حراك الجزائر يضع الإعلام المحلي أمام حقائق مرة

فضائيات وصحف طمست الوقائع وتعرضت لقطع الإعلانات

جانب من مظاهرة للصحافيين الجزائريين للمطالبة بحرية تغطية الاحتجاجات الشهر الماضي (أ.ب)
جانب من مظاهرة للصحافيين الجزائريين للمطالبة بحرية تغطية الاحتجاجات الشهر الماضي (أ.ب)
TT

حراك الجزائر يضع الإعلام المحلي أمام حقائق مرة

جانب من مظاهرة للصحافيين الجزائريين للمطالبة بحرية تغطية الاحتجاجات الشهر الماضي (أ.ب)
جانب من مظاهرة للصحافيين الجزائريين للمطالبة بحرية تغطية الاحتجاجات الشهر الماضي (أ.ب)

واجه الإعلام الخاص في الجزائر ضغوطاً حادة، خلال فترة الحراك الشعبي الثائر ضد النظام، أخذت أشكالاً متعددة منها محاولة قطع أرزاق آلاف العاملين بوسائل الإعلام، عن طريق وقف الإشهار الحكومي الذي كان دائماً سلاحاً توظفه السلطة لـ«تأديب» الصحف المصنفة «معارضة».
في بداية الغضب الجماهيري الرافض ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، وتحديداً خلال مظاهرات 22 فبراير (شباط) الماضي، وقف الإعلام بشقيه الحكومي والخاص مشدوهاً ومصدوماً.
وأظهرت الفضائيات الخاصة، وقطاع من الإعلام المعرّب، بعكس الفرنكفوني غير المهادن للسلطة، فتوراً في نقل الحراك بسبب الخوف من التعاطي مع مطلب رحيل بوتفليقة عن الحكم، والحديث عن صحته المتدهورة. فمثل هذه مواضيع عليها خط أحمر منذ سنين طويلة، ومن يتجرأ على الخوض فيها يكون مصيره الحظر أو قطع الإشهار. ففي 2014 تم غلق فضائية «الأطلس» بسبب انتقادها عائلة الرئيس. وفي 2015 تم غلق قناة «الوطن» لأنها استضافت إسلامياً مسلحاً في السابق، هاجم بوتفليقة بحدة.
لكن مع استمرار الحراك، وجد الإعلام أن مصداقيته، ستضيع إن لم يتبنَ مطالب الشعب، فتدارك الخطأ بسرعة وأضحت فضائيات مثل «الشروق» و«البلاد»، وصحف مثل «الخبر»، ناطقين باسم الحراك ومدافعين عنه بشدة. فازدادت الضغوط وقطعت وزارة الإعلام خلال عدة مسيرات، البث المباشر الحي عن القنوات، وأوقفت ضخ الإشهار العمومي عنها بهدف خنقها.

