هل يتراجع استهلاك اللحوم عربياً؟

ثورة عالمية في إنتاجه

إنتاج اللحوم معملياً
إنتاج اللحوم معملياً
TT

هل يتراجع استهلاك اللحوم عربياً؟

إنتاج اللحوم معملياً
إنتاج اللحوم معملياً

في شهر أغسطس (آب) 2013، شهد العالم أول اختبار تذوق للحم مصنع في أنابيب اختبار قام بتطويره مجموعة من الباحثين في جامعة ماستريخت الهولندية، من مجموعة خلايا جذعية بقرية، بتمويل من سيرجي برين، الشريك المؤسس لمحرك البحث «غوغل»، وبكلفة تجاوزت 300 ألف دولار. محور الاختبار إنتاج شطيرة «لحم اصطناعي» تزن 130 غراماً فقط، وكانت النتيجة أن الطعم قريب من مذاق اللحم الحيواني.
لا تعدو إمكانية تصنيع لحوم في المختبرات كونها واحدة من بين التطورات الكثيرة في عالم الغذاء المتغير دوماً، وهي بفكرتها الاستثنائية وأسلوبها غير الطبيعي تمثل نقطة تحول ثالثة في علاقة الإنسان مع الحيوانات التي تستهلك كطعام. وتبقى التربية المكثفة للمواشي والدواجن هي الناظمة لإنتاج اللحوم في العالم حالياً، أما ظهور سوق ترتكز على اللحوم الاصطناعية فهو حلم قد يتحقق في المستقبل المنظور. فالأمور متداخلة، وفي كل بلد يقترن إنتاج اللحوم بالسياسات الاقتصادية وطبائع المجتمع ونظم الإنتاج، وهذا يترك أثراً واضحاً على البيئة والإنسان والحيوان.

- آثار سلبية على البيئة
في جميع أنحاء العالم، يجري تخصيص المزيد من الموارد لإنتاج اللحوم. وعلى عكس ما هو شائع، فإن قطاع تربية المواشي، لا صناعة الأخشاب، هو المحرك البشري الأول لإزالة الغابات عالمياً. ووفقاً لمنظمة «غرينبيس»، يعد إنتاج اللحم البقري مسؤولاً وحده عن 14 في المائة من المساحات التي يجري اقتطاعها من الغابات حول العالم سنوياً، كما أنه العامل المباشر الذي تسبب في إزالة 80 في المائة من مجمل المساحات المقطوعة ضمن غابات الأمازون.
وكانت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) قد أجرت في سنة 2006 تقييماً للآثار البيئية الناجمة، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن صناعة اللحوم. وفي تقريرها «الظل الطويل للثروة الحيوانية»، أشارت «الفاو» إلى أن قطاع المواشي والدواجن مسؤول عن 18 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة المسببة للاحترار العالمي، وهذا يفوق ما يتسبب به قطاع النقل بأكمله.
وجاءت دراسة أعدها باحثون في جامعة أكسفورد البريطانية سنة 2018 متوافقة مع تقديرات «الفاو»، حيث خلصت إلى أن إنتاج الطعام مسؤول عن 26 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة، وأن المنتجات الحيوانية تتسبب بنحو 58 في المائة من الانبعاثات المرتبطة بإنتاج الطعام عالمياً، رغم أنها لا توفر لمتناوليها أكثر من 20 في المائة من السعرات الحرارية التي يحصلون عليها عبر الغذاء.
وتقول دراسة جامعة أكسفورد إن تجنب تناول اللحوم والألبان قد يخفض ما ننتجه من غازات الاحتباس (أو بصمتنا الكربونية) من الطعام بنحو الثلثين. ولا يقل عن ذلك أهمية معرفة أين تنتج الأطعمة التي نتناولها، والكيفية التي تُنتج بها، حيث يمكن للمواد الغذائية نفسها أن تترك آثاراً بيئية متباينة من مكان إلى آخر. فعلى سبيل المثال، ينتج عن الماشية التي ترعى على أراضي الغابات الجرداء 12 ضعف كمية غازات الدفيئة التي تتسبب بها الماشية التي ترعى في الحقول الطبيعية. وتؤدي لحوم البقر المنتجة في أميركا اللاتينية إلى انبعاث 3 أضعاف كمية الغازات المسببة للاحترار العالمي التي تعزى للحوم البقر المنتجة في أوروبا، نتيجة تربيتها على مساحات أرض تزيد بعشر مرات.
ويستخدم البشر نحو ربع مساحة اليابسة لرعي المواشي وتربية الدواجن. كما يخصصون 43 في المائة من الأراضي الحقلية لإنتاج الأعلاف، أو ما يعادل 14 مليار هكتار من الأراضي الزراعية في سنة 2016. وبالتالي، فإن الأرض المخصصة للإنتاج الحيواني تمثل 30 في المائة من مساحة اليابسة، إذا استثنينا السطوح الجليدية.
ويمتد تأثير إنتاج اللحوم ليطال الموارد المائية العذبة، حيث أظهرت دراسة أعدها باحثون سويديون، ونشرت في مجلة «سياسة الغذاء» سنة 2016، أن إنتاج كيلوغرام واحد من لحوم البقر يحتاج إلى 15500 لتر من الماء، بينما يمكن استخدام الكمية ذاتها لإنتاج 12 كيلوغراماً من القمح، و118 كيلوغراماً من الجزر.
ويُقدر أن إنتاج الأعلاف حول العالم مسؤول عما نسبته 15 في المائة من كميات المياه الجوفية التي يجري ضخها سنوياً، لا سيما في منطقة السهوب المرتفعة جنوب الولايات المتحدة، وأجزاء كثيرة من الهند والصين وبوتسوانا. وفي السعودية، كانت كمية المياه التي تستهلكها زراعة الأعلاف الخضراء تساوي 17 مليار متر مكعب، في مقابل 3 مليارات متر مكعب يستهلكها القطاع السكني والتجاري سنوياً، وهذا ما دفع الحكومة السعودية إلى البدء في تطبيق حظر على زراعة الأعلاف للحفاظ على الموارد المائية، اعتباراً من مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2018.

