روحاني يدعو القضاء الإيراني إلى ملاحقة المسؤولين الأميركيين

مجلس تشخيص مصلحة النظام يرهن امتثال طهران لقوانين دولية بضمانات أوروبية

روحاني يدعو القضاء الإيراني إلى ملاحقة المسؤولين الأميركيين
TT

روحاني يدعو القضاء الإيراني إلى ملاحقة المسؤولين الأميركيين

روحاني يدعو القضاء الإيراني إلى ملاحقة المسؤولين الأميركيين

دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس، الجهاز القضائي الإيراني إلى ملاحقة المسؤولين الأميركيين بسبب فرض العقوبات على إيران، وقال إن الهدف من العقوبات الأميركية «إثارة القلق إزاء المستقبل» و«الانقسام» بين الإيرانيين، ووصفها بـ«الجريمة ضد البشرية»، مخاطباً الإدارة الأميركية بأنها لن تؤدي إلى انقسام أو استسلام الإيرانيين، في حين رهن سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام انضمام إيران إلى اتفاقية مجموعة «فاتف» الدولية بضمانات أوروبية.
وشكل الهجوم على سياسات الولايات المتحدة محور خطابين ألقاهما روحاني أثناء زيارته إلى ميناء بوشهر جنوب البلاد أمس لتدشين مراحل جديدة لتطوير حقل «بارس» الجنوبي للغاز الطبيعي مع قطر.
وطالب روحاني الجهاز القضائي الإيراني بملاحقة المسؤولين الأميركيين و«مصممي العقوبات» في الداخل والخارج الإيراني.
وأشار روحاني إلى أن حكومته تنوي خوض معركة قانونية ضد الولايات المتحدة، وقال: «يجب أن نقدم شكوى في البداية أمام جهازنا القضائي ضد الولايات المتحدة ومن يساندونها في فرض العقوبات، يجب أن نحاكمهم قبل أن نطلب ذلك من محكمة العدل الدولية».
واستند روحاني إلى حكم صادر من محكمة العدل الدولية بعد تقديم شكوى إيرانية ضد واشنطن يتهمها بانتهاك «معاهدة الصداقة والعلاقات الاقتصادية والحقوق القنصلية» لعام 1955 بين البلدين.
وحكمت محكمة العدل الدولية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لصالح إيران، وأمرت بألا تفرض الولايات المتحدة عقوبات على السلع الإنسانية؛ ومنها الأغذية والدواء.
وفي خطاب آخر، قال روحاني إن الولايات المتحدة «لا يحق لها فرض العقوبات بموجب قرار محكمة لاهاي» متهماً الإدارة الأميركية بـ«منع وصول الغذاء والأدوية والمنتجات الزراعية للإيرانيين»، وتابع أنها «تظلم دول الجوار والتجار، ونحن نعدّ خطواتها ضد سلامة الشعب والبيئة».
وقال روحاني إن «الولايات المتحدة كانت تعتقد أن العقوبات ستؤدي إلى وقف تقدم الإيرانيين، لكن شعبنا سيحبطهم»، وحاول أن يوجه أصابع الاتهام في الأزمة الاقتصادية إلى الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن البلاد شهدت تراجعاً في الأسعار ومعدلات البطالة مع زيادة الاستثمار في بداية رئاسته في 2013 وقال: «عندما يقلق الناس من المستقبل والشهور المقبلة، فمن المؤكد أنه يؤثر على الاستثمار والإنتاج والهدوء النفسي للمجتمع وفرص العمل». وأضاف روحاني: «على الأميركيين أن يعلموا أنهم لن يبلغوا أهدافهم، لأن الشعب الإيراني لا يستسلم للضغوط».
وصرح روحاني في أول ظهور له بعد عودته من زيارة بغداد، بأن «العلاقات الجديدة مع الجيران في صالح جميع شعوب المنطقة»، لكنه في الوقت نفسه زعم أنها «تضر الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل»، مضيفا إن إيران «ستواصل هذا المسار الذي هو نجاح للشعب الإيراني».
وأشاد روحاني بتعاون وزارة النفط الإيرانية ومجموعة «خاتم الأنبياء» الذراع الاقتصادية لـ«الحرس الثوري»، وقال: «(التدشين) ضربة قوية لأعدائنا، خصوصاً الولايات المتحدة التي تفرض عقوبات غير إنسانية وغير قانونية وكانت تعتقد أنها توقف كل المشروعات وتقدم الشعب الإيراني».
ورغم تأكيده على مخاطبة الإدارة الأميركية، حاول روحاني أن يرد في الوقت نفسه على منتقدي سياسات حكومته في وقت تشهد فيه إيران دعوات إلى طرح الثقة بروحاني في البرلمان بسبب تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي، قائلاً: «إنتاج وقود البنزين تضاعف مرتين منذ بداية الحكومة الحالية» في سبتمبر (أيلول) 2017. وأوضح: «على أعداء إيران، خصوصاً الأميركيين، أن يعلموا أنه لو لم نحقق شيئاً خلال 5 سنوات فإنه يحسب لنا زيادة إنتاج وقود البنزين من 52 مليونا في 2013 إلى أكثر من 101 مليون».
