عدم ربط عودة النازحين بالحل السياسي ينتظر إشارات مشجّعة من دمشق

النظام السوري يرفض طلبات القسم الأكبر من المسجلين على لوائح الأمن العام اللبناني

TT

عدم ربط عودة النازحين بالحل السياسي ينتظر إشارات مشجّعة من دمشق

استحضر الخلاف حول عودة النازحين السوريين مادة دسمة لإقحام مجلس الوزراء والأطراف المشاركة في الحكومة في اشتباك سياسي طغى عليه تبادل الاتهامات على خلفية ما تقرر في مؤتمر «بروكسل - 3» المخصص لتوفير الدعم المالي للدول المستضيفة للنازحين والذي كان موضع انتقاد من قبل رئيس الجمهورية ميشال عون في إشارته إلى عدم ربط عودتهم بالحل السياسي في سوريا، وأيضاً من جانب رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل، الذي اعتبر أن هذه المؤتمرات تموّل بقاء النازحين في لبنان.
ويأتي موقف رئيس الجمهورية في مقاربته لملف النازحين متناغماً مع موقف الأطراف المحلية المنضوية في محور «الممانعة» الحليف لإيران والنظام السوري وإن كان موقف باسيل أشد التصاقاً بهذا المحور، ما يعني أن الحكومة منقسمة وباتت مهددة بانعدام الانسجام من جهة، وبفقدان المناعة السياسية في حال أن الاشتباك سيؤدي مع مرور الوقت إلى تعطيل قدرتها على الإنتاج في ظروف صعبة يمر بها لبنان.
وبعيداً عن تبادل الاتهامات حول آلية التعاطي مع ملف النازحين وتأمين عودتهم إلى بلداتهم في سوريا، يسأل أحد الوزراء ممن يصنَّفون في خانة المؤيدين ضمنياً لموقف رئيس الحكومة سعد الحريري في بروكسل الذي جاء انسجاماً مع ما أُدرج في البيان الوزاري حول هذا الملف: ما الذي يمنع رئيس الجمهورية من التحرّك في اتجاه نظيره السوري الرئيس بشار الأسد للتفاهم معه على فك ارتباط عودتهم بالحل السياسي في سوريا، خصوصاً أنه على تواصل معه، وبطريقة غير مباشرة من خلال وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي، ومن قبله سلفه الوزير السابق بيار رفول؟
ويؤكد هذا الوزير، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أنه سيكون من أشد المؤيدين لرئيس الجمهورية إذا تمكّن من إقناع الأسد بوضع ورقة تفاهم مشتركة تؤسس لعودة النازحين، ويقول إنه ينطق أيضاً بلسان رئيس الحكومة الذي سيكون على رأس المؤيدين له، بلا تردد.
لكن الوزير نفسه يسأل إذا كانت هناك ضرورة لتطبيع العلاقات بين البلدين واعتبارها الممر الإلزامي لتنظيم عودة النازحين، ويقول إن البعض يتذرّع بأن تأخُّر انعقاد قمة بين الرئيسين الأسد وعون منذ انتخاب الأخير رئيساً للجمهورية، يعيق تأمين عودتهم، ونحن من جانبنا لا نمانع بأن تُعقد هذه القمة اليوم قبل الغد.
ولم يفت هذا الوزير السؤال عن أسباب عدم تجاوب النظام السوري مع الجهود التي قام بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم بالتنسيق مع السلطات الأمنية في سوريا للتفاهم على تنظيم العودة الطوعية لمن يرغب من النازحين الالتحاق ببلداتهم؟
كما يسأل الوزير عن مصير المبادرة التي قام بها «حزب الله» باستحداث مكاتب في عدد من المناطق لتسجيل أسماء النازحين الذين يرغبون في العودة، وهل قرر أن يصرف النظر عنها إفساحاً في المجال أمام المبادرة التي تولاها اللواء إبراهيم، مع أنه أراد من مبادرته تمرير رسالة سياسية فحواها أنه حريص على إعادتهم وأن تهجيرهم من بلداتهم جاء بسبب تغلغل المجموعات الإرهابية إليها؟
وفي هذا السياق، يكشف الوزير إياه، نقلاً عن مصادر في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان وعدد من سفراء الاتحاد الأوروبي، أن المديرية العامة للأمن العام كانت تعد اللوائح بأسماء النازحين الذين يرغبون في العودة وترفعها إلى جهاز الاستخبارات السورية المولج بمتابعة هذا الملف للحصول على موافقته تمهيداً لتنظيم عودتهم.
