الابتكار والمعرفة من أجل سلامة الكوكب

توقعات «البيئة العالمية» السادس

جانب من جلسات جمعية الأمم المتحدة العامة للبيئة في نيروبي أمس (أ.ف.ب)
جانب من جلسات جمعية الأمم المتحدة العامة للبيئة في نيروبي أمس (أ.ف.ب)
TT

الابتكار والمعرفة من أجل سلامة الكوكب

جانب من جلسات جمعية الأمم المتحدة العامة للبيئة في نيروبي أمس (أ.ف.ب)
جانب من جلسات جمعية الأمم المتحدة العامة للبيئة في نيروبي أمس (أ.ف.ب)

تقرير توقعات البيئة العالمية السادس «جيو 6»، الذي تم إطلاقه اليوم، قد يكون أبرز حدث في الدورة الرابعة لجمعية الأمم المتحدة العامة للبيئة.
وتعقد هذه الدورة من 11 إلى 15 مارس (آذار) الحالي، في مقر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) في نيروبي، بمشاركة نحو 200 دولة، تحت شعار «حلول مبتكرة للتحديات البيئية ومن أجل الاستهلاك والإنتاج المستدامين».
ومنذ صدور التقرير الأول سنة 1997، حصل تحسُّن في بعض المجالات، حيث أمكن تحديد المشكلات جيداً، وتمت إدارتها بفضل الحلول التشريعية والتقنية المناسبة. لكن التقرير الجديد يُظهر استمرار تراجع الوضع العام للبيئة عالمياً خلال السنوات الثلاثين الماضية، نتيجة عوامل عدة، من بينها أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة وتغير المناخ.
يحمل تقرير توقعات البيئة العالمية السادس عنوان «كوكب معافى، ناس أصحاء»، وقد جاء نتيجة عملية تشاورية وتشاركية لإعداد تقييم مستقل عن حالة البيئة ومدى فاعلية السياسات المتبعة لمواجهة المخاطر التي تهدد كوكب الأرض، ويهدف لتوفير معلومات قائمة على الدلائل والمؤشرات لمساعدة المجتمعات وصانعي القرار. وعمل على التقرير، الذي جاء في 750 صفحة، أكثر من ألف باحث وعالم لفترة خمس سنوات.
* حان وقت العمل
يشير تقرير «جيو 6» إلى أن اتجاهات الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة تحت تأثير النمو السكاني، إلى جانب غياب المساواة نتيجة فوارق واسعة في الناتج المحلي من منطقة إلى أخرى، تهدد سلامة كوكبنا وتضع التنمية المستدامة على المحك. وتؤدي هذه الاتجاهات إلى تراجع البيئة العالمية بمعدلات غير مسبوقة، وتنذر بعواقب وخيمة على المجتمعات الفقيرة والمناطق المهمشة.
ويواجه البشر مجموعة من التحديات المصيرية نتيجة استغلال الموارد الطبيعية، بما فيها المياه العذبة، بشكل مفرط. ويزداد الأمر سوءاً مع التلويث المستمر والإدارة غير السليمة التي لا تراعي متطلبات الاستدامة والتحول إلى السكن في المدن بشكل غير مسبوق، حيث من المتوقع أن يرتفع عدد سكان المدن في العالم إلى 66 في المائة بحلول عام 2050. علما بأن نحو 30 في المائة من سكان المدن حالياً لا يحصلون على الخدمات الأساسية أو الحماية الاجتماعية.
ووفقاً للتقديرات الحالية، تسببت غازات الدفيئة في إدخال العالم ضمن حقبة متواصلة عنوانها «التغير المناخي»، مما سيؤدي إلى مضاعفة وزيادة المخاطر البيئية والاجتماعية التي تطال النظم البيئية وصحة الإنسان. ومن أبرز هذه المخاطر تعريض جميع المدن الساحلية والدول الجزرية الصغيرة للغرق بفعل ارتفاع منسوب مياه البحر، إلى جانب الأضرار التي تتسبب بها العواصف المتطرفة.
ومن المتوقع أن يستمر تلوث الهواء كأحد أكبر المخاطر على صحة البيئة، حيث يتسبب بوفاة ما بين ستة وسبعة ملايين شخص سنوياً، إلى نهاية منتصف القرن الحالي.
كما يتراجع التنوع الحيوي بشكل كبير نتيجة تغير استخدامات الأراضي وتجزئة الموائل والإفراط في الصيد وانتشار الأنواع الغازية، إلى جانب الضغوط الكبيرة التي يفرضها التلوث وتغير المناخ. علما بأن 42 في المائة من اللافقاريات الأرضية و34 في المائة من اللافقاريات في المياه العذبة و25 في المائة من اللافقاريات البحرية تعد مهددة بالانقراض حالياً.
ويوصي التقرير بإيلاء اهتمام خاص وعاجل لمشكلة النفايات البلاستيكية، لا سيما في الأوساط المائية، نظراً لتأثيرها المحتمل على النظام البيئي البحري وصحة الإنسان، حيث لا تزال هناك فجوة معرفية حول حجم هذا التأثير. وتلعب المحيطات دورا مهما في الاقتصاد العالمي، إذ تنتج المصايد والمزارع السمكية حالياً ما قيمته 252 مليار دولار سنوياً.
ومن ناحية أخرى، يتوقع التقرير أن تصبح العدوى المقاومة للمضادات الحيوية أحد الأسباب الرئيسية للوفاة بفعل الأمراض المعدية في جميع أنحاء العالم بحلول سنة 2050. وللحد من هذه المشكلة، يقترح التقرير توفير تقنيات معالجة المياه العادمة ذات التكلفة المعقولة على نطاق واسع، لإزالة بقايا المضادات الحيوية. وقد يكون للاستثمار في التقنيات الجديدة، بما فيها أنظمة إزالة التلوث عند المصدر، وإتاحتها للبلدان النامية، فوائد مهمة تعود بالنفع على الجميع.
