قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان

الناخبون عاقبوا حزبه بـ«صفعة عثمانية» أراد منهم توجيهها للمعارضة

قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان
TT

قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان

قراءة في رسائل الانتخابات المحلية التركية لإردوغان

وجّه الناخبون الأتراك إنذارا قوياً إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وحزبه الإسلامي الحاكم، حزب العدالة والتنمية، عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات المحلية. ولئن كانت الانتخابات ككل انتهت بفوز «تحالف الشعب» بين العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية بعدد من البلديات أكبر من منافسيه، جاءت النتيجة كالزلزال أو «الصفعة العثمانية» التي دعا إردوغان الشعب لتوجيهها إلى «تحالف الأمة» الذي تألف من حزبي «الشعب الجمهوري» و«الجيد»، لترتد عليه بخسارة فادحة للمدن الثلاث الكبرى؛ إسطنبول وأنقرة وإزمير. وهذا رغم استمرار اعتراض حزب إردوغان على نتيجة إسطنبول والتقارير عن المطالبته بإلغائها بعد إعادة الفرز في 8 من مناطقها.
تمثل خسارة حزب «العدالة والتنمية» في إسطنبول، كبرى مدن تركيا و«عاصمتها» الاقتصادية، صدمة كبرى لزعيم الحزب الرئيس رجب طيب إردوغان، من منطلق المعتقَد السائد بأن من ينجح في إسطنبول ينجح في تركيا. واستطراداً، فإن من يفوز بإسطنبول في الانتخابات المحلية يفوز بتركيا في الانتخابات البرلمانية.
لكن ما يزيد من حجم الصدمة وتأثيرها أن إردوغان حافظ على رئاسة بلدية إسطنبول لمدة 25 سنة منذ فاز بالمنصب للمرة الأولى، ممثلاً لحزب الرفاه الإسلامي، ثم إن ما زاد الطين بلة بالنسبة للإسلاميين خسارتهم أيضاً العاصمة السياسية أنقرة بعدما ظلّت تحت سيطرتهم منذ عهد رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان، وحتى عهد إردوغان، طوال 25 سنة، وكذلك فشلهم في انتزاع بلدية إزمير من أيدي حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي نجح أيضاً في الفوز ببلديات مهمة أخرى في مقدمتها أنطاليا وأضنة وهطاي (الإسكندرونة).

حقبة جديدة
بهذه النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، دشّنت حقبة جديدة في تركيا بأيدي مواطنيها الذين ضغطت عليهم الأوضاع الاقتصادية لأكثر من نصف سنة قبل الانتخابات المحلية. وكان منها اهتزاز الليرة التركية وخسائرها المتوالية، وتجاوز التضخم حاجز 20 في المائة، والقفزة في البطالة التي وصل معدلها إلى ما يقرب من 13 في المائة، والغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائية الرئيسية، وهو ما دفع الحكومة إلى العودة لطرح الخضراوات والفاكهة في نقاط توزيع حكومية قبل الانتخابات خشية فقد الأصوات.
هذه الانتخابات جاءت عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة، في يونيو (حزيران) الماضي، التي انتقلت فيها تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي. وكان يعوّل عليها إردوغان لتثبيت نظامه الرئاسي التنفيذي عبر تأييد شعبي لم يأتِ كالمتوقَّع. وبالتالي، فإن المتغير الأهم الذي عكسته، في نظر كثير من المراقبين، هو نجاح المعارضة في إيجاد مسار توافقي ونجاح تحالفها الذي بدأ يتبلور في الاستفتاء على التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي، الذي أجرى في 16 أبريل (نيسان) 2017.
هذا التحالف ضغط على إردوغان في الفترة السابقة للانتخابات البرلمانية والرئاسية، التي مرّت بصعوبة بالغة على حزبه، ثم بلغ أداء المعارضة ذروة نضجه في الانتخابات المحلية التي قدّم نفسه بقوة وأقنع قطاعاً لا بأس به من الناخبين بحتمية التغيير. والحقيقة، أنه لم يكن أكثر المتفائلين في أحزاب المعارضة نفسها، أو أكثر المتشائمين في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم وأنصاره، يتوقع الضربة القوية التي كشفت عنها نتائج إسطنبول وأنقرة، مع أن استطلاعات الرأي قبل الانتخابات التي أعلن إردوغان عدم اعتداده بها، رجّحت الخروج بنتيجة صادمة. وهذا ما حدث بالفعل، في مشهد قد يؤثر على توجهات إردوغان وحزبه مستقبلاً، وقد يدفعه وحليفه، حزب «الحركة القومية»، إلى تغيير منهج التحالف على ضوء الرسالة التي خرجت من الصناديق، واعتبرها موالون لـ«العدالة والتنمية» وإردوغان «انقلاباً سياسياً».

أسباب النكسة
أجمع المراقبون على عدد من الأسباب أدَّت إلى النتائج التي خرجت من صناديق الاقتراع، أهمها الوضع الاقتصادي الذي أثّر على الناخبين، مع عجز الحزب الحاكم عن تجاوز تأثيرات انخفاض العملة، والتضخّم، وارتفاع الأسعار. أما السبب الثاني فهو فقدان الخطاب السياسي لإردوغان تأثيره، كما كان في السابق، وشعور الناخبين بالملل من تكرار التهديدات وإظهار أن كل انتخابات - حتى لو كانت محلية - مسألة حياة أو موت. وللعلم، هذا خطاب بدأه حزب «الحركة القومية»، وانجر إليه حزب «العدالة والتنمية»، الحليف معه، وهو يعيد إلى الأذهان الأنظمة الديكتاتورية التي تربط بقاء الدولة ببقائها، ما اعتبر من جانب شريحة كبيرة من الناخبين تضخيماً وإفلاساً.
وأما السبب الثالث، فكان اعتماد إردوغان ووزير داخليته سليمان صويلو لغة التهديد، وتكرارهما وصف الساسة الأكراد بالإرهابيين، والتلويح بشكل مباشر بفرض الوصاية على البلديات التي يمكن لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد الفوز بها في الانتخابات. وكما حدث من قبل، أبعدت هذه اللغة التهديدية الناخبين الأكراد عن «العدالة والتنمية» في بعض المناطق ذات الأغلبية الكردية، ودفعتهم لتحديه. ويضاف إلى هذا دعوة صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك لحزب «الشعوب الديمقراطي»، والمسجون حالياً، مناصري الحزب للتصويت لمرشحي المعارضة في إسطنبول وأنقرة، ما أدى إلى ترجيح كفتها والتنمية.
أخيراً، هناك سبب رابع، من جهة نظر المراقبين، هو مواصلة إردوغان التوظيف السياسي للشعارات الإسلامية والاستغلال الخاطئ للهجوم الإرهابي على مسجدي مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا، وتكراره عرض صور المجزرة في التجمّعات الانتخابية، ما أثار استياء ورفض شريحة واسعة من المواطنين لهذا الأسلوب.

الخطوة المقبلة
التقط إردوغان الرسالة سريعاً، وأعلن أنه سيعمل على تحديد أوجه القصور، والعمل على إصلاحها. ثم قال إن أولويته خلال الفترة المقبلة ستكون تعزيز الاقتصاد وزيادة فرص العمل، لإدراكه أن الصعود الاقتصادي الذي تحقق في تركيا خلال فترة حكم «العدالة والتنمية» كان من أهم الأسباب التي جعلته يحتفظ بالحكم حتى الآن. ومعروف أن تراجع سعر الليرة وارتفاع التضخم والبطالة وتزايد حالات الإفلاس كانت من العوامل الأساسية لتراجع التأييد لحزبه، على الرغم من الجهود الضخمة التي بذلها بنفسه في الحملة الانتخابية، وتجنيد جميع وسائل الإعلام، وتكثيف الحملات الإعلانية والمقابلات التلفزيونية على مدى أكثر من 3 أشهر قبل الانتخابات.
في المقابل، اعتمدت المعارضة في حملتها الانتخابية على تدهور الأوضاع الاقتصادية وغيرها من المشكلات الأساسية لتركيا، موضحة للناخبين أنهم بحاجة إلى توجيه رسالة قوية إلى الحكومة. وبالفعل، أظهرت استطلاعات الرأي قبل الانتخابات أن ما يقرب من 7 من كل 10 أشخاص يصنّفون الصعوبات الاقتصادية على أنها أهم مشكلة في تركيا، بشكل عام، مقابل 4 إلى 5 في المائة رأوا أن الأمن هو المشكلة الأكثر أهمية.
من ناحية أخرى، توقعت استطلاعات الرأي فوز مرشح حزب «الشعب الجمهوري» منصور ياواش في أنقرة، لكنها أبقت على حظوظ بن علي يلدريم، السياسي المخضرم ورئيس الوزراء السابق الذي اختاره إردوغان وجعله يترك رئاسة البرلمان من أجل حسم إسطنبول، التي تُعدّ المعقل الأهم سياسياً واقتصادياً. وهنا نشير إلى أن إردوغان لم يذق طعم الهزيمة منذ تولى رئاسة بلدية إسطنبول عام 1994. بل حقق إنجازات كبرى فيها، أهمها جلب الاستثمارات وتخفيف أزمة المرور، والطفرة في الإسكان، والتوسع العمراني، وتوفير الوظائف. ولذا وضع كل ثقله في الانتخابات المحلية الأخيرة، معتبراً إياها معركة حياة أو موت، لكن نتائجها الصادمة جاءت بمثابة استفتاء على حكم «العدالة والتنمية»، وسياساته الداخلية والخارجية التي باتت موضع انتقادات حادة.
الآن قد تبلغ الآثار الارتدادية لهذه الخسائر ما هو أقوى وأبعد، بسبب حالة التذمر المتنامية داخل الحزب الحاكم، خصوصاً في أوساط القيادة التاريخية التي جرى إبعادها وتهميشها من جانب إردوغان. على رأس هؤلاء الرئيس السابق عبد الله غُل ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، الذي أجبره إردوغان على الاستقالة أيضاً، كما تردد في أوساط الحزب لرفضه دعم مشروعه بالانتقال إلى النظام الرئاسي. وهكذا تصاعدت الاتهامات لإردوغان بالفردية، وبدأ متهموه التخطيط لتأسيس حزب سياسي جديد.
إردوغان أرجع النتائج الصادمة إلى سوء تقديم حزبه نفسه في المناطق التي خسر فيها، إذ قال: «السبب الوحيد الذي حال دون حصولنا على النتيجة المرجوة من الانتخابات هو عدم تقديم أنفسنا للشعب بشكل كافٍ.. سنقوم بتحديد أوجه القصور لدينا والعمل على تلافيها... إذا كانت لدينا نواقص، فإن إصلاحها دين على عاتقنا». غير أن الاعتراف بالتقصير لم يؤد إلى استيعاب إمكانية خسارة المعاقل التقليدية للحزب الحاكم، فقرر الطعن على نتائج الانتخابات في بعض مناطق إسطنبول وأنقرة، في حين اعتبر حزب «الشعب الجمهوري» المعارض، أن «الشعب أظهر موقفاً مؤيداً للديمقراطية»، وأن ذلك «يمثل ضوءاً مهماً للغاية بالنسبة للحزب»، حسبما أعلن رئيسه كمال كليتشدار أوغلو.

أجواء ملتهبة
عطفاً على ما سبق، حتى بعد انتهاء المعركة، استمرت الأجواء الملتهبة التي غلفت الاستعدادات لها، مع طعن حزب «العدالة والتنمية» على النتائج في أنقرة وإسطنبول، ومطالبة أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري الفائز في إسطنبول، كلاً من الرئيس إردوغان و«حليفه» دولت بهشلي، رئيس حزب الحركة القومية، بأن يكونا «على قدر المسؤولية، والتصرف مثل رجال دولة، وتحاشي زجّ البلاد إلى المزيد من الفوضى».
ولفت إمام أوغلو إلى أن «عمليات فرز الأصوات جرت أمام المندوبين الرسميين لحزب (العدالة والتنمية)، وموظفي الدولة المكلفين بالصناديق الانتخابية، وأمام غيرهم من المعنيين بحضور عمليات الفرز. ولقد خُصص لكل صندوق انتخابي موظفون من الدولة، واثنان على الأقل من مندوبي (العدالة والتنمية)، فضلاً عن ناخبين وغيرهم. ثم إن الاعتراضات (التي تقدم بها العدالة والتنمية) الحالية الهدف الوحيد منها هو تشويش العقول... ومن هنا أدعو اللجنة العليا للانتخابات للقيام بوظيفتها ووقف مثل هذه الممارسات، حتى لا ننسى الوضع الاقتصادي والسياسي الصعب الذي تمر به البلاد، وحتى لا يسيء أحد لصورة تركيا أمام العالم». واعتبرت أصوات أخرى من المعارضة أن إعادة فرز الأصوات، ما هي إلا مناورة لسرقة الانتخابات الراهنة الموصومة بعدم النزاهة.
أما خارجياً، فكان فريق مراقبة الانتخابات التابع لـ«مجلس أوروبا» قد أعلن أن تركيا لم تستوفِ القيم والمبادئ الانتخابية المعمول بها في أوروبا. ودعت واشنطن، على لسان نائب المتحدث باسم الخارجية التركية روبرت بلادينو، تركيا إلى قبول نتائج الانتخابات. وقال إريك إيدلمان، السفير الأميركي الأسبق لدى تركيا، إنه «إذا ما تمكّنت الحكومة التركية من إلغاء نتائج الانتخابات الحالية، فسيمثل ذلك نهاية أكيدة للانتخابات في تركيا».
هذا، ويعتبر مراقبون أن لدى إردوغان وسائل أخرى في متناول يديه إن هو أخفق في العصف بنتائج الانتخابات الحالية عبر مناورة إعادة فرز الأصوات. ومن بين الأدوات المحتمَل استخدامها الاستعاضة عن رؤساء البلديات المعارضين بآخرين من المؤيدين للحكومة، كأوصياء على البلديات التي فازوا بها في الانتخابات. ولقد أثبت حزب الشعوب الديمقراطي أنه لا يزال يتمتع بقوته على الرغم من خسارة بلديتين من 10 بلديات كبيرة كان يسيطر عليها، وفاز في 8 ولايات على الرغم من الحملة الشرسة التي يتعرض لها.

الانتخابات والسياسة الخارجية
في هذه الأثناء، تساءلت بارتشين يناتش، الكاتبة في صحيفة «حرييت» التركية واسعة الانتشار، عن مدى تأثير نتائج الانتخابات المحلية على السياسة الخارجية لتركيا. وقالت: «لو كنا، كمراقبين، في ظروف عادية ما طرحنا هذا السؤال. هذا يرجع جزئياً إلى حقيقة أن تركيا تمر بمرحلة انتقالية من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وإلى الاعتقاد السائد في الداخل والخارج بأن السياسة الخارجية متداخلة مع السياسة الداخلية».
وأضافت أن «ما سنحتاج إلى مراقبته على المدى القصير إلى المتوسط هو كيف ستتشكل علاقات تركيا مع كل من واشنطن وموسكو، وكذلك مواقف هؤلاء اللاعبين الثلاثة في الشرق الأوسط». وتساءلت عن إمكانية الاستمرار في صفقة صواريخ «إس - 400» الروسية، وأيضاً شراء طائرات «إف - 35» أو صواريخ «باتريوت» الأميركية في ظل الاضطرابات الاقتصادية المحتملة التي قد تظهر في الأيام المقبلة «ففي بعض الأحيان قد يكون الخبز والزبد أكثر حيوية من صواريخ وطائرات بمليارات الدولارات». وهنا، استبعد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن يكون للانتخابات المحلية تأثير على العلاقات بين أنقرة وواشنطن، أو الدول الأخرى.

حصيلة الانتخابات بالأرقام
> فاز حزب «العدالة والتنمية» بـ16 بلدية كبرى و24 بلدية في مدن أصغر و538 بلدية أقضية، و200 بلدة، وفاز حليفه حزب «الحركة القومية» ببلدية كبرى واحدة، و10 بلديات مدن، و146 منطقة، و70 بلدة بمجموع 227.
> فاز حزب الشعب الجمهوري المعارض بـ10 بلديات كبرى، و10 بلديات مدن، و192 منطقة، و34 بلدة، بمجموع 246، وحليفه الحزب «الجيد»، في 18 بلدية مدينة و3 بلدات.
> بلغت نسبة أصوات «العدالة والتنمية» 44.4 في المائة وحليفه «الحركة القومية» 7.2 في المائة، وبذا حصل «تحالف الشعب» الذي يضمهما على 51.6 في المائة من إجمالي عدد الأصوات، وفق النتائج الأولية.
> فاز «تحالف الأمة» المعارض بنسبة 37.2 في المائة من الأصوات، موزّعة بنسبة 30 في المائة لحزب الشعب الجمهوري و7.2 للحزب «الجيد». وبينما حصل حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد على 4.3 في المائة من الأصوات، وفاز في 3 بلديات كبرى، و5 بلديات مدن، و50 منطقة، و11 بلدة، بمجموع 69 بلدية، ذهبت بقية البلديات للمستقلين.
> تجاوزت نسبة المشاركة في الانتخابات 84 في المائة من أصل 57 مليون مواطن يحق لهم التصويت، في حين كانت نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة عام 2014 قد بلغت 89 في المائة من أصل 48 مليون ناخب. ويومذاك حقق حزب العدالة والتنمية نسبة 45.5 في المائة من الأصوات، أي أن نسبته تراجعت في انتخابات 2019 بنسبة 1.1 في المائة.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.