ويؤكد الوزير - بحسب مصادره - أن جهاز الاستخبارات السورية كان يعيد اللوائح إلى الأمن العام اللبناني بعد أن يشطب القسم الأكبر من الأسماء الواردة فيها، ويقول إن إسقاط الأسماء من قبل هذا الجهاز يفوق بكثير العدد الذي حظي بموافقته على عودتهم، فكيف سيكون موقف دمشق من عودة نحو مليون ونصف المليون نازح؟
ويعزو - نقلاً عن مصادره - سبب إسقاط هذه الأسماء من اللوائح إلى دواعٍ أمنية تذرّع بها جهاز الاستخبارات السورية، خصوصاً أن بعض اللوائح أبقت على نسبة ضئيلة من الأسماء التي حملتها اللوائح المعدّة من الأمن العام اللبناني، مع أن النسبة العالية من النازحين كانوا لجأوا إلى لبنان بين أعوام 2011 و2012 و2013 أي قبل ظهور تنظيم داعش إلى العلن.
ومع أن جهاز الاستخبارات السورية لا يقدّم أي تبرير لإسقاطه العدد الأكبر من الأسماء الواردة في لوائح الأمن العام، فإن مصادر مقرّبة من محور «الممانعة» تعزو السبب إلى أن النظام السوري لا يستطيع استيعابهم وتأمين عودتهم إلى بلداتهم التي هي في معظمها مدمّرة، وبالتالي فإن «استضافتهم» في العراء أو داخل الخيم ستدفعهم إلى التململ من النظام ما يتيح للبعض داخل سوريا استغلالهم لإرباكه.
لذلك فإن النظام السوري يفضّل حتى إشعار آخر الإبقاء على هذا العدد الكبير من النازحين في الأماكن التي لجأوا إليها، وبالتالي يحاول أن يرمي مشكلته على الدول المضيفة لهم ومن خلالها المجتمع الدولي، لإيهام الرأي العام بأن الأخير لا يريد عودتهم الطوعية ما لم يتحقق الحل السياسي في سوريا.
ولم يكن أمام حلفاء سوريا في لبنان سوى تنظيم الحملات الإعلامية والسياسية المضادة لتبرير قصور النظام السوري في إعادتهم، خصوصاً أن قسماً كبيراً منهم يودّون العودة الطوعية الفورية.
وعليه، هل سيكون في مقدور من يرفض في لبنان ربط عودتهم بالحل السياسي في سوريا وأولهم رئيس الجمهورية إقناع الرئيس السوري بالالتفاف على المجتمع الدولي بموافقته على عودتهم، خصوصاً أن الرأي الآخر الذي يُتّهم بالاشتراك في توطينهم في أماكن إقامتهم في دول الجوار سيكون أول من يصفّق له لأنه بخطوته هذه يخفف الأعباء الكبيرة الملقاة على لبنان.
كما أن الفريق المعارض كان أول من رحّب بالعودة الطوعية للنازحين وأن المزايدات الشعبوية التي يقودها باسيل، وأحياناً بالنيابة عن محور «الممانعة»، لن تدوم في حال أن التواصل مع دمشق لن يلقى تجاوباً لوضع آلية لعودتهم بدلاً من أن يسعى لكسب الوقت بذريعة أعداد اللجان المشتركة التي قد تعمل على تقطيع الوقت بلا فائدة لقطع الطريق على إحراج الرئيس السوري أمام النازحين قبل الآخرين.
ولا يفوت الوزير نفسه التوقُّف أمام الحملة الإعلامية التي شنّها باسيل بطريقة أو بأخرى على رئيس الحكومة ومن يؤيّده في ملف النازحين، ويقول إن الحفاظ على الاستقرار وتحديداً داخل الحكومة يستدعي إخراج هذا الملف من التجاذبات السياسية. ويضيف: إن باسيل أراد من تغييب نفسه عن الوفد اللبناني برئاسة الحريري إلى بروكسل توجيه أكثر من رسالة للداخل، ومنها أنه في حاجة باستمرار إلى تعزيز ثقة «حزب الله» به ومن خلاله النظام السوري، إضافة إلى أنه يرغب في أن يكون الرجل الأول في أي وفد لبناني رسمي إلى الخارج.
ويبقى السؤال: هل أن إقحام لبنان في اشتباك سياسي يأتي استعداداً لاستقبال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في زيارته الأسبوع المقبل إلى بيروت، باشتباك من نوع آخر من قبل محور «الممانعة» ومن ينضم إليه، من أجل صد هجوم بومبيو على «حزب الله» وإيران واتهامهما بزعزعة الاستقرار في المنطقة. فالرسالة وصلت إلى واشنطن قبل قدوم موفدها إلى لبنان.



