«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري

زياد حمامي يعود إلى «اليهودي الحلبي» في روايته الجديدة

«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري
TT

«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري

«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري

«لماذا علينا أن نهرب؟ هل ديانتنا اليهودية جريمة نستحق عليها القتل أو الإعدام أو الذبح؟ هل علينا أن نهاجر كما حدث في بداية الثمانينات؟»
في رواية زياد كمال حمامي (قيامة البتول الأخيرة - الأناشيد السرية - 2019) تجأر بهذه الأسئلة ليزا - أو الموناليزا كما يناديها عاشقها عبد السلام - على إيقاع الزلزال السوري المتفجر منذ ثماني سنوات. وعلى هذا الإيقاع يجأر العاشق الرسام السريالي: «ما هذه الحرب المؤلمة؟ طرف يقول إنها ثورة، والطرف الآخر يصفها بالأزمة والفتنة، وطرف ثالث يعتنقها جهاداً، وآخر يعدها احتلالاً، وأطراف تؤكد أنها فوضى».
عندما كتبتُ عن يهود حلب في الرواية («الشرق الأوسط 14-1-2019») لم أكن قد قرأت رواية «قيامة البتول الأخيرة»، فلم أذكرها، ولم يقم الكاتب الدنيا ولم يقعدها، لم يتّهم، ولم يشكك، لم يخوّن، ولم تنجرح نرجسيته، كما يفعل من قد لا تذكر روايته، ربما لأنك لا تراها جديرة حتى بالإشارة. أما زياد كمال حمامي فقد ذكّرني برواية قديمة له عن يهود حلب أيضاً، هي «الظهور الأخير للجد العظيم» - 1995.
تتصدر رواية «قيامة البتول الأخيرة» بمجزوء من رسالة الإله بعل، إله البرق والعواصف والمطر، تعود إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد: «سوريا بلدكم، أينما كنتم، وهذا حقكم، فحطّم سيفك، وتناول معولك، واتبعني لنزرع السلام والمحبة». وتتبأر هذه الرواية، من سوريا، في حلب، ومن حلب في حارة اليهود العتيقة (المندرة)، حيث تقطن مجموعات مختلفة في الدين والعرق. ومنذ البداية، غزل الكاتب للرواية رمزاً هو أيضاً إيقاع، عبر شخصية البتول، أجمل بنات الحارة التي يقضي عليها القتلة انتقاماً من أبيها الموظف الذي يتصدى لجلاوذة الفساد. ولا تفتأ البتول تظهر ليرفد الرواية نسغٌ أسطوري بديع. وعلى هذا النحو تمور الرواية بشخصيات لا يُنسى الكثير منها، مثل العمياء الثريا التي (ترى) الأصوات، وتتفرس في الروائح، وأختها أم القطط التي تسمّي قططها بأسماء من حولها في الحارة، أو النونو المجنون الذي يروي أنه يسمع يومياً أصوات المغتصبات من ميكروفون مسجد الشيخ سيتا، أو الجقجوق المبتلى بالنيكروفيليا، أو الأب الروحي للحارة: الحاج عبد القادر الهلالي، وابنه يحيى عاشق البتول بصوفية.