ولا تزال الآثار الضارة للاستخدام غير الملائم لمبيدات الآفات والمعادن الثقيلة والمنتجات البلاستيكية ومواد أخرى مصدر قلق كبير. علاوة على ذلك، من المحتمل أن تمتد لأجيال تأثيرات المواد الكيميائية المسببة للسمية العصبية، وتلك التي تؤدي إلى خلل في عمل الغدد الصماء.
* كيف نصحح المسار؟
كثيراً ما تتجاوز التكاليف الاجتماعية والاقتصادية لعدم العمل تكاليف العمل ذاته، وغالباً ما تتحمل فئات المجتمع الأفقر والأكثر ضعفاً معظمها، خاصة في البلدان النامية.
كمثال على ذلك، يؤكد تقرير «جيو 6» أن الفوائد الصحية لتقليل انبعاثات غازات الدفيئة وملوثات الهواء تفوق تكاليف الإجراءات التلطيفية التي تستهدف النتائج لا الأسباب. وينتج عن تقليل الانبعاثات تحقيق أهداف المناخ وجودة الهواء وتحسين صحة الإنسان وزيادة الإنتاج الزراعي والحد من فقدان التنوع الحيوي.
وفي حين شهد العالم تضاعف القوانين البيئية خلال السنوات القليلة الماضية، فإن تبني سياسة بيئية محددة لا يعد نهاية المطاف ما لم يتم اتخاذ تدابير غير مسبوقة من جانب الحكومات وأصحاب المصلحة، تشمل جميع القطاعات، لمواجهة التحديات بشكل منهجي وإلزامي يضمن تحقيق التنمية المستدامة اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً.
وينبغي أن تحقق التحولات البيئية المنظمة العدالة بين الفئات المختلفة، وتحترم المساواة بين الجنسين، مع تحديد التأثيرات المتباينة على النساء والرجال، وتكون مرنة تجاه المخاطر الاجتماعية التي قد تنطوي عليها.
ويجب ألا يتعارض السعي لاستدامة الإنتاج والاستهلاك مع مراعاة متطلبات الصحة العامة والحد من استخدام الموارد وضمان الكفاءة والثبات على المبدأ وأنماط الحياة المستدامة، فضلاً عن التمسك بأهداف الإدارة التي تراعي النظم الإيكولوجية وتستفيد من المعارف والخبرات المحلية.
* إدارة الابتكار: الابتكار في الإدارة
يشير التقرير إلى وجود حاجة ماسة للابتكار من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والوصول إلى كوكب معافى وناس أصحاء بشكل تشاركي ومتبادل.
وتعتبر نظم الغذاء والطاقة والنقل والبنى الحضرية من بين نظم الإنتاج والاستهلاك التي تتطلب إدارة مستدامة وسياسات فاعلة تجمع بين العناية بالبيئة وتوظيف الابتكار. ويمكن للابتكارات العميقة والمتخصصة والتقنية أن تحقق الاستدامة في هذه النظم، إلى جانب توسيع نطاق الممارسات المستدامة التي أثبتت جدواها من خلال التجربة والاختبار.
وفي حين يمثل الابتكار جزءاً من الحل، فإنه في المقابل قد يؤدي إلى مخاطر جديدة ذات تأثيرات بيئية سلبية. وفي هذه الحالة يمكن للمقاربات الوقائية المستندة إلى العلم أن تقلل من هذه المخاطر، لا سيما التي تخلف آثاراً لا رجعة عنها.
إن البلدان والبلديات والمؤسسات والجهات المعنية الأخرى، التي تشجع الابتكار التقني وتعيد ترتيب الأولويات لصالح الاستفادة من الطاقة المتجددة وخفض انبعاث غازات الدفيئة وتعزيز الكفاءة في إدارة الموارد، تحظى عادة بمزيد من الفرص التنافسية في الاقتصاد العالمي.
وكلما كانت الرؤية أقل وضوحاً كانت هناك حاجة لوجود تحالفات بين مختلف المؤسسات، بما فيها الجهات الحكومية وقطاع الأعمال والمجتمع المدني والمؤسسات البحثية، للاتفاق على المسارات المحتملة لتحقيق التحول المنشود.
ويمكن تطوير كثير من المشروعات الخلاقة في المناطق الحضرية والريفية وإعادة تطبيقها في أماكن مختلفة، ما سيساعد بشكل جماعي على تحقيق أهداف التنمية المستدامة والاتفاقات البيئية المتعددة الأطراف والغايات البيئية ذات الصلة المتفق عليها دولياً.
* المعرفة من أجل الاستدامة
ويوصي تقرير جيو 6 بأن تكفل نماذج إدارة الاستدامة الجديدة توفير استثمارات كافية في المعرفة، وأن تعمل على بناء شبكة رصد متفق عليها من قبل المجتمعات والمؤسسات العلمية لتجنب أي أضرار أو تكاليف غير ضرورية.
وعلى الرغم من أن رصد البيانات على أرض الواقع لا يزال أمراً ضرورياً، فإن تدفق المعلومات البيئية عن طريق الأقمار الاصطناعية سمح باتخاذ إجراءات أسرع في جميع أنحاء العالم من أجل مواجهة الأحوال الطارئة كأحداث الطقس المتطرفة.
ويمكن الإفادة من أنظمة الاستشعار عن بعد لاستكشاف المزيد من المعطيات وجمعها، مع الأخذ بعين الاعتبار تعزيز الوصول الحر إلى البيانات والمعلومات والمعرفة بشكل عام من أجل تحسين تقييم السياسات ومراقبة مدى التقدم المنجز.
كما توجد حاجة لبذل جهد أكبر في مجال المحاسبة البيئية لضمان إدراج تكاليف الإصحاح البيئي في صنع القرار الاقتصادي لتحقيق الاستدامة. ومن المتوقع أن يؤدي تسخير ثورة البيانات والمعرفة المتواصلة في ضمان صحة المعطيات وصلاحيتها لدعم التنمية المستدامة وتعزيز القدرات على مواجهة التحديات والتعجيل بتحقيق التقدم المنشود.

