كلوب وبوكيتينو يعيدان إلى كرة القدم الإنجليزية أهم صفاتها الجميلة

جزء كبير من الانتعاش الذي تشهده الآن يعود إلى المدربين اللذين سيتواجهان اليوم على ملعب «آنفيلد»

يلتقي ليفربول وتوتنهام اليوم في مواجهة مثيرة ستكون التاسعة بين كلوب وبوكيتينو
يلتقي ليفربول وتوتنهام اليوم في مواجهة مثيرة ستكون التاسعة بين كلوب وبوكيتينو
TT

كلوب وبوكيتينو يعيدان إلى كرة القدم الإنجليزية أهم صفاتها الجميلة

يلتقي ليفربول وتوتنهام اليوم في مواجهة مثيرة ستكون التاسعة بين كلوب وبوكيتينو
يلتقي ليفربول وتوتنهام اليوم في مواجهة مثيرة ستكون التاسعة بين كلوب وبوكيتينو

تعلمت كرة القدم الإنجليزية، بكل تأكيد، الكثير من الدروس والعبر من المبالغة في الحديث عن «الجيل الذهبي» لكرة القدم الإنجليزية في أوقات وفترات سابقة. لكن في ظل وصول أربعة أندية إنجليزية لدور الثمانية في دوري أبطال أوروبا خلال الموسم الحالي، وفي ضوء المستوى المميز والنتائج الرائعة للمنتخب الإنجليزي الأول الذي يضم مجموعة رائعة من اللاعبين الصغار في السن، قد يكون من المنطقي أن نعترف بأن هناك شعورا عميقا بالإيجابية والأمل لكرة القدم الإنجليزية خلال السنوات المقبلة. وقد يكون هذا صحيحا عندما ننظر فقط إلى ما يحدث داخل أرض الملعب، ونتجاهل جبل الجليد الذي يلوح في الأفق نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي!
ويعود جزء كبير من هذا النجاح إلى المديرين الفنيين اللذين سيتواجهان على ملعب «آنفيلد» اليوم الأحد، وهما الألماني يورغن كلوب والأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو، ليس فقط لأنهما قادا ليفربول وتوتنهام هوتسبير للتأهل لدور الثمانية في دوري أبطال أوروبا، ولكن أيضا لأنهما ساهما في تطوير أداء عدد كبير من اللاعبين الذين انضموا بعد ذلك للمنتخب الإنجليزي الأول – ضمت تشكيلة المنتخب الإنجليزي التي فازت على جمهورية التشيك ومنتخب مونتينيغرو أربعة لاعبين من توتنهام هوتسبير واثنين من لاعبي ليفربول. ولولا الإصابات، لضم المدير الفني للمنتخب الإنجليزي، غاريث ساوثغيت، لاعبين آخرين من توتنهام هوتسبير ولاعب آخر من ليفربول، من دون احتساب ناثانيل كلاين وآدم لالانا. ويعني ذلك أن هذين المديرين الفنيين قد غيرا الثقافة السائدة في كرة القدم الإنجليزية.
ويمكن وصف كلا من كلوب وبوكيتينو بأنهما مديران فنيان من الطراز الحديث؛ حيث يعتمد كل منهما على الضغط العالي على الفريق المنافس، رغم أن كلا منهما ينتمي إلى مدرسة تدريبية مختلفة عن الآخر، فقد تعلم بوكيتينو على يد المدير الفني الأرجنتيني المخضرم مارس (آذار)يلو بيلسا، في حين يعد كلوب جزءا مما يمكن أن نطلق عليه مدرسة المفكرين الألمان الذين تأثروا بشدة بأفكار المدير الفني الإيطالي أريجو ساكي. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن بوكيتينو وكلوب اثنان من أهم المديرين الفنيين في عالم كرة القدم وربما يكونا الأفضل منذ الفترة القصيرة التي هيمن فيها برشلونة على كرة القدم العالمية بقيادة المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا.
لكن ربما يكون الشيء الأهم هو أن كلا منهما قد وجد القوة التقليدية لكرة القدم الإنجليزية بمثابة البيئة المثالية لتطبيق أفكاره؛ حيث يتعامل كل منهما مع كرة القدم على أنها مسابقة جسدية وبدنية في المقام الأول. ورغم أن هذا الأمر كان يبدو محرجا ومسيئا لكرة القدم الإنجليزية في البداية، إلا أنه أثبت أنه الطريقة الأفضل للمنافسة في عالم كرة القدم. وبعد العصر الذي كان يعتمد بصورة كبيرة على التمرير القصير، جاء عصر آخر يصعب تحديده، أو بالأحرى عصرا يعترف بأهمية التمرير لكنه يرى أن المهارات الفردية أيضا مهمة ويرى أنه ربما لن يكون لذلك أهمية كبيرة إذا لم تُلعب كرة القدم بسرعة كبيرة وقوة بدنية هائلة.
وقد كان هذا هو الحال عندما لم تكن كرة القدم الإنجليزية تتفاعل بشكل منتظم مع أعلى المستويات في كرة القدم الأوروبية، وهو ما كان يؤدي لشعور الأندية والمنتخبات الإنجليزية بعدم الثقة. لكن في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، وفي محاولة لإيجاد حلول مناسبة بعد المعاناة في بطولة كأس الأمم الأوروبية عام 1992 والفشل المهين في التأهل لكأس العالم 1994. حاولت كرة القدم الإنجليزية تقليد أي نموذج آخر للتغلب على هذا الفشل.
وكان الجميع قد نسى أن الأندية الإنجليزية قد سيطرت على أوروبا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وكان من الممكن أن تلعب الأندية الإنجليزية كرة القدم بقوة بدنية كبيرة من دون وحشية أو عنف، وكان من الممكن أن نلعب بشكل مباشر دون أن تلجأ إلى الكرات الطولية إلى أطراف الملعب أو إلى الأمام إلى مهاجم عملاق من أجل استغلال الكرات الهوائية بشكل ممل. وقد تغلب كلوب وبوكيتينو على هذه العيوب وساعدا فريقيهما على تقديم كرة قدم تعتمد على القوة البدنية الهائلة واللعب الجماعي الممتع والمثير في نفس الوقت. وكما قال بوكيتينو عندما تولى قيادة نادي ساوثهامبتون، فإن ما كان ضرورياً هو أن «يؤمن اللاعبون الإنجليز حقاً بموهبتهم وقدراتهم الكامنة والموجودة في لاعبي كرة القدم الإنجليز».
وفي الحقيقة، كان الضغط الذي يميز كرة القدم التي يعتمد عليها كلوب وبوكيتينو، موجودا بالفعل في كرة القدم الإنجليزية منذ الستينيات من القرن الماضي. وبالطبع، فإن كرة القدم التي يقدمها كل منهما الآن ليست هي نفسها كرة القدم التي كان يلعبها ليفربول أو نوتنغهام فورست أو إبسويتش تاون قبل أربعة عقود، لكنها تشترك معها في بعض المبادئ الأساسية. إن مشاهدة توتنهام هوتسبير وهو يسيطر تماما على مجريات الأمور من الناحية البدنية أمام يوفنتوس الإيطالي الموسم الماضي (رغم الخسارة) أو رؤية ليفربول وهو يطيح بالخصم بعد الآخر في دوري أبطال أوروبا يذكرنا بالديناميكية التي كانت تتسم بها كرة القدم الإنجليزية في وقت سابق.
من جهته دافع كلوب عن عدم إبرام توتنهام لأي صفقات هذا الموسم. وقال كلوب إنه يجب الإشادة بما فعله توتنهام هوتسبير بعدم التعاقد مع أي لاعب جديد وأكد أن مدربه بوكيتينو يستحق التقدير على عدم إنفاق أموال في آخر فترتي انتقالات. وأصبح توتنهام أول فريق في حقبة الدوري الإنجليزي الممتاز بشكله الحالي لا يتعاقد مع أي لاعب جديد في فترتي انتقالات متتاليتين لكن رغم الافتقار للوجوه الجديدة فإنه يبدو في طريقه لإنهاء المسابقة في المربع الذهبي للموسم الرابع على التوالي.
وقال كلوب قبل مواجهة توتنهام اليوم الأحد: «في إنجلترا، دولة الانتقالات، إذا لم تبرم صفقات فإن هذا يجذب الاهتمام بشدة». وكان فريق بوكيتينو يتنافس مع ليفربول ومانشستر سيتي في السباق على اللقب حتى فبراير (شباط) لكنه تراجع بفارق 15 نقطة عن القمة. وربما يمثل ملعب توتنهام الجديد، البالغ سعته 62 ألف متفرج، عائقا ماليا أمام إبرام الصفقات، خاصة أن التقديرات الأولية كانت تقول إن تكلفته ستبلغ نحو 700 مليون جنيه إسترليني (913 مليون دولار) قبل أن تقفز إلى مليار جنيه إسترليني.
وقال كلوب: «أنا متأكد أن ماوريسيو بوكيتينو كان سيحب إضافة لاعبين لكن الفريق الأول لتوتنهام من الصعب أن يتحسن. إذا كنت تملك التشكيلة المناسبة فلا يوجد ما يدفعك إلى الانشغال في سوق الانتقالات. لكن الفريق الموجود نفسه يمكن تطويره. وربما يكون اللاعب المتاح أفضل من اللاعب الذي تود ضمه». وأضاف: «أحترم أسلوبه كثيرا. في النهاية يجب علينا اتخاذ قراراتنا. لا أعرف لماذا حدث ذلك، لكن في أغلب الأحيان عندما لا تبرم صفقات يكون ذلك بسبب المال».


مقالات ذات صلة


«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)

أُوقِف 141 شخصاً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، في باريس وضواحيها، على هامش الاحتفالات المرتبطة بمواجهة فرنسا وإسبانيا في الدور نصف النهائي من «مونديال 2026»، وفق حصيلة أولية صادرة عن مديرية شرطة باريس.

وأوضحت المديرية أن هذه التوقيفات مرتبطة، بشكل رئيس، «لاستخدام مقذوفات الألعاب النارية الموجهة ضد قوات الأمن وخدمات الطوارئ». ووفق المصدر نفسه، لم تُسجَّل إصابات خطرة.

وأُقصي المنتخب الفرنسي من المربع الذهبي للعرس الكُروي العالمي بخسارته أمام إسبانيا 0-2. وفي العام الماضي، وفي التاريخ نفسه، أُوقِف 175 شخصاً. وخلال ليلة 13- 14 يوليو (تموز) الحالي، «أُوقف 98 شخصاً، مقابل 176» العام الماضي.

ونُشر نحو 7000 عنصر من الشرطة والدرك في باريس وضواحيها يومي 13 و14 يوليو.


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.


هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
TT

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة بحدود مستطيلة لتسعين دقيقة، بل هي مرآة للشعوب، ومسرحاً تُصفى عليه الحسابات التي عجزت عنها أروقة الدبلوماسية. وفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو (تموز) 2026، تتجه أنظار العالم صوب ملعب «مرسيدس بنز» في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، حيث يلتقي عملاقا الكرة الأرضية، الأرجنتين وإنجلترا، في نصف نهائي مونديال 2026، في مواجهة تتجاوز التكتيك الكروي لتنبش في دفاتر التاريخ الساخنة.

هذه الموقعة ليست مجرد بطاقة عبور للنهائي الكبير، إنها استدعاء مباشر لروح عام 1982، وتلك البقعة الصخرية الباردة في جنوب المحيط الأطلسي المعروفة بـ«جزر الفوكلاند» (أو المالوين كما يسميها الأرجنتينيون).

صورة ترصد الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس برودسورد» وهي تبحر بجانب حاملة الطائرات «إتش إم إس هيرميس» في مياه جنوب المحيط الأطلسي خلال مشاركتهما في عمليات حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

النزاع العسكري العنيف الذي دار بين البلدين، والذي خلَّف جراحاً غائرة في الوجدان النرجسي لـ«التانغو» وسيادة «التاج البريطاني»، يعود ليفرض ظلاله السياسية والوجدانية على عقول اللاعبين والجماهير على حد سواء.

صورة توثق أكواماً من الأسلحة والمعدات العسكرية التي خلَّفها الجنود الأرجنتينيون وراءهم في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلامهم للقوات البريطانية وانتهاء حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

صراع الجزر والسيادة: الجرح الذي لم تندمل ندوبه

في ربيع عام 1982، اندلعت حرب مباغتة دامت 74 يوماً بين بريطانيا والأرجنتين حول السيطرة على جزر الفوكلاند. انتهت المعارك بانتصار عسكري إنجليزي حاسم واستعادة لندن للسيطرة على الجزر، مما خلّف مئات الضحايا الأرجنتينيين، ومعهم مرارة وطنية جارفة في بوينس آيرس.

صورة التُقطت في 19 مايو 1982 تُظهر طائرات «هاريير جي آر 3» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وطائرات «سي هاريير إف آر إس 1» التابعة للبحرية الملكية مصطفَّةً على ظهر حاملة الطائرات «إتش إس هيرميس» خلال توجهها لخوض معارك حرب الفوكلاند (ويكيبيديا)

بالنسبة للأرجنتينيين، لم تكن الهزيمة العسكرية نهاية المطاف، بل تحولت «المالوين» إلى عقيدة شعبية وقضية أرض مغتصبة تُرجمت لاحقاً في كل محفل يجمع اللونين الأزرق السماوي والأبيض، ضد اللون الأبيض الإنجليزي.

صورة توثق أسرى الحرب الأرجنتينيين في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلام القوات الأرجنتينية للقوات البريطانية في نهاية حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

من خنادق المالوين إلى عشب «أزتيكا»: معجزة مارادونا 1986

بين جيلَي مارادونا وميسي... هل تستمر تبعات أزمة فوكلاند عند مواجهة إنجلترا (رويترز)

لم ينتظر الأرجنتينيون طويلاً لتصفية الحساب الرمزي. ففي عام 1986، وعلى أرض المكسيك، التقى المنتخبان في ربع النهائي. هناك، تقمص الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا دور «المنتقم الشعبي»، لم يكتفِ بإقصاء الإنجليز، بل فعل ذلك بطريقة تداخلت فيها الخديعة بالعبقرية الساحرة.

هدف مارادونا الذي لا يزال يعدُّ أكثر لقطات المونديال جدلاً في التاريخ (د.ب.أ)

من «يد الله» التي هزت شباك بيتر شيلتون، إلى هدف القرن الذي راوغ فيه نصف إنجلترا، صرّح مارادونا لاحقاً بوضوح: «كنا نقول إن المباراة لا علاقة لها بالحرب، لكننا كنا نعلم أن شباننا ماتوا هناك.. لقد كانت حرباً بالنسبة لنا».

هذا الإرث هو ما يمنح مواجهة اليوم ثقلاً دراماتيكياً لا يتكرر في أي ديربي آخر حول العالم.

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

لغة الأرقام تبوح بأسرارها: تفوق إنجليزي تاريخي تبدده عُقدة «الإقصاء» الأرجنتينية

لا تتوقف الإثارة عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد إلى دفاتر «فيفا» التي تكشف عن صراع أرقام محموم، إذ التقى العملاقان تاريخياً في 15 مواجهة بين مونديالية وودية، تميل فيها الكفة الإحصائية العامة لصالح «الأسود الثلاثة» بستة انتصارات مقابل أربعة لـ«التانغو»، بينما خيّم التعادل على خمس مواجهات أخرى.

ورغم هذا التفوق الرقمي الإنجليزي في الحصيلة العامة، فإن الموازين النفسية والتاريخية تتبدل تماماً بمجرد وضع هذا التاريخ تحت مجهر الأدوار الإقصائية الحاسمة في كأس العالم.

منتخب إنجلترا (رويترز)

فمنذ موقعة عام 1966 المثيرة للجدل التي حسمتها إنجلترا على أرضها، عجز الإنجليز تماماً عن إقصاء الأرجنتين في أي دور لخروج المغلوب، حيث كانت الأرجنتين دائماً صاحبة الكلمة الدرامية العليا والضربة القاضية، سواء تجلى ذلك في عبقرية مارادونا الفذة وتمرده التاريخي في المكسيك عام 1986، أو عبر ركلات الترجيح القاتلة في فرنسا عام 1998 التي شهدت طرد ديفيد بيكهام وانكسار جيل بريطاني ذهبي كامل.

صورة مركَّبة تجمع بين حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحارس إنجلترا جوردان بيكفورد (أ.ف.ب)

هذا التناقض الصارخ بين التفوق الإنجليزي الشرفي وعقدة «الحياة أو الموت» أمام الأرجنتين، يمنح موقعة أتلانتا بعداً نفسياً مرعباً، يضع كتيبة توخيل أمام تحدي كسر اللعنة التاريخية، بينما يمنح رفاق ميسي ثقة متوارثة بأن الأرجنتين في مواجهات كسر العظم تظل دائماً الرقم الصعب الذي لا يلين.

أتلانتا 2026: رقصة ميسي الأخيرة في مواجهة طموح بلاد الضباب

في هذا المنعطف التاريخي من مونديال 2026، تبدو الحسابات الفنية معقدة ومشحونة بالطموحات الكبرى:

كتيبة الأرجنتين والدفاع عن العرش

يدخل رجال المدرب ليونيل سكالوني المباراة بصفتهم حاملي اللقب، وفي أذهانهم هدف واحد يتمثل في منح الأسطورة ليونيل ميسي نهاية سينمائية لقصته المونديالية الاستثنائية.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

الأرجنتين التي عانت الأمرين للوصول إلى هذا الدور بعد تجاوزها عقبة سويسرا في ربع النهائي، ومصر في ثمن النهائي، بروح قتالية عالية، تعتمد على دهاء ميسي، وتحركات إيماليانو مارتينيز في حراسة المرمى، والشباب النابض في خط الوسط، لإحباط المخطط الإنجليزي.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

طموح إنجلترا وإنهاء 60 عاماً من العقدة

على الجانب الآخر، يقف الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، الذي أعاد صياغة شخصية «الأسود الثلاثة» ببراعة وتطلّب صارم.

تسعى إنجلترا لإنهاء ستة عقود من العقدة التاريخية والغياب عن منصات التتويج العالمية منذ عام 1966.

الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا وقائده هاري كين (رويترز)

الفريق الذي يرتكز على صلابة النجم الشاب جود بيلينغهام، الذي قاد الفريق ببراعة أمام المكسيك والنرويج والهداف الخبير هاري كين، يرى في هذه الموقعة البوابة الشرعية لكتابة تاريخ جديد يتجاوز عقدة الماضي.

صراع العقول التكتيكية: سكالوني وتوخيل على رقعة الشطرنج

سكالوني في حديث مع القائد ميسي (رويترز)

المواجهة لن تكون داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل ستكون معركة تكتيكية معقدة بين عقلين مختلفين تماماً، إذ يراهن سكالوني على العاطفة الجياشة الممزوجة بالصبر التكتيكي، والتحولات السريعة التي تخدم عبقرية ميسي في الثلث الأخير.

توماس توخيل وجود بيلينغهام (رويترز)

في المقابل، يفرض توخيل أسلوباً براغماتياً صارماً، يركز على الهيمنة البدنية، والضغط العالي، واستغلال أنصاف الفرص عبر تحركات بيلينغهام القادم من الخلف.

صورة مركَّبة تجمع بين لاعب وسط إنجلترا جود بيلينغهام ومهاجم الأرجنتين لاوتارو مارتينيز (أ.ف.ب)

ستنطلق صافرة البداية في أتلانتا، ممتصةً كل صخب مدرجات «مرسيدس بنز»، لكنها لن تحجب أصوات الماضي الجاثم في الصدور. فالإنجليز يبحثون عن مجد كروي طال انتظاره، بينما يلعب الأرجنتينيون كعادتهم من أجل الكبرياء، ومن أجل ميسي، ومن أجل الأرواح التي غادرت يوماً في صقيع الفوكلاند.