وأفاد التلفزيون الإيراني عن الرئيس التنفيذي لـ«شركة حقل بارس الجنوبي»، محمد مشكين فام، بأن «التطوير سيسمح لإيران بتجاوز قطر في إنتاج الغاز الطبيعي».
وقال روحاني إن تدشين المراحل الأربع الجديدة يساعد إيران على إنتاج 100 مليون متر مكعب من الغاز، مشيرا إلى أن حكومته وصلت من 10 مراحل إلى 25 مرحلة في حقل «بارس» المشترك مع قطر.
وتبدأ المراحل الأربع باستثمار سنوي إجمالي قدره 5 مليارات دولار، وسوف ينتج كل منها 56 مليون متر مكعب إضافية من الغاز الطبيعي، و75 ألف برميل من المشتقات يومياً، وتنتج إيران حالياً أكثر من 600 مليون متر مكعب من الغاز، و200 ألف برميل من المشتقات يومياً.
وكشف سعيد محمد، قائد «مجموعة خاتم الأنبياء»، الذراع الاقتصادية لـ«الحرس الثوري» الإيراني، عن استثمار 12 مليار دولار في «حقل بارس الجنوبي» بحسب وكالة «تسنيم» الناطقة باسم «الحرس»، مشيراً إلى إمكانية تغطية النفقات من تصدير مشتقات الغاز خلال عام واحد.
وقال سعيد محمد إن إيران تمكنت من تنفيذ المشروع «في زمن العقوبات الجائرة»، لافتا إلى أنه يأتي في إطار «تحويل التهديدات إلى فرص».
ولفت القيادي في «الحرس الثوري» إلى وقوف قواته إلى جانب الحكومة الإيرانية في الحرب الاقتصادية الشاملة.
وتأتي تصريحات القيادي بعد أقل من أسبوعين على خطاب دعا فيه روحاني إلى وقف النشاط الاقتصادي لقوات «الحرس»، لكن قائد «مجموعة خاتم الأنبياء» قال إنها ستواصل حضورها الاقتصادي تحت عنوان «مقاول عام».
وأعلن عن تعيين سعيد محمد في قيادة الذراع الاقتصادية لـ«الحرس الثوري» في أكتوبر الماضي بدلاً من عباد الله عبادي المدرج على قائمة العقوبات الأميركية.
وجاء تعيينه بين المرحلة الأولى من العقوبات الأميركية التي بدأت في أغسطس (آب) الماضي والمرحلة الثانية التي بدأت منذ نوفمبر (تشرين الثاني) وتستهدف مبيعات النفط الإيرانية.
في سياق آخر، أفادت وكالات إيرانية أمس بأن وزير الخارجية محمد جواد ظريف سيتوجه اليوم إلى مدينة قم للقاء مع مراجع إيرانيين وذلك بعد أيام من لقائه المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني.
ومن المقرر أن يلتقي ظريف مكارم شيرازي ونوري همداني، أبرز المراجع الداعمين لسياسات المرشد الإيراني الحالي علي خامنئي، كما ستشمل أجندة ظريف لقاء بممثل السيستاني في مدينة قم، جواد الشهرستاني والمرجع الإيراني وحيد خراساني.
ولم تكشف الخارجية الإيرانية عن أسباب زيارة ظريف المفاجئة لملاقاة مراجع قم، لكن توقيت الزيارة قد يفسر على أنه خطوة لطمأنة المرجعية الإيرانية في ظل ما يتردد عن خلاف بشأن الموقف من ولاية الفقيه.
في سياق آخر، طالب محسن رضايي سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام، الدول الأوروبية بتقديم ضمانات بشأن «اتفاقية باليرمو للجريمة المنظمة»، و«اتفاقية مجموعة العمل المالي (فاتف)»، بحسب وكالة «إرنا» الرسمية.
ولم يحدد رضايي الضمانات التي تطالب بها إيران، لكنه قال إن الأوروبيين «تعهدوا في الاتفاق النووي بشراء نفط إيران والسماح بتأسيس فروع بنكية والتبادلات البنكية مع إيران، لكنهم لم يعملوا بذلك».
وقال رضايي إن إيران «شاركت بسخاء في الاتفاق النووي، لكن الأميركيين نقضوا التعهدات، ولم يعمل الأوروبيون حتى الآن وفق تعهدات الاتفاق النووي».
ووجه رضايي انتقادات شديدة اللهجة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من دون أن يذكر اسمه، وقال إن «رئيس إحدى الدول الأوروبية الذي يواجه وضعاً هشاً اليوم قال إنه لولا الاتفاق النووي لدخلنا حرباً مع إيران... إنه لن يرتكب أي غلطة».
وزعم رضايي أن الأوروبيين «يصرون ليل نهار على تمرير لوائح الانضمام إلى اتفاقيتي (باليرمو) و(فاتف)، لكن الكلام المنطقي لمجلس تشخيص مصلحة النظام هو أخذ ضمانات مؤكدة من الأوروبيين»، مضيفا أن «الأعداء لا يفهمون اللغة الدبلوماسية، لأنه ثبت عملياً أنهم لن يلتزموا بأي تعهد أو اتفاق، ومن أجل ذلك فلن نقدم تنازلات لأعداء كهؤلاء».
ومنحت «مجموعة العمل المالي (فاتف)» في منتصف فبراير (شباط) الماضي إيران مهلة أخيرة حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل للامتثال لمعايير المجموعة وإلا فستعود «الجزاءات» تلقائياً ضد البنوك الإيرانية.



