قصف جوي مفاجئ في طرابلس يشعل الجدل في ليبيا

مصادر ليبية لـ «الشرق الأوسط» : الطائرات التي قصفت أقلعت من قاعدة محلية

قصف جوي مفاجئ في طرابلس يشعل الجدل في ليبيا
TT

قصف جوي مفاجئ في طرابلس يشعل الجدل في ليبيا

قصف جوي مفاجئ في طرابلس يشعل الجدل في ليبيا

رجحت مصادر ليبية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن تكون الطائرات التي قصفت بشكل مفاجئ مساء أول من أمس عدة مواقع عسكرية في العاصمة الليبية طرابلس، قد انطلقت من قاعدة الوطية الجوية التي تقع على بعد 170 كيلومترا جنوب غربي طرابلس.
ونقل مسؤول ليبي لـ«الشرق الأوسط» عن ضباط في الجيش الليبي ومصادر عسكرية أخرى تأكيدها على أن الطائرات التي هاجمت مواقع تابعة لميليشيات مصراتة وبعض حلفائها، التي تسعى للسيطرة على مطار طرابلس الدولي، خرجت من القاعدة التي تردد قبل بضعة أيام أنها باتت خاضعة لسيطرة عسكريين موالين للواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود «الجيش الوطني الليبي» في حرب مفتوحة ضد المتطرفين في مدينة بنغازي بشرق ليبيا.
وأوضح المسؤول، الذي طلب عدم تعريفه، أن القصف شمل معسكرات لـ«مصراتة» و«غريان» و«درع ليبيا الغربية» و«درع ليبيا الوسطى»، وكلها تابعة لقوات ما باتت تعرف باسم «عملية فجر ليبيا» أو «قسورة» التي تشنها منذ 13 يوليو (تموز) الماضي، ميليشيات مصراتة وحلفاؤها من التيار المتشدد ضد ميليشيات الزنتان التي تتولى حماية مطار طرابلس.
وأكد المكتب الإعلامي لـ«عملية فجر ليبيا» صحة هذه المعلومات، وقال أمس عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «تأكدنا بما لا يدع مجالا للشك أن الطائرة أقلعت من قاعدة الوطية الجوية الواقعة شمال غرب ليبيا»، لافتا إلى أن القوات التي أغارت فعلت ذلك بإيعاز من حفتر الذي وصفته بـ«مجرم حرب تشاد الانقلابي، وبمباركة ومساعدة ميليشيات (القعقاع) و(الصواعق) المنهزمة على الأرض في طرابلس ومحيطها». وأضاف: «سلاح الجو لم يكن يوما ليحسم الأمور على الأرض، بل القوات البرية التي ستدخل على العصابات المتحصنة في كل مكان».
ونفى المكتب نفيا قاطعا مزاعم عن أن الطائرات فرنسية وإيطالية، مضيفا: «هذا ما نفاه لنا السفير الإيطالي والفرنسي وأيضا ما نفاه حلف شمال الأطلنطي (الناتو) نفسه».
وقال مسؤول أميركي ومصدر أمني مصري، طلبا عدم ذكر اسميهما، إن بلديهما لم يشاركا في ذلك، بينما أعلن مسؤول بالحلف أنه «لا توجد طائرات مقاتلة تحت قيادة الحلف في العمليات فوق ليبيا».
وفى السياق نفسه، نفى طارق متري، رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أي مشاركة للأمم المتحدة في القصف الجوي، وقال في تصريحات صحافية إن الأمم المتحدة أجرت اتصالات بكل من إيطاليا وفرنسا فور سماع أنباء عن القصف الجوي، وإن الدولتين نفتا مشاركتهما في القصف الجوي.
وشدد متري على أن الأمم المتحدة ليست لديها أي نية للتدخل العسكري في ليبيا، وأنها تدين كل أشكال التصعيد العسكري بالبلاد.
من جهته، نفى السفير الإيطالي لدى ليبيا قيام أي من الطائرات الإيطالية بقصف طرابلس، مؤكدا أن بلاده تقف على المسافة نفسها من كل الأطراف، وفقا لما بثته وكالة الأنباء الليبية.
