عدم ربط عودة النازحين بالحل السياسي ينتظر إشارات مشجّعة من دمشق

النظام السوري يرفض طلبات القسم الأكبر من المسجلين على لوائح الأمن العام اللبناني

TT

عدم ربط عودة النازحين بالحل السياسي ينتظر إشارات مشجّعة من دمشق

استحضر الخلاف حول عودة النازحين السوريين مادة دسمة لإقحام مجلس الوزراء والأطراف المشاركة في الحكومة في اشتباك سياسي طغى عليه تبادل الاتهامات على خلفية ما تقرر في مؤتمر «بروكسل - 3» المخصص لتوفير الدعم المالي للدول المستضيفة للنازحين والذي كان موضع انتقاد من قبل رئيس الجمهورية ميشال عون في إشارته إلى عدم ربط عودتهم بالحل السياسي في سوريا، وأيضاً من جانب رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل، الذي اعتبر أن هذه المؤتمرات تموّل بقاء النازحين في لبنان.
ويأتي موقف رئيس الجمهورية في مقاربته لملف النازحين متناغماً مع موقف الأطراف المحلية المنضوية في محور «الممانعة» الحليف لإيران والنظام السوري وإن كان موقف باسيل أشد التصاقاً بهذا المحور، ما يعني أن الحكومة منقسمة وباتت مهددة بانعدام الانسجام من جهة، وبفقدان المناعة السياسية في حال أن الاشتباك سيؤدي مع مرور الوقت إلى تعطيل قدرتها على الإنتاج في ظروف صعبة يمر بها لبنان.
وبعيداً عن تبادل الاتهامات حول آلية التعاطي مع ملف النازحين وتأمين عودتهم إلى بلداتهم في سوريا، يسأل أحد الوزراء ممن يصنَّفون في خانة المؤيدين ضمنياً لموقف رئيس الحكومة سعد الحريري في بروكسل الذي جاء انسجاماً مع ما أُدرج في البيان الوزاري حول هذا الملف: ما الذي يمنع رئيس الجمهورية من التحرّك في اتجاه نظيره السوري الرئيس بشار الأسد للتفاهم معه على فك ارتباط عودتهم بالحل السياسي في سوريا، خصوصاً أنه على تواصل معه، وبطريقة غير مباشرة من خلال وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي، ومن قبله سلفه الوزير السابق بيار رفول؟
ويؤكد هذا الوزير، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أنه سيكون من أشد المؤيدين لرئيس الجمهورية إذا تمكّن من إقناع الأسد بوضع ورقة تفاهم مشتركة تؤسس لعودة النازحين، ويقول إنه ينطق أيضاً بلسان رئيس الحكومة الذي سيكون على رأس المؤيدين له، بلا تردد.
لكن الوزير نفسه يسأل إذا كانت هناك ضرورة لتطبيع العلاقات بين البلدين واعتبارها الممر الإلزامي لتنظيم عودة النازحين، ويقول إن البعض يتذرّع بأن تأخُّر انعقاد قمة بين الرئيسين الأسد وعون منذ انتخاب الأخير رئيساً للجمهورية، يعيق تأمين عودتهم، ونحن من جانبنا لا نمانع بأن تُعقد هذه القمة اليوم قبل الغد.
ولم يفت هذا الوزير السؤال عن أسباب عدم تجاوب النظام السوري مع الجهود التي قام بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم بالتنسيق مع السلطات الأمنية في سوريا للتفاهم على تنظيم العودة الطوعية لمن يرغب من النازحين الالتحاق ببلداتهم؟
كما يسأل الوزير عن مصير المبادرة التي قام بها «حزب الله» باستحداث مكاتب في عدد من المناطق لتسجيل أسماء النازحين الذين يرغبون في العودة، وهل قرر أن يصرف النظر عنها إفساحاً في المجال أمام المبادرة التي تولاها اللواء إبراهيم، مع أنه أراد من مبادرته تمرير رسالة سياسية فحواها أنه حريص على إعادتهم وأن تهجيرهم من بلداتهم جاء بسبب تغلغل المجموعات الإرهابية إليها؟
وفي هذا السياق، يكشف الوزير إياه، نقلاً عن مصادر في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان وعدد من سفراء الاتحاد الأوروبي، أن المديرية العامة للأمن العام كانت تعد اللوائح بأسماء النازحين الذين يرغبون في العودة وترفعها إلى جهاز الاستخبارات السورية المولج بمتابعة هذا الملف للحصول على موافقته تمهيداً لتنظيم عودتهم.
ويؤكد الوزير - بحسب مصادره - أن جهاز الاستخبارات السورية كان يعيد اللوائح إلى الأمن العام اللبناني بعد أن يشطب القسم الأكبر من الأسماء الواردة فيها، ويقول إن إسقاط الأسماء من قبل هذا الجهاز يفوق بكثير العدد الذي حظي بموافقته على عودتهم، فكيف سيكون موقف دمشق من عودة نحو مليون ونصف المليون نازح؟
ويعزو - نقلاً عن مصادره - سبب إسقاط هذه الأسماء من اللوائح إلى دواعٍ أمنية تذرّع بها جهاز الاستخبارات السورية، خصوصاً أن بعض اللوائح أبقت على نسبة ضئيلة من الأسماء التي حملتها اللوائح المعدّة من الأمن العام اللبناني، مع أن النسبة العالية من النازحين كانوا لجأوا إلى لبنان بين أعوام 2011 و2012 و2013 أي قبل ظهور تنظيم داعش إلى العلن.
ومع أن جهاز الاستخبارات السورية لا يقدّم أي تبرير لإسقاطه العدد الأكبر من الأسماء الواردة في لوائح الأمن العام، فإن مصادر مقرّبة من محور «الممانعة» تعزو السبب إلى أن النظام السوري لا يستطيع استيعابهم وتأمين عودتهم إلى بلداتهم التي هي في معظمها مدمّرة، وبالتالي فإن «استضافتهم» في العراء أو داخل الخيم ستدفعهم إلى التململ من النظام ما يتيح للبعض داخل سوريا استغلالهم لإرباكه.
لذلك فإن النظام السوري يفضّل حتى إشعار آخر الإبقاء على هذا العدد الكبير من النازحين في الأماكن التي لجأوا إليها، وبالتالي يحاول أن يرمي مشكلته على الدول المضيفة لهم ومن خلالها المجتمع الدولي، لإيهام الرأي العام بأن الأخير لا يريد عودتهم الطوعية ما لم يتحقق الحل السياسي في سوريا.
ولم يكن أمام حلفاء سوريا في لبنان سوى تنظيم الحملات الإعلامية والسياسية المضادة لتبرير قصور النظام السوري في إعادتهم، خصوصاً أن قسماً كبيراً منهم يودّون العودة الطوعية الفورية.
وعليه، هل سيكون في مقدور من يرفض في لبنان ربط عودتهم بالحل السياسي في سوريا وأولهم رئيس الجمهورية إقناع الرئيس السوري بالالتفاف على المجتمع الدولي بموافقته على عودتهم، خصوصاً أن الرأي الآخر الذي يُتّهم بالاشتراك في توطينهم في أماكن إقامتهم في دول الجوار سيكون أول من يصفّق له لأنه بخطوته هذه يخفف الأعباء الكبيرة الملقاة على لبنان.
كما أن الفريق المعارض كان أول من رحّب بالعودة الطوعية للنازحين وأن المزايدات الشعبوية التي يقودها باسيل، وأحياناً بالنيابة عن محور «الممانعة»، لن تدوم في حال أن التواصل مع دمشق لن يلقى تجاوباً لوضع آلية لعودتهم بدلاً من أن يسعى لكسب الوقت بذريعة أعداد اللجان المشتركة التي قد تعمل على تقطيع الوقت بلا فائدة لقطع الطريق على إحراج الرئيس السوري أمام النازحين قبل الآخرين.
ولا يفوت الوزير نفسه التوقُّف أمام الحملة الإعلامية التي شنّها باسيل بطريقة أو بأخرى على رئيس الحكومة ومن يؤيّده في ملف النازحين، ويقول إن الحفاظ على الاستقرار وتحديداً داخل الحكومة يستدعي إخراج هذا الملف من التجاذبات السياسية. ويضيف: إن باسيل أراد من تغييب نفسه عن الوفد اللبناني برئاسة الحريري إلى بروكسل توجيه أكثر من رسالة للداخل، ومنها أنه في حاجة باستمرار إلى تعزيز ثقة «حزب الله» به ومن خلاله النظام السوري، إضافة إلى أنه يرغب في أن يكون الرجل الأول في أي وفد لبناني رسمي إلى الخارج.
ويبقى السؤال: هل أن إقحام لبنان في اشتباك سياسي يأتي استعداداً لاستقبال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في زيارته الأسبوع المقبل إلى بيروت، باشتباك من نوع آخر من قبل محور «الممانعة» ومن ينضم إليه، من أجل صد هجوم بومبيو على «حزب الله» وإيران واتهامهما بزعزعة الاستقرار في المنطقة. فالرسالة وصلت إلى واشنطن قبل قدوم موفدها إلى لبنان.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.