- تضاعف في الإنتاج العالمي
تتداخل في صناعة تربية الماشية المكثفة كثير من العوامل السياسية والاقتصادية، إلى جانب تداعياتها البيئية والأخلاقية، لأن هذا النوع من السلع يتسبب بأضرار بيئية واضحة، ويحظى في المقابل بتواطؤ السلطات. وهذه الأضرار تزداد سنة بعد سنة، بعدما دخل العالم في «ثورة بنية»، حيث أنتج المزارعون 276 مليون طن من أنواع اللحوم المختلفة في سنة 2007، وهذا يعادل 4 أضعاف ما أُنتج في سنة 1961. ومنذ ذلك الحين، ارتفع هذا الرقم إلى 323 مليون طن في سنة 2017، أي بزيادة 17 في المائة في غضون 10 سنوات.
ويقدر تقرير «التوقعات الزراعية 2018 - 2027»، الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة (فاو) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن يرتفع إنتاج العالم من اللحوم بمقدار 15 في المائة في غضون السنوات العشر التالية. ومن المتوقع أن تستأثر البلدان النامية بأغلبية الزيادة الكلية في الإنتاج، بفضل اتساع استخدام نظم التغذية المكثفة التي تقوم على الحبوب.
ويشير التقرير إلى تناقص في الطلب العالمي على لحوم الدواجن والخنزير، في مقابل زيادة الطلب على لحوم العجول والخراف، لا سيما لدى المستهلكين في البلدان النامية، وذلك بفضل نمو الدخل الذي يسمح بتنويع مصادر البروتين الحيواني، لتشمل المنتجات ذات السعر الأعلى، مثل اللحوم الحمراء.
ومن الواضح أن النمو المتسارع في إنتاج اللحوم خلال السنوات الخمسين الماضية كان نتيجة زيادة عدد سكان العالم إلى أكثر من الضعف، إلى جانب ارتفاع مستوى الدخل العالمي إلى أكثر من 3 أضعاف خلال الفترة ذاتها. ولكن الزيادة في كميات اللحوم المعروضة لم تكن لتتحقق من دون تطور آليات الإنتاج الصناعي المكثف، التي سمحت لعدد محدود من الشركات الضخمة بالسيطرة على أغلبية إنتاج البروتين الحيواني حول العالم.
وحسب المعطيات الأخيرة الواردة في تقرير «التوقعات الزراعية 2018 - 2027»، يحظى سكان أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) بأعلى حصة من اللحوم عالمياً، حيث استهلك الفرد الواحد سنوياً 94.36 كيلوغرام من اللحوم المختلفة، وفقاً لمتوسط السنوات بين 2015 و2017، في حين كان معدل الاستهلاك العالمي من اللحوم 34.26 كيلوغرام في السنة.
وكان للنمو الاقتصادي الكبير الذي شهدته بعض الدول، خصوصاً دول بريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا)، تأثير كبير في زيادة الاستهلاك العالمي، حيث تجاوزت حصة الفرد من اللحوم في هذه الدول 32 كيلوغراماً سنوياً. وإذا استثنينا الهند، حيث يقارب استهلاك الشخص 4 كيلوغرامات فقط في السنة بسبب المعتقدات الدينية، فإن باقي دول «بريكس» عرفت تضاعفاً في الاستهلاك. وفي الصين، على سبيل المثال، ارتفع استهلاك المواطن من اللحوم إلى 20 كيلوغراماً في نهاية ثمانينات القرن الماضي، بعدما كان في الستينيات لا يتجاوز 5 كيلوغرامات في السنة. وفي السنوات الأخيرة، تجاوز الاستهلاك 60 كيلوغراماً.