تصعيد حوثي واسع على جبهات تعز والساحل الغربي

القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
TT

تصعيد حوثي واسع على جبهات تعز والساحل الغربي

القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران عملياتها العسكرية، الخميس، على عدة جبهات غرب محافظة تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع قصف بأكثر من 12 صاروخاً باليستياً طال مناطق ريفية في محافظتي تعز والحديدة، فيما اندلعت مواجهات عنيفة مع القوات الحكومية والمقاومة الوطنية في مقبنة والكدحة والطوير وغباري.

وأفادت مصادر عسكرية بأن المواجهات بدأت منذ الساعات الأولى لفجر الخميس، بهجوم حوثي واسع استهدف مواقع القوات الحكومية والمقاومة في عدد من القطاعات القتالية، قبل أن تتطور إلى اشتباكات مباشرة وقصف مدفعي استمر لساعات.

وقالت المصادر إن الجماعة استخدمت خلال الهجوم مئات القذائف المدفعية وقذائف الهاون، بالتزامن مع تحليق الطائرات المسيّرة واستخدامها في العمليات القتالية، فيما امتدت المواجهات إلى تلال مطلة على منطقة العقمة في مديرية موزع، حيث تتمركز ألوية المغاوير التابعة للمقاومة الوطنية.

وحسب مصادر عسكرية، تمكن الحوثيون خلال الساعات الأولى من الهجوم من السيطرة على عدد من المواقع، قبل أن تشن القوات الحكومية ومحور تعز والمقاومة الوطنية هجوماً معاكساً استعادت خلاله عدداً من المواقع التي فقدتها.

ونفت المصادر، أن تكون الصواريخ الباليستية أحدثت أثراً على مسرح العمليات القتالي للقوات الحكومية، منوهة بأن غالبية القصف الصاروخي الحوثي تركزت على محيط منشآت حيوية وخطوط الإمداد المدني والعسكري، ما أدى إلى خلق حالة من الهلع بين المدنيين.

وأشارت المصادر إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الحكومية، في حين تكبد الحوثيون خسائر بين عناصرهم، دون تحديد أعداد الضحايا من الجانبين، في حين تشير المعلومات إلى وقوع 4 من العناصر الحوثية في الأسر.

وتركز القصف الصاروخي الحوثي على محيط منشآت حيوية وخطوط الإمداد المدني والعسكري، ما أدى إلى خلق حالة من الهلع بين المدنيين، في حين تزامنت تلك الهجمات الحوثية مع تحركات برية هجومية تصدت القوات الحكومية والمشتركة لها، وتمكنت من إفشالها بالكامل وإخماد مصادر النيران، وفقاً لبيانات الجيش اليمني.

وذكرت تقارير غرفة العمليات المشتركة أن منظومات الدفاع الجوي والتشكيلات العسكرية في الساحل الغربي «تتعامل بيقظة عالية مع هذه التهديدات الصاروخية المتكررة، التي باتت تمثل النمط الأبرز لمحاولات الجماعة تعويض خسائرها الميدانية المتلاحقة على الأرض»، وتوجيه رسائل تصعيدية مرتبطة بالتطورات الإقليمية في ممر البحر الأحمر وباب المندب الاستراتيجي.

