«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري

زياد حمامي يعود إلى «اليهودي الحلبي» في روايته الجديدة

«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري
TT

«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري

«قيامة البتول الأخيرة»... أسئلة حارقة على إيقاع الزلزال السوري

«لماذا علينا أن نهرب؟ هل ديانتنا اليهودية جريمة نستحق عليها القتل أو الإعدام أو الذبح؟ هل علينا أن نهاجر كما حدث في بداية الثمانينات؟»
في رواية زياد كمال حمامي (قيامة البتول الأخيرة - الأناشيد السرية - 2019) تجأر بهذه الأسئلة ليزا - أو الموناليزا كما يناديها عاشقها عبد السلام - على إيقاع الزلزال السوري المتفجر منذ ثماني سنوات. وعلى هذا الإيقاع يجأر العاشق الرسام السريالي: «ما هذه الحرب المؤلمة؟ طرف يقول إنها ثورة، والطرف الآخر يصفها بالأزمة والفتنة، وطرف ثالث يعتنقها جهاداً، وآخر يعدها احتلالاً، وأطراف تؤكد أنها فوضى».
عندما كتبتُ عن يهود حلب في الرواية («الشرق الأوسط 14-1-2019») لم أكن قد قرأت رواية «قيامة البتول الأخيرة»، فلم أذكرها، ولم يقم الكاتب الدنيا ولم يقعدها، لم يتّهم، ولم يشكك، لم يخوّن، ولم تنجرح نرجسيته، كما يفعل من قد لا تذكر روايته، ربما لأنك لا تراها جديرة حتى بالإشارة. أما زياد كمال حمامي فقد ذكّرني برواية قديمة له عن يهود حلب أيضاً، هي «الظهور الأخير للجد العظيم» - 1995.
تتصدر رواية «قيامة البتول الأخيرة» بمجزوء من رسالة الإله بعل، إله البرق والعواصف والمطر، تعود إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد: «سوريا بلدكم، أينما كنتم، وهذا حقكم، فحطّم سيفك، وتناول معولك، واتبعني لنزرع السلام والمحبة». وتتبأر هذه الرواية، من سوريا، في حلب، ومن حلب في حارة اليهود العتيقة (المندرة)، حيث تقطن مجموعات مختلفة في الدين والعرق. ومنذ البداية، غزل الكاتب للرواية رمزاً هو أيضاً إيقاع، عبر شخصية البتول، أجمل بنات الحارة التي يقضي عليها القتلة انتقاماً من أبيها الموظف الذي يتصدى لجلاوذة الفساد. ولا تفتأ البتول تظهر ليرفد الرواية نسغٌ أسطوري بديع. وعلى هذا النحو تمور الرواية بشخصيات لا يُنسى الكثير منها، مثل العمياء الثريا التي (ترى) الأصوات، وتتفرس في الروائح، وأختها أم القطط التي تسمّي قططها بأسماء من حولها في الحارة، أو النونو المجنون الذي يروي أنه يسمع يومياً أصوات المغتصبات من ميكروفون مسجد الشيخ سيتا، أو الجقجوق المبتلى بالنيكروفيليا، أو الأب الروحي للحارة: الحاج عبد القادر الهلالي، وابنه يحيى عاشق البتول بصوفية.
وفي رأس الشخصيات اليهودية يأتي إبراهام فارحي، حارس معبد الصفراء الذي يحتفظ بنسخة من التوراة على رقائق. وقد كتب للوكالة اليهودية العالمية أن هذه النسخة هي أقدم النسخ في العالم، مثلما هو كنيس جوبر أقدم معبد يهودي في العالم. وهنا أشير إلى ما يتواتر في الروايات المتعلقة باليهود من علامات بعينها، كنسخة من التوراة، أو مخطوطات، وكذلك تهريب اليهود إلى إسرائيل... ويكون الرهان بالتالي على ما تبدع كل رواية في هذه العلامة أو تلك.
بحسب الرواية، أُغلق منذ أعوام كنيس حارة المندرة التي تهدمت محلاتها وسراديبها الخفية، وتتم حراسة الكنيس سرياً. وعلى الباب الحجري لبيت إبراهام الذي يناديه الجيران إبراهيم، نُقشت عبارة (دار آليازار فرحي بن أشعيا 1824). وسوف يشير الفلسطيني أبو الرمز إلى المفارقة في حارة المندرة، وفي غيرها، بحيث يحتفظ اليهود بدورهم ونقوشهم ومعابدهم، ويقول: «لهم الحق في كل شيء في حين أننا نسلب كل شيء».
ويسرد أبو الرمز اغتصاب منزله في القدس من قبل جماعة محاربي داود، ورسمهم المينورا بشمعداناتها السبعة على الجدار الخارجي للبيت الذي صار لعائلة يهودية مهاجرة من بولونيا، مما اعتبرته إسرائيل تحريراً واستعادة لأرض يهودية. وبذا، لا تُغفِل رواية «قيامة البتول الأخيرة) الأسَّ الإسرائيلي - بالأحرى الصهيوني - الذي تغفله رواية سواها، فتبتر الفلسطيني من المأساة، وتبكي اليهود، فيما لعله استجداء للترجمة والشهرة.