ما بعد الضربات: إيران تكيّف أسلوبها القتالي

تُظهر لقطة التقطتها طائرة مسيّرة أفراد الأمن والإنقاذ الإسرائيليين وهم يعملون في موقع الارتطام عقب وابل الصواريخ الإيرانية بالقرب من بلدة أشتاول بمنطقة القدس فجر الأحد (رويترز)
تُظهر لقطة التقطتها طائرة مسيّرة أفراد الأمن والإنقاذ الإسرائيليين وهم يعملون في موقع الارتطام عقب وابل الصواريخ الإيرانية بالقرب من بلدة أشتاول بمنطقة القدس فجر الأحد (رويترز)
TT

ما بعد الضربات: إيران تكيّف أسلوبها القتالي

تُظهر لقطة التقطتها طائرة مسيّرة أفراد الأمن والإنقاذ الإسرائيليين وهم يعملون في موقع الارتطام عقب وابل الصواريخ الإيرانية بالقرب من بلدة أشتاول بمنطقة القدس فجر الأحد (رويترز)
تُظهر لقطة التقطتها طائرة مسيّرة أفراد الأمن والإنقاذ الإسرائيليين وهم يعملون في موقع الارتطام عقب وابل الصواريخ الإيرانية بالقرب من بلدة أشتاول بمنطقة القدس فجر الأحد (رويترز)

رغم الضربات المكثفة التي استهدفت قدراتها العسكرية منذ بداية الحرب، تُظهر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرة عملياتية تمكّنها من إلحاق أضرار مستمرة وفرض تكلفة ميدانية على خصومها، في مؤشر على تحوّل في نمط الاستخدام أكثر من تراجع في القدرات.