ويأمل بعض سكان طرابلس الذين يشتكون من انقطاع التيار الكهرباء والإمدادات الغذائية، أن يتدخل حلف «الناتو» في ليبيا مثلما فعل في عام 2011 عندما أرسل الحلف طائرات لقصف قوات العقيد الراحل معمر القذافي لدعم الانتفاضة التي أطاحت به.
من جهته، قال «الجيش الوطني الليبي» في بيان أصدره أمس: «نسور الجو الليبيون على متن قاذفات من سلاح الجو بعيدة المدى من طراز (سوخوى 23) بعد أن تم إدخالها للخدمة من جديد، قاموا بتنفيذ ضربات جوية دقيقة ومكثفة تخص ميليشيات (فجر ليبيا) لإسكات نيرانها التي تطال المدنيين»، عادّا أن هذه الغارة بمثابة رد على القصف المستمر والعشوائي من هذه الميليشيات «التي تستهدف شعبنا في العاصمة وضواحيها، واستجابة لنداء شعبنا ونوابه».
وأوضح البيان أن «الطيارين أفادوا بتوجيه ضربات مؤثرة أدت إلى تدمير كل المواقع المستهدفة وإسكات نيرانها»، محذرا «ميليشيات (فجر ليبيا) من مغبة معاودة القصف مجددا على طرابلس وضواحيها». وهدد في هذه الحالة بأن «قائمة منتقاة حول قواعد انطلاقهم ومصادر إمدادهم، سيتم قصفها وتدميرها بالكامل».
من جهته، قال صقر الجروشي، قائد الدفاع الجوي لجيش حفتر، إن قوات ليبية موالية لحفتر هي المسؤولة عن هذه الضربات الجوية، وقال في تصريح مقتضب إن عملية «الكرامة»، وهي الحملة التي يشنها حفتر ضد الإسلاميين، تؤكد أنها نفذت ضربات جوية على بعض مواقع ميليشيات مصراتة.
لكن العقيد محمد حجازي، الناطق الرسمي باسم جيش حفتر، امتنع عن التعليق عندما سئل عما إذا كانت طائراته هي التي هاجمت أهدافا في طرابلس، وقال إنه ليس ليه أي تعليق في الوقت الراهن.
في المقابل، قال بيان منسوب لرئاسة هيئة أركان القوات الجوية إن الضربات الجوية التي استهدفت منطقة وادي الربيع جنوب طرابلس نفذها طيران أجنبي وليس محليا، مؤكدا أنه جرى باستخدام قنابل موجهة في هذا القصف ليست موجودة في ليبيا التي تفتقد أيضا إلى طائرات قادرة على استخدام هذا النوع من القنابل.
وأضافت الهيئة في البيان الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أنها تستبعد أن تكون الطائرات قد انطلقت من مطارات محلية، نظرا لعدم وجود مطارات قادرة على الاستخدام ليلا أو لها إمكانات تزويد الطائرات بالوقود.
واستبعد البيان أن تكون الطائرات المهاجمة قد انطلقت من المنطقة الشرقية دون التزود بالوقود، أو من قاعدة الوطية لأن مهبطها خارج الخدمة ولا تتوافر بها إمكانات تزويد الطائرات بالوقود.
ولفت البيان إلى أن صوت الطائرات المنفذة للعملية هو صوت طائرة نفاثة، حلقت على ارتفاع يتراوح بين 7 و8 كيلومترات، وأنها استغرقت نحو ساعة وربع في تنفيذ مهمتها، مشيرا إلى أن استهداف أكثر من موقع يدل على أن الطائرات المستخدمة أكثر من واحدة، وأن استهداف أكثر من هدف من مسافة بعيدة تتراوح بين 10 كيلومترات و15 كيلومترا يدل على أنها استخدمت قذائف ذكية موجهة.
وطلب البيان من الحكومة ووزارتي الخارجية والدفاع الاتصال بالدول المجاورة التي قد تكون استخدمت أجواؤها في عبور هذه الطائرات التي اعتدت على السيادة الليبية وقامت بقصف أهداف على الأراضي الليبية.
ولم ترد أي تفاصيل من مصدر رسمي عن تحليق الطائرات الذي يتزامن مع مواجهات بين كتائب الزنتان (غرب) المتحالفة مع «الوطنيين» والتي تلقى تأييد حفتر، وكتائب مصراتة (شرق طرابلس) المتحالفة مع الإسلاميين للسيطرة، على جسر يعد منفذا إلى المطار يقع في جنوب طرابلس خاضع لميليشيات الزنتان.
