ظاهرة {أنسنة} البرامج التلفزيونية تغزو الشاشات اللبنانية

فسحة أمل لشريحة كبيرة من المجتمع

جو معلوف في «هوا الحرية» على «إل بي سي»
جو معلوف في «هوا الحرية» على «إل بي سي»
TT

ظاهرة {أنسنة} البرامج التلفزيونية تغزو الشاشات اللبنانية

جو معلوف في «هوا الحرية» على «إل بي سي»
جو معلوف في «هوا الحرية» على «إل بي سي»

ظاهرة أنسنة البرامج التلفزيونية تكتسح حالياً الشاشات اللبنانية التي باتت تتنافس بين بعضها على تقديم مبدأ الأنسنة في محتواها على أي موضوعات أخرى. ففي الحقبة الزمنية الماضية اتخذت البرامج التلفزيونية عناوين كثيرة لها. فتنقلت ما بين موضة برامج الهواة في الثمانينات لتلحقها أخرى تعتمد برامج الترفيه والألعاب في التسعينات ولتلونها برامج الواقع في الألفية الثانية. وفي السنوات العشرين الماضية لم تتسم شبكات البرامج بعناوين محددة. فراحت تبحث عن هوية تنقذها من الركود المسيطر على أسواق إعلاناتها والذي أثر على مداخيلها المتراجعة بشكل ملحوظ.
ولعلّ لجوء هذه المحطات حالياً إلى المواضيع الإنسانية ساهم في إعادتها إلى الواجهة. ففي زمن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية وجدت التلفزيونيات نفسها محشورة في زاوية لا تحسد عليها. فكان لا بد من العودة إلى زمن الإنسانية كي تجذب أكبر شريحة ممكنة من المشاهدين. فهذه الموضوعات تلامس متابعها بشكل أو بآخر ولو كانت بعيدة عنه في حالات يعتبرها متخلفة ولا تشبهه أحياناً.
فكما «هوا الحرية» و«أحمر بالخط العريض» على شاشة الـ«إل بي سي آي»، يتابع المشاهد على قنوات أخرى برامج «بدّا ثورة» و«متلي متلك» على محطة «إم تي في» وبرنامجي «طوني خليفة» و«أنا هيك» على قناة «نيو تي في». وجميع هذه البرامج تتناول حالات اجتماعية نافرة تم استخدامها كمادة دسمة في الإعلام المرئي لتسليط الضوء إما على تقاعس الدولة في تنفيذ واجباتها تجاه المواطن وإما لدفع المشاهد وتعويده على تقبل غيره مهما بلغت الاختلافات بينه وبين الآخر. وفي مرات أخرى جذبت المشاهد من خلال عرضها حالات إنسانية كسرت حاجز الخوف وباحت بما كان يسمى «محرماً» (تابو) بفضل انتشار هذا النوع من المواضيع على وسائل التواصل مسبقاً.
«هذا الموضوع ليس بالجديد علينا في المحطة لا بل كنا السباقين في تناوله منذ سنين طويلة. وهي برأيي إنتاجات درامية من نوع آخر». يقول رئيس مجلس إدارة «إل بي سي آي» لـ«الشرق الأوسط» ويوضح: «فالقصص التي نتابعها مع مالك مكتبي في (أحمر بالخط العريض) ومع جو معلوف في (هوا الحرية) هي دراما من نوع آخر تلامس مشاعرنا وأحاسيسنا كبشر. فطبيعتنا البشرية تجاه هذا النوع من البرامج تجعلنا نتفاعل تلقائياً معها، وهو ما دفع بشاشات أخرى إلى اعتمادها اليوم أكثر من الماضي». ويؤكد بيار الضاهر بأن المؤسسة اللبنانية للإرسال لم تغب هذه البرامج عن شاشتها يوماً ومنذ تأسيسها حتى اليوم. فبرنامج «مكتبي» عمره ما فوق الـ17 عاماً. كما أن بيتر خوري (مخرج ومنتج تلفزيوني سابق) كان ينتظره الملايين منذ التسعينات وبعدها لمتابعة قصصه الإنسانية التي كانت تقدم بحلقات خاصة (سبيسيال) في مناسبات الأعياد. ويضيف في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لطالما شكّلت الدراما العمود الفقري الأهم في البرامج التلفزيونية ولا شك بأن مفهوم الدراما ينطبق على هذه البرامج التي ذكرتها لأنها تخاطبنا بلغتنا النابعة من واقعنا».
بدوره يرى جو معلوف مقدم برنامج «هوا الحرية» وسابقه «حكي جالس» على قناة «إل بي سي آي» والذي سمّي مؤخراً من قبل «اتحاد حماية الأحداث» في لبنان سفيراً له، بأنه لا يحاول أن يلعب دور أحد في برنامجه. ويقول: «إنني ألعب دور الإنسان الموجود في داخلي كما في داخل أي منّا. فمنذ أن دخلت هذه الأجواء من نحو 7 سنوات على قناة «إل بي سي آي»، وخصوصاً في السنوات الثلاث الأخيرة فتحت شهية كثيرين غيري على تناولها. وهذا الأمر لا يزعجني كونه يشكل عنصراً صحياً نحن بأمس الحاجة إليه. فازدياد المشكلات في لبنان ونوعية المصائب والمعاناة المتكاثرة من دون إيجاد خطة استيعابية لها، جعلت الجهات الرسمية عاجزة عن حلّها لوحدها.
