«القرصنة البيولوجية»... بدعة تزداد شعبية

تهدف إلى تعزيز سيطرة الإنسان على صحته عند شعوره بالتعب من العالم الخارجي

«القرصنة البيولوجية»... بدعة تزداد شعبية
TT

«القرصنة البيولوجية»... بدعة تزداد شعبية

«القرصنة البيولوجية»... بدعة تزداد شعبية

يومياً ولمدّة 45 دقيقة، يقصد لاعب الهوكي الأميركي المخضرم دانكن كيث، ما يسمّيه «مختبره» حيث يقوم بالاستفادة من «مجموعة من الأشياء اللازمة له للحفاظ على صحّته»، كما يقول. ومن بين هذه الأشياء، حسب مقابلة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، غسل نفسه بالأشعة دون الحمراء، والتمدّد لثماني دقائق على فراش يبثّ «تيارات كهرومغناطيسية»، وتناول مكمّلات غذائية كالـ«غلوتاثيون glutathione» وفيتامين سي، والسوائل العشبية مثل الـ«آشواغاندا ashwagandha».
ويضيف كيث في مقابلته مع الصحيفة: «أحياناً، أنام ليلاً وأنا متصل بجهاز لاستنشاق الهيدروجين... أنا قرصان بيولوجي، ولاعب هوكي بدوام جزئي. الحياة تصبح أفضل بكثير بمساعدة العلم».

القرصان البيولوجي
مصطلح «القرصنة البيولوجيةbiohacking »، وتابعه «القرصان البيولوجيbiohacker »، يشير إلى العلاقة الوطيدة مع ثقافة القراصنة الإلكترونيين، إلا أنه يُستخدم هنا كنزعة للبحث عن وسائل جديدة وذكية لتنفيذ أعمال من قبيل «الأعمال البيولوجية التي ينفّذها الإنسان بنفسه». وحقّق المصطلح انتشاراً واسعاً حتى اليوم.
وقد راكم مبدأ القرصنة البيولوجية رصيداً كبيراً في الثقافة الشعبية خلال العقد الماضي، بطرح منطلقات جديّة لتطبيق جوهر القرصنة التقنية في مجال علوم الأحياء.
وتطورت هذه المنطلقات على يد مجموعة صغيرة من الرجال الأصحاء والميسورين الذين يستطيعون إيجاد اختصارات لكلّ شيء، حتى أنفسهم! ومنذ ذلك الحين، تجاوزت هذه المنطلقات مرحلة التجارب الشخصية العادية وتحوّلت إلى منتجات تستخدم في روتين حياتنا اليومية مثلما نستخدم القهوة.

بدعة تجارية
تختلف القرصنات البيولوجية باختلاف المنصّات الإلكترونية التي تتابعونها، ويمكن أن تتراوح بين استجلاب «المياه الخام غير المكررة»، والتدلّي رأساً على عقب بهدف «قرصنة الدماغ» عبر زيادة تدفّق الدمّ (بحجة أنّ عدم تلقّي دماغكم للكمية الكافية من الدمّ قد يشير إلى تعرّضكم لجلطة دماغية)، إلى رصد كلّ ما يدخل ويخرج من جسمكم بشكل هوسي، يمكن اعتباره هوساً مَرضياً. وكما هو الحال مع المصطلحات الشعبية، تحوّلت القرصنات البيولوجية إلى مشاريع تجارية، كالترويج لشراب «سويلنت Soylent» على أنه «بديل للوجبة الغذائية»، وكذلك بوليصة التأمين «إنشور فور ميلينيالز Ensure for Millennials» على أنّها قرصنات بيولوجية.
كما تحوّلت هذه الأخيرة إلى عالم ترويجي صاخب يُستخدم لبيع «مكمّلات غذائية» غير خاضعة لشروط قانونية ولإعادة تعليب منتجات قديمة كالقهوة مع الزبدة. وإن كان المستهلكون قد أخذوا منذ زمن بعيد بإضافة الحليب إلى القهوة، فإن النسخة الجديدة من هذه الإضافة أغلى ثمناً ومهمتها قرصنة دماغكم.
وكأي موضة عابرة تسعى إلى بيع اختصاراتها لعالم الأحياء، أو أي منطلقات حياتية تدّعي قدرتها على اختصار عمل صعب، يحاول القراصنة البيولوجيون اليوم بيع نصائح صحية غير مجرّبة (أو على مبدأ «لقد نفعتْني أنا») في محاولة منهم لتحويلها إلى علم قائم. ولكن غالباً ما تكون النتيجة النهائية هدراً للأموال والوقت دون مكاسب.

