شلل في مدارس الجزائر ومحاكمها تنديداً بـ«تمديد العهدة الرابعة»

لعمامرة يؤكد أن الحكومة مستعدة للحوار مع المعارضة... والإبراهيمي يناشد المواطنين عدم استعجال الانتخابات الرئاسية

مسيرة لمعلمات جزائريات في وسط العاصمة أمس (إ.ب.أ)
مسيرة لمعلمات جزائريات في وسط العاصمة أمس (إ.ب.أ)
TT

شلل في مدارس الجزائر ومحاكمها تنديداً بـ«تمديد العهدة الرابعة»

مسيرة لمعلمات جزائريات في وسط العاصمة أمس (إ.ب.أ)
مسيرة لمعلمات جزائريات في وسط العاصمة أمس (إ.ب.أ)

في حين قاطعت كل المدارس الجزائرية والكثير من المحاكم، أمس، العمل، تنديداً برفض الرئيس بوتفليقة التنحي عن الحكم، نفى الأخضر الإبراهيمي، مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا سابقاً، أخباراً تحدثت عن تكليفه بالإشراف على «ندوة وطنية»، تعهّد الرئيس بتنظيمها قبل نهاية العام لتحديد تاريخ رئاسية جديدة، وتعديل الدستور عن طريق استفتاء شعبي.
ونظم الآلاف من أساتذة وموظفي القطاع التعليمي مظاهرات ومسيرات، تلبيةً لنداء بالإضراب والاحتجاج، صدر عن «التكتل النقابي لقطاع التعليم»، الذي تعوّد على شل المدارس في إطار مواجهات طويلة سابقة مع وزارة التعليم. وتجمع بساحة «البريد المركزي» في العاصمة المئات من المنتسبين إلى التعليم، رافعين شعارات تستنكر «مراوغات النظام ومناوراته، التي تهدف إلى الالتفاف على مطالب الشعب». في إشارة إلى رحيل بوتفليقة عن الحكم، وألا يكون له أي دور في ترتيب شؤون السلطة في المرحلة المقبلة.
وكان الرئيس قد أعلن، الأحد الماضي، عن تأجيل الرئاسية التي كانت منتظَرة في 18 من أبريل (نيسان) المقبل، وتعهّد بعدم الترشح لعهدة خامسة. غير أنه أظهر عزماً على البقاء في الحكم، كما أعلن أنه سينظم «ندوة وطنية»، تشارك فيها المعارضة وأحزاب السلطة، بغرض الاتفاق على رئاسية جديدة من دون أن يترشح لها، وعلى مضمون تعديل للدستور. وعُد ذلك بمثابة تمديد لعهدة الرئيس الرابعة، التي تنتهي قانونياً في 28 من أبريل المقبل، على اعتبار أنه أدى القسم الدستوري في نفس التاريخ من عام 2014، إيذاناً يومها ببدء ممارسة فترة رئاسية جديدة.
وتوقفت محاكم قسنطينة وميلة وجيجل بالشرق، عن العمل، وخرج القضاة وكتاب الضبط والمحامون إلى الشارع للتظاهر ضد رفض الرئيس التنحي. كما عبروا عن رفضهم «عودة الحرس القديم»، ممثلاً في وزير الداخلية نور الدين بدوي، الذي عيّنه الرئيس رئيساً للوزراء خلفاً لأحمد أويحيى المرفوض من طرف المتظاهرين، ورمضان لعمامرة وزير الخارجية سابقاً، الذي عُيِّن نائباً لرئيس الوزراء، والأخضر الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق، الذي استنجد به الرئيس في إطار ترتيب جديد للسلطة.
وأوضح الإبراهيمي في مقابلة مع التلفزيون الحكومي، أن ما أُشيع عن أن الرئيس عهد إليه رئاسة «الندوة الوطنية» المنتظرة «غير صحيح». وقال بهذا الخصوص: «أنا لست بحاجة إلى المناصب، ولم يتم تكليفي برئاسة الندوة الوطنية التي دعا إليها الرئيس، الجزائر... أنا عجوز أبلغ من العمر 85 عاماً، وبيروقراطي سابق. لكن من حقي التعبير عن رأيي في الأوضاع التي تعيشها البلاد لأنني مواطن جزائري. البلد مثلما قلت في وضع خطير، يدعو إلى التفاؤل والخوف في الوقت نفسه». مشيراً إلى أن لقاءه مع بوتفليقة بعد عودته السبت الماضي من رحلة علاج إلى جنيف، «كان في إطار زيارة مجاملة». مشدداً