* يُنشر بالتعاون مع مجلة «البيئة والتنمية»


مقالات ذات صلة

ارتفاع حصيلة الإجلاءات تحسباً لفيضانات إلى أكثر من 140 ألفاً في المغرب

شمال افريقيا جانب من الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير شمال المغرب (إ.ب.أ)

ارتفاع حصيلة الإجلاءات تحسباً لفيضانات إلى أكثر من 140 ألفاً في المغرب

تجاوزت حصيلة عمليات الإجلاء بسبب فيضانات شمال غربي المغرب  140 ألف شخص حتى صباح الخميس وفق ما أعلنت وزارة الداخلية بينما يتوقع أن يستمر هطول الأمطار

«الشرق الأوسط» (الرباط)
المشرق العربي جنديان من الجيش اللبناني بموقع عسكري بقرية علما الشعب جنوب لبنان في نوفمبر 2025 يراقبان موقع حانيتا الإسرائيلي وموقع لبونة إحدى التلال الخمس التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية منذ أكثر من عام (أ.ب)

«الأورومتوسطي»: رشُّ إسرائيل مواد كيميائية في سوريا ولبنان «جريمة حرب»

اعتبر المرصد الأورومتوسطي أن رش إسرائيل مواد كيميائية في سوريا ولبنان يعدّ جريمة حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي رئيس الدورة الحالية للمجلس المهندس عبد الرحمن الفضلي خلال أعمال المجلس الوزاري لمبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» (واس)

السعودية تؤكد أهمية توحيد الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم

أكَّدت السعودية أهمية توحيد الجهود الدولية وتعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات البيئية حول العالم، بما يُسهم في إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
بيئة محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
آسيا الثلوج والأمطار الغزيرة في أفغانستان  (أ.ب)

الثلوج والأمطار الغزيرة في أفغانستان تودي بحياة 61 شخصاً في 3 أيام

أودت الثلوج والأمطار الغزيرة بحياة 61 شخصاً في أفغانستان خلال الأيام الثلاثة الماضية حسبما أعلن مسؤولون في إدارة الكوارث السبت، مع انقطاع الكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كابول)

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».