- اتجاهات متباينة عربياً
ليس ببعيد عن معدلات استهلاك اللحوم في دول «بريكس»، تبلغ حصة الفرد الواحد في العالم العربي 25 كيلوغراماً في السنة. وللمقارنة، يمثل هذا الاستهلاك ضعف حصة الشخص في أفريقيا، حيث يبلغ المعدل 12.4 كيلوغرام، وهو أدنى استهلاك لمنطقة محددة في العالم.
لكن معدل الاستهلاك العربي يخفي خلفه تباينات واسعة، ترتبط بمعدلات الدخل الوطنية. فالدول الخليجية، إلى جانب لبنان والأردن، تستهلك اللحوم بكميات تفوق المعدل العالمي، وقد تجاوز الاستهلاك في الكويت والسعودية خلال سنوات محددة أكثر من 100 كيلوغرام للشخص في السنة. أما الدول الأقل دخلاً، بالإضافة إلى العراق والجزائر، فيتراوح الاستهلاك السنوي للفرد فيها ما بين 20 و30 كيلوغراماً في السنة.
وما يميز استهلاك اللحوم في العالم العربي اعتماده على الدواجن بشكل كبير، ثم على لحوم أنواع الماشية المختلفة، باستثناء لحم الخنزير، علماً بأن النوع الأخير هو الأكثر طلباً في السوق العالمية.
وفيما شهدت جيبوتي وموريتانيا تراجعاً في استهلاك اللحوم خلال السنوات الخمسين الماضية، فإن جميع الدول العربية عرفت زيادة ملحوظة في معدلات الاستهلاك. وتأثرت هذه الزيادة بالأوضاع الاقتصادية والسياسية، لا سيما بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وحرب الخليج الثانية 1990 - 1991، وتراجع أسعار النفط خلال العقد الأخير، واضطرابات الربيع العربي. ويؤكد تقرير «الأمن الغذائي.. تحديات وتوقعات»، الصادر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) سنة 2014، ضرورة أن تكون نظم الإنتاج الحيواني في العالم العربي مستدامة، وتراعي حماية البيئة، من خلال تخفيف التلوث، وتعزيز كفاءة استخدام المياه، والاستخدام المستدام للأراضي، كما يدعو التقرير إلى التقليل من استهلاك اللحوم، والتحوّل إلى استهلاك المزيد من الخضراوات والفاكهة والحبوب، من أجل حماية البيئة والصحة العامة في وقت واحد.
ويبدو أن الدول العربية لا تملك خياراً آخر سوى السير في هذا الاتجاه، نتيجة ندرة الموارد المائية المتاحة، ومحدودية الأراضي الصالحة للرعي، وزراعة الأعلاف. ولعل التحولات التي شهدتها البلدان الخليجية في السنوات القليلة الماضية، من خلال الحد من زراعة الأعلاف للحفاظ على المياه الجوفية، والسير في خفض الدعم الحكومي، كانت عاملاً مؤثراً في تراجع استهلاك اللحوم في الإمارات والكويت، وتباطؤ الاستهلاك في السعودية.