وقال الرئيس دونالد ترمب إن الولايات المتحدة قضت تقريباً على القدرات العسكرية الإيرانية، واصفاً إيران بأنها خصم منزوع الأنياب. ويقول الجيش الأميركي إن عدد الهجمات التي شنتها إيران انخفض بنحو 90 في المائة منذ الأيام الأولى للحرب، فيما يقول الجيش الإسرائيلي إنه جعل نحو 70 في المائة من مئات منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية غير صالحة للعمل.

لكن سلسلة الهجمات التي استهدفت إسرائيل ودول الجوار خلال الأيام القليلة الماضية ليست سوى أحدث دليل على أن إيران لا تزال تمتلك ما يكفي من الصواريخ والطائرات المسيّرة لزعزعة استقرار المنطقة وإلحاق تكلفة مؤلمة، في إشارة إلى أنها، خلافاً لتصريحات ترمب، لا تزال في قلب المعركة.

ولا يزال ملايين الإسرائيليين يهرعون إلى الملاجئ ليلاً ونهاراً للاحتماء من نيران الصواريخ الإيرانية. ويؤدي الروتين اليومي لصفارات الإنذار والانفجارات إلى بث الخوف والشلل. وأُصيب سبعة أشخاص في وسط إسرائيل يوم الخميس إثر وابل من الصواريخ، وفقاً لخدمة الطوارئ. وأظهرت لقطات مراقبة شخصين يفرّان من المكان قبل أن تنفجر سيارة فضية كانا يقفان بالقرب منها وتندفع في الهواء. وفي تل أبيب، قُتل رجل يوم الجمعة جراء شظية من صاروخ مزود برأس حربي عنقودي.

وحتى عند اعتراض الأسلحة الإيرانية، يمكن أن تتسبب في أضرار، إذ قُتل شخصان في أبوظبي يوم الخميس عندما أصابتهما شظايا سقطت من صاروخ تم اعتراضه.

وقال فرزين نديمي، محلل أمني في معهد واشنطن ومتخصص في شؤون إيران، إن الحملة الأميركية - الإسرائيلية كانت فعالة للغاية في استهداف القيادة الإيرانية، حيث قُتل كثير منهم ودُمرت منشآت عسكرية عدة، كما جرى تدمير سلاحي الجو والبحرية الإيرانيين إلى حد كبير.

صاروخ إيراني يحلق باتجاه إسرائيل كما يظهر من الخليل في الضفة الغربية (رويترز)

وقال أيضاً: «من الناحية البصرية، فإن غرق الأسطول البحري، وتدمير سلاح الجو بالكامل يُعدان مقياساً مهماً جداً للنصر». وأضاف: «لكننا جميعاً نفهم أن المقياس الرئيسي لنجاح إيران هو قدرتها على الاستمرار في إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على إسرائيل والقواعد الأميركية ودول الخليج. ونعلم أنهم ما زالوا قادرين على القيام بذلك».

وقال مسؤول أميركي إن إيران لا تزال تمتلك على الأرجح آلاف الطائرات المسيّرة من طراز «شاهد»، وربما لا تزال تمتلك مئات الصواريخ الباليستية، رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية خلال الأسابيع الأربعة الماضية. لكنه حذّر من صعوبة التأكد من ذلك بسبب محدودية المعلومات الاستخباراتية.

وقد صيغت التصريحات العلنية للجيش الأميركي بعناية. فعلى سبيل المثال، قال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، إن «معدلات إطلاق إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ انخفضت بنسبة 90 في المائة» نتيجة للضربات، وهو ما لا يعني تدمير هذه النسبة من الترسانة.

وترى كيلي غريكو، زميلة أولى في مركز ستيمسون، أن عدد الضربات قد لا يكون مهماً بقدر فاعلية استخدام إيران لترسانتها.

وقامت غريكو بتحليل بيانات مفتوحة المصدر حول الهجمات الإيرانية، ووجدت، مع التحذير من عدم دقة الأرقام، أن معدل الإصابة ارتفع مع تقدم الحرب، وتضاعف أكثر من مرتين منذ 10 مارس (آذار).