على أنه لم يتلقَّ أي دعوة من أي جهة بخصوص ترتيب شؤون البلاد في المرحلة المقبلة. وزاد موضحاً: «لقائي مع الرئيس لم يكن استدعاءات كما ادّعى البعض. افتراء وكذب من يقول إنه يرسل لي طائرات لأظهر في صور مع الرئيس... لقد تحدثت مع الرئيس بوتفليقة ووجدت قواه العقلية سليمة مائة في المائة. وعندما تكلّمت معه كان صوته ضعيفاً جداً، هو لا يستطيع قراءة خطاب، ومن باب الصداقة قلت له أَعِد ما قلت لأنني لا أسمعك جيداً، فكرر ما قال. أؤكد لكم أنه يستطيع تحريك يديه بينما رجلاه عاطلتان». مشيراً إلى أن «كل مَن قال بأن الرئيس مهدد بالموت، أقول له: مَن منّا ليس مهدداً بالموت؟ ليس هناك خطر على صحة الرئيس».
وأثنى الإبراهيمي على المظاهرات الشعبية، التي خرج إليها مئات الآلاف من الجزائريين، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. مبرزاً أن «المسيرات الشعبية أبهرت الداخل والخارج بسلميتها».
ورداً على ذلك، نشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو للإبراهيمي، يعود إلى 2012، ذكر فيه أن جيله وجيل بوتفليقة «انتهى»، وأنه لا بدّ من تسليم المشعل للشباب. أما الصحافي المدوّن عادل صياد، فقد علق على ذلك بقوله: «اليوم في 2019 وبوتفليقة مقعد ومريض، يأتي الإبراهيمي لإنقاذ حكمه ويقول إن عقله سليم مائة في المائة. إنّك تكذب يا سيّد الأخضر الإبراهيمي!».
وبسؤال الإبراهيمي عن تصريحات سابقة لأويحيى، جاء فيها أن مظاهرات الجزائر قد تنزلق بالبلاد إلى ما آلت إليه سوريا، رد الإبراهيمي موضحاً: «ما ذكره أويحيى صحيح. فسوريا بدأت سلمية، قادها عدد من الطلاب. ولكن انظروا للأزمة إلى أين وصلت اليوم، حيث استعمل السلاح بسرعة».
واعتبر الدبلوماسي الأممي السابق أن رفع المتظاهرين شعارات منادية بعدم التدخل الأجنبي «دليل وعي للجيل الجديد، فالتدخل الخارجي حطم البلدان، وبالتالي فإن رد فعل الناس العفوي هو محل فخر». وزاد موضحاً: «ليس لديَّ تصور كامل عن الجمهورية الثانية (يطالب بها المتظاهرون)، لكننا مطالَبون بأن نمشي في اتجاهها بحذر، ونستفيد من تجاربنا السابقة... فالتغيير مطلوب».
وحذر الإبراهيمي من «تحطيم دولتنا كما حُطمت ليبيا وسوريا من قِبل الأجانب. نعم للتغير... ونعم لمحاربة الفساد الموجود. لكن لا لتحطيم البلاد والدولة، يجب علينا البحث عن الأمور التي تستدعي التغيير ونغيّرها. والتغيير الشامل اليوم يجب أن يكون بالسرعة الممكنة، وليس بالسرعة غير الممكنة». مشدداً في هذا السياق على أن «الجزائر في منعرج كبير، والأخطار حقيقية وكثيرة. لكن أيضاً الفرصة ذهبية»، ومحذراً من أنه «يوجد داخل البلد وخارجها مَن يتربص باستقرارها».
من جهته، أكد رمطان لعمامرة، نائب رئيس الوزراء الجزائري، للإذاعة الحكومية، أن الندوة الوطنية ستُعقد وتنتهي قبل نهاية العام الجاري، وأن الحكومة مستعدة للحوار مع المعارضة، وقال بهذا الخصوص: «يمكن أن نخرج بقرارات نهائية خلال الصيف المقبل، والأكيد أن الجميع سيعمل على أن تتم الأمور في أقرب الآجال الممكنة». مبرزاً أنه سيتم إشراك المواطنين في تعديل للدستور من خلال تنظيم استفتاء شعبي.
وعن احتمال عزوف المعارضة عن المشاركة في الندوة الوطنية، قال لعمامرة إنه «متفائل بحماسة كل مكونات المجتمع الجزائري، بمختلف توجهاته، باعتبار أن الندوة قائمة أساساً على لمّ الشّمل لصالح الوطن. وسنعمل على إقناع أكبر عدد ممكن من الجزائريين، بهذه الورشة الوطنية الضخمة».
