التسوية الرئاسية تتعثّر... و«سيدر» ينتظر وفاقاً لبنانياً

وسط اتهامات لباسيل بالتصرف طليق اليدين بلا ضوابط

TT

التسوية الرئاسية تتعثّر... و«سيدر» ينتظر وفاقاً لبنانياً

ما زالت التسوية التي توصّل إليها رئيس الحكومة سعد الحريري مع العماد ميشال عون وأدت إلى انتخاب الأخير رئيساً للجمهورية تتموضع في منتصف الطريق وتتأرجح بين هبّة باردة وأخرى ساخنة رغم أنها أنهت الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية وقطعت الطريق على انهيار البلد وأعادت انتظام مؤسساته الدستورية من دون أن تخطو بخطوات سريعة في اتجاه إنقاذه على مراحل من أزماته الاقتصادية والاجتماعية بسبب التباطؤ في توفير الشروط والاستجابة لما ورد في مقررات مؤتمر «سيدر» التي تؤسس للانتقال به تدريجياً إلى بر الأمان.
فالمسؤولية لا تقع على عاتق الرئيس الحريري الذي قدّم التضحية تلو الأخرى على طريق إنقاذ البلد في مقابل عدم معاملته بالمثل من «التيار الوطني الحر» الذي ما انفك يتعامل معها على أنها الطريق المؤدية إلى إلغاء خصومه في الساحة المسيحية وتقليص نفوذ الآخرين بذريعة استعادته لحقوق المسيحيين.
ومع أن الرئيس الحريري ليس في وارد الدخول في صدام مع الرئيس عون ويحرص على اتّباع سياسة الصبر، نافياً كل ما يقال عن وجود خلاف بينهما، فإن رئيس «التيار الوطني» وزير الخارجية جبران باسيل لا يتصرّف لإنجاح هذه التسوية وتنقيتها من الشوائب وهو لا يزال ينطلق من حسابات سياسية خاصة به، وإلا لماذا كل هذا الودّ الذي يسود علاقته بالآخرين باستثناء «حزب الله».
وفي هذا السياق، ينقل وزراء عن عدد من سفراء الاتحاد الأوروبي المعتمدين لدى لبنان، توجّسهم من السياسة التي يتّبعها باسيل على المستويين الداخلي والخارجي، ويتصرف وكأنه طليق اليدين وأن ليس هناك من يضبط أداءه الذي يتسبب في إحراج الحكومة من خلال التفافه على سياسة النأي بالنفس التي التزمت بها في بيانها الوزاري وبعضها لا يلقى أي تأييد من الرئيس الحريري الذي وإن كان يفضّل عدم الدخول في السجالات الداخلية ويحصر اهتمامه بتحضير البلد ولو متأخراً للإفادة من مؤتمر «سيدر» الذي رسم خريطة الطريقة للنهوض به من أزماته الاقتصادية والاجتماعية.
ويحاول الرئيس الحريري بكل ما أوتي من إمكانات وصلاحيات توفير الحماية للتسوية السياسية التي مهّدت الطريق مع قوى أخرى لانتخاب عون رئيساً للجمهورية بخلاف ما كان أعلنه الوزير باسيل من أنه لولا «حزب الله» لما انتخب رئيساً، رغم أن قوله هذا يدعم مقولة جهات إقليمية ودولية بأن الحزب يسيطر الآن على لبنان.
فوجود الرئيس الحريري على رأس حكومة العهد الأولى كما يقول الرئيس عون وفريقه السياسي لم يبدّل كثيراً من واقع الحال الذي كان سائداً خلال وجوده على رأس الحكومة التي شُكّلت فور انتخاب عون رئيساً باستثناء إقرار قانون انتخاب جديد اعتمد النظام النسبي وكان من نتائجه التي لم تفاجئ الرئيس الحريري حسم عدد من المقاعد من حصته النيابية لأن ما كان يهمّه هو إعادة الحياة السياسية إلى البلد.
وفي المقابل فإن الوزير باسيل الذي يسعى لتوظيف إمكانات الدولة لخدمة طموحاته الرئاسية لم يبدّل من سلوكه الذي اعتمده قبل إسناد رئاسة الحكومة إلى الحريري رغم أنه على تواصل معه، من دون أن ينسحب هذا التواصل على الشارع الذي يدين بالولاء لزعيم تيار «المستقبل».
لذلك يحاول الحريري منع سقوط الهيكل لأن سقوطه «لا سمح الله» لن يقتصر على فريق دون الآخر وهذا ما لا يأخذه باسيل بعين الاعتبار، وإلا لماذا أطاح بإعلان النيات الذي أبرمه العماد عون قبل انتخابه رئيساً مع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، إضافة إلى أن تفاهمه مع «المستقبل» يتعرض من حين لآخر إلى اهتزاز رغم أن الحريري يحاول أن يمنع العبث به.