وفي رأس الشخصيات اليهودية يأتي إبراهام فارحي، حارس معبد الصفراء الذي يحتفظ بنسخة من التوراة على رقائق. وقد كتب للوكالة اليهودية العالمية أن هذه النسخة هي أقدم النسخ في العالم، مثلما هو كنيس جوبر أقدم معبد يهودي في العالم. وهنا أشير إلى ما يتواتر في الروايات المتعلقة باليهود من علامات بعينها، كنسخة من التوراة، أو مخطوطات، وكذلك تهريب اليهود إلى إسرائيل... ويكون الرهان بالتالي على ما تبدع كل رواية في هذه العلامة أو تلك.
بحسب الرواية، أُغلق منذ أعوام كنيس حارة المندرة التي تهدمت محلاتها وسراديبها الخفية، وتتم حراسة الكنيس سرياً. وعلى الباب الحجري لبيت إبراهام الذي يناديه الجيران إبراهيم، نُقشت عبارة (دار آليازار فرحي بن أشعيا 1824). وسوف يشير الفلسطيني أبو الرمز إلى المفارقة في حارة المندرة، وفي غيرها، بحيث يحتفظ اليهود بدورهم ونقوشهم ومعابدهم، ويقول: «لهم الحق في كل شيء في حين أننا نسلب كل شيء».
ويسرد أبو الرمز اغتصاب منزله في القدس من قبل جماعة محاربي داود، ورسمهم المينورا بشمعداناتها السبعة على الجدار الخارجي للبيت الذي صار لعائلة يهودية مهاجرة من بولونيا، مما اعتبرته إسرائيل تحريراً واستعادة لأرض يهودية. وبذا، لا تُغفِل رواية «قيامة البتول الأخيرة) الأسَّ الإسرائيلي - بالأحرى الصهيوني - الذي تغفله رواية سواها، فتبتر الفلسطيني من المأساة، وتبكي اليهود، فيما لعله استجداء للترجمة والشهرة.
يتنبأ إبراهام لابنته ليزا بأن الخراب سيعم «وربما سنهاجر من سوريا كما هاجر أجدادك من الأندلس». ويرصد الرجل تبدلات أصدقائه بين من تحول من الماركسية إلى الدين، ومن ولغ في الفساد، ويخصّ بالقول صاموئيل الذي انتقل إلى دمشق وفتح فيها مشاريع ضخمة بالمشاركة مع ضباط... ويسرد إبراهام قصة رجل الأعمال الأميركي موطي كاهانا الذي ساعد أسرة يهودية على الهجرة السرية بجواز سفر رسمي سوري عبر لبنان إلى إسرائيل.
ويسرد إبراهام أيضاً قصة تهريب جيلدا اليهودية التي أسلمت لزواجها من مسلم فبحجة اقتراب «داعش» من حي الجميلية في حلب، منح الهاربون حق العودة عبر قنوات سرية هي ما يعرف بأبناء الحليب، لكن إسرائيل طردت جيلدا وزوجها غير عابئة باعتراض طومي كاهانا.
يفكر إبراهام الذي بات بلا أصدقاء بأخوة محفل الأم سلطانة، وبأخوة الحليب الذين يديرون البلد كالخاتم. وكان بنجامين الابن الوحيد لإبراهام قد هاجر إلى أميركا رغم معارضة والديه، بينما رفضت والدته روز الهجرة إلى إسرائيل. وروز تكره الحروب، وتفرق بين الدين اليهودي والصهيونية. وكان الحاج الهلالي في زمن مضى قد سقى إبراهام المريض من ماء زمزم، فتقبل اليهودي التقدمة، وعدّ ذلك تقاسما عفوياً للمقدس، وكان مثل ذلك أمراً مألوف بين المسلمين واليهود والنصارى، لولا سموم السياسة ومؤامرات السياسيين، كما يشرح السارد. لكن إبراهام سيتبدل في سنوات الزلزال، وينخرط في المؤامرة التي يحبكها الرجل الخفي، لنقل قطع أثرية مهمة من حلب إلى الخارج.