أما بخصوص مفهوم «الجمهورية الثانية»، فقال لعمامرة إن «الجزائر ستبقى دائماً جمهورية ديمقراطية بأبعادها الثلاثة: الإسلامية والعربية والأمازيغية... ونحن مطالبون على غرار الجيش الوطني الشعبي ومؤسسات الأمن، بالتجنيد لخدمة الوطن، خصوصاً أننا نمر بمرحلة تتطلب منا جميعاً توخي الحذر، واليقظة والالتزام بتنفيذ توجيهات الرئيس بوتفليقة».
بدوره، قال أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش الجزائري ونائب وزير الدفاع، لتلفزيون «النهار»، أمس، إن الجيش سيحافظ على أمن البلاد «مهما كانت الظروف والأحوال». مشدداً على أن «أمن الجزائر وسيادتها أمانة غالية لدى أفراد الجيش».
في غضون ذلك، قال «معهد واشنطن» في دراسة عن أحداث الجزائر، إنه «على الولايات المتحدة أن تستعد لاحتمال استمرار الاضطراب في الجزائر، وأن تعمل بهدوء مع الحلفاء العرب والأوروبيين على حث الجزائر على وضع خريطة طريق موثوقة للخروج من المأزق».
وجاء في الدراسة أيضاً: «على واشنطن أن تأخذ في الاعتبار بشكل مناسب هواجس المحتجّين، كما عليها النظر في توسيع قنوات الالتزام لتشمل المحادثات بين قيادة الولايات المتحدة في أفريقيا (أفريكوم) ورئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، الذي سبق أن تعهد بالحفاظ على استقرار البلد وأمنه».
وأوضحت الدراسة أن «المظاهرات ليست غريبة على الجزائر. ففي السنوات الأخيرة، شهد البلد آلاف الاحتجاجات الصغيرة النطاق حول مسائل محلّيّة مثل الحصول على الإسكان والوظائف. غير أن الموجة الأخيرة هي الأكبر والأوسع انتشاراً منذ سنة 2011، حين اجتاحت مجموعة من الانتفاضات جزءاً كبيراً من الشرق الأوسط، وتمكّنت الجزائر من تفادي الأسوأ من ذلك الصراع، ويعود جزءٌ من السبب إلى ذكريات حربها الأهلية التي دامت لعقد من الزمن في التسعينات، والتي يبدو أنها ثبّطت العزيمة على زيادة التعبئة، وأيضاً إلى إسراع الحكومة في استخدام مواردها لزيادة منافع الرعاية الاجتماعية. لكن لا يبدو أن أياً من الرادعَيْن ينفع اليوم».
مشيرةً إلى أن السبب الرئيسي لانفجار الشارع هو ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، «أما الأسباب الأعمق، فتعود إلى تصلّب النظام السياسي وتدهور الاقتصاد. فمنذ الحصول على الاستقلال من فرنسا في سنة 1962، حكم الجزائر تحالفٌ غامض من القادة العسكريين والمسؤولين الاستخباراتيين ونخب رجال الأعمال والسياسيين. وعلى مر العقود، انبثقت شرعية هذه الفصيلة إلى حد كبير من واقع أن الكثيرين من أعضائها شاركوا في النضال من أجل الاستقلال».
في سياق ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أمس، أنها تأمل أن تجد الجزائر التي تواجه حركة احتجاج غير مسبوقة لنظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تسوية عبر «الحوار الوطني» تضمن «الاستقرار».
وفي بيان للوزارة قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا: «نأمل أن تتم تسوية المشكلات التي تبرز بشكل بنّاء ومسؤول عبر الحوار الوطني». كما أعربت عن الأمل في أن تكون هذه التسوية «موجهة بوضوح نحو ضمان الاستقرار والشروط المواتية لتقدم الجزائر التدريجي على طريق الإصلاحات السياسية والاجتماعية - الاقتصادية في مصلحة كل شعب الجزائر».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.