أسيران من عناصر الجماعة الحوثية في قبضة الجيش اليمني (الجيش اليمني)

وترافقت هذه الهجمات مع محاولة تسلل وهجوم بري نفذته العناصر التابعة للجماعة الحوثية باتجاه مواقع القوات الحكومية في منطقة الكدحة ضمن محور «البرح» غرب محافظة تعز.

ثلاث مسيّرات

وفي سياق التصعيد الجوي، أعلنت القوات الحكومية إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة حوثية أثناء تحليقها في أجواء عُزل بمديرية جبل حبشي، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جبهات غرب تعز.

وقالت مصادر عسكرية إن التعامل مع المسيّرات جاء في وقت واصلت فيه الجماعة استخدام الطائرات من دون طيار في الهجوم على مواقع القوات الحكومية والمقاومة، بينما ظلت الاشتباكات مستمرة في عدد من القطاعات، وسط تعزيزات وانتشار للقوات في مواقع القتال.

وتزامن التصعيد البري مع موجة جديدة من القصف الصاروخي الحوثي على مناطق الساحل الغربي، حيث أطلقت الجماعة أكثر من 12 صاروخاً باليستياً باتجاه مناطق متفرقة شرق وشمال مدينة المخا، وأخرى تابعة لمديرية الخوخة في محافظة الحديدة.

وحسب مصادر محلية، أطلقت الصواريخ من مواقع للجماعة في محافظة إب ومنطقتي الحوبان وشرعب شرق وشمال تعز، فيما أدى أحد الصواريخ إلى اندلاع حريق في الأطراف الشمالية لمدينة المخا.

وقالت المصادر إن اشتباكات عنيفة بين عناصر الجماعة الحوثية ولواء النصر التابع للجيش اليمني في جبهة مقبنة غرب تعز، بعد قصف عنيف نفذته أن الحوثيين استبقوا المواجهات بقصف مدفعي على امتداد الجبهة.

وأفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية بأن الحوثيين أطلقوا ثمانية صواريخ باليستية باتجاه ريف المخا، بينما سقط صاروخ تاسع جنوب مديرية الخوخة. وأكدت مصادر محلية إطلاق ثلاثة صواريخ إضافية بعد وقت قصير، ليصل العدد إلى أكثر من 12 صاروخاً خلال فترة زمنية قصيرة.

استهداف الساحل

وجاء القصف الصاروخي بالتزامن مع المعارك الدائرة في جبهتي مقبنة والكدحة غرب تعز، فيما تعاملت الدفاعات الجوية التابعة لمحور تعز مع الطائرات المسيّرة التي أطلقتها الجماعة خلال الهجوم.

ويأتي هذا التصعيد بعد ساعات من استهداف الحوثيين مناطق سكنية ومحيط مخيمات للنازحين وجبهات القتال في تعز، في وقت تشهد فيه المحافظة والساحل الغربي تصعيداً ميدانياً متواصلاً منذ أغسطس (آب) الماضي.

بقايا طائرة مسيّرة حوثية أسقطتها القوات الحكومية اليمنية في تعز (الجيش اليمني)

وتواصل القوات الحكومية والمقاومة الوطنية التصدي للهجمات الحوثية على امتداد جبهات غرب تعز والساحل الغربي، وسط استمرار الجماعة في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والمدفعية في هجماتها.

ويعكس تزامن الهجوم البري الواسع مع القصف الصاروخي على الساحل الغربي اتساع نطاق التصعيد الحوثي في هذه المناطق، التي شهدت خلال الفترة الماضية هجمات متكررة شملت مواقع عسكرية ومناطق قريبة من تجمعات سكنية ومنشآت مدنية.

وكانت القوات الحكومية في محافظتي مأرب والضالع وجهت، الأربعاء، ضربات عسكرية استهدفت بها مواقع وتجمعات وآليات تابعة للجماعة الحوثية، ونشرت مشاهد مصورة لذلك.