ولا أستطيع نكران مساعدة بعض هذه الجهات في حل القضايا التي أتناولها، مثل «اتحاد حماية الأحداث» وأخرى قانونية وعدلية من قضاة ومحامين، مما ساهم في تفعيل البرنامج على الأرض ليحدث الفرق. ويؤكّد معلوف في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه وفي ظل المنافسة القوية التي تشهدها هذه النوعية من البرامج يحاول أن يجد حلولاً سريعة للمشاكل التي يتلقاها من مواطنين عاديين بات قسماً منهم يلجأ إلى ذكر اسمه لوضع حدّ لمعاناته. «في الحقيقة وإضافة إلى عدد المشكلات التي أتناولها مباشرة على الهواء هناك نحو 30 أخرى يتم حلّها خارج العرض المباشر للبرنامج، وذلك بمجرد ذكر اسمي من قبل أحد الطرفين المتنازعين». وهل هذا يعني بأنك أصبحت شخصية رادعة يخاف منها الآخرون لمجرد ذكر اسمها؟ يردّ: «القصة ليست مجرد زرع الخوف لدى الظالم بل ردعه عن القيام بالخطأ كوننا نتابع المواضيع بجدية ولا نتردد عن طرحها كما هي. وهذا الأمر يترجم على الأرض حلولاً لمجرد ذكر اسم البرنامج أو القناة التي أطل منها».
أما غادة عيد مقدمة برنامج «بدّا ثورة» على قناة «إم تي في» والتي سبق واشتهرت ببرنامجيها «الفساد» و«علم وخبر» فتقول: «هدفنا الأساسي في البرنامج توعية المواطن وشخصياً لا يهمني إثارة مواضيع أستغل فيها حالات أصحابها لتأمين نسبة مشاهدة عالية.
فمنذ بداياتي حتى اليوم عملت على محاربة الفساد بكل أشكاله ومساندة المظلومين من قبل سلطة معينة». وتتابع في سياق حديثها: «لا شك أن الموضوعات الإنسانية والمتأتية عن الظلم الاجتماعي تلفتني ولكني أتناولها في إطار مغاير عما يفعله الآخرون على شاشات التلفزة في برامجهم، لأني لا أبغي الشهرة ولا اللهاث وراء جذب المشاهد على حساب أشخاص مستضعفين لا حول ولا قوة لهم غير دقّ أبوابنا في «إم تي في».
وعندما أعلم بممارسة عنف أو إجحاف من قبل سلطة معينة تجاه مواطن أو مواطنة فلا أتأخر عن تلبية النداء. فنحن مع الأسف نستطيع حتى الساعة تفكيك المافيات الصغيرة، أما الكبيرة منها والمسؤولة عن الفساد في البلاد، فمن الصعب الإطاحة بها لأنه يقف وراءها أشخاص نافذون».
ويعدّ «أنا هيك» للإعلامي نيشان ديرهاروتونيان من البرامج التي تستقطب شريحة كبيرة من المشاهدين على قناة «نيو تي في». ويحاور فيه حالات إنسانية خارجة عن المألوف بهدف نشر مبدأ قبول الآخر رغم اختلافه ومن دون أي تفرقة. فيعزز بذلك مشاعر الإنسان تجاه أخيه الإنسان لتكوين مجتمعات سليمة. ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لطالما كانت الشاشة الصغيرة وسيلة لرفع مستوى الشارع إلى فوق ووضعه على الخط المستقيم. إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت هذه المعادلة وصار الشارع اليوم هو من يحرك التلفزيون».
ويتابع: «غالبية البرامج التلفزيونية تستند اليوم على مشاركة مباشرة للمشاهد فيها أن من خلال التصويت أو وسم (هاشتاغ) و(لايك) وغيرها من مصطلحات لغة وسائل التواصل الاجتماعي. وبذلك تحول بدوره إلى نجم من نوع آخر بعد أن استهلك نجوم حقيقيون كالفنانين مثلاً أنفسهم بإطلالات كثيفة. وطوال هذه السنوات صار المشاهد أكثر تمرساً واحترافاً، إذ صار يعرف بخفايا هذه اللعبة ودائماً بفضل الوسائل الاجتماعية التي نصبّته نجماً بصورة غير مباشرة فأصبح هو الخبر. وما يحصل اليوم يمكن تشبيهه بثورة بروليتاريا رفعت من شأن المشاهد إلى حدّ جعله بطلاً، وركناً أساسياً في البرمجة التلفزيونية. فكسر رهبة الخوف من التحدث عن خصوصياته وعن المستور وما يسمى بالعار وراح يبوح بمشاكله وهمومه علناً». ويسمي الإعلامي نيشان هذه الظاهرة بالإعلام البديل بعد أن أصيب الأصلي بالإنهاك بسبب وسائل التواصل الاجتماعي فدخل غرفة الإنعاش. اليوم اجتازت التلفزيونات هذا القطوع بعد أن نفدت منه المواد المبهرة لاستقطاب الناس. فالإعلام يعرف بأنه مطحنة وبحاجة دائمة إلى مادة تعزز استمراريته، فلجأ إلى تغيير مصدر قوته تحت شعار حرية الإعلام.



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».