يتنبأ إبراهام لابنته ليزا بأن الخراب سيعم «وربما سنهاجر من سوريا كما هاجر أجدادك من الأندلس». ويرصد الرجل تبدلات أصدقائه بين من تحول من الماركسية إلى الدين، ومن ولغ في الفساد، ويخصّ بالقول صاموئيل الذي انتقل إلى دمشق وفتح فيها مشاريع ضخمة بالمشاركة مع ضباط... ويسرد إبراهام قصة رجل الأعمال الأميركي موطي كاهانا الذي ساعد أسرة يهودية على الهجرة السرية بجواز سفر رسمي سوري عبر لبنان إلى إسرائيل.
ويسرد إبراهام أيضاً قصة تهريب جيلدا اليهودية التي أسلمت لزواجها من مسلم فبحجة اقتراب «داعش» من حي الجميلية في حلب، منح الهاربون حق العودة عبر قنوات سرية هي ما يعرف بأبناء الحليب، لكن إسرائيل طردت جيلدا وزوجها غير عابئة باعتراض طومي كاهانا.
يفكر إبراهام الذي بات بلا أصدقاء بأخوة محفل الأم سلطانة، وبأخوة الحليب الذين يديرون البلد كالخاتم. وكان بنجامين الابن الوحيد لإبراهام قد هاجر إلى أميركا رغم معارضة والديه، بينما رفضت والدته روز الهجرة إلى إسرائيل. وروز تكره الحروب، وتفرق بين الدين اليهودي والصهيونية. وكان الحاج الهلالي في زمن مضى قد سقى إبراهام المريض من ماء زمزم، فتقبل اليهودي التقدمة، وعدّ ذلك تقاسما عفوياً للمقدس، وكان مثل ذلك أمراً مألوف بين المسلمين واليهود والنصارى، لولا سموم السياسة ومؤامرات السياسيين، كما يشرح السارد. لكن إبراهام سيتبدل في سنوات الزلزال، وينخرط في المؤامرة التي يحبكها الرجل الخفي، لنقل قطع أثرية مهمة من حلب إلى الخارج.
حول شخصية الفنان عبد السلام ينعقد الحضور اليهودي في الرواية على شخصيتي ليزا وسوزانا. وقد حاولت ليزا المبدعة في تصميم أطقم الذهب والألماس، والمشهورة بين العائلات الحلبية الثرية، أن تستميل عاشقها إلى (أبناء الحليب)، وعرضت عليه أن تدفع هي مهرها سلفاً كعادة بنات اليهود، دون (قينان) أي دون عهد أو شرط، وبلا (قدوس) أي بلا حفل زفاف، وأن يبقى زواجهما سراً بينهما. لكن ما يشغل عبد السلام هو الحرب التي ليس فيها قانون ولا عدالة. على أن ليزا ترسم لعبد السلام صورة أخرى يبدو تفسيره فيها لما يجري طائفياً، فهو، كما تقول ليزا، مسلم وسني يشتكي دوماً من «العنصرية الطائفية التي صارت قانوناً غير مدوّن».
على باب بيت إبراهام، ونشداناً للحماية الإلهية، عُلقت (الميزوزا)، وهي قطعة أسطوانية خشبية صغيرة، فيها مخطوط صغير دوّنت فيه أدعية توراتية. وإبراهام يريد اقتلاع الميزوزا تحاشياً للخطر، بينما تعترض زوجته، فمنذ عشرات السنين لم يعترض أحد على الميزوزا التي تميز بيت اليهودي. وبسبب الميزوزا التي تعلن الاختلاف الديني، لم تتمكن ليزا من مشاركة الجموع في تشييع صديقتها البتول.
قبل ليزا كانت السائحة الكندية سوزانا التي عمل عبد السلام لها دليلاً. وسيكتشف من بعد أنها يهودية، وأنها قد حملت منه وأنجبت، فيما يلتبس بالتآمر الذي ينضاف إلى تآمر إبراهام فارحي، دون أن تتجرّح الصورة التي كانت للّحمة الاجتماعية السورية. وقد مالت الرواية حيناً إلى التوثيق لهذه اللحمة، فطغت التأرخة على السرد. لكن زياد كمال حمامي جعل الرواية لا تفتأ تتقد وتتألق، سواء وهي تكتب اليهودي في حلب، والأرمني أيضاً، أم وهي تكتب الزلزال وتلوب بين الفاجع وبين السخرية الكاوية، لعل نبوءة العرافة خاتون تتحقق بقيامة حلب بعد الحرب، وهي التي كانت قد تنبأت بظهور سور حلب العظيم وتحويل حارة البندرة إلى صرح سياحي.
لقد شغلني طويلاً الحضور اليهودي في الرواية العربية. ومن ذلك ما كتبت عن روايات منها من المغرب «ملك اليهود» ليوسف فاضل، و«حارث النسيان» لكمال الخمشيلي، و«المرأة والصبي» للميلودي شغموم، ومن الجزائر «قدم الحكمة» لرشيدة خوازم، و«المخطوطة الشرقية» لواسيني الأعرج و«تماسخت دم النسيان» للحبيب السائح، و«قبر يهودي» لعمر بو ذيبة، و«يصحو الحرير» لأمين الزاوي. ومن الكويت «حجر على حجر» لفوزية شويش السالم، ومن اليمن «اليهودي الحالي» لعلي المقري، ومن مصر «أميركانلي» لصنع الله إبراهيم، ولجمهرة من سوريا ابتداءً برواية «أعدائي» لممدوح عدوان. وإلى ذلك كان الحضور اليهودي شاغلاً لي في رواية «مدارات الشرق» في أجزائها الأربعة، من يهود دمشق إلى يهود الجولان إلى يهود القامشلي، في النصف الأول من القرن العشرين. وكذلك في رواية «مجاز العشق» وفي رواية «في غيابها». ولعل التذكير بكل ذلك يعزز المدونة الروائية والنقدية لحضور اليهودي، والتي تعد رواية «قيامة البتول الأخيرة» إضافة هامة لها.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.