وفي أول رد فعل لها، قالت الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني إنها لا تعرف حتى الآن الجهة التي شنت القصف الجوي على مواقع الميليشيات في طرابلس، وأضافت في بيان لها أنها «لا تملك في الوقت الحاضر أي أدلة قاطعة تمكنها من تحديد الجهة التي كانت وراء القصف».
وأوضح البيان أنه في الساعات الأولى من صباح أمس قامت طائرتان مجهولتا الهوية، بالإغارة على أهداف مسلحة تابعة للأطراف المتناحرة في ضواحي مدينة طرابلس، مشيرا إلى أن الحكومة طلبت من رئاسة الأركان، وإدارة الاستخبارات العسكرية، فتح تحقيق وتقديم ما لديها من معلومات بهذا الخصوص. وحمّلت حكومة الثني الأطراف المتناحرة والمتقاتلة، التي ترفض الانصياع لأوامر الشرعية، المسؤولية الكاملة عن تعرض أرواح وأموال الليبيين للتدمير.
وقالت الحكومة إنها قامت أيضا بالاتصال بعدد من «الدول الصديقة» للغرض ذاته، وطلبت الحكومة من الأطراف المتناحرة، وقف الاقتتال والقبول بالحلول والحوار، والانسحاب من العاصمة ومن المدن الليبية الأخرى، والانخراط في العمل مع الشرعية «لبناء الوطن ومؤسساته باعتبار ذلك الطريقة الوحيدة لحماية وحفظ أمن المواطن المنتهك ومقدرات البلاد».
وقال سكان في طرابلس إن طائرات حربية مجهولة حلقت قبيل فجر أمس فوق طرابلس حيث سمع دوي انفجارات في المدينة التي تشهد مواجهات مسلحة بين ميليشيات متناحرة.
وحلقت أولى هذه الطائرات في نحو الساعة 2.00 بالتوقيت المحلي، حيث سمع السكان دوي انفجار قوي دون التمكن من التعرف على الطائرات، لكن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن شاهد عيان قوله إن «الانفجارات كانت تسمع بوضوح في أحياء شرق طرابلس» على بعد نحو 15 كلم عن وسط المدينة.
وقصفت الطائرات مواقع عسكرية على الطريق الرابط بين وادي الربيع وقصر بن غشير جنوب طرابلس، حيث قالت تقارير محلية إن 10 مصابين على الأقل نقلوا إلى مركز طرابلس الطبي.
إلى ذلك، حثت جمعية الهلال الأحمر الليبي جميع الأطراف المتنازعة في طرابلس وبنغازي، على وقف إطلاق النار فورا حقنا لدماء الليبيين، وتجنيب المرافق والمؤسسات والبنية التحتية مزيدا من الدمار.
ودعت الجمعية في بيان لها جميع الأطراف إلى عدم الاعتداء على عناصرها، وضمان وصول متطوعيها إلى من يحتاجون للمساعدة بشكل آمن، ودون عوائق، ونقل الجرحى وإجلاء العالقين.
وبعد 3 أعوام من إنهاء حكم القذافي، فإن جهود ليبيا الهشة في السير نحو الديمقراطية، قريبة من الفوضى، فيما أدى القتال على مدى شهر في طرابلس وبنغازي إلى مزيد من الاستقطاب للفصائل السياسية والميليشيات المتحالفة معها.
ولا تملك حكومة ليبيا الضعيفة جيشا وطنيا عاملا، وليست لها سيطرة تقريبا على طرابلس، ويعمل معظم المسؤولين من مدينة طبرق في أقصى شرق البلاد حيث انعقد البرلمان الجديد هربا من العنف.
واندلع معظم القتال بسبب المطار الدولي في طرابلس الذي يسيطر عليه مقاتلون من الزنتان منذ أن اقتحموا العاصمة خلال حرب 2011.
وأجبرت المعارك الأمم المتحدة والحكومات الغربية على إجلاء دبلوماسييها مخافة أن تنزلق ليبيا إلى حرب أهلية.



تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.


غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.