؛ لا إقامتها.
* هل ترى أن القصور في مواجهة الإرهاب في دولنا هو أمني أم سياسي أم دعوي بالأساس؟
- الأسباب كثيرة، منها مثلا حينما تستبد جهات بالدعوة بينما هي أضعف من القيام بذلك. ومنها الإعلام، حيث يطعن بعض الإعلاميين في الدين عن غير علم.
كل ذلك إلى جانب حالة «الانسداد» السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حين نرى أن هناك خرجين لا يجدون عملا، فإن ذلك يفتح بابا للتكفير والتطرف.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.