- دستور السلطة غير المكتوب
يقول الصحافي الشاب، محمد سيدمو عن علاقة الإعلام بالسلطة في الظروف الحالية: «الإعلام كان دائماً في مرمى السلطة التي لا تؤمن إطلاقاً بحرية التعبير والممارسة الإعلامية، وتعتبر أن مهمة الإعلام الأساسية هي الدعاية للرئيس وقيادة الجيش ورجالات النظام الأقوياء، والنأي بهم عن أي تناول قد يؤثر على صورتهم لدى الرأي العام، مع ترك فسحة هامشية لانتقاد أداء بعض القطاعات الوزارية كنوع من التنفيس وصناعة ديكور من الحرية مزيف».
بحسب سيدمو: «هذا السلوك المستمر منذ سنوات طويلة في الجزائر والذي ازداد تكريساً بعد وصول الرئيس بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999. تحول مع الوقت إلى ما يشبه دستوراً غير مكتوب يحكم عمل أغلبية المؤسسات الإعلامية، التي باتت تعي دون انتظار التعليمات ما هو مسموح تناوله وما هو غير ذلك.
وبعض المؤسسات الإعلامية أصبحت تتنافس فيما بينها على تقديم الولاء بتزييف المعلومات أحياناً، وتحريفها عن مضمونها. وقد أثر هذا الجو الإعلامي الموبوء الذي تكرس بحكم الواقع، على أداء الصحافيين الذين ارتفع لديهم مستوى الرقابة الذاتية.
الأخطر في خضم كل ذلك، أن الكثير من الصحافيين الذين التحقوا بالمهنة في السنوات الأخيرة، تكونت لديهم نظرة مشوهة عن العمل الصحافي، فصاروا يعتقدون أن ما يطلب منهم فعله هو ما يجب أن يكون، بمبرر أن لكل مؤسسة خطها الافتتاحي الذي يجب أن يتبعه الصحافي، وكأن هذا الخط الافتتاحي يعني تشويه الخبر وتحريفه والتلاعب به وابتزاز كل من يعارض السلطة وتوجهاتها، والقفز بالتالي على كل أخلاقيات المهنة المتعارف عليها عالمياً، وفق سيدمو. وأضاف: «بعد كل هذه التراكمات التي ولدت حالة استسلام عامة لدى أهل المهنة، باغت الحراك الشعبي الرافض استمرار الرئيس جميع المتابعين، محدثاً رجة قوية في قطاع الإعلام تحديداً، إذ لم يكن معقولاً حجب تلك الجموع المليونية التي خرجت لمطالب سياسية واضحة. وبعد تخبط في المعالجة ومحاولة لتزييف حقيقة ما يريده الجزائريون في الوهلة الأولى، نتيجة للبرمجة الآلية التي انضبط عليها الإعلام العمومي، وجزء من الخاص، حدثت الاستفاقة التي أدت إلى ظهور حراك موازٍ لذلك الذي يغزو الشارع».

- انتفاضة في قاعات التحرير
واستطرد: «لكن في قاعات التحرير هذه المرة، حيث انتفض الصحافيون وتمردوا لأول مرة على واقعهم، مطالبين بتمكينهم من نقل الصورة على حقيقتها. ونجحت هذه الانتفاضة نسبياً في تحرير الصحافيين، الذين استطاعوا انتزاع هامش أكبر من الحرية، فأصبح التلفزيون العمومي مثلاً ينقل صور المحتجين. وكذلك أصبحت الإذاعة الوطنية تستقبل معارضين راديكاليين للنظام. أما القنوات الخاصة التي تشجعت أكثر، وكانت لديها الجرأة الأكبر، خاصة في الأسبوعين الأخيرين، فمن الواضح أنها في عرف السلطة قد تجاوزت الحد المسموح به». لذلك تعرف مؤسستا «الشروق» و«البلاد» تضييقاً بمنع الدعاية الحكومية عليهما، في إجراء يهدف لإسكاتهما، خاصة أن جريدتي «الشروق» و«البلاد» التابعتين للمجمع الإعلامي لهذين العنوانين، تعيشان فقط على الدعاية الحكومية وتسحبان لدى مطابع الدولة، مما يعني إمكانية اختفائهما من الأكشاك في أي لحظة، وفق ما شرح.
وتابع الصحافي: «لكن رغم كل ما يجري، تبدو السلطة في أضعف فتراتها من حيث سطوتها على الإعلام، لأنها أصبحت تدرك بأن التضييق على الإعلام التقليدي - أصبح دون جدوى بحكم الانتشار الرهيب لشبكات التواصل الاجتماعي، التي لا يمكن التحكم في محتوى ما ينشر عليها، كما أن الاستعداد الذي أبدته السلطة للتنازل بعد الحراك الشعبي، يجعلها غير قادرة على أن تستمر في قمع الإعلام اعتباراً من أن تحرير هذا القطاع، هو في قلب الدعوات المنادية بالتغيير الجذري لمنظومة الحكم».