حول شخصية الفنان عبد السلام ينعقد الحضور اليهودي في الرواية على شخصيتي ليزا وسوزانا. وقد حاولت ليزا المبدعة في تصميم أطقم الذهب والألماس، والمشهورة بين العائلات الحلبية الثرية، أن تستميل عاشقها إلى (أبناء الحليب)، وعرضت عليه أن تدفع هي مهرها سلفاً كعادة بنات اليهود، دون (قينان) أي دون عهد أو شرط، وبلا (قدوس) أي بلا حفل زفاف، وأن يبقى زواجهما سراً بينهما. لكن ما يشغل عبد السلام هو الحرب التي ليس فيها قانون ولا عدالة. على أن ليزا ترسم لعبد السلام صورة أخرى يبدو تفسيره فيها لما يجري طائفياً، فهو، كما تقول ليزا، مسلم وسني يشتكي دوماً من «العنصرية الطائفية التي صارت قانوناً غير مدوّن».
على باب بيت إبراهام، ونشداناً للحماية الإلهية، عُلقت (الميزوزا)، وهي قطعة أسطوانية خشبية صغيرة، فيها مخطوط صغير دوّنت فيه أدعية توراتية. وإبراهام يريد اقتلاع الميزوزا تحاشياً للخطر، بينما تعترض زوجته، فمنذ عشرات السنين لم يعترض أحد على الميزوزا التي تميز بيت اليهودي. وبسبب الميزوزا التي تعلن الاختلاف الديني، لم تتمكن ليزا من مشاركة الجموع في تشييع صديقتها البتول.
قبل ليزا كانت السائحة الكندية سوزانا التي عمل عبد السلام لها دليلاً. وسيكتشف من بعد أنها يهودية، وأنها قد حملت منه وأنجبت، فيما يلتبس بالتآمر الذي ينضاف إلى تآمر إبراهام فارحي، دون أن تتجرّح الصورة التي كانت للّحمة الاجتماعية السورية. وقد مالت الرواية حيناً إلى التوثيق لهذه اللحمة، فطغت التأرخة على السرد. لكن زياد كمال حمامي جعل الرواية لا تفتأ تتقد وتتألق، سواء وهي تكتب اليهودي في حلب، والأرمني أيضاً، أم وهي تكتب الزلزال وتلوب بين الفاجع وبين السخرية الكاوية، لعل نبوءة العرافة خاتون تتحقق بقيامة حلب بعد الحرب، وهي التي كانت قد تنبأت بظهور سور حلب العظيم وتحويل حارة البندرة إلى صرح سياحي.
لقد شغلني طويلاً الحضور اليهودي في الرواية العربية. ومن ذلك ما كتبت عن روايات منها من المغرب «ملك اليهود» ليوسف فاضل، و«حارث النسيان» لكمال الخمشيلي، و«المرأة والصبي» للميلودي شغموم، ومن الجزائر «قدم الحكمة» لرشيدة خوازم، و«المخطوطة الشرقية» لواسيني الأعرج و«تماسخت دم النسيان» للحبيب السائح، و«قبر يهودي» لعمر بو ذيبة، و«يصحو الحرير» لأمين الزاوي. ومن الكويت «حجر على حجر» لفوزية شويش السالم، ومن اليمن «اليهودي الحالي» لعلي المقري، ومن مصر «أميركانلي» لصنع الله إبراهيم، ولجمهرة من سوريا ابتداءً برواية «أعدائي» لممدوح عدوان. وإلى ذلك كان الحضور اليهودي شاغلاً لي في رواية «مدارات الشرق» في أجزائها الأربعة، من يهود دمشق إلى يهود الجولان إلى يهود القامشلي، في النصف الأول من القرن العشرين. وكذلك في رواية «مجاز العشق» وفي رواية «في غيابها». ولعل التذكير بكل ذلك يعزز المدونة الروائية والنقدية لحضور اليهودي، والتي تعد رواية «قيامة البتول الأخيرة» إضافة هامة لها.



فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما
TT

فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة في تطوّر أنظمة الحكم، ووضع في نهاية هذا المسار «الإنسان الأخير» الذي أشبع حاجاته المادية وظلّ أسير القلق على مكانته ومعنى وجوده، لتجتمع في الفكرة ثقة بانتصار النظام وشكوك في قدرة الإنسان على الرضا بالحياة التي يتيحها.

ومن هذا التوتر تكتسب مذكراته «في عالم الإنسان الأخير»، التي صدرت للتو، أهميتها، إذ تصل بين لحظة قدّم فيها الليبرالية بوصفها أفق البشرية النهائي، وأخرى يعود فيها إلى سيرته وسط صراع على شروط بقاء ذلك النظام، بعدما انتقل السؤال من فرص تعميم الديمقراطية إلى القوى التي تعمل على تفكيكها من داخل مؤسساتها، ومن وعد المستقبل المشترك إلى النزاع على الثروات والقدرة على تقرير المصير.

تتبع المذكرات تكوينه الفكري في محيط الفيلسوف ألان بلوم بجامعة كورنيل، والتحاقه بمؤسسة «راند» ودوائر السياسة الخارجية الأميركية، ولقاءاته مع شخصيات امتدت من معمر القذافي إلى النخب الصينية، فتمنح طروحاته سياقاً اجتماعياً ومهنياً يلحظ قرب إنتاج المعرفة من صناعة القرار في الولايات المتحدة. ويكتسب هذا المسار دلالته حين يقترن بتاريخ أسرته اليابانية الأميركية واعتقال أقارب له خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تدخل التجربة الذاتية إلى قلب السؤال عن معنى الدولة التي تنظّر لحقوق الإنسان بينما تعيد ترتيب مواطنيها بحسب أصولهم ومنابتهم وفق الظرف السياسي.

يستعيد فوكوياما وصوله إلى كاليفورنيا عام 1978 للتدرّب في «راند»، حيث أعدّ دراسة عن علاقة العراق بالاتحاد السوفياتي، قبل أن يصبح العراق لاحقاً سبباً في قطيعته مع المحافظين الجدد. وهذا التجاور بين البدايات المهنية والمراجعات الفكرية اللاحقة يتيح قراءة سيرة مفكر تشكّلت أحكامه داخل المؤسسات، ثم دفعته نتائج السياسات التي ساندها عندئذ إلى إعادة فحص تصوّراته عن معنى القوة ونتائج التغيير، بما يجعل المذكرات مناسبة لمساءلة المسؤولية التي يتحمّلها الفكر حين يمنح المشاريع السياسية لغة الحتميّة التاريخية.

ويتصل تراجعه عن تأييد غزو العراق بمراجعته اقتصاد السوق المنفلت عقب أزمة 2008، فتلتقي حدود القوة العسكرية بحدود الثقة في التنظيم التلقائي للاقتصاد. وتتيح هذه المراجعات الفكريّة تحويل الاهتمام من افتراض سهولة انتشار النموذج الليبرالي إلى تعقيد الشروط التي تمنحه الاستقرار، وفي مقدمتها كفاءة الدولة ومحاسبة السلطة وتماسك المجتمع، وهي شروط تجعل الدفاع عن الديمقراطية مهمة مفتوحة على التعديل والجدل والتغيير.

وتتيح هذه المراجعات العودة إلى الأساس الفلسفي لأطروحة «نهاية التاريخ»، التي قدّمها فوكوياما في مقاله عام 1989 ووسّعها في كتابه عام 1992، مستنداً إلى قراءة هيغل عبر ألكسندر كوجيف، ورابطاً حركة التاريخ بالسعي إلى الاعتراف الذي رأى في المساواة القانونية والحكم برضا المحكومين استجابة له، فتتركّز المحاكمة النقدية على القفزة من جاذبية هذين المبدأين إلى اعتبار الديمقراطية الليبرالية صيغتهما المؤسسية المكتملة والنهائية.

لقد رفع فوكوياما أزمة النموذج السوفياتي وصعود الثقة بانتصار الغرب إلى منزلة تتيح الحكم على التاريخ بأسره، فتحوّلت الغلبة السياسية المرحليّة إلى برهان فلسفي، واكتسب المنتصر سلطة تعريف المستقبل وقياس المجتمعات بمقدار اقترابها منه. وتكمن مشكلة هكذا طرح في اختزال التجربة الإنسانية داخل معيار يستمد صورته من مجتمعات بعينها، ثم يرفع مؤسساتها إلى مرتبة الأفق العالمي، بينما تتشكّل الحرية الإنسانية عملياً من صراعات محلية على الأرض والعمل والتعليم والتمثيل، وتظلّ حصيلتها قابلة لإنتاج ترتيبات تتجاوز الأشكال التي استقرّت عليها الديمقراطيات الغربية بشكلها المعاصر. وتترتب على هذا التصوّر الفوكويامي القاصر تكلفة سياسية حين تعتبر مطالب التغيير الاقتصادي خروجاً عن العقلانية، ويصار إلى قصر الخلاف المشروع على إدارة النظام القائم، فتكتسب خيارات الخصخصة وتقليص الحماية الاجتماعية صفة الحقائق التقنية، بينما تُكنس الأسئلة المتعلقة بمن يستفيد ومن يدفع الثمن إلى هامش النقاش العام وخارج مجالات التأثير الانتخابي.