وقالت: «الخصوم يتكيفون». وأضافت: «هناك مؤشرات على أننا لا نواجه خصماً مهزوماً، بل نواجه خصماً يتكيف ويتعلم ويُلحق ضرراً كافياً لتنفيذ استراتيجيته».

ورجّحت أن يكون الجيش الأميركي قد أخطأ في تفسير انخفاض النشاط على أنه تراجع في القدرة، مشيرة إلى أن إيران ربما كانت تقلل عدد الإطلاقات بسبب إعادة التموضع أو تحسين الاستهداف، وليس نتيجة تدمير قدراتها. وقالت: «هذه الإدارة تركز كثيراً على عدد القنابل التي أُلقيت وعلى انخفاض وتيرة الضربات الإيرانية. إنهم يكررون رقم 90 في المائة». وأضافت: «هل يخفي هذا الرقم تحولاً في نهج إيران؟».

ولم تُظهر موجة الهجمات الإيرانية أي مؤشرات على التراجع خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ تسببت الصواريخ والمسيّرات بأضرار في أنحاء الخليج، بينها تعطيل رادار في مطار الكويت وإصابة عامل وإلحاق أضرار برافعة في ميناء عُماني. كما يشير استعداد الحوثيين لضرب إسرائيل إلى احتمال توسيع نطاق الهجمات.

ورغم أن الدفاعات الإسرائيلية اعترضت الغالبية العظمى من الصواريخ، فقد سجلت إيران ضربة رمزية عندما أصاب أحد الصواريخ مدينة ديمونة، على بُعد نحو 10 أميال من منشأة الأبحاث النووية والمفاعل، ما أدى إلى إصابة عشرات الأشخاص.

كما وجدت إيران ثغرة في الدفاعات الإسرائيلية بإطلاق صواريخ برؤوس عنقودية تنفجر فوق الأرض وتنشر عشرات القنابل الصغيرة على مسافات واسعة.

وعادة ما تسبب هذه القنابل أضراراً أقل من الصواريخ ذات الشحنة الكبيرة، لكنها قد تكون قاتلة في بعض الحالات.

وقال مسؤولون وخبراء إن أفضل طريقة لاعتراض هذه الصواريخ هي تدميرها على ارتفاعات عالية، حيث يمكن أن تحترق بقاياها دون ضرر. إلا أن منظومات «آرو 3» المخصصة لذلك مكلفة ومحدودة العدد، فيما قد لا تتمكن الأنظمة الأدنى من منع إطلاق الذخائر.

وتعكس قدرة إيران على الرد تعافياً سريعاً بعد الهجوم الإسرائيلي الذي استمر 12 يوماً في يونيو (حزيران)، حين أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحقيق «نصر تاريخي» وتدمير القدرة الصاروخية الإيرانية.

ويرى محللون أن إسرائيل ربما قللت من سرعة إعادة بناء هذه القدرات.

وكما فعلت إسرائيل، لم تبق إيران مكتوفة الأيدي بعد تلك الحرب، بل استغلت الوقت للتحضير للصراع التالي.

وقالت ميري إيسين، وهي برتبة عقيد إسرائيلي متقاعد: «كان لديهم تسعة أشهر، مثلنا، للتخطيط». وأضافت أن قدرات إيران «تتدهور» لكنها لا تزال قائمة، وهو أقصى ما يمكن تحقيقه خلال أسابيع من القتال.

وقال نديمي: «رغم الضربات على قواعد الصواريخ ومناطق التجهيز والمصانع، فإن الإيرانيين لا يزالون قادرين على إطلاق نحو 20 إلى 30 صاروخاً يومياً، وبعضها كبير ويعمل بالوقود السائل». وأضاف: «ومع ذلك ما زالوا قادرين على ذلك».

ويشير ذلك، حسب محللين، إلى أن إيران لا تزال تستخدم شبكات الأنفاق المرتبطة بـ«مدن الصواريخ» ومستودعات المسيّرات، أو أنها تحتفظ بقواعد سرية لم تُكتشف، وإن كان ذلك أقل احتمالاً.