ورغم السياسة الإلغائية التي تتحكّم بسلوك باسيل في الحكومة وخارجها، فإن الأخير يتعامل مع التعيينات الإدارية على أنه «الممثل الشرعي الوحيد» للمسيحيين ويريد السيطرة عليها، مع أن تياره السياسي لم يحصد أكثر من 32 في المائة من أصوات الناخبين المسيحيين في الانتخابات النيابية الأخيرة. كما أن علاقته برئيس المجلس النيابي نبيه بري تقوم على «القطعة» وهذا ما يفسّر تأرجحها وعدم استقرارها، ولا تقع المسؤولية على الأخير بمقدار ما أنها تعود إلى رغبة الوزير في «تنعيم» مواقف الآخرين لعله يدفع بحليفه «حزب الله» بأن يمنحه الأفضلية في منافسته على رئاسة الجمهورية مع زعيم تيار «المردة» الوزير السابق سليمان فرنجية ظنّاً منه أنّ تفوقه عليه سيقود حتماً إلى كسب تأييد النظام في سوريا له ومن خلاله محور «الممانعة».
ولهذا، يضع باسيل كل اللوم على الآخرين ويحمّلهم مسؤولية إعاقة قيام مشروع الدولة وإطلاق المشاريع التي تنقل لبنان من التأزّم إلى الانفراج، وهو يقدّم نفسه على أنه يشكّل رأس حربة لمكافحة الفساد وهدر المال العام مع أن تياره السياسي تسلّم وزارة الطاقة منذ عام 2010 من دون أن ينجح في إعداد خطة للكهرباء لا تقوم على الحلول المؤقتة من خلال استقدام البواخر لتوليد الكهرباء.
والأنكى أن باسيل دعا، في اللقاء الذي جمع تياره السياسي والحزب «التقدمي الاشتراكي» في كنيسة سيدة التلة في بلدة دير القمر الشوفية وفي حضور رئيسه وليد جنبلاط، للانضمام إلى التفاهمات التي عقدها «التيار الوطني» مع عدد من القوى السياسية، لكنه سارع إلى إحباط دعوته بقوله في اللقاء إنه وضع إكليلاً من الورد على أضرحة شهداء عام 1840 في إشارة إلى الحرب التي دارت بين المسيحيين والدروز والتي بلغت أشُدّها عام 1860.
إلا أن جنبلاط تجنّب الرد عليه لأن ما يهمّه تكريس المصالحة في الجبل والتي كان رعاها البطريرك الماروني السابق نصر الله بطرس صفير ولم يعترف بها باسيل واعتبرها منقوصة لعدم مشاركة «التيار الوطني» فيها.
وحده رشيد جنبلاط ردّ على باسيل، وهذا ما دفع ببلدية دير القمر إلى إصدار بيان وكأن اللقاء في سيدة التلة لم يحصل، وهذا ما يرتد سلبا على المصالحة ويعيد الاحتقان، مع أن جنبلاط هو ابن خال النائب طلال أرسلان وتربطه علاقة وطيدة برئيس حزب «التوحيد العربي» الوزير السابق وئام وهاب، وبالتالي لا يمتّ بأي صلة حزبية لـ«التقدمي الاشتراكي».
ولم يبق الردّ في هذا الإطار بل سارع وزير المهجرين غسان عطا الله - التيار الوطني - إلى القول إن المسيحيين يخشون تمضية الليل في بيوتهم في الشوف وعالية، مع أن عطا الله كان وراء التحضير للقاء الذي استضافته كنيسة سيدة التلة.
وعليه، هل بهذه المواقف يمكن دعوة «التقدّمي» للانضمام إلى التفاهمات التي عقدها «التيار الوطني» والتي لم يصمد منها سوى تفاهمه مع «حزب الله»؟ وما الغاية من محاولة الوزير عطا الله تنظيم لقاء متلفز في مقام النبي أيوب في بلدة نيحا الشوفية اضطر إلى صرف النظر عنه لعدم استجابة مشيخة العقل في طائفة الموحّدين الدروز التي أبلغته ترحيبها بزيارته لهذا المقام من دون همروجة متلفزة؟
لذلك، فإن باسيل من وجهة نظر وزراء هم على خلاف معه، لا يتناغم إيجاباً مع كل ما هو مطلوب لوقف هدر الوقت الذي يعيق توظيف لبنان لمقررات «سيدر» في خدمة الجهود الرامية لمساعدته للنهوض من أزماته الاقتصادية. ويقول هؤلاء إن باسيل يتحرّك على موجة أخرى ويخطّط منذ الآن لخدمة طموحاته الرئاسية، وبالتالي فهو يقدّم نفسه على أنه وزير الوزراء، رغم أن الحريري يسعى لاستيعابه للحفاظ على الاستقرار وبغية تمكين الحكومة من اجتياز الاختبار الذي تخضع لتأديته أمام «سيدر» بنجاح ما يضع البلد على خانة تجاوزه للأزمات التي يبحث عن حلول لها.
ويتساءل هؤلاء عن الجدوى من قول باسيل في المهرجان البلدي البيروتي الذي نظّمه له «التيار الوطني» أول من أمس، إن بيروت ستبقى واحدة موحّدة لكل لبنان لكن لا مانع من تقسيمها انتخابياً وبلدياً ومالياً، وهل يمضي قدماً إلى تحقيق اللامركزية السياسية إنما بغطاء إداري!
فهل يخدم باسيل التوجّه للإفادة من «سيدر» الذي كان للحريري الدور الأول في انعقاده وهو مطالب من المجتمع الدولي بإنقاذه لأنه المؤتمن عليه؟



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.