نصائح طبيعية صحية
في المقابل، لا ينفي هذا الاستغلال التجاري أهمية مبدأ القرصنة البيولوجية لجهة سيطرة الإنسان على صحّته في الأوقات التي يشعر فيها بالتعب من العالم الخارجي. لذا، للحصول على هذه الفوائد الصحية إلى جانب فوائد بيولوجية حقيقية، إليكم أهمّ القرصنات البيولوجية، والتي تعد طبيعية بالكامل، على عكس القرصنات التجارية التي يروَّج لها اليوم. لا تأتي هذه القرصنات بترتيب محدّد لأنّ جميعها يتمتّع بقوّة مؤثرة.
> النوم: يسهم النوم (الذي يقال إنه يسهم في «تنظيف الدماغ») في إطالة عمر الإنسان ويساعد في الوقاية من أمراض كثيرة، خصوصاً أن قلّة النوم تضعف جهازكم المناعي... هذا دون أن ننسى أنّ النوم لا يتطلّب منكم أي جهود أو أموال.
للحصول على نوم صحي، خصِّصوا الساعة الأخيرة من يومكم للأمور غير المرتبطة بالعمل لتهدئة دماغكم. أنا يمكن أن أسميها «الساعة المذهلة».
> تمضية الوقت في الطبيعة: لا تزال قرصنة الطبيعة لعقول البشر مفتوحة على أسئلة كثيرة، ولكنّ تأثيرها واضح ومنطقي جداً. إذ تَبيّن أنّ إمضاء الوقت في الطبيعة يقلّل الاكتئاب ويزيد نسبة الشفاء بعد العمليات الجراحية إلى جانب مكاسب كثيرة أخرى.
> النشاط البدني: اختاروا الأفضل بالنسبة إليكم؛ ما الأمور التي تستمتعون بها ويمكنكم الاستمرار بممارستها ضمن وضعكم الجسدي وجدول أعمالكم؟ إنّ المحافظة على النشاط البدني المستمر تعني أنّكم تسيرون بالاتجاه الصحيح. يجب أن تحافظوا على نشاطكم قدر الإمكان.
> تناوُل طعام جيّد: يتألف الطعام الجيّد من مزيج من الطعم اللذيذ، والثقافة، والتمثيل الغذائي الفردي. من وجهة النظر الغذائية، يحصل البشر على غذائهم من مجموعة متنوعة من الأشياء القابلة للأكل. ويبدو أنّ الأشخاص الذين يستهلكون كمية أقلّ من الأطعمة الصناعية ويكثرون من الوجبات النباتية يعيشون لمدّة أطول ويتنعّمون بحياة صحية أكثر.
يمكنكم أيضاً الاستفادة من بعض النصائح في هذا المجال كتناول الطعام مع المجموعة، وتخصيص وقت للطهي والأكل برويّة، ودراسة العامل البيئي عند استهلاك الغذاء.

تحقيق السعادة
- الشعور بالهدف: إنّ السعي لتحقيق السعادة ليس بقرصنة بيولوجية، ولكنّ السعي خلف تحقيق الهدف كذلك.
قد يكون الفارق في هذه الحالة طفيفاً لأنّ البشر الذين يملكون هدفاً في حياتهم يميلون غالباً إلى الشعور بالسعادة. ولكنّ النيات الأساسية هي العنصر الأهمّ. ففي حال سعيتم إلى تحقيق السعادة نفسها، سيقودكم الجزء المنفعي من دماغكم الأوسط إلى الطريق الأمثل للحصول على أقوى جرعة من «الدوبامين». يحصل المستهلكون غالباً على هذه الجرعة من المواد الكحولية والمخدرة، ومن شاشات الأجهزة الإلكترونية، مما قد يؤدي إلى الإدمان، فيبطل تأثيرها بعد مدّة محدّدة من الزمن. ولكنّ السعي وراء تحقيق هدف ما يقلب هذا المفهوم. إذ عندما تسعون خلف أمر لا يزوّدكم بمنفعة مباشرة ويعدكم بمكاسب لاحقة، تنتظر الناقلات العصبية بدورها هذه المكاسب.
> معايشة الناس وربّما الحيوانات الأليفة: أحببتم هذا الأمر أم لم تحبّوه، يبني البشر علاقات تملأ الوقت الذي يمضونه على هذا الكوكب. وفي حال كانت هذه العلاقات لا تربطهم بمخلوقات لها قلوب تنبض، ستربطهم بأشياء مادية كالمواد المخدرة والشاشات. فقد اتضح أنّه وعلى الرغم من أن العلاقات مع البشر والحيوانات تتطلّب عملاً شاقاً، فإنها قادرة على قرصنة النظام الجسدي البشري بشكل مفيد للصحة والاستمرار. من ناحية أخرى، تبيّن أنّ العزلة الاجتماعية قد تؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب والتهاب المفاصل والسكري من النوع الثاني والخرف والانتحار.
> البحبوحة: تعد البحبوحة أو الرفاه المادي من أهمّ القرصنات البيولوجية. فقد تبيّن أن الأشخاص الميسورين يعيشون لفترة أطول من الأشخاص الذين لا يملكون ما يكفي من المال لتأمين الغذاء الصحي ويشعرون بالتوتر المستمرّ حول أمور شائعة كتسديد الإيجار أو خسارة أجرة يوم عمل. على مرّ التاريخ، اعتُبرت الثروة أحد أهمّ عوامل التنبؤ بالأوضاع الصحية عالمياً.

- «ذا أتلانتيك»،
خدمات «تريبيون ميديا»



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».