واتفق فرزان ثابت، الباحث في شؤون إيران وأنظمة الأسلحة في معهد جنيف، مع هذا التقييم، مشيراً إلى أن إيران، رغم تقليل عدد الإطلاقات، رفعت معدلات الاختراق واستهدفت مواقع أكثر حساسية، مثل قاعدة دييغو غارسيا أو ديمونة.

وفي وقت سابق من الحرب، أدت الهجمات المكثفة إلى اضطراب في الخليج وأسواق الطاقة العالمية. لكن فرزان ثابت أضاف: «بعد خلق هذا المستوى من عدم الاستقرار، لا تحتاج إلى آلاف الإطلاقات يومياً، بل يمكن تحقيق التأثير بعشرات الضربات الناجحة».

*خدمة «نيويورك تايمز»


«معركة خفية»... كيف أصبحت الهجمات الإلكترونية سلاحاً أساسياً في حرب إيران؟

إسرائيليون متجمعون في أحد الملاجئ بعد انطلاق صفارات الإنذار في بني براك قرب تل أبيب (أرشيفية - أ.ب)
إسرائيليون متجمعون في أحد الملاجئ بعد انطلاق صفارات الإنذار في بني براك قرب تل أبيب (أرشيفية - أ.ب)
TT

«معركة خفية»... كيف أصبحت الهجمات الإلكترونية سلاحاً أساسياً في حرب إيران؟

إسرائيليون متجمعون في أحد الملاجئ بعد انطلاق صفارات الإنذار في بني براك قرب تل أبيب (أرشيفية - أ.ب)
إسرائيليون متجمعون في أحد الملاجئ بعد انطلاق صفارات الإنذار في بني براك قرب تل أبيب (أرشيفية - أ.ب)

أثناء فرارهم من غارة صاروخية إيرانية، تلقّى بعض الإسرائيليين الذين يملكون هواتف «آندرويد» رسالة نصية تحتوي على رابط لمعلومات آنية حول الملاجئ. إلا أن الرابط في الواقع حمّل برمجيات تجسس تُمكّن المخترقين من الوصول إلى كاميرا الهاتف وموقعه وجميع بياناته.

وحسبما نقلته وكالة أنباء «أسوشييتد برس»، فإن العملية، المنسوبة إلى إيران، هي أحدث تكتيك في معركتها الخفية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وسعيها وحلفاءها إلى استخدام قدراتهم الإلكترونية لتعويض عجزهم العسكري؛ حيث يظهر هذا النوع من العمليات كيف بات التضليل والذكاء الاصطناعي والاختراق جزءاً لا يتجزأ من الحروب الحديثة.

«تزامن غير مسبوق»

ويبدو أن الرسائل النصية المزيفة قد تم ضبط توقيتها بالضبط، لتتزامن مع الضربات الصاروخية، ما يُمثل مزيجاً جديداً من الهجمات الرقمية والمادية، وفقاً لما ذكره جيل ميسينغ، رئيس فريق العمل في شركة «تشيك بوينت» للأبحاث، وهي شركة متخصصة في الأمن السيبراني ولها مكاتب في إسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ميسينغ: «أُرسلت هذه الرسائل إلى الناس بينما كانوا يهرعون إلى الملاجئ. إن تزامنها في اللحظة نفسها هو أمر غير مسبوق».

صراع سهل وقليل التكلفة

ومن المرجح أن يستمر الصراع الرقمي حتى في حال التوصل إلى وقف إطلاق النار، وفقاً لخبراء، لأنه أسهل وأقل تكلفة بكثير من الصراع التقليدي، ولأنه مصمم ليس للقتل أو الغزو، بل للتجسس والسرقة والترهيب.

ورغم كثرة الهجمات الإلكترونية المرتبطة بالحرب، فإن معظمها كان محدوداً نسبياً من حيث الأضرار التي لحقت بالشبكات الاقتصادية أو العسكرية. لكنها دفعت عدداً من الشركات الأميركية والإسرائيلية إلى اتخاذ موقف دفاعي، ما أجبرها على معالجة ثغراتها الأمنية القديمة بسرعة.