- رقابة في عز الحراك
مروان لوناس صحافي بإذاعة الجزائر الدولية، تعرض التعليق اليومي على الأحداث الذي يعدَه، وعنوانه «الرأي الحر»، للحذف نهائياً من البرامج الإخبارية لمجرد أنه تضمن في آخر عدد منه إيحاء إلى السلطة وضرورة خضوعها لمطلب الشارع. يقول لوناس عن وضع الإعلام: «يواجه الإعلام الجزائري امتحاناً صعباً، منذ انطلاق الحراك الشعبي حيث منعت وسائل القطاع العام من تغطيته بشكل تام وعتمت عليه، قبل أن يسمح لها بتغطيات محتشمة، لكن مع انتقاء ما يخدمها حيث لم تكن تشير إطلاقاً لموضوع العهدة الخامسة التي رفضها الشعب».
أما القطاع الخاص، فقد تعرض لضغط كبير، وتم معاقبة بعض القنوات والصحف بحرمانها من الدعاية الحكومية ومن الطبع، لأنها تجرأت على عصيان التعليمات. لقد وجد الإعلام الجزائري نفسه بين مطرقة الحكومة وسندان الشارع. حكومة ترى أن الإعلام ينبغي أن يبقى تحت السيطرة، وبوقاً يبرر سياستها، وشعب يتهم هذا الإعلام بالكذب والتواطؤ مع الحكومة. وقد سمعنا كيف كان الإعلام يهاجم خلال المظاهرات بشعارات قاسية، كدلالة على القطيعة بين الطرفين. لكن أظن الإعلام بقطاعيه وأمام اتساع الضغط والحجم المتزايد للحراك الشعبي السلمي، فضل الإعلام الرضوخ للواقع في محاولة لاستدراك ما حصل له من فقدانه المصداقية والموضوعية، خصوصاً مع وجود الإعلام البديل الذي تمكن من تعبئة الشارع بطريقة عجزت عن كسره كل أدوات السلطة».
وأضاف: «احتجاجات الصحافيين داخل القطاع العام كان يجب أن تحدث، لأنهم في النهاية جزء من الشعب بل إنهم الأكثر تضررا بسبب الضغوطات والمضايقات والرقابة، التي ازدادت بشكل فظيع وأصبح أداء المهنة الصحافية شبه مستحيل».

- وعود كاذبة بالتعديل
للصحافي المتخصص في الشأن الثقافي، علال محمد رأي فيما يجري أيضاً. إذ يقول: «لقد طوع نظام بوتفليقة الإعلام لصالحه، وذلك من خلال محاصرته بكل الطرق، سيما الاقتصادية واحتكار الدولة للإشهار العمومي، وتركه يتخبط في فوضى القوانين بعدما رفضت الحكومة تطبيق قانون الإعلام (2014)، مما جعل كل القنوات الخاصة تعيش في دوامة الوعود الكاذبة، بقرب تطبيق القانون وفتح القنوات على أرض الوطن بشكل رسمي بدلاً من التعامل معها على أساس أنها قنوات أجنبية».
وقال أيضاً: «من هذه المعادلة نفهم واقع الإعلام الجزائري، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتناول المواضيع السياسية، فما بالك بالحراك الشعبي الذي خرج ليطالب بإسقاط النظام. لقد وجد الصحافيون العاملون في القنوات الخاصة والعمومية أنفسهم بين المطرقة والسندان، أي بين لقمة العيش والموضوعية ونقل الحقيقة، وهذه الأخيرة كانت تعني للبعض تقديم الاستقالة نظراً لأن عدداً كبيراً من ملاك القنوات الخاصة هم في علاقة مالية مباشرة مع نظام بوتفليقة».
وأضاف: «لم أستغرب سياسية القنوات الخاصة تجاه حراك 22 فبراير الذي فاجأ الجميع، وكان على القنوات ألا تغطي الأحداث أصلاً بدل انتهاج سياسية التضليل الإعلامي، وتصوير المحتجين على أساس أنهم خرجوا للمطالبة بإصلاحات. وهذا الخطاب الذي أرادت السلطة تسويقه، أساء إلى صورة العديد من الإعلاميين الجزائريين ووصفهم الشارع بأنهم خصوم مباشرون، وجزء من الأزمة، فإذا كان من الممكن أن نتفهم تجاهل القنوات الخاصة لتغطية الحراك الشعبي، فلا يعقل أبداً أن نتفهم تزييف الحقيقة، كما يقال: «إن لم تستطع أن تنتصر للحق فلا تصفق للباطل».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.