حراك الجزائر يضع الإعلام المحلي أمام حقائق مرة

فضائيات وصحف طمست الوقائع وتعرضت لقطع الإعلانات

جانب من مظاهرة للصحافيين الجزائريين للمطالبة بحرية تغطية الاحتجاجات الشهر الماضي (أ.ب)
جانب من مظاهرة للصحافيين الجزائريين للمطالبة بحرية تغطية الاحتجاجات الشهر الماضي (أ.ب)
TT

حراك الجزائر يضع الإعلام المحلي أمام حقائق مرة

جانب من مظاهرة للصحافيين الجزائريين للمطالبة بحرية تغطية الاحتجاجات الشهر الماضي (أ.ب)
جانب من مظاهرة للصحافيين الجزائريين للمطالبة بحرية تغطية الاحتجاجات الشهر الماضي (أ.ب)

واجه الإعلام الخاص في الجزائر ضغوطاً حادة، خلال فترة الحراك الشعبي الثائر ضد النظام، أخذت أشكالاً متعددة منها محاولة قطع أرزاق آلاف العاملين بوسائل الإعلام، عن طريق وقف الإشهار الحكومي الذي كان دائماً سلاحاً توظفه السلطة لـ«تأديب» الصحف المصنفة «معارضة».
في بداية الغضب الجماهيري الرافض ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، وتحديداً خلال مظاهرات 22 فبراير (شباط) الماضي، وقف الإعلام بشقيه الحكومي والخاص مشدوهاً ومصدوماً.
وأظهرت الفضائيات الخاصة، وقطاع من الإعلام المعرّب، بعكس الفرنكفوني غير المهادن للسلطة، فتوراً في نقل الحراك بسبب الخوف من التعاطي مع مطلب رحيل بوتفليقة عن الحكم، والحديث عن صحته المتدهورة. فمثل هذه مواضيع عليها خط أحمر منذ سنين طويلة، ومن يتجرأ على الخوض فيها يكون مصيره الحظر أو قطع الإشهار. ففي 2014 تم غلق فضائية «الأطلس» بسبب انتقادها عائلة الرئيس. وفي 2015 تم غلق قناة «الوطن» لأنها استضافت إسلامياً مسلحاً في السابق، هاجم بوتفليقة بحدة.
لكن مع استمرار الحراك، وجد الإعلام أن مصداقيته، ستضيع إن لم يتبنَ مطالب الشعب، فتدارك الخطأ بسرعة وأضحت فضائيات مثل «الشروق» و«البلاد»، وصحف مثل «الخبر»، ناطقين باسم الحراك ومدافعين عنه بشدة. فازدادت الضغوط وقطعت وزارة الإعلام خلال عدة مسيرات، البث المباشر الحي عن القنوات، وأوقفت ضخ الإشهار العمومي عنها بهدف خنقها.

- دستور السلطة غير المكتوب
يقول الصحافي الشاب، محمد سيدمو عن علاقة الإعلام بالسلطة في الظروف الحالية: «الإعلام كان دائماً في مرمى السلطة التي لا تؤمن إطلاقاً بحرية التعبير والممارسة الإعلامية، وتعتبر أن مهمة الإعلام الأساسية هي الدعاية للرئيس وقيادة الجيش ورجالات النظام الأقوياء، والنأي بهم عن أي تناول قد يؤثر على صورتهم لدى الرأي العام، مع ترك فسحة هامشية لانتقاد أداء بعض القطاعات الوزارية كنوع من التنفيس وصناعة ديكور من الحرية مزيف».
بحسب سيدمو: «هذا السلوك المستمر منذ سنوات طويلة في الجزائر والذي ازداد تكريساً بعد وصول الرئيس بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999. تحول مع الوقت إلى ما يشبه دستوراً غير مكتوب يحكم عمل أغلبية المؤسسات الإعلامية، التي باتت تعي دون انتظار التعليمات ما هو مسموح تناوله وما هو غير ذلك.
وبعض المؤسسات الإعلامية أصبحت تتنافس فيما بينها على تقديم الولاء بتزييف المعلومات أحياناً، وتحريفها عن مضمونها. وقد أثر هذا الجو الإعلامي الموبوء الذي تكرس بحكم الواقع، على أداء الصحافيين الذين ارتفع لديهم مستوى الرقابة الذاتية.
الأخطر في خضم كل ذلك، أن الكثير من الصحافيين الذين التحقوا بالمهنة في السنوات الأخيرة، تكونت لديهم نظرة مشوهة عن العمل الصحافي، فصاروا يعتقدون أن ما يطلب منهم فعله هو ما يجب أن يكون، بمبرر أن لكل مؤسسة خطها الافتتاحي الذي يجب أن يتبعه الصحافي، وكأن هذا الخط الافتتاحي يعني تشويه الخبر وتحريفه والتلاعب به وابتزاز كل من يعارض السلطة وتوجهاتها، والقفز بالتالي على كل أخلاقيات المهنة المتعارف عليها عالمياً، وفق سيدمو. وأضاف: «بعد كل هذه التراكمات التي ولدت حالة استسلام عامة لدى أهل المهنة، باغت الحراك الشعبي الرافض استمرار الرئيس جميع المتابعين، محدثاً رجة قوية في قطاع الإعلام تحديداً، إذ لم يكن معقولاً حجب تلك الجموع المليونية التي خرجت لمطالب سياسية واضحة. وبعد تخبط في المعالجة ومحاولة لتزييف حقيقة ما يريده الجزائريون في الوهلة الأولى، نتيجة للبرمجة الآلية التي انضبط عليها الإعلام العمومي، وجزء من الخاص، حدثت الاستفاقة التي أدت إلى ظهور حراك موازٍ لذلك الذي يغزو الشارع».

- انتفاضة في قاعات التحرير
واستطرد: «لكن في قاعات التحرير هذه المرة، حيث انتفض الصحافيون وتمردوا لأول مرة على واقعهم، مطالبين بتمكينهم من نقل الصورة على حقيقتها. ونجحت هذه الانتفاضة نسبياً في تحرير الصحافيين، الذين استطاعوا انتزاع هامش أكبر من الحرية، فأصبح التلفزيون العمومي مثلاً ينقل صور المحتجين. وكذلك أصبحت الإذاعة الوطنية تستقبل معارضين راديكاليين للنظام. أما القنوات الخاصة التي تشجعت أكثر، وكانت لديها الجرأة الأكبر، خاصة في الأسبوعين الأخيرين، فمن الواضح أنها في عرف السلطة قد تجاوزت الحد المسموح به». لذلك تعرف مؤسستا «الشروق» و«البلاد» تضييقاً بمنع الدعاية الحكومية عليهما، في إجراء يهدف لإسكاتهما، خاصة أن جريدتي «الشروق» و«البلاد» التابعتين للمجمع الإعلامي لهذين العنوانين، تعيشان فقط على الدعاية الحكومية وتسحبان لدى مطابع الدولة، مما يعني إمكانية اختفائهما من الأكشاك في أي لحظة، وفق ما شرح.
وتابع الصحافي: «لكن رغم كل ما يجري، تبدو السلطة في أضعف فتراتها من حيث سطوتها على الإعلام، لأنها أصبحت تدرك بأن التضييق على الإعلام التقليدي - أصبح دون جدوى بحكم الانتشار الرهيب لشبكات التواصل الاجتماعي، التي لا يمكن التحكم في محتوى ما ينشر عليها، كما أن الاستعداد الذي أبدته السلطة للتنازل بعد الحراك الشعبي، يجعلها غير قادرة على أن تستمر في قمع الإعلام اعتباراً من أن تحرير هذا القطاع، هو في قلب الدعوات المنادية بالتغيير الجذري لمنظومة الحكم».

- رقابة في عز الحراك
مروان لوناس صحافي بإذاعة الجزائر الدولية، تعرض التعليق اليومي على الأحداث الذي يعدَه، وعنوانه «الرأي الحر»، للحذف نهائياً من البرامج الإخبارية لمجرد أنه تضمن في آخر عدد منه إيحاء إلى السلطة وضرورة خضوعها لمطلب الشارع. يقول لوناس عن وضع الإعلام: «يواجه الإعلام الجزائري امتحاناً صعباً، منذ انطلاق الحراك الشعبي حيث منعت وسائل القطاع العام من تغطيته بشكل تام وعتمت عليه، قبل أن يسمح لها بتغطيات محتشمة، لكن مع انتقاء ما يخدمها حيث لم تكن تشير إطلاقاً لموضوع العهدة الخامسة التي رفضها الشعب».
أما القطاع الخاص، فقد تعرض لضغط كبير، وتم معاقبة بعض القنوات والصحف بحرمانها من الدعاية الحكومية ومن الطبع، لأنها تجرأت على عصيان التعليمات. لقد وجد الإعلام الجزائري نفسه بين مطرقة الحكومة وسندان الشارع. حكومة ترى أن الإعلام ينبغي أن يبقى تحت السيطرة، وبوقاً يبرر سياستها، وشعب يتهم هذا الإعلام بالكذب والتواطؤ مع الحكومة. وقد سمعنا كيف كان الإعلام يهاجم خلال المظاهرات بشعارات قاسية، كدلالة على القطيعة بين الطرفين. لكن أظن الإعلام بقطاعيه وأمام اتساع الضغط والحجم المتزايد للحراك الشعبي السلمي، فضل الإعلام الرضوخ للواقع في محاولة لاستدراك ما حصل له من فقدانه المصداقية والموضوعية، خصوصاً مع وجود الإعلام البديل الذي تمكن من تعبئة الشارع بطريقة عجزت عن كسره كل أدوات السلطة».
وأضاف: «احتجاجات الصحافيين داخل القطاع العام كان يجب أن تحدث، لأنهم في النهاية جزء من الشعب بل إنهم الأكثر تضررا بسبب الضغوطات والمضايقات والرقابة، التي ازدادت بشكل فظيع وأصبح أداء المهنة الصحافية شبه مستحيل».

- وعود كاذبة بالتعديل
للصحافي المتخصص في الشأن الثقافي، علال محمد رأي فيما يجري أيضاً. إذ يقول: «لقد طوع نظام بوتفليقة الإعلام لصالحه، وذلك من خلال محاصرته بكل الطرق، سيما الاقتصادية واحتكار الدولة للإشهار العمومي، وتركه يتخبط في فوضى القوانين بعدما رفضت الحكومة تطبيق قانون الإعلام (2014)، مما جعل كل القنوات الخاصة تعيش في دوامة الوعود الكاذبة، بقرب تطبيق القانون وفتح القنوات على أرض الوطن بشكل رسمي بدلاً من التعامل معها على أساس أنها قنوات أجنبية».
وقال أيضاً: «من هذه المعادلة نفهم واقع الإعلام الجزائري، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتناول المواضيع السياسية، فما بالك بالحراك الشعبي الذي خرج ليطالب بإسقاط النظام. لقد وجد الصحافيون العاملون في القنوات الخاصة والعمومية أنفسهم بين المطرقة والسندان، أي بين لقمة العيش والموضوعية ونقل الحقيقة، وهذه الأخيرة كانت تعني للبعض تقديم الاستقالة نظراً لأن عدداً كبيراً من ملاك القنوات الخاصة هم في علاقة مالية مباشرة مع نظام بوتفليقة».
وأضاف: «لم أستغرب سياسية القنوات الخاصة تجاه حراك 22 فبراير الذي فاجأ الجميع، وكان على القنوات ألا تغطي الأحداث أصلاً بدل انتهاج سياسية التضليل الإعلامي، وتصوير المحتجين على أساس أنهم خرجوا للمطالبة بإصلاحات. وهذا الخطاب الذي أرادت السلطة تسويقه، أساء إلى صورة العديد من الإعلاميين الجزائريين ووصفهم الشارع بأنهم خصوم مباشرون، وجزء من الأزمة، فإذا كان من الممكن أن نتفهم تجاهل القنوات الخاصة لتغطية الحراك الشعبي، فلا يعقل أبداً أن نتفهم تزييف الحقيقة، كما يقال: «إن لم تستطع أن تنتصر للحق فلا تصفق للباطل».


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

«أو إس إن بلس»: السعودية سوق استراتيجية لنمو خدمات البث والترفيه

نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» تتوقع استمرار التحولات في صناعة البث مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات (الشرق الأوسط)
نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» تتوقع استمرار التحولات في صناعة البث مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات (الشرق الأوسط)
TT

«أو إس إن بلس»: السعودية سوق استراتيجية لنمو خدمات البث والترفيه

نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» تتوقع استمرار التحولات في صناعة البث مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات (الشرق الأوسط)
نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» تتوقع استمرار التحولات في صناعة البث مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات (الشرق الأوسط)

ذكرت تيريزا ريو، نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي»، أن سوق خدمات البث الرقمي في الشرق الأوسط تدخل مرحلة جديدة من النضج، تنتقل فيها المنافسة من استقطاب المشتركين إلى الاحتفاظ بهم، وتعزيز ارتباطهم بالمنصات، وسط ارتفاع تكاليف الإنتاج وازدياد الخيارات الترفيهية.

ريو، صرّحت خلال حوار مع «الشرق الأوسط» بأن المملكة العربية السعودية، تحديداً، «تمثل سوقاً استراتيجية للنمو طويل الأمد بالنسبة إلى (أو إس إن بلس)»، وأردفت موضحة أن «تطور تفضيلات الجمهور السعودي، وارتفاع توقعاته يدفعان المنصات إلى تبني استراتيجيات محلية تتجاوز الحملات التسويقية التقليدية».

ومن جهة ثانية، توقّعت نائبة رئيس التسويق في «أو إس إن بلس» و«أنغامي» استمرار التحوّلات في صناعة البث، مع ظهور أشكال جديدة من الاندماج بين الشركات، وذلك في ظل الضغوط المتزايدة لتحقيق التوازن بين النمو والربحية، وأكّدت أن «جودة المحتوى وتجربة المستخدم وكفاءة الاستثمارات عوامل رئيسة ستحدد مستقبل المنافسة».

السعودية «سوق استراتيجية»

تيريزا ريو وصفت السوق السعودية بأنها «إحدى أكثر أسواق الترفيه حيوية في المنطقة، مدفوعةً بجمهور شاب ومطلع على الاتجاهات العالمية، مع اهتمام متزايد بالأعمال الدرامية الكبرى وأفلام الرعب والتشويق».

واستشهدت بأداء السينما السعودية، فقالت: «إن أفلام الرعب، مثلاً، حققت إيرادات بلغت 111.4 مليون ريال (29.7 مليون دولار) خلال عام 2025، مستحوذة على 12 في المائة من إجمالي إيرادات شباك التذاكر، لتصبح ثالث أعلى الأنواع السينمائية تحقيقاً للإيرادات في المملكة».

وبالتوازي، شدّدت على أن «النجاح في السوق السعودية يتطلّب فهماً عميقاً للثقافة المحلية وبناء علاقات مستدامة مع الجمهور والمبدعين»، مضيفة أنه «لا يمكن تحقيق النجاح في السعودية بمجرد نقل تجربة إقليمية إليها وزيادة الإنفاق الإعلاني عليها».

ومن هذه النقطة انطلقت لتشرح أن «أو إس إن بلس» تنظر إلى المملكة اليوم «بوصفها سوقاً للنمو المستدام، وليس مجرد فرصة لزيادة المشتركين، ومن الحيوي إدراك أهمية الاستثمار في العلاقات المحلية، وتعزيز ارتباط المنصة بالمشهد الإبداعي السعودي».

تيريزا ريو (الشرق الأوسط)

المنافسة على وقت الجمهور

وحول مستقبل القطاع، رأت ريو أن سوق البث في الشرق الأوسط لا تزال تمتلك فرصاً للنمو، لكنها تنتقل من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة تصبح فيها القدرة على الاحتفاظ بالمشتركين عاملاً حاسماً. وأردفت من ثم «إن السؤال لم يعُد يتعلق باستعداد المستهلكين لاستخدام خدمات البث، بعدما أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية، بل بالمنصّات القادرة على الاحتفاظ بمكانة دائمة لديهم والحصول على حصة من إنفاقهم».

أيضاً، أشارت ريو إلى أن المنافسة ما عادت محصورة بين شركات البث، بل امتدت إلى منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت؛ إذ قال: «نحن الآن نتنافس على وقت الجمهور واهتماماته بقدر ما نتنافس مع منصات البث الأخرى... وبناءً عليه، فإن مجرّد امتلاك مكتبة واسعة من الأفلام والمسلسلات لم يعُد كافياً لضمان النجاح؛ إذ لا بد أيضاً من أن يقترن بسهولة اكتشاف المحتوى وتجربة استخدام تشجع المشاهد على العودة».

تحولات سلوك المشاهدين

ولفتت ريو إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي «باتت تؤدي دوراً رئيساً في توجيه قرارات المشاهدة، إذ يصل كثير من المستخدمين إلى منصّات البثّ الآن بعدما يكونون قد تعرّفوا على الأعمال عبر (تيك توك) و(إنستغرام) و(يوتيوب)، أو من خلال توصيات الأصدقاء وصنّاع المحتوى».

وتابعت أن هذا التحوّل «بات يفرض على المنصّات تطوير استراتيجيّات تسويقيّة تبدأ قبل دخول المشاهد إلى التطبيق، مع التركيز على تسهيل الوصول إلى المحتوى المناسب».

من جهة ثانية، حذّرت ريو من أن «وفرة الخيارات قد تتحول إلى عائق أمام المستخدم، ذلك أن بعض المشاهدين يمضون راهناً نحو 15 دقيقة في تصفّح مئات العناوين، لكن من دون اتخاذ قرار». وشددت على أهمية تحليل سلوك الجمهور، بما يشمل كيفية اكتشاف الأعمال وأوقات مشاهدتها واهتماماته، لتطوير المحتوى والمنتجات وتحسين تجربة الاستخدام.

الرعب والدراما يتصدّران الاهتمامات

على صعيد موازٍ يتعلق بتفضيلات المشاهدين، قالت ريو إن «أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتنوّع وتختلف ثقافياً وديموغرافياً؛ ما يجعل التعامل معها بوصفها سوقاً موحّدة عملية غير دقيقة»، ثم تطرّقت إلى استمرار الطلب على الأعمال الدرامية الكبرى، إلى جانب تنامي الاهتمام بقصص الجريمة والرومانسية والرعب، «الذي تحوّل من نوع محدود الانتشار إلى فئة رئيسة تستقطب شرائح واسعة من الجمهور.... والأعمال المعروفة التي يفضّل المشاهدون إعادة متابعتها تحتفظ بأهميتها؛ إذ لا ترتبط قرارات الاشتراك بالإنتاجات الجديدة وحدها، بل تشمل أيضاً الوصول إلى مكتبة متنوعة من الأعمال المألوفة».


«إنستغرام» تراهن على الفيديو الطويل... وتُصعّد المنافسة مع «يوتيوب»

«إنستغرام» تراهن على الفيديو الطويل... وتُصعّد المنافسة مع «يوتيوب»
TT

«إنستغرام» تراهن على الفيديو الطويل... وتُصعّد المنافسة مع «يوتيوب»

«إنستغرام» تراهن على الفيديو الطويل... وتُصعّد المنافسة مع «يوتيوب»

في خطوة تعكس احتدام المنافسة على سوق الفيديو الطويل، عرضت منصّة «إنستغرام» التابعة لشركة «ميتا» أخيراً على عدد من صُنّاع المحتوى مبالغ تصل إلى 500 ألف دولار، مقابل نشر مقاطع طويلة عبر خاصّيّتها الجديدة «فيتشرز»، التي أطلقتها قبل أيام، في مرحلة اختبار أولى داخل الولايات المتحدة بعد تجربتها في البرازيل.

الخاصّيّة هذه تتيح نشر فيديوهات أفقية تصل مدتها إلى 90 دقيقة، لكن صُنّاع المحتوى وفق موقع «بيزنس إنسايدر» أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي «لا يجدون سبباً مُقنعاً لاستخدامها»، ما دام «يوتيوب» يمنحهم 55 في المائة من عائدات الإعلانات على فيديوهاتهم الطويلة.

لذا لجأت «إنستغرام» إلى المال مباشرةً، فعرضت على بعض الأسماء 50 ألف دولار، وعلى آخرين مئات الآلاف. واللافت أن هذه العروض لا تطالِب أحداً بترك «يوتيوب»، بل تكتفي، وفق ما نقله الموقع عن أحد المطّلعين على الصفقات، بأن يُنشر الفيديو على «إنستغرام» في اليوم نفسه الذي يُرفع فيه على «يوتيوب».

«ميتا» أكدت من جانبها أنها «ستموّل محتوى هذه الخاصّيّة مباشرة مع بعض صُنّاع المحتوى من دون أن تكشف عن الأرقام». في حين اعترف رئيس «إنستغرام» آدم موصيري في فيديو الإعلان عن الخاصّيّة بأنه ظل لفترة طويلة ضد فكرة الفيديو الطويل على المنصة، ثم كتب لاحقاً عبر «ثريدز» أن فريقه يدرس خيارات عدة لتمكين صُنّاع هذا النوع من المحتوى من تحقيق دخل يضمن لهم الاستمرار.

وللعلم، سبق لـ«ميتا» أن جرّبت هذا الطريق من قبل؛ ففي عام 2021 خصّصت مليار دولار لتشجيع صُنّاع المحتوى على هذا النمط الذي يحتاج إلى جهد أكبر، وشمل ذلك مدفوعات لمن يقبلون عرض الإعلانات على فيديوهاتهم، لكن النتيجة لم تكن على قدر المال المدفوع.

بحسب تحليل لمنصة «فيد آي كيو»، في أغسطس (آب) الماضي، يدفع «يوتيوب» بين دولار و10 دولارات لكل ألف مشاهدة على الفيديو الطويل، في حين أن عائد المشاهدات وحدها على «إنستغرام» يكون صفراً من دون صفقة مع علامة تجارية، ثم إن صانع المحتوى الذي يتخطّى المليون مُشترك قد يحقِّق أكثر من 50 ألف دولار شهرياً على «يوتيوب»، بينما يتقاضى نظيره على «إنستغرام» ما بين 5 إلى 15 ألف دولار عن المنشور الواحد المموّل.

حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبّي، يقول إن «ما يحدث تحوّل حقيقي في استراتيجية المنصّات الرقمية، لكن من المبكّر اعتباره تحوّلاً نهائيّاً في سلوك الجمهور لصالح الفيديو الطويل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر «ليس تراجعاً عن الفيديو القصير، بل محاولة للجمع بين نمطين مختلفين من المشاهدة داخل المنصة الواحدة، ذلك أن المنافسة بين (إنستغرام) و(يوتيوب) لم تعُد على عدد المشاهدات، بل تمسّ أيضاً وقت المُستخدم وعلاقته بالمنصة، والقدرة على الاحتفاظ بصُناع المحتوى والجمهور معاً».

وذكر مصطفى إلى أن «الحوافز المالية الكبيرة تعكس رغبة (إنستغرام) في تسريع تفعيل الخاصية، ولا تعني بالضرورة وجود طلب جماهيري مستدام عليها».

ولفت إلى أن «الجمهور أصبح أسرع في تجاوز المحتوى الذي لا يقدم له قيمة واضحة، لكنه لا يزال مستعداً لمنح وقت طويل لمحتوى يجد فيه فائدة معرفية أو متعة». وتابع أن «المشكلة ليست في أن الجمهور لم يعد يستطيع المشاهدة الطويلة، بل في أن صانع المحتوى أصبح مطالباً بتقديم سبب مقنع يجعل المشاهد يمنحه هذا الوقت».


السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».