وحتى الآن، رصدت شركة «ديجي سيرت» الأمنية، ومقرها ولاية يوتا، نحو 5800 هجمة سيبرانية شنتها نحو 50 مجموعة مرتبطة بإيران، معظمها ضد شركات أميركية وإسرائيلية، في حين استهدفت هجمات أخرى دول الخليج مثل البحرين والكويت وقطر.

ويمكن إحباط عدد من هذه الهجمات بسهولة باستخدام أحدث إجراءات الأمن السيبراني، لكنها قد تُلحق أضراراً جسيمة بالمنظمات التي تعتمد على أنظمة أمنية قديمة، وتُرهق مواردها حتى في حال فشلها. هذا بالإضافة إلى الأثر النفسي الذي تتركه على الشركات التي قد تتعامل مع الجيش.

وقال مايكل سميث، كبير مسؤولي التكنولوجيا الميدانيين في شركة «ديجي سيرت»: «هناك العديد من الهجمات التي لا يتم الإبلاغ عنها».

وأعلنت مجموعة قرصنة موالية لإيران مسؤوليتها عن اختراق حساب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، كاش باتيل، ونشرت ما يبدو أنها صور قديمة له تعود لسنوات، بالإضافة إلى سيرته الذاتية ووثائق شخصية أخرى. ويبدو أن عدداً من هذه الوثائق يعود لأكثر من عقد من الزمان.

ويشبه هذا الهجوم العديد من الهجمات الإلكترونية المرتبطة بقراصنة موالين لإيران؛ فهو هجوم ضخم مصمم لرفع معنويات المؤيدين، مع تقويض ثقة الخصم، لكن دون تأثير يُذكر على المجهود الحربي.

وقال سميث إن هذه الهجمات واسعة النطاق ومنخفضة التأثير هي «وسيلة لإيصال رسالة إلى الناس في الدول الأخرى، مفادها أنه لا يزال بإمكانك الوصول إليهم والتأثير عليهم حتى إن كانوا في قارة أخرى، وهذا ما يجعلها أقرب إلى أسلوب ترهيب».

استهداف المستشفيات ومراكز البيانات

كما ركزت الهجمات على المستشفيات ومراكز البيانات، حسب تقرير «أسوشييتد برس».

وهذا الشهر، أعلن قراصنة يدعمون إيران مسؤوليتهم عن اختراق شركة «سترايكر»، وهي شركة تكنولوجيا طبية مقرها ميشيغان. وزعمت المجموعة أن الهجوم جاء رداً على غارات أميركية يُشتبه في أنها أسفرت عن مقتل أطفال إيرانيين.

ونشر باحثون في مجال الأمن السيبراني في شركة «هالسيون» مؤخراً نتائج هجوم إلكتروني آخر استهدف شركة رعاية صحية. ولم تكشف «هالسيون» عن اسم الشركة، لكنها ذكرت أن القراصنة استخدموا أداة ربطتها السلطات الأميركية بإيران لتثبيت برمجيات فدية مدمرة منعت الشركة من الوصول إلى شبكتها.

ولم يطالب القراصنة بفدية، ما يُشير إلى أن دافعهم كان التدمير والفوضى، لا الربح.

كما تستهدف إيران مراكز البيانات بأسلحة إلكترونية وتقليدية، ما يُظهر مدى أهمية هذه المراكز للاقتصاد والاتصالات وأمن المعلومات العسكرية.

دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز الهجمات

يمكّن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من زيادة حجم الهجمات الإلكترونية وسرعتها، كما يُمكّن المخترقين من أتمتة (التشغيل التلقائي) جزء كبير من العملية. هذا بالإضافة إلى نشر معلومات مضللة وصور مفبركة لجرائم أو انتصارات حاسمة لم تحدث مطلقاً.

وحصدت إحدى الصور المُفبركة بتقنية التزييف العميق لسفن حربية أميركية غارقة أكثر من 100 مليون مشاهدة.

في المقابل، فرضت السلطات في إيران قيوداً على الوصول إلى الإنترنت، وتسعى جاهدة لتشكيل الصورة التي يتلقاها الإيرانيون عن الحرب عبر الدعاية والتضليل. فعلى سبيل المثال، بدأت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية بتصنيف لقطات حقيقية للحرب على أنها مزيفة، بل تستبدل بها أحياناً صوراً معدّلة من إنتاجها، وفقاً لبحث أجرته شركة «نيوز غارد» الأميركية المتخصصة في رصد التضليل.