مقالات ذات صلة

19 ميناء و70 صومعة مطوَّرة... مصر تسعى للتحول «مركزاً دولياً للحبوب»

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة قبل أيام (الرئاسة المصرية)

19 ميناء و70 صومعة مطوَّرة... مصر تسعى للتحول «مركزاً دولياً للحبوب»

تحركات حكومية متواصلة في مصر تدفع نحو احتضان مركز عالمي لإمدادات الحبوب، وسط اضطرابات تواجهها السلاسل الغذائية مع كل تصعيد بالمنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
صحتك الأمعاء تتذكّر جيّداً ما نأكله كلّ يوم (بكسلز)

5 أطعمة تحمي أمعاءك... و5 أخرى تضرّها يومياً

ما الأطعمة المفيدة للأمعاء؟ وما الأطعمة الضارَّة التي يجب تجنّبها؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا ألقت الرئاسة التونسية باللوم على شبكات المضاربة بسبب الارتفاع الكبير للأسعار الذي ازداد وطأة بمناسبة عيد الأضحى (أ.ف.ب)

الرئيس التونسي يلقي باللوم على شبكات المضاربة في ارتفاع الأسعار

ألقت الرئاسة التونسية باللوم على شبكات المضاربة بسبب الارتفاع الكبير للأسعار، الذي ازداد وطأة بمناسبة عيد الأضحى.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم العربي 60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

تقرير أممي يحذر من تفاقم أزمة الغذاء في اليمن مع تراجع المساعدات وارتفاع أعداد المحتاجين إلى أكثر من 5 ملايين شخص خلال الأشهر المقبلة.

محمد ناصر (عدن)
شمال افريقيا مشاورات مصرية روسية موسعة لتعزيز التعاون في مجالات الأمن الغذائي (وزارة التموين المصرية)

القاهرة تُعمّق تعاونها مع موسكو لتدشين «مركز عالمي للحبوب»

تحركات مصرية لتعزيز تعاونها مع موسكو في مجالات عديدة منذ سنوات، كان أحدثها مناقشات متواصلة لتدشين مركز عالمي للحبوب في مصر، تزامناً مع اضطرابات سلاسل الإمداد.

محمد محمود (القاهرة)

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».


فرنسا تسمح بإعدام نحو 200 ذئب لحماية الماشية

مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
TT

فرنسا تسمح بإعدام نحو 200 ذئب لحماية الماشية

مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)

قالت وزيرة الزراعة الفرنسية، آني جونفار، الجمعة، إن السلطات الفرنسية سمحت بإعدام نحو ​200 ذئب، إذ تنتشر قطعان الذئاب في الأراضي الزراعية، وتتجول بالقرب من المدن الكبرى.

وأضافت أن هناك ما يزيد قليلاً على ألف ذئب في فرنسا، وأن الأجهزة التابعة للوزارة رفعت الحد الأقصى لعدد الذئاب ‌المسموح بإعدامها من ‌19 في المائة إلى ​21 ‌في المائة، أي ​ما يزيد قليلاً على 200 ذئب، ومن الممكن رفعه مرة أخرى إلى 23 في المائة.

وقالت وزيرة الزراعة لمحطة إذاعية فرنسية: «تتسبب الذئاب في أضرار متزايدة لمزارع الماشية لدينا، ما يضع المزارعين في حالة من التوتر والأذى الشديد».

وفي العام ‌الماضي، انتهى نقاش ‌حاد بين المزارعين وجماعات ​حماية الحيوانات بشأن ‌الذئاب التي يتزايد عددها وهجماتها على ‌الماشية، بتصويت في البرلمان الأوروبي أيد رأي المزارعين.

واتفق المشرعون الأوروبيون، في مايو (أيار) الماضي، على تخفيض تصنيف الذئب من «محمي بشكل صارم» إلى «محمي»، ما يعني أن دول الاتحاد الأوروبي يمكنها السماح بصيد الذئاب، شرط اتخاذ إجراءات تمنع تعرض هذه الحيوانات للانقراض.

وقالت المفوضية الأوروبية، التي اقترحت التغيير، إنه يستند إلى دراسة وتحليل معمقين، مع الأخذ في الاعتبار أن أعداد الذئاب تتزايد في أنحاء الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ عددها نحو 20300 ذئب في 2023، ما أدى إلى زيادة الأضرار التي تلحق بالماشية.