وأعلن المركز الإعلامي للقوات المسلحة أن وحدات المدفعية التابعة للمنطقة العسكرية السابعة نفذت قصفاً مركزاً استهدف مواقع وثكنات وتجمعات للحوثيين في جبهات مأرب الغربية، ملحقة بها خسائر في الأرواح والعتاد، مرفقاً ذلك بنشر مشاهد توثق جانباً من عمليات الطيران المسيّر التابع للمنطقة العسكرية الثالثة.

وفي محافظة الضالع، أظهرت مشاهد أخرى استهداف مقر عسكري حوثي ومبنى سكني حولته الجماعة إلى ثكنة عسكرية.

وأدت الضربات إلى خسائر بشرية ومادية في صفوف الحوثيين.

ولا تزال المواجهات مستمرة في عدد من القطاعات القتالية، وسط انتشار وتعزيزات للقوات الحكومية والمقاومة الوطنية، في حين تتعامل القوات مع الهجمات الصاروخية والجوية الحوثية التي شملت مناطق متفرقة في تعز والساحل الغربي.


تغييرات حوثية تطول قيادات عسكرية وسط تصاعد الضربات الحكومية

عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)
عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)
TT

تغييرات حوثية تطول قيادات عسكرية وسط تصاعد الضربات الحكومية

عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)
عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)

أجرت الجماعة الحوثية تغييرات مفاجئة في قيادة منطقتين عسكريتين، بالتزامن مع تكثيف القوات المسلحة اليمنية ضرباتها ضد أهداف نوعية للجماعة، وفق ما كشف عنه مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط».

وحسب المصدر، الذي طلب حجب هويته نظراً إلى حساسية المعلومات، شملت التغييرات قائدي المنطقتين العسكريتين الثالثة والسابعة، في خطوة قال إنها تعكس تنامي الشكوك داخل الجماعة حيال ولاء بعض قياداتها وكفاءتها، على وقع تصاعد الضربات الحكومية، خصوصاً باستخدام الطائرات المسيّرة.

وقال المصدر: «خلال الأيام القليلة الماضية، استبدلت الجماعة بقائدي المنطقتين العسكريتين الثالثة والسابعة قياديَين قديمَين يُعدّان من أقرب الموالين لها في صعدة».

إعادة تشكيل ميدانية

أوضح المصدر، القريب من الميدان، أن التعزيزات التي دفعت بها الجماعة إلى الجبهات خلال العشرين يوماً الماضية رافقتها إعادة تشكيل واسعة للقيادات الميدانية، مشيراً إلى أن نحو 90 في المائة من قادة الوحدات الفرعية، على مستوى السرايا والكتائب، جرى اختيارهم من قيادات عقائدية تنتمي غالبيتها إلى محافظة صعدة.

وعزا المصدر هذه التحركات إلى «حالة من التخبط والشكوك» داخل الجماعة، قال إنها لم تعد تقتصر على القيادات القبلية أو العناصر المستقطبة حديثاً، بل امتدت إلى مستويات قيادية عليا، بما في ذلك شخصيات تنتمي إلى الدائرة الاجتماعية والمذهبية الأقرب إليها.

وأضاف أن ثقة الجماعة بالقيادات القبلية «تراجعت إلى أدنى مستوياتها»؛ ما دفعها إلى إحلال عناصر أكثر ارتباطاً بقيادتها المركزية محل عدد من القادة الميدانيين.

صراعات الأجنحة

ربط المصدر جانباً من التوترات الداخلية بتنامي نفوذ علي حسين الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، قائلاً إن صعوده أحدث انقسامات ملحوظة بين قيادات الصف الأول.

علي حسين الحوثي نجل مؤسس الجماعة الحوثية (إكس)

وأشار إلى الخلافات التي عصفت بالعلاقة بين علي حسين الحوثي وعدد من الشخصيات البارزة، من بينها عبد الحكيم الخيواني، رئيس جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، والقيادي العسكري «أبو علي الحاكم»، إلى جانب عضو ما يسمى «المجلس السياسي الأعلى» محمد علي الحوثي.

وتشير مصادر يمنية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ممثلي «الحرس الثوري» الإيراني يسعون إلى احتواء الانقسامات المتصاعدة بين أجنحة الجماعة، والحيلولة دون انعكاسها على تماسكها العسكري والأمني، لا سيما في وقت تواجه فيه ضغوطاً متزايدة على المستويين العسكري والمجتمعي.

وكانت «الشرق الأوسط» نشرت تقريراً في أغسطس (آب) 2025 عن تعاظم الدور المخابراتي لنجل مؤسس الجماعة؛ حيث بات يشرف على معظم الأجهزة والمؤسسات، بما في ذلك وزارة الخارجية في الحكومة الانقلابية، مستنداً إلى الدعم الكبير الذي يمنحه له عمه عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة الحالي.

وذكرت مصادر أمنية وسياسية في مناطق سيطرة الحوثيين حينها أن الدور المخابراتي والقمعي لعلي حسين الحوثي الذي مُنح رتبة لواء في الأمن، وتم إنشاء جهاز مخابرات خاص به تحت اسم «جهاز مخابرات الشرطة»، تعاظم خلال الأشهر الأولى من العام 2025 بشكل كبير.

الحوثيون تكبَّدوا خسائر ميدانية خلال المواجهات الأخيرة في جنوب الحديدة (إعلام حكومي)

استياء من اعتقالات ذمار

في السياق ذاته، أفاد المصدر العسكري بأن جهازاً أمنياً جديداً مرتبطاً بعلي حسين الحوثي نفّذ أخيراً حملة اعتقالات طالت نحو 70 شخصية من محافظة ذمار دفعة واحدة؛ الأمر الذي أثار استياءً واسعاً في الأوساط المحلية.

وقال المصدر: «تؤكد المعلومات المتوافرة أن جانباً كبيراً من الاعتقالات والتحركات المرتبطة بالخلافات الداخلية لم يعد ينفذه جهاز الأمن والمخابرات الحوثي، بل جهة أمنية جديدة»، في إشارة إلى الجهاز الذي قال إن علي حسين الحوثي يتولى إدارته.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً عسكرية متصاعدة على عدد من الجبهات، وسط مؤشرات على اتجاهها إلى تشديد قبضتها الأمنية وإعادة ترتيب هيكلها القيادي؛ تحسباً لأي اختراقات أو تحولات محتملة في مسار المواجهات.


القيادة اليمنية تشدد على تجفيف موارد الحوثيين

جانب من الاجتماع المشترك لمجلس القيادة الرئاسي اليمني مع الحكومة (سبأ)
جانب من الاجتماع المشترك لمجلس القيادة الرئاسي اليمني مع الحكومة (سبأ)
TT

القيادة اليمنية تشدد على تجفيف موارد الحوثيين

جانب من الاجتماع المشترك لمجلس القيادة الرئاسي اليمني مع الحكومة (سبأ)
جانب من الاجتماع المشترك لمجلس القيادة الرئاسي اليمني مع الحكومة (سبأ)

شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على مواصلة الإجراءات الهادفة إلى استعادة أدوات الدولة السيادية، وتجفيف مصادر تمويل وتسليح الجماعة الحوثية، بالتزامن مع رفع مستويات الجاهزية العسكرية والأمنية والاستخباراتية في مختلف الجبهات.

وترأس رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اجتماعاً مشتركاً لمجلس القيادة والحكومة، بحضور أعضاء المجلس ورئيس الوزراء شائع الزنداني، لمناقشة التطورات السياسية والاقتصادية والخدمية، إلى جانب المستجدات العسكرية والأمنية في ظل استمرار تصعيد الحوثيين المدعومين من إيران.

وبحسب الإعلام الرسمي، استمع الاجتماع إلى عروض من رئيس الوزراء ومحافظ البنك المركزي ووزير المالية بشأن مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي والخدمي، والإجراءات المتخذة لتنفيذ القرارات السيادية المتعلقة بمكافحة التهريب وتعزيز الرقابة والسيطرة على المنافذ البرية والبحرية، بما يسهم في تقويض اقتصاد الحرب الذي تديره الجماعة وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها.

وأشاد الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - بجهود الحكومة في إدارة المرحلة الاستثنائية، وانتظام اجتماعاتها من الداخل، وما أظهرته من قدرة في التعامل مع الملفات الاقتصادية والخدمية والأمنية، إلى جانب التقدم المحرز في مسار الإصلاحات والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي.

كما أثنى على تنفيذ قرارات مجلس القيادة الرئاسي وتوصياته لمعالجة الاختلالات في تحصيل الإيرادات العامة، وضمان وصول الدولة إلى مواردها السيادية والوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.

استعادة أدوات الدولة

أعرب الاجتماع اليمني الرئاسي عن التقدير للدعم السعودي، مع تأكيد المجتمعين أن هذا الدعم يمثل رافعة لجهود الحكومة في الوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها صرف رواتب الموظفين وتحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي والتخفيف من المعاناة الإنسانية الناجمة عن الحرب.

وأكد الاجتماع المضي في استعادة أدوات الدولة السيادية، وتعزيز إجراءات الامتثال لنظام العقوبات، وحماية المواطنين والقطاع الخاص وإمدادات الغذاء والدواء والمدخرات والتحويلات المشروعة.

كما أشاد بما وصفه بالانسجام المؤسسي والعمل بروح الفريق الواحد، وحشد الطاقات في المعركة الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء معاناة اليمنيين.

الجيش اليمني يتصدى للهجمات الحوثية على خطوط التماس (إعلام حكومي)

وأفادت المصادر الرسمية بأن الاجتماع اطلع على تقارير من وزيري الدفاع والداخلية حول المستجدات الميدانية ومستوى الجاهزية في مختلف الجبهات، والإجراءات المتخذة لحماية المدنيين والمنشآت السيادية والمصالح الوطنية وردع التهديدات.

وأشاد الاجتماع - بحسب المصادر الحكومية اليمنية - بالكفاءة التي أظهرتها القوات المسلحة والأمن بمختلف تشكيلاتها في التصدي للحوثيين وإحباط مخططاتهم والتنظيمات الإرهابية المتخادمة معهم لزعزعة الأمن والاستقرار.

ونوه بالنجاحات الأمنية والاستخبارية في تتبع وملاحقة عناصر التنظيمات الإرهابية، مشيراً إلى أحدثها، وهي العملية التي نفذتها قوات مكافحة الإرهاب اليمنية والقوات الخاصة المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، وأسفرت عن مقتل متحدث تنظيم «داعش» الإرهابي أبو حذيفة الأنصاري.

جاهزية قصوى

بحسب المصادر الرسمية، وجّه اجتماع القيادة اليمنية بإبقاء الجاهزية العسكرية والأمنية والاستخباراتية عند مستوياتها القصوى، وتعزيز إجراءات الحماية والإنذار المبكر والردع المتكامل.

وفي السياق ذاته، شدد «الرئاسي اليمني» على التنفيذ الصارم للإجراءات المتعلقة بمكافحة التهريب وضبط المنافذ البرية والبحرية والجوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الحكومية والسلطات المحلية، وتفكيك شبكات التهريب والتمويل والإمداد التي تستفيد منها الجماعة الحوثية والجماعات الإرهابية.

مسيرة يستخدمها الجيش اليمني للرد على هجمات الحوثيين (إعلام عسكري)

وأكد مجلس القيادة اليمني أن التهريب يمثل تهديداً مباشراً للأمن الوطني ومصدراً لاستنزاف موارد الدولة وتمويل اقتصاد الجماعات المسلحة، مشدداً على ضرورة التعامل الحازم مع شبكاته ومحاسبة المتورطين فيها، ومن يوفرون لها الحماية أو التسهيلات أياً كانت مواقعهم وصفاتهم.

ووجه المجلس الرئاسي الحكومة بمواصلة تنفيذ الإجراءات المقررة وفق أولويات واضحة وجداول زمنية محددة، تتضمن مستوى الإنجاز والنتائج المحققة والإجراءات التصحيحية اللازمة، بما يعزز مبدأ المسؤولية والمساءلة في تنفيذ القرارات.