ودفعت المخاوف المتزايدة بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي والاختراق الإلكتروني وزارة الخارجية الأميركية إلى إنشاء مكتب التهديدات الناشئة العام الماضي، والذي يركز على التقنيات الجديدة، وكيفية استخدامها ضد الولايات المتحدة. وينضم هذا المكتب إلى جهود مماثلة جارية بالفعل في وكالات أخرى، بما في ذلك وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية ووكالة الأمن القومي.


قاليباف: واشنطن تعدُّ لعملية برية ضد إيران رغم رسائلها للتفاوض

رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف (أ.ف.ب)
رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف (أ.ف.ب)
TT

قاليباف: واشنطن تعدُّ لعملية برية ضد إيران رغم رسائلها للتفاوض

رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف (أ.ف.ب)
رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف (أ.ف.ب)

قال رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، اليوم (الأحد)، إن الولايات المتحدة تخطِّط لهجوم بري، رغم انخراطها علناً في جهود دبلوماسية للتفاوض على إنهاء الحرب.

وأضاف قاليباف، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية (إرنا)، أن «العدو يبعث علناً برسائل تفاوض وحوار، بينما يخطِّط سراً لهجوم برِّي».

وأردف بالقول: «رجالنا ينتظرون وصول الجنود الأميركيين على الأرض لإحراقهم، ومعاقبة حلفائهم في المنطقة مرة واحدة، وإلى الأبد».

ودعا قاليباف إلى وحدة الإيرانيين، قائلاً إن البلاد تخوض «حرباً عالمية كبرى» في «أخطر مراحلها». وأضاف: «نحن على يقين من قدرتنا على معاقبة الولايات المتحدة، وجعلها تندم على مهاجمة إيران، وضمان حقوقنا المشروعة بقوة».

من جانبه، قال قائد سلاح البحرية في الجيش الإيراني، شهرام إيراني، اليوم، إن حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ستُستهدف إذا أصبحت في مرمى نيران إيران. ونقل الموقع الرسمي للتلفزيون عن إيراني قوله: «بمجرد أن تدخل مجموعة حاملة الطائرات (يو إس إس أبراهام لينكولن) ضمن مدى النيران، سنثأر لدماء شهداء السفينة (دينا) عبر إطلاق أنواع مختلفة من صواريخ بحر- بحر»، في إشارة إلى الفرقاطة الإيرانية التي أغرقتها الولايات المتحدة في الرابع من مارس (آذار) بالمياه الدولية.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست»، مساء أمس (السبت)، عن مسؤولين أميركيين قولهم إن «البنتاغون» يستعد لعمليات برية في إيران تمتد أسابيع، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها في الشرق الأوسط.

وأكد المسؤولون الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، أن هذه العمليات لن تصل إلى حدِ غزو واسع النطاق لإيران؛ بل قد تقتصر على غارات في الأراضي الإيرانية تنفِّذها قوات العمليات الخاصة وقوات المشاة.

وأفادت الصحيفة بأن هذه المهمة يمكن أن تُعرِّض الأفراد الأميركيين لمجموعة من التهديدات، بما في ذلك الطائرات والصواريخ الإيرانية، والنيران الأرضية، والمتفجرات اليدوية الصنع، مشيرة إلى أنه لم يتضح بعد ما إذا كان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ينوي الموافقة على كل خطط «البنتاغون» أو على جزء منها، أو رفضها.

وتأتي رسالة قاليباف المتحدية، بعد شهر من حرب إقليمية اندلعت في 28 فبراير (شباط)، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية على إيران؛ ما أسفر عن مقتل المرشد وإشعال فتيل صراع امتد عبر الشرق الأوسط.

وقد أدى الصراع إلى توقف شبه تام لحركة الملاحة في مضيق هرمز الحيوي، الذي يمر عبره عادة 20 في المائة من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم.