المحكمة الأميركية العليا تحكم لصالح السودان في قضية المدمرة كول

TT

المحكمة الأميركية العليا تحكم لصالح السودان في قضية المدمرة كول

طلبت منظمة حقوقية دولية من الحكومة التونسية منع الرئيس السوداني عمر البشير من دخول أراضيها، أو توقيفه، حال مشاركته في القمة العربية المزمع عقدها نهاية الشهر الحالي، باعتباره مطلوباً للعدالة الدولية. وفي غضون ذلك، حكمت المحكمة الأميركية العليا لصالح الحكومة السودانية بشأن تعويضات ضحايا تفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» في الساحل اليمني عام 2000.
ونقلت صحيفة «آخر لحظة» المقربة من الحكومة السودانية، الأسبوع الماضي، أن الرئيس البشير سيقود وفد بلاده المشارك في أعمال «الدورة الثلاثين لمجلس جامعة الدول العربية» في تونس نهاية الشهر الحالي، وذلك على الرغم من كون تونس واحدة من الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، التي تطالب بتوقيفه بتهم تتعلق بجرائم الحرب في إقليم دارفور.
ودعت مديرة قسم العدالة الدولية في منظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية «هيومن رايتس ووتش» أليس كيبلر، تونس لإبداء التزامها بالعدالة الدولية، ومنع البشير من دخول أراضيها، أو اعتقاله حال وصوله البلاد.
وأضافت: «البشير هارب دولي، ويجب أن يكون في لاهاي، لمواجهة التهم الموجهة إليه، لا أن يحضر مؤتمرات قمة، يستضيفها أعضاء المحكمة الجنائية الدولية».
وشددت كيبلر على أن السماح للبشير بدخول تونس دون توقيفه، يناقض التزام تونس بدعم تلك المحكمة والتعاون معها، بحسب «نظام روما الأساسي»، وأشارت إلى تأكيد سفير تونس بالتزام بلاده الصارم تجاه نظام روما، أثناء اجتماع الدول الأعضاء في المحكمة، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وإعلان دعم بلاده من دون تحفظ لـمحاربة إفلات مرتكبي الجرائم التي تهدد المجتمع الدولي.
وكانت بعض الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، قد سمحت للبشير دخول أراضيها دون توقيفه، فيما تجنبت أخرى دخوله أراضيها، بنقل الاجتماعات المقررة مشاركته فيها إلى بلد آخر، أو الطلب من السودان إرسال ممثلين آخرين، أو غير ذلك.
ففي 2009 أعلنت كل من دولتي بتسوانا والدنمارك أن البشير سيواجه خطر التوقيف إذا دخل أراضيهما، فيما رفضت مالاوي دخوله أراضيها، ونقلت اجتماع قمة الاتحاد الأفريقي.
واضطر البشير لإلغاء زيارة إلى زامبيا في 2010، بسبب دعوات لاعتقاله حال وصوله البلاد، وفي 2013 عاد البشير على عجل من نيجيريا بعد شكوى قدمها نشطاء للمطالبة باعتقاله.
من جهة أخرى، حكمت المحكمة العليا الأميركية لصالح الحكومة السودانية، في القضية المرفوعة ضدها من ضحايا تفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» على السواحل اليمنية عام 2000، واتهمت السودان بدعم العملية الإرهابية التي أدت إلى تفجير المدمرة.
وبحسب تقارير صحافية أميركية، فإن المحكمة العليا الأميركية، قضت بعدم أحقية البحارة ضحايا العملية، في الحصول على مبلغ 314.7 مليون دولار أميركي تعويضاً عن دور للحكومة السودانية، التي تنفي دعم الهجوم الذي نفذته «القاعدة».
وألغى قضاة المحكمة العليا قرار المحكمة الابتدائية، الذي سُمح بموجبه للبحارة بتحصيل التعويضات من بنوك تملك أصولاً سودانية، وفقاً لما نقلته صحيفة «يو إس تودي» أمس.
وكانت المحكمة الابتدائية قد حكمت لصالح 15 بحاراً مصابين، و3، بمقاضاة الحكومة السودانية في واشنطن 2010، رغم وجود وجهة نظر تعتبر إرسال الدعوى الجنائية إلى السفارة الأميركية انتهاكاً للحصانات السيادية الأجنبية.
وساندت إدارة الرئيس دونالد ترمب الحكومة السودانية، وأبلغت القضاة أن الحكم ضد الخرطوم سيؤثر على معاملة الحكومة الأميركية من قبل محاكم أجنبية، لأن الإدارة الأميركية ترفض الإشعارات القضائية المقدمة لسفاراتها.
وانتقد البحارة موقف إدارة الرئيس ترمب، واعتبروه ماساً بحقوق قدامى المحاربين، ووقوفاً مع دولة راعية للإرهاب.
ونفذ رجلان هجوماً بقارب مفخخ على حاملة الصواريخ الموجهة، أثناء تزويدها بالوقود في ميناء عدن اليمني، 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2000، وأسفر الهجوم عن مقتل 17 بحاراً، وإصابة أكثر من 30، وألحق أضراراً بليغة بالمدمرة.
وأصدر قاضٍ اتحادي أميركي عام 2012، حكماً ابتدائياً بتعويض قدره 314.7 مليون دولار على حكومة السودان، بواقع 4 إلى 30 مليون دولار لكل ضحية، ولاحقاً أمر قاضٍ آخر بعض البنوك الأميركية بتسليم أصول سودانية بحوزتها، للوفاء بالحكم جزئياً، وأيدت محكمة استئناف الدائرة الأميركية الثانية في نيويورك تلك الأوامر في 2015.
واستمراراً للاحتجاجات السودانية المطالبة بتنحي الرئيس عمر البشير، أعلن «تجمع المهنيين السودانيين» تنظيم مظاهرات حاشدة في مدينة «ود مدني» حاضرة ولاية الجزيرة، يوم غد (الخميس)، تزامناً مع موكب الخميس الموحد في العاصمة الخرطوم.
وأعلن «تجمع المهنيين السودانيين» - فرع الجزيرة، أمس، تسيير موكب، يوم غد (الخميس)، عند الواحدة ظهراً، أسوة بما درج عليه «التجمع المهني المركزي»، معتبراً الموكب «تصعيداً للحراك المنتظم في ود مدني وما حولها»، وقال: «ندعوكم إلى المشاركة في الموكب انتصاراً لإرادة التغيير، ورغبة الانعتاق، وامتداداً لإرث مدني تليد من النِّضال».
ودرجت «ود مدني» التي تعد ثانية مدن البلاد بعد العاصمة الخرطوم، على تنظيم وقفات احتجاجية طوال الفترة الماضية، وقال التجمع: «موكب الخميس تكملة للمظاهرات الليلية، والحملات والأنشطة التوعوية» التي يقيمها، باعتباره أحد الموقعين على «إعلان الحرية والتغيير».
كما أعلنت مدينة «بارا» بولاية شمال كردفان، عن تنظيم موكب في ذات التاريخ، يتجه إلى الهيئة القضائية في المدينة، فيما ينتظر أن تعلن مدن سودانية أخرى مشاركتها في مواكب الخميس.
وفي الأثناء، تواصلت حملة المقاطعة الاقتصادية، التي أطلقتها قوى «تحالف الحرية والتغيير» في 22 مارس (آذار) الحالي، باعتبارها وسيلة مقاومة سلمية فعالة، تستهدف «تجفيف موارد الأجهزة القمعية للنظام والتعجيل بإسقاطه».
وتستهدف الحملة بشكل أساسي صحيفتي «المجهر السياسي»، و«ألوان» المملوكتين لأعضاء الحزب الحاكم، وفضائيتي «سودانية 24» و«أم درمان»، إضافة إلى «بنك أم درمان الوطني»، ومستشفيات «الزيتونة، ويستبشرون، وعلياء»، وشركة «سين للغلال»، وشعار الحملة «نقفل البلف على لصوص المال العام».
فيما شهدت الخرطوم وقفات احتجاجية، في عدد من المواقع، تنفيذاً لجدول المقاومة المعلن، والمستمر حتى 6 أبريل (نيسان) المقبل، ذكرى الانتفاضة السودانية، التي أطاحت حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري 1985، والتي عملت قوى المعارضة على تنظيم موكب كبير بمناسبتها.
وكان صحافيون قد نظموا، أول من أمس، موكباً سلمياً وسط العاصمة الخرطوم، حملوا خلاله لافتات تدعو للحرية والسلام والعدالة، رتبته «شبكة الصحافيين السودانيين»، بعد أن أحاطت تنظيم الموكب بسياج من السرية والكتمان، فاجأ الأجهزة الأمنية.
و«شبكة الصحافيين السودانيين» تنظيم صحافي موازٍ لاتحاد الصحافيين الحكومي، وهي جزء من «تجمع المهنيين السودانيين» الذي يقود الاحتجاجات منذ اندلاعها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وردد الصحافيون المحتجون هتافات: «صحافة حرة، أو لا صحافة، حرية سلام وعدالة، والثورة خيار الشعب»، كما طالب الموكب بالإفراج عن رئيس تحرير صحيفة «التيار» المستقلة، المعتقل منذ 22 فبراير (شباط) الماضي.
ولم تفلح الأجهزة الأمنية في الوصول إلى مكان الموكب «المفاجئ»، بسبب توقيته خارج جدول المظاهرات المعتاد، وسرية تنظيمه، إلا بعد استمرار الموكب نحو الساعة.
ووصفت «شبكة الصحافيين السودانيين» الموكب بأنه كان مباغتاً، ووصفته بأنه جاء «اختباراً وتطوراً لوسائل المقاومة السلمية»، وتعهدت باستمرار الاحتجاجات حتى إسقاط «نظام الطغمة الفاسدة المفسدة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.