ويظهر التناقض الأشدّ عند فحص العلاقة بين المساواة السياسية وتراكم الملكية الخاصة، إذ يحصل المواطنون على أصوات متساوية في الاقتراع، فيما تتفاوت قدرتهم على تمويل الحملات وامتلاك وسائل الإعلام والتأثير في السرديات السائرة. وحين تستطيع الطبقة المتنفذة تحويل امتيازها الاقتصادي إلى واقع تشريعي، تصبح الإرادة العامة محكومة بميزان قوى يسبق الانتخابات ويرجّح كفّة مصالح بعينها في نتائجها.

ولذلك تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً يستحق المساءلة، لأنها تتخيّل إنساناً أشبع حاجاته المادية ثم أصابه الضجر وفقدان الغاية، بينما ينشغل القطاع الأوسع من سكان المجتمعات الغنية بتكاليف السكن والعلاج والعمل المتقلّب. وتختلف أزمة العامل القلق على أجره عن أزمة المستهلك المرفه الباحث عن الإثارة حتى حين يلتقي الاثنان في التصويت الاحتجاجي، ولذلك يصبح ردّ الغضب الشعبي إلى الحاجة للاعتراف أقرب إلى تفسير جزئي يفتقد ربطاً موضوعياً بمواقع الناس داخل الاقتصاد وبقدرتهم على السيطرة على زمنهم وحياتهم.

يمنح فوكوياما هذا الجوع للاعتراف مكانة مركزية، مستعيداً مفهوم «الثيموس» بوصفه طلباً للكرامة والتقدير، كما وضع داخل تصوّره للإنسان الأخير احتمال التمرّد على الرضا المادي نفسه. وتكشف هذه الفكرة عن توتر آخر في بناء أطروحة «نهاية التاريخ»، إذ يحمل النظام المفترض اكتماله دوافع الاعتراض عليه في تكوين الإنسان الذي يسكنه، وتصبح النهاية عندئذ تسوية تحتاج إلى تجديد متتابع، بينما يستمر المجتمع في إنتاج تفاوتات تغذّي المطالبة بالمساواة أو الرغبة في التفوّق والسيطرة على الآخرين. وتستثمر الشعبوية هذا التوتر حين تمنح الإحباط الاجتماعي غلافاً قومياً وتختار لتوجيه الغضب عدواً قريباً، لتتحوّل مسائل مثل فقدان الوظيفة أو تراجع المكانة، أو تضخم الأسعار إلى رواية عن أمة تهددت عظمتها، والمهاجر أو الأقلية بوصفهما تفسيراً جاهزاً معلباً لتلك الخسارات.

على المستوى العالمي، تطرح التجربة الصينية، لا سيما في الفترة ما بعد تدبيج مقال الـ1989 سؤالاً عن اقتران التحديث الاقتصادي بالحريات السياسية، بعدما جمع مسارها بين الاندماج في الأسواق الدولية واستمرار سلطة الحزب الواحد، مقدّماً مادة لا يمكن تجاهلها لاختبار الصلة المفترضة بين الرأسمالية والديمقراطية. ويكفي هذا النموذج المغاير لإعادة فتح النقاش حول تعدّد الأشكال التي يستوعبها الاقتصاد الحديث، بغض النظر عن قيم الحقوق والمحاسبة والحريات الفردية وحدود مشاركة المواطنين في الحكم.

وتضيف أزمتا المناخ والتقنية المعاصرة أسئلة تتجاوز قضية ترتيب الانتخابات إلى تحديد أصحاب القرار الحقيقيين بشأن شروط الحياة والعمل، إذ تتوزّع تكاليف التحوّل البيئي ومكاسب الأتمتة وفق علاقات الملكية والقدرة على فرض الأولويات. فحين تمتلك شركات قليلة حق احتكار المرور إلى التواصل والمعرفة، يصبح المجال العام نفسه خاضعاً لقواعد تجارية خاصة، دون أن تمتد الرّقابة الشعبية إلى تلك البنية، ما يعزل الديمقراطية عن الاقتصاد والتقنية، ويحتجز إمكان تطورهما في اتجاه الاستجابة لمطالب نشأت من تطوّر المجتمع ذاته.

ربما يتبقى من فكرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» قوة السؤال عن الاعتراف ورضا المحكومين، لكن ادعاء اكتمال التجربة الإنسانية حَوّلها عبئاً على فهم السياسة وإمكاناتها، لتصبح مذكرات فوكوياما شاهداً على ضرورة مراجعة الأحكام القاطعة التي نتجت تحت ضغط التجربة.

فالمستقبل الذي يستحق الدفاع عنه يتحدّد بقدرة البشر على تغيير الشروط التي تحكمهم، وبإمكان العامل والناخب والمهمّش المشاركة في صياغة المؤسسات وتوزيع الموارد، وعند هذا الحدّ تستعيد الديمقراطية معناها بوصفها صراعاً على توسيع نطاقات الحرية والمساواة، ويأخذ الإنسان مكانه فاعلاً جدلياً في تاريخ تتجدّد وجهاته مع كل مطالبة بحق، وكل محاولة لتنظيم الحياة المشتركة.


«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون
TT

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

تدور أحداث رواية «عين جالوت»، وهي عمل أدبي يجمع بين الغموض والمشاهد المروعة والفكاهة السوداء، للكاتب الأرجنتيني دييغو موزيو، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحديداً داخل مصحة في إدنبرة، كانت «تؤوي نخبة مختارة من أعداد كبيرة من المرضى النفسيين العائدين من الحرب». يجري الطبيب النفسي في المصحة، إدوارد بيرس، أبحاثاً مثيرة للجدل حول التنويم المغناطيسي كوسيلة لعلاج الأمراض العقلية؛ وفي حين يرى زملاؤه أن تجاربه «محكوم عليها بالفشل عاجلاً أم آجلاً»، يعتبر بيرس أن أساليبهم - القائمة على العقاقير والكهرباء - «غير فعالة وبالية».

يصل مريض جديد يُدعى ديفيد برادلي - وهو مهندس - إلى المصحة بعد أن تقطعت به السبل على جزيرة تضم منارة مهجورة كان قد أُرسل لتقييم حالتها بتكليف من جهة عمله. ويرى بيرس في هذه الحالة فرصة لإثبات جدوى إجراءاته النفسية المبتكرة.

يعاني برادلي من صدمة نفسية أفقدته القدرة على الكلام، وتتملكه رغبة ملحة في السباحة طوال الوقت. وقد دوّن تفاصيل فترته التي قضاها في الجزيرة في مذكرات تشكل الجزء الثاني من الكتاب، حيث يسرد رحلة انحداره نحو الجنون والرعب المستمر. بعد ذلك، يعود موزيو بالقصة إلى بيرس ومسار علاج مريضه المحيّر.

تتميز هذه الرواية بحبكة معقدة، وتزخر بالتناص الأدبي؛ إذ يوظف موزيو ثيمات ومواضيع لكُتّاب آخرين بأسلوب يشبه طريقة منتجي موسيقى «الهيب هوب» في استخدام المقاطع الصوتية الجاهزة (samples)، حيث يصيغ ألحاناً جديدة عبر اقتباس شذرات من ألحان مألوفة وإعادة ترتيبها وصياغتها بقوالب مبتكرة. وتزخر الرواية بإشارات إلى أعمال أدبية متنوعة، مثل: «مغامرات أليس في بلاد العجائب» للويس كارول، و«الجحيم» لدانتي، وسفر صموئيل الأول، وكتابات عالم الطبيعة والكاتب ويليام هنري هدسون، وقصيدة «أنشودة البحار العجوز» لكولريدج.

غير أن التأثير الأبرز يأتي من الرواية القصيرة القوطية «قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة» لروبرت لويس ستيفنسون. فبينما تبرز بعض الإشارات بوضوح صارخ كلوحات النيون الوامضة (مثل وجود نسخة من الكتاب في غرفة نوم «بيرس»، وظهور مهندس المنارات ديفيد آلان ستيفنسون، وهو ابن عم روبرت في الواقع)، تظهر أيضاً جوانب أكثر دقة وتعمقاً في استلهام تلك الرواية. إذ تتم السيطرة على ألم الأعصاب الذي يعاني منه «بيرس» - وهي حالة تسبب صداعاً مبرحاً ناجماً عن شظايا مستقرة في رأسه - عبر جرعات متزايدة التواتر من المورفين؛ وتعكس عادته هذه اعتماد الدكتور جيكل على إكسيره السري، الذي كان يتجرعه أولاً ليُخرج إلى العالم قرينه الشرير «هايد» (ثم يعود ليتناوله لاحقاً لكبح جماح «هايد» ومنعه من الظهور من تلقاء نفسه).

وهناك واقعة تتعلق بجثتين تُرى من منظورين مختلفين: أحدهما يعتبرها تدنيساً للحرمة، والآخر يراها تعبيراً عن الندم؛ ففي حين قد يرى شخص ما «هايد» في هذا الموقف، قد يرى آخر «جيكل». كما تتكرر ثيمات التوائم والنسخ المتطابقة طوال أحداث الرواية، بما في ذلك لحظة بارعة يتضاعف فيها الكتاب نفسه.

*خدمة «نيويورك تايمز» ومن خلال أسلوبها النثري الأنيق - الذي يتسم أحياناً بطابع طريف وغريب ومحبب (وقد نُقل ببراعة من الإسبانية على يد راهول بيري) - وعبر بنيتها السردية، ولا سيما الوثائق التي تشكل قسم «برادلي»، تلمح الرواية إلى الطابع القوطي، دون أن تتحول كلياً إلى مجرد محاكاة ساخرة أو تقليد للأسلوب القديم.

وتكمن خلف مساري أحداث «بيرس» و«برادلي» ذكريات الحرب التي وضعت أوزارها مؤخراً، وهي ذكريات يفضل الرجلان نسيانها؛ إذ تُعد مشاهد الاسترجاع (الفلاش باك) التي تصور أجواء السريالية الكابوسية لحرب الخنادق - التي وُصفت بأنها «محفز مذهل للجنون» - أكثر فقرات الرواية إثارة للقلق والاضطراب. يرى بيرس في تجسيد الحرب تشويهاً بشعاً لشخصية «أليس» التي أبدعها كارول، تلك الفتاة ذات «العينين المتلألئتين التي كانت تتجول حاملةً حلقة مفاتيح تصدر رنيناً، لتفتح بها كل حجرات العقل التي حُبست فيها جحافل من الشياطين الثرثارة».

فالخنادق هي المكان الذي تضطر فيه الظروفُ كلَّ رجلٍ إلى إخراج «هايد» الكامن في داخله؛ لا طلباً للمتعة التي كان يجدها «هايد» - شخصية ستيفنسون - في العنف، بل لمجرد البقاء على قيد الحياة. وفي هذه الرواية الآسرة، يوحي مصير كل من بيرس وبرادلي بأنه مهما كانت المبررات التي قد تدفع المرء لإطلاق العنان لـ«هايد» ليعيث فساداً في المرة الأولى، فإن كبح جماحه مجدداً يُعد أمراً